الفصل 9 | من 26 فصل

رواية راقصة الحانة الفصل التاسع 9 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
18
كلمة
1,738
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

دلف " إلياس " من باب الشقة بعد أن أنهى عمله بتعب منهك جسده. ركضت " دموع " نحوه بسعادة وهي تبتسم له وتناديه: -عمي أتأخرت ليه؟ قرصها من خدها وأجابها وهو يدخل معها: -أتعودي على كده، ده شغلي. أكلتي؟ أشارت إليه بلا وهتفت بسعادة: -لا، وعملت عشاء حلو هيعجبك.

ضحك لها وكاد أن يتحدث، لكنه أوقفه طرق باب الشقة. ذهب ليفتح وهي ترتب السفرة، ووجد أمامه ضابط شرطة من قسمه ومعه بعض العساكر ومعهم " رامي " و " سيد ". كبت غضبه بداخله بعد رؤية هذان الوحشان وهتف بتهكم قائلاً: -خير يا محمد باشا، في حاجة؟ تنحنح الضابط بأحراج من وجوده ببيت رئيسه وقال بهدوء: -أستاذ رامي عايز يأخد مراته مدام دموع، هي موجودة.

اتسعت عيناه بصدمة على مصراعيها وشعر بخنجر مسموم غرس في قلبه وانتشر سمه في قلبه يلتهمه. سأله بصدمة: -مراته؟ مد الضابط يده بالقسيمة، وقع نظره على اسمها. تركهم دون أن يتفوه بكلمة ودلف إليها. نظرت له بخوف وقالت بحزن وهي على وشك البكاء بعد أن سمعت حديث الضابط: -عمي أنا...

بتر الحديث من فمها وهو يمسكها من ذراعها بقوة ويشعر بخذلان بكذبها عليه وأخفاء خبر زواجها، ولم تكتفي بذلك بل أوقعته في شباك حبها وتغويذة غرامها. ضغط بقبضته على ذراعها بقوة وهتف بضعف وقلب مجروح ينزف وعيناه تداعب عيناها بنظرة ألم واستحقار قائلاً: -عشان كده كان بيدور عليكي وعايز يوصلك عشان مراته. أنتي شايفني إزاي بتستخفلييني وبتلعبي بيا وبمشاعري؟

انهمرت دموعها الحارة على وجنتها وهي تتأوه بألم من قبضته وحديثه عنها وبهذه الطريقة القاسية. دفعها بقوة بعيداً عنه. عاد لبروده وقسوته وهتف بنبرة غليظة دون النظر لها بغرور يخفي ألمه خلفه قائلاً: -روحي لجوزك يا مدام. هرعت له ومسكت يده بخوف من الذهاب معهما وتركه هنا. قالت ببراءة باكية وتشهق بقوة مردفة: -عمي أنا والله مش...

صوتها يزيد من ألمه وصدمته وتلقيبها له بهذا اللقب يجعله يرغب بها أكثر فتزيد من جرحه. فأخذها من يدها بقوة وأخرجها لهم وأغلق الباب بقوة في وجوههم. مسكها " سيد " من يدها بغضب وشراسة ويرمقها بنظرة مخيفة. ثم أخذوها وهربوا بها إلى حانتهم.

وقف خلف الباب بصدمة وتزيد نيرانه المشتعلة بداخله من غضبه. بدأ يكسر كل شيء أمامه ويخرج غضبه وأخذ الطعام التي أعدته بنفسها من أجله ووضعه بسلة القمامة ثم كسر الأطباق كالمجنون. جلس على الأرض بضعف وتعب جسده. تنفس الصعداء ثم أشعل سيجارته ينفث بها غضبه من كذبها عليه وأكثر ما يؤلمه أنها ملك لغيره وهناك رجل أخر يحق له لمسها الضحك معاها غيره هو. وصلوا للحانة دخل " سيد " بها ودفعها بقوة فسقطت على الأرض وخرجت منها صرخة قوية.

