الليل خلص في المستشفى، بس ما خلّاش الوجع يخلَص. صوت الأجهزة في الغرفة كان شبه أنفاس حد بين الحياة والموت. "بيب… بيب…" كل نغمة كانت زي نبضة قلب ياسر، اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها، إيده ماسكة إيدها كأنه ماسك خيط روحه. سارة نايمة، وشها شاحب، وشعرها واقع على خدها، والكلمة اللي مكتوبة على جهازها "مستقرة"، لكن قلب ياسر مش مصدّق كلمة في الدنيا. من وقت ما وصلوا ما اتحركش، ولا شرب مية، ولا نطق إلا بدعاء بينه وبين نفسه.
روان كانت واقفة عند الباب، بتبصّ عليهم من بعيد. وشها فيه دموع مكسوفة، دموع واحدة بتحبّهم الاتنين كأنهم جزء من قلبها. الساعة كانت خمسة الفجر. هدوء تام، بس هدوء مش مريح، هدوء اللي يخليك تسمع دقات قلبك بوضوح وتخاف منها. أول حركة... إيد سارة اتحركت حركة خفيفة. ياسر رفع راسه بسرعة، صوته طالع بين رجفة وفرحة: "سارة؟ حبيبتي؟ إنتِ سامعاني؟ رمشت بعينيها ببطء، كأنها راجعة من سكة طويلة. نظرتها وقعت على وشه،
إبتسامة صغيرة كسرت التعب: "ياسر… (صوتها ضعيف قوي) ، كنت هنا طول الليل؟ ضحك بمرارة تعب وحب: "أنا لو بعدت ثانية كنت أموت من الخوف." سارة حاولت ترفع إيدها تمسح على وشه، بس السلك المتصل بجهازها شدّها، بصّت له بعيون حزينة: "مش عايزاك تشوفني كده. أنا اللي دايمًا كنت بحضنك، مش اللي تبصّ عليا وأنا نايمة على سرير." ياسر مسك إيدها بإيده التانية وقال بهدوء: "إنتِ دايمًا حضني، سواء واقفة، نايمة، أو حتى ساكته."
عينها دمعت، مش من وجع، من امتنان. كانت بتشوفه جوا عينه خوف راجل، بس كمان حب مايتقاسش. دخلت روان بهدوء، شايلة معاها كوباية عصير وابتسامة دافية: "صباح الخير يا أميرة الشجاعة." سارة حاولت تضحك: "شكلي عامل كده فعلاً؟ قالت وهي بتبص في المراية الصغيرة اللي في الحيطة. قربت منها، لمست شعرها بلطف: "شكلك واحدة حاربت كتير ولسه واقفة." ياسر وقف جنبهُم. وقال بصوت مش قادر يخبي رعشته:
"الدكتور قال محتاجين نعمل تحاليل تاني النهارده، وتفضل تحت الملاحظة 48 ساعة كمان." سارة أومأت برأسها: "أنا موافقة.. بس بشرط." "شرط إيه؟ قالها وهو خايف من الجواب. "ما تبعدوش عني لحظة. وجودكم بيطمن قلبي أكتر من أي دوا." بصتلها بعين فيها دموع: "وعد مش هسيبك." لحظة وحدة. بعد ما خرج ياسر يكلم الدكتور، روان قعدت على الكرسي جنبها. سارة بصتلها نظرة مختلفة فيها هدوء غريب. مش خوف المريض، هدوء اللي بيستعدّ من جوّا، وقالت:
"روان…" "نعم يا حبيبتي؟ "إنتِ عمرك فكّرتِ لو ربنا أخدك فجأة، إيه اللي ممكن يسيبك مطمنة؟ اتفاجئت، إتنهدت وقالت بخوف بسيط: "ليه بتسألي كده؟ ابتسمت: "يمكن علشان الحلم اللي رجع لي تاني امبارح. شايفاه بيقرب كل يوم أكتر." لمست إيدها بسرعة: "بُصيلي.. إنتِ هتعيشي، ومش هتتكلمي بالنغمة دي تاني. الحلم مجرد كابوس، والواقع في إيد ربنا مش في حلم." ضحكت، بس دموعها نزلت رغم عنها:
"عارفة، بس ساعات القلب بيحس بحاجة قبل ما تحصل. أنا مش بخاف من النهاية يا روان، أنا بخاف أسيب اللي ورايا لوحدهم." حطت إيدها على خدها: "اللي بتحبيهم مش هيفضلوا لوحدهم، لأنك زرعتِ فيهم حبّك، وهو عمره ما بيموت." بصت في عنيها، وفي لحظة سكون طويلة قالت كلمة واحدة، همستها كأنها وعد: "لو حصل.. إوعي تسيبيهم." ابتسمت رغم رعشة جواها: "إنتِ بتتكلمي كأنك رايحة مشوار وترجعي. هتروحي وتيجي، بس مش هتروحي منهم."
