الفصل 8 | من 22 فصل

رواية رجوع الى الهويه الفصل الثامن 8 - بقلم شيراز القاضي

المشاهدات
30
كلمة
1,174
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

ظلت جالسة وهي تتأمل النجوم لتتذكر يوم موته.. وموتها كذلك! فلاش باك كانت تنتظره خارج الجامعة كما اتفقا، لتزفر بنفاد صبر لتأخره. وأخيرًا ها هو يتصل بها. أجابت هي بحنق، لكن وجهها تغير من الضيق إلى الفزع ما إن سمعت صوت امرأة تخبرها أن زوجها أُصيب في حادث سير وهو الآن في المشفى. ركضت إلى الشارع مهرولة لتوقف سيارة تاكسي، وما إن وصل حتى ركضت إلى المشفى لتستعلم عن مكانه.

لتطمئنها الممرضة قائلة: إنه لديه كسر في ذراعه فقط وبعض الكدمات وهو بخير الآن. هرولت من جديد لتقتحم غرفته لتجده نصف جالس على السرير يرجع رأسه قليلاً للخلف. وما إن شعر بها رفع رأسه ببطء وهو يفتح عينيه ناظرًا لها بابتسامته المعهودة. ذهبت إليه مسرعة لتسند رأسها إلى كتفه السليم وهي تضمه بخفة كي لا تؤلمه، وانفجرت في البكاء. مسح على رأسها وهو يهدئها. قالت بين بكائها: أنت دائم الحرص أثناء قيادتك... ما الذي حدث؟

أجابها هو: كان لدي عمل خارج المصرف وسوف أتأخر، وأثناء قيادتي تذكرت أنك سوف تنتظرينني، لذلك حاولت مهاتفتك فلم أنتبه للشاحنة القادمة.. الحمد لله ها أنا بخير.. والرجل أيضًا لم يصب بأذى وكل شيء بخير.. اهدئي حبيبتي. ظلت توبخه وهي ما تزال تبكي ليقول لها بدفء كي يهدأها: أتذكرين ما كنت أفعله لكي تهدئي حين تبكين فوق سطح منزلنا القديم؟ ابتسمت بين دموعها وهي ما تزال تستند إلى كتفه لتومئ

برأسها ليقول من جديد: أتذكرين أي سورة أحبها؟ أومأت له من جديد وقالت: الفجر. قال هو: ولماذا أحبها؟ أجابته هي: لأنك تحب آخر أربع آيات بها، فهي تبعث في نفسك السعادة ودائمًا تتمنى أن يحدث معك ما ذُكر بها. أومأ لها بابتسامة باهتة لم تلمحها هي ليقول: حسنًا، لما لا نراجعها معًا الآن؟ أخشى أن تكوني قد نسيتها. قالت له بحماس: حسنًا، هيا.

قال لها: قبل أن نبدأ، أريدك أن لا تنسي أن تدخلي غرفتي عندما تعودين إلى المنزل وقومي بفتح خزانتي ورقمها السري هو يوم مولدك، وخذي ما بها وادرسيه جيدًا.. إياكِ وأن ينسيكِ شيء! رفعت رأسها له بتعجب وقلق لتقول: أولست بخير؟! وسوف تخرج معي!! ابتلع غصته فهو يشعر أن منامه الذي رآه منذ عدة أيام سيتحقق، لكنه ظل يطمئنها وعادا مجددًا لتلاوة القرآن.

وهكذا أصبحا يرددان معًا آيات سورة الفجر.. كان يمسح بيده على رأسها وبدأت يده تبطئ حركتها... كان مغمضًا عينيه ويستند بذقنه على رأسها مبتسمًا لتزداد ابتسامته اتساعًا حين وصلا للآية الكريمة: (يا أيتها النفس المطمئنة... ارجعي إلى ربك راضية مرضية... فادخلي في عبادي... وادخلي جنتي) بعد انتهائهما هنأها بصوتٍ بدا ضعيفًا بعض الشيء لتبدأ يده بالسقوط شيئًا فشيئًا من على رأسها وأصبح رأسه أثقل وزنًا.