صرخ بها كالثور الهائج قائلاً: -أنا حتى بت مفعوصة تعمل فيا كده ها؟ كنتي فاكرة إن الضابط بتاعك هيقدر يحميكي مني ولا يأخدك مني؟ أنتي كلبة أنا بس اللي أقدر أبيعها للي أنا عايزه. وصفعها بقوة على وجهها فصرخت به كالمعتاد وهي تقف بألم قائلة: -الكلبة دي تبقي أنت. الراجل اللي تمشيه مراته ميبقاش راجل. الراجل اللي يبيع بنات عشان الفلوس مبيقاش راجل ده بيبقى دكر في البطاقة بس.

انقض عليها بالضرب كالمجنون من حديثها وذهب " رامي " نحو البار يجلس مع " فريدة " ويرتشف كأس من الخمر بلا مبالاة. مسكها من شعرها وسحبها للأعلى خلفه وهي تصرخ بقوة من الألم. دخل غرفتها ودفعها بقوة وهو يصرخ بها قائلاً: -اتنيلي غيري هدومك عشان تنزلي ترقصي وأول كلب هيعوزك هتروحي معاه ورجلك فوق رقبتك. أنا هوريكي أنا راجل ولا لأ.

خرج من الغرفة وأغلق الباب. سقطت على سريرها تبكي بخوف من حظها السيء الذي جمعها بهذا الرجل وقدرها الذي جعلها أبنة زوجته. تمنت لو لم يغضب " إلياس " وتقبل الصدمة لكان قتلهما بذهابهما لبيته وطلبها. تمنت لو استطاع المجيء لها وأخذها قبل أن يقتلوها وينفذ " سيد " تهديده لها بذهابها مع رجل أخر يدمرها للأبد. خرجت " جميلة " من العمارة ووجدت " علي " يقف أمام سيارته ويلعب بهاتفه ينتظرها. سألته بدهشة:

-خير يا علي، إيه اللي جابك هنا؟ رفع رأسه لها بعد سماع صوتها وابتسم بخفة وهتف قائلاً: -هوصل حضرتك يا عمتي. اتفضلي. ركبت معه بدهشة وقاد بها وهي تلاحظ ارتباكه فسألته بفضول: -إيه اللي جابك ياواد مش معقول عمتك وحشتك يعني؟ ألا عمرك ما عملتها من ساعة ما رجعت من برا بقالك ثلاث سنين في مصر وعمرك ما عملتها خير، إيه الموضوع؟ أردف " علي " بأحراج شديد قائلاً:

-ما حضرتك عارفة أخوكي من يوم اللي حصل مع عمي حبيب وهو حالف ما ندخلك بيت. نظرت له بتساؤل وهتفت مبتسمة لتقبلها للموقف قائلة: -وإيه اللي جد النهاردة عشان تجي توصلني بقي للمدرسة؟ جمع شجاعته وهتف بجدية وهو ينظر للأمام قائلاً: -أثير.. نظرت له بخوف وقلق على ابنتها وتردف قائلة: -مالها أثير؟ عملت حاجة؟ ضحك بتهكم وقال بعفوية:

-هي من ناحية عملت فهي عملت، بس مش حاجة تقلق. بصراحة يا عمتي أنا فكرت كتير قبل ما أجلك. أنا عايز أتجوز أثير وأكون ممنون ليكي لو كلمتيلي عمي حبيب في الموضوع ده. ابتسم بأرتياح لطلبه وسألته بهدوء لتتأكد من شيء: -عايز تتجوز أثير عشان تفض الخلاف اللي بين أبوك وحبيب ولا عشانها هي لشخصها وذاتها؟ أخرج تنهيدة قوية من صدره وهو يتذكر بسمتها وعيناها العسليتين الباكيتان وقال بشرود في عالم عيناها ولحظاتهما البسيطة معاً:

-هو أنا هضحي بحياتي اللي جايه وعمري عشان أخوكي وجوزك يا جوجو ولا إيه؟ عشانها هي مكنتش أعرف أن جوجو عندها بت زي القمر كده. أنا فاكر أخر مرة شوفت فيها أثير كانت في رابعة ابتدائي قبل ما أسافر مع أبويا. معرفش أنها كبرت كده وبقيت زي القمر تخطف القلب قبل العين. نكزته " جميلة " في ذراعه بقوة وهتفت بجدية وحدة قائلة:

-لاحظ أنك بتتكلم عن بنتي. وبعدين يا حبيبي أنا طول عمري بنتي زي القمر بس أنت اللي طالع لأبوك بتحب بنات برا ميعجبكش بنات بلدك. -يا عمتي أنا لما سافرت مع أخوكي كان عندي 19 سنة يعني لسه. وبعدين مانا معجبنيش بنات برا أهو ولما عاجبني عاجبني بنتك اللي عايزة لسانها يتقص. قالها " علي " وهو يتذكر كيف كانت تتشاجر مع " محسن " في القسم وتصفعه بالقلم. قرصته من أذنه بقوة وقالت بتهديد: -قولتلك دي بنتي. رمقها بنظرة غضب وقال بضيق:

-بنتك أم لسان طويل تقولي مبركبش مع راجل غريب معرفهوش ها؟ أبقى عرفيها إني أبن خالها وقريب هكون جوزها ها عشان لو عاملتني كده تاني هرزعها بالقلم. -ترزع مين ياواد بالقلم؟ طب جرب تعملها ومش هقولك حسابك معايا هقولك قبل ما تعملها هتلاقيها رزعتك أنت القلم ها؟ نزلني هنا. قالتها " جميلة " بصراخ في وجهه وترجلت من السيارة ثم دخلت إلى المدرسة. قاد سيارته إلى القسم.

كان " إلياس " جالساً في مكتبه ومتكئاً بظهره على الكرسي وشارداً في جرح قلبه ويفكر بلحظاتهما في الأيام الماضية. كانا جالسين على الأريكة يشاهدان فيلم كرتون (الأميرة الضائعة) . شعر بأنها تشبه هذه الأميرة الصغيرة، فنظر لها يتأملها. أدارت رأسها له وتقابلت عيناهما. -أنت بتبصلي كده ليه؟ قالتها "دموع" بخجل من نظراته المثبتة على عينيها كالصقر الذي وجد فريسته بعد أن طال انتظاره.

رمق عينيها بنظرة مليئة بالغرام، وفيض منهما العشق المقدس بداخلهما. ثم رفع رأسها بسبابته وهتف بخفوت هامسًا لها يذيب قلبها بهمسه قائلاً: -بدور على نفسي وذاتي فيكِ، ولقيتهما في نظرة عيناكي. ضحكت بسعادة وطوقت ذراعيها حول ذراعه الأيسر، ومن ثم وضعت رأسها على كتفه بسعادة. ابتسم أكثر حين وضع رأسه على رأسها وكفه الأيمن على يدها، وتشابكت أصابعهما. وظلا هكذا حتى غفا في النوم معًا، هكذا حتى الصباح.

رن هاتفه يقطع شروده بها، ورأى اسم أمه. أجابها فأخبرته بحديث "علي" وطلبه بالزواج من أخته، وطلبت منه مساعدتها في إقناع والده. أغلق معها وذهب لمكتب "علي"، وجده يتشاجر مع والده في الهاتف بصوت مرتفع. -يابا أنا خلاص اخترت أثير، اللي بينا وبين عمي حبيب ما يخصنيش. قالها بانفعال من رفض والده ومعارضته لزواجه من "أثير".