هزّت راسها وغمضت عنيها، وهمست بدعاء بسيط: "يا رب، لو كتبت الوجع.. أكتب معاه رحمة. ولو كتبت النهاية.. أكتب فيها طمأنينة للي بحبّهم." بعد ساعات... الدكتور دخل الغرفة، بصّ في الورق، ثم قال لياسر اللي واقف جنبه: "الحالة مستقرة مؤقتًا. لكن الجسم مرهق جدًا، محتاج راحة تامة ورقابة دقيقة." قال بهدوء: "يعني هتفضل هنا؟ "على الأقل أسبوع. وأي ضغط نفسي لازم نتجنبوا تمامًا." ابتسمت: "يعني خلاص، حبس انفرادي برعاية طبية؟ ابتسم:
"بلغة المرضى الشُطار.. بالظبط كده." خرج الدكتور، وبقي ياسر واقف يبص لها من بعيد، كأن عينه بتحاول تحفظ ملامحها. قرب منها، مدّ إيده ومسح على شعرها: "إرتاحي.. أنا مش رايح الشغل غير لما أسمع ضحكتك." قالتها وهي بتغمض عنيها: "طيب لو اتأخرت؟ ضحك: "مش هتتأخري، لأنك وعدتيني نحارب سوا."
الساعة عدّت تسعة بالليل. المستشفى هادية، والممرات شبه حلم طويل. سارة نايمة ووشها رايق رغم التعب. روان قاعدة جنبها، بتكتب في مفكرة صغير ملاحظات للدكتور. لكن لما رفعت عينها على وش سارة.. شافت نظرة شبه ابتسامة، نظرة اللي بدأ يفكر في البُعد.. من غير ما يقول. همست لنفسها وهي تمسك إيدها: "يا رب، ما تكونش دي بداية الوداع. لسه بدري على النهاية.. بدري أوي."
وسارة، حتى وهي نايمة، دمعة صغيرة نزلت من طرف عينها. كأن قلبها سامع الكلام من غير ما يصحى. النهار كان بيغرب، والشمس بتسيب لونها على الحيطان البيضاء في غرفة سارة. روان كانت قاعدة جنبها، عينها مش على الساعة ولا على التليفون اللي في الجيب، كانت مركّزة في وش سارة اللي بدأ يهدأ شوية بعد الإغماء. صوت خافت طلع من الباب، الممرضة دخلت بهدوء: "فيه مكالمة ليك يا أستاذة روان، على تليفون الاستقبال، من ست إسمها "منى"."
قامت بسرعة، خرجت برا الغرفة وهي تمسح على شعرها علشان ما تصحيش سارة. مسكت السماعة في ركن الاستقبال: "ألو! ماما؟ صوت والدتها جاي فيه قلق ووراه صوت بنت صغيرة بتتكلم: "يا بنتي، البنت مش عايزة تنام، بتعيط وبتسأل على مامتها." قالت بسرعة: "هاتيها، خليني أكلمها شوية." جاء صوت ملك من الطرف التاني، متردد وطفولي: "خالتي روان.. ماما كويسة؟ بابا بيقول بتنام كتير. هي مش عايزاني أشوفها؟ زعلت مني؟ بلعت ريقها بالعافية وقالت بحنان:
"لا يا حبيبتي، ماما بتحبك قوي، بس تعبانة شوية وبتاخذ دوا. هي قالت لي تبقي ترسمي لها رسم حلو زي كل مرة، علشان تفرح بيه." بصوت صغير: "طيب قوليها إن قلبي وحشها." الكلمة وجعت روان من جوّا: "هقولها، يا حبيبتي، دلوقتي حالًا. خليكي شجاعة زي ماما، ماشي؟ "ماشي." حطت روان السماعة وهي تمسح دمعتها بإيدها، ورجعت الغرفة بخطوات بطيئة. سارة كانت فايقة نص فايقة، بصت لها بابتسامة واهية: "كانت ملك؟ قربت منها، جلست جنب السرير وقالت:
"آه، كانت بتسأل عليكِ، وقالتلي أقولك إن قلبها وحشك." دمعت وهي تبتسم: "عشان كده مش عايزة أشوفها دلوقتي، مش عايزاها تشوفني كده، ووشي شاحب وأنا على السرير. ملك شايفاني بطلة، والبطلة ما تقعش قدام بنتها." مسكت إيدها وقالت بلطف: "الأبطال بيتعبوا برضو، بس الفرق إنهم بيقوموا تاني، وإنتِ هترجعي تقومي، علشانها." غمضت عنيها وقالت بخفوت: "نفسي أشوفها وهي بتضحك من غير ما تشوف الدموع في عيني."
