نزل بعينيه إلى الملف بين يديه؛ لم يكن يرى سطوره من هذا الشعور الذي حجب عنه رؤية أي شيء سوى تفاصيل وجهها الجميلة. تشنج مكتومًا من هذا الضعف الذي أصابه لمَّا رآها، وقرر أن يحتج على هذا الشعور الذي لم يتعرف عليه من قبل إلا أمامها.
تجمّدت صفحة وجهه بغموضٍ، فيما بقيت هي صامتة تتفرس ملامحه بدقة حدس لا يهدأ. أقسمت في نفسها أنه هو. لقد حفظت ملامحه المرتعبة أسفل الماء حينما نظرت إليه طويلًا تترقب وقع حركته نحوها، وهل سوف ينقذها أو لا؟ ظلت تنظر إليه بقوة وأطالت النظر وقتها إلى عينيه التي رأت لمعتهما مرة ثانية الآن. في غضون ذلك، رفع بصره إليها مرة أخرى ثم تنحنح بخشونة وهو يقول ثابتًا: -آنسة وميض علام الجن، نورتي الشركة.
حاول أن يحيد البصر عنها كيلا يقع أسير نظراتها المحدقة فيه. خشي أن تكون قد تذكرت شيئًا عن تلك الليلة. فيما أردفت هي بتوضيح هادئ: -اسمي وميض علام الجندي، آسفة نسيت أكمل كتابة الاسم لأني كان معايا مكالمة وكُنت متوترة كمان. انبسطت عقدة حاجبيه المعقودة قصدًا ثم أكمل دون أن يرفع بصره نحوها: -تمام، باين من الـ CV بتاعك إنك شاطرة وعندك خبرة سنتين في شركة السروجي ودي حاجة في حد ذاتها جميلة!!!
أومأت بفقدان شغفها الذي لاحقها منذ الصباح وحتى رؤيته. تدبرت ابتسامة باهتة ثم أجابته وهي تتفرس ملامحه تارة وثيابه تارة أخرى. ورغم عدم تصويب نظراته إليها إلا أنه يمكنه أن يشعر بحركات أعين الواقف أو الجالس أمامه بسهولة وذكاء. -اشتغلت سنتين وكُنت باخد مكافآت باستمرار وحققت معاهم تارجت كويس بس مكنتش مرتاحة. باغتها بسؤال ذكي لا يفوته: -يعني إنتِ مستقيلة ولا مرفودة!!! -مستقيلة.
وضع الملف على الطاولة أمامه ثم أمسك قلمه وكتب على أول صفحاته بعض الكلمات. ترك القلم ثم شبك أصابعه سوية وأضاف بلهجة حازمة ومازال ينظر إلى أصابعه متجنبًا التحديق فيها وإلا تهور موسوسًا بفعل شيطان نفسه: -طيب يا آنسة وميض ولكن أنا عندي شروط قد تكون مستبدة شوية بس ضرورية ومستحيل أتغاضى عنها. لم يستطع قراءة رد فعلها المستغرب في هذه اللحظة ولكنه شعر به. تساءلت متوجسةً بنبرة يشوبها الحزن: -وأيه شروط حضرتك؟؟؟؟
-إنتِ عارفة أنا مين الأول!!! أجابته بسرعة رهيبة وكأنها تعلم مسبقًا بسؤاله: -أستاذ تليد سليمان، داعية إسلامي مشهور، ربنا يوفقك. لم تكن تعلم مطلقًا بأنه أحد أفراد عائلة السروجي أو أنه ابن عم عائلة "عثمان" ولم تسنح الفرصة لها كي تحظى بهذه المفاجأة. ابتسم على مضض ثم فتح شفتيه كي يتحدث ولكنه وجدها تقطع عليه نيته بالتكلم وتقول مستنكرة: -هو حضرتك مش عايز تبص لي ليه؟؟؟ -لو صبر القاتل على المقتول!!! -كان مات لوحده!!