في البداية ظنته يمازحها كعادته، فباتت تضحك وهي على حالها لتقول: قديمة أيها الطفل الكبير... عيب عليك، أوْشكت على الدخول في عقدك الثالث وما زلت طفلًا!

لم يستجب هو لدعابتها فابتلعت لعابها بخوف وأصبح قلبها ينبض بعنف لترفع رأسها لتنظر إلى وجهه الشاحب تمامًا مع شبح ابتسامة باقية على شفتيه، لكنه لا يتنفس.. لا يوجد نبض.. ظلت تصرخ به حتى تدخل الطبيب وبعض الممرضات لأخذها بعيدًا عنه وهي تتشبث به بكل ما أوتيت من قوة غير مصدقة أنه قد رحل.

خرجت من ذكرياتها باكية كما كل ليلة لتمسح دموعها وهي تكتم شهقاتها. دخلت غرفتها بسرعة لكي لا يسمعها سام. لم يهدأ قلبها بعد، فتوجهت إلى المرحاض لتتوضأ وخرجت لتصلي، وما إن بدأت الصلاة حتى تذكرت أنه هو من علمها الصلاة لتنهار باكية طيلة صلاتها. أنهت الصلاة لتبقى مكانها وهي تقرأ القرآن من مصحفه وأصبحت شهقاتها تعلو رغماً عنها ليستيقظ سام فزعًا وركض إليها فوجدها توليه ظهرها وتقرأ من المصحف بصوتٍ مرتعشٍ أثر البكاء.

تقدم ليجلس أمامها لينظر إلى وجهها بهلع وهو يحاول تهدأتها فقال لها: اهدئي.. ما الأمر!! قالت بهذيانٍ من بين دموعها: لا أستطيع التحمل.. لا حياة لي من دونه. نظرت إلى وجهه لتكمل: لماذا كنت بغيضة معه! لماذا لم أستغل كل لحظة من لحظات حياتي إلى جانبه! ليتني ما عاديته يومًا...

ظلت هكذا وهو فقط ينظر لها مبهوتًا لا يعرف ماذا يفعل. لكنه أدرك أنها بحاجة إلى أن تقول كل ما بداخلها، لذا تركها إلى أن هدأت وهي تستغفر الله على ما تفوهت به. لتنظر إلى سام باضطراب لتعتذر منه. فابتسم لها وهو ينهض ليعود إلى غرفته لينام. لكنه لم يقدر على النوم بعد رؤيتها هكذا! ظل سؤال واحد يؤرق نومه.. ما الذي فعله هذا الرجل بالضبط لتظل تتذكره حتى الآن وهو قد مات منذ زمن!

في الصباح تقابلا على مائدة الإفطار فنظرت إليه باضطراب ليبتسم وهو يحييها ثم قال: مليكة.. منذ أن أتيت إلى إسبانيا لم تخرجي للتنزه أو لرؤية البلد.. اليوم لست ذاهبًا إلى الشركة.. كما أنه عيد مولدك ويجب علينا الاحتفال بشكل مميز.. ما رأيك؟ اللمعت عينا خافيير الذي قال بحماسه دون سماع رأي مليكة: بالطبع عزيزاي اخرجا قليلاً.. جددا طاقتكم وافرحو.. عيد ميلاد سعيد يا حبيبتي. ابتسمت مليكة لجدها وهي تفكر بالأمر ليقول

سام حتى لا يدعها تفكر: هيا يا مليكة أرجوكي... أعدك لن تندمي. أومأت لهم باستسلام، غير واعية لنظرات الجد المتمنية لحدوث أمر ما، ولا لسام الذي كان يطالعها بعمق وهو يفكر بأمر لا يبدو أنه سيعجبها أبدًا!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...