في الدور التاني من المستشفى، ياسر كان قاعد في الكافيتيريا، تعبان ومش قادر يبلع لقمة، ولما الموبايل رنّ وشاف الإسم … إتنهد: "أمي" ردّ: "أيوه يا أمي." صوت قدريه عالي ومتحفّز كعادته: "سمعت إن مراتك في المستشفى، إيه اللي حصل يا ابني؟ "تعب بسيط، يا أمي، ومش محتاج قلق." "تعب بسيط وإنت قاعد هناك من امبارح؟ ما تضحكش عليا، قول الحقيقة." "يا أمي، والله الدكتور قال ترتاح شوية بس." قالت بسرعة: "خلاص، أنا وسلوى جايين نزورها."
"لأ يا أمي، بلاش تيجوا دلوقتي، سارة محتاجة هدوء." "وأنا غريبة عنها؟ أنا حماتها، وجاية أطمن بعيني." وقبل ما يكمّل، كانت قافلة المكالمة. ياسر ضرب بكفه علي جبينه وقال: "اللهم ألطف، بس." بعد ساعتين تقريبًا، الباب اتفتح فجأة، قدريه داخلة بعبايتها الغامقة، وسلوى بنت خالته، لابسة فستان ضيق وريحتها عطر نفاذ. روان وقفت بسرعة: "يا طنط، سارة لسه فايقة من الإغماء، خلي الصوت واطي شوية، لو سمحتِ." رفعت حاجبها:
"ما أنا جاية أطمن مش أزعق." بصت على سارة وقالت بصوت شبه رسمي: "الحمد لله على السلامة يا سارة." "الله يسلمك يا طنط." قربت، إبتسامة خفيفة على وشها: "يا ريت تطمنينا، الناس بتقول كلام كتير. ها، هو المرض الوحش؟ الصمت خيّم. سارة عضت على شفايفها من الإحراج. روان وقفت فورًا وقالت بصوت واضح: "ممكن تطلعي برّه الغرفة، يا سلوى." اتفاجئت: "نعم؟ أنا بس بسأل." "بس سؤالك وجّعها. إطلعي لو سمحتِ قبل ما أحرجكك وسط الناس." اتدخلت بسرعة:
"إيه الكلام ده؟ بتكلمي بنت أختي كده ليه؟ بصوت ثابت: "لما تزوري مريضة، المفروض تقوليلها “حمدالله على السلامه ؟ ” مش “هو ده المرض الوحش؟ ”." سارة حاولت تهدي الموقف بصوت متعب: "خلاص يا روان، سيبيهم، مش عايزة دوشة." الباب اتفتح، دخل ياسر، وشه متوتر وملامحه شديدة. بصّ على المشهد كله. قالت بسرعة: "إحنا جينا نطمن عليها، وهي بتتعامل معانا كده، بنت خالتك بس سألت لو هو المرض الوحش." بهدوء مريب:
"يا أمي، أنا قلتلك سارة محتاجة راحة. إطمنّي عليها دلوقتي وروحي البيت، خليكِ مع ملك." "يعني أطّلع؟ "أيوه، مع سلوى. روان وأنا هنفضل هنا، لو احتاجت حاجة نبلّغكم." سكتت، وسحبت سلوى بإيدها وهي بتقول بنبرة زعلانة: "ماشي يا إبني، لما تتجوز على مراتك خلّيني أعرف،" الكل اتصدم، بس ساره فضلت فاتحه بؤها من الكلام اللي سمعته. خرجوا، والباب اتقفل وراهم. الغرفة سكتت. سارة بصت لياسر ودموعها في عينيها: "ليه اتكلمت كده معاهم؟
قالها وهو بيقرب منها: "علشان ماحدش يوجعك تاني. أنا مش هسيب حد يأذيكِ، لا بكلمة ولا بنظرة." مسكت إيده وقالت بخفوت: "ربنا يخليك ليهم يا ياسر، علشان لو جي يوم… تفضل السند." بصّ فيها وقال: "مافيش “لو”. فيه عمر مكمل، بس معانا كلنا." بصت لهم من بعيد، قلبها بينقبض وإيدها على صدرها. تمتمت في سرّها: "يا رب، خلّي حبهم ده دايم.. وما يتحوّلوش لذكرى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!