-أنا قُلت لك اللي عندي، أنا مش هحط إيدي في إيد الراجل ده، ولو اتجوزت بنته يبقى أنت لا ابني ولا أعرفك، وهأخد عزاءك بنفسي. قالها "جلال" بصوت مرتفع حتى سمعه "إلياس" عبر الهاتف. أردف "علي" بحيرة من حديث والده الذي يضعه في الاختيار بينه وبين حبه قائلاً:

-يابا متحطنيش في الاختيار بينك وبين قلبي. أنت عارف إني هختارك وأدوس على قلبي، بس ده ما يرضيش حد. بلاش تحط ايدك في إيد عمي حبيب. اتكلم مع إلياس وعمي حبيب هيتفاهم الموقف، وهنروح نطلبها من إلياس في بيته، وأنا أبقى أروح لعمي حبيب لوحدي. صرخ "جلال" بغضب أكثر وتهديد صارم قائلاً: -أنا قلت لك آخر كلامي، لو فتحت الموضوع ده تاني هتعتبر أبوك مات، أنت فاهم؟ شوف لك واحد غير بنت الراجل ده. مفيش جواز يعني مفيش جواز، أنت فاهم؟

هتف "علي" بهدوء مصطنع حتى يصل لحل مع والده قائلاً: -يابا اسمعني بس... أغلق الخط في وجهه دون انتظار حديثه. نظر "علي" لـ "إلياس" بعجز، وهو يعلم قرار والده وتهديده. إذا كان قطع علاقته بأخته بسبب زوجته، فهو قادر على قطع علاقته بابنه. -الموضوع معقد، مش كده؟ قالها "إلياس" ببرود وهو يرى صديقه الوحيد يسلك نفس طريقه في الفراق. جلس "علي" على كرسيه بزفر وعجز وهتف بوجع وقلب منهك قائلاً:

-خالك بيمسكني من إيدي اللي بتوجعني، عارف إني مش هزعل عشان قلبه المريض ميقفش، لكن هو يدوس على قلبي عادي، أكأنه مش مريض. اتصل بـ "جميلة" وأخبرها بسحب طلبه وتنازله عن حبيبته. ثم وضع الهاتف على مكتبه ببرود واتكأ بظهره على كرسيه. نظر لـ "إلياس" بوجع وهتف قائلاً: -اتجوز دموع قبل ما تقولهم لأ، أحسن يعارضوا ويبقى حالك من حالي. ضحك "إلياس" وأخبره بما حدث ورحيلها. صرخ "علي" به وهو يعتدل في جلسته قائلاً: -أنت إزاي عملت كده؟

ألتزم "إلياس" الصمت وليس لديه رغبة في الحديث عنها. -أنت فكرت إزاي وقتها؟ إزاي سبتهم ياخدوها كده وأنت واقف؟ عقلك كان فين وقتها يا إلياس؟ قالها "علي" وهو يجز على أسنانه بغضب من تصرفات صديقه وتنازله عن حبيبته لعدو يريد إهانتها وذلها. زفر "إلياس" بغضب ثم وقف بانفعال وقال بنبرة غليظة: -كنت بفكر في نفس اللي أنت كنت بتفكر فيه، لما اتنازلت عن حبك بسبب غرورك.

وتركه وخرج من المكتب، ثم أغلق الباب بقوة من غضبه المكتوم بداخله من الضيق، وحالة الحزن التي سكنته بعد مغادرتها لحياته. أردف "سيد" وهو يتحدث في الهاتف قائلاً: -وأعمل معاها إيه يابيه؟ دي تودينا في داهية لو فتحت بوقك للضابط ده. -نقتلها. اللي يعاشر الحكومة في شغلنا بندعيله بس بطريقتنا إحنا. قالها الرجل عبر الهاتف له بصرامة. ثم أكمل حديثه قائلاً: -البت دي تدخل الكار معانا، فاكر مراتك الأولى تحصلها بنفس الطريقة، مفهوم؟

أجابه "سيد" بإيجاب وطاعة قائلاً: -تحصلها يابيه. أهو شكل أمها وحشتها، ودموع مش هتاخد في إيدينا حاجة. مسمارين، ثلاث بودرة، مع كام حبة من البضاعة الجديدة وتروح للخالقها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...