تكلم "تليد" بصوت خشن وهو يغلق الملف الموضوع أمامه بحسم: -لأ، كان مات مقتول طبعًا بردو؛ لأن دا اسمه أجل المقتول، القاتل فيه مش شخص عابر تلقى الخبر في بيته، لأ دا مكتوب إن المقتول هيموت على إيد القاتل كذا، والقاتل يُقتل ولو بعد حين، يعني نهاية عادلة أوي لو فكرت فيها قبل ما تعمل الذنب مش هتعمله بس قدرك إن شيطانك ياخدك للطريق دا وتقابل الشخص دا وتقتله لأنك جزء من أجله.
رمقتهُ بنظرة متحيرة تحاول فهم ما علاقة هذا الشرح بما يود قوله. أومأت دون أدنى استيعاب منها. اختلس نظرة سريعة إليها ثم نزل ببصره مجددًا وابتسم بغتة ثم تابع: -بتسألي أيه العلاقة مش كدا؟ انتظر لبُرهة ثم أضاف بهدوء: -لأني فكرت في الذنب اللي هيعود لك وهرتكبه أنا كمان لما هبص لك. رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم أضافت بغيظ مكتومٍ: -أنا أعرف إن صوت المرأة عورة بس غريبة إن وجهها بقى عورة كمان!!!!
حاول أن يمنع قهقهة أكيدة أوشكت على أن تنفلت من بين شفتيه. أومأ بهدوء ثم أكمل بنفي لمعتقدها الهزل: -وجه المرأة مش عورة ولا حاجة، يستحب تغطيته بس مش فرض، وأنا مكنتش بتكلم عن وشك خالص، بتكلم عن شوية الشعر اللي شبه شخصيتك دول! انفتح فمها على وسعه وهي ترفع أناملها إلى خصلات شعرها الخارجة عن الحجاب عن عمد منها. توترت أثناء جلوسها فتابعت بصوت متلعثم يشوبه الاحراج: -شبه شخصيتي إزاي؟! -يعني متمردين أو معتنقوش الإسلام لسه!!
، اللي عايز أقول له طالما اختارتي الحجاب عن رغبة يبقى تلتزمي بشروطه عن حب وتكوني قدوة لغيرك، أما بالنسبة لي فلو وقع عليكِ الاختيار فأنا مستحيل أرتاح مع موظفة لابسة نص طرحة! ، انتهت المقابلة. زوت "وَميض" ما بين عينيها دهشةً تستغرب حدة حديثه الأخير معها. لم ترغب في إنهاء المقابلة بهذه الكلمات فأرادت أن تستبدلها بأخرى.
قررت الآتي: أن ترفع أناملها صوب خصلاتها ثم تدفنهم أسفل غطاء رأسها كيلا يكون عنده حجة جديدة تحول دون النظر إليها ولو قليلًا. ظلت متشبتة بكرسيها ولاحظ هو ذلك ثم باغتته بما كان يخشاه من أول الجلسة: -إنتَ مش عارفني!!!
انتفض قلبه هلعًا، يخفق بقوة بين أضلعه كالمتوجس خيفةً. ارتبط كلامها بماضيهما معًا على الفور وظن أنها تعرف به دون أن يربط الأمر بالحادثة الأخيرة؛ أو ربما هرول تفكيره نحو أكثر الطرق الذي يرغب تخطيها والمرور عبرها! عقد ما بين حاجبيه ثم تساءل ببرود مصطنع: -مش فاهم؟ .. المفروض أعرفك منين؟! لم تخمد عباراته ثقتها الكاملة برؤيته من قبل. تنهدت بضيق ثم أردفت بلهجة حادة: -بعد إذنك بص لي!!! ... أنا البنت اللي أنقذتها من الغرق!
رفع بصره نحوها رويدًا فوجدها نفذت رغبته بصورة سريعة. رمقها بحذر لعدة ثوانٍ قبل أن يردف بملامح ثابتة وصوت رخيم: -بس أنا ما أنقذتش حد من الغرق!! -مستحيل، بقول لحضرتك أنا شوفتك تحت المية وبعدها فوقت لقيت نفسي مع واحد تاني في مستشفى، أرجوك أنا دماغي هتنفجر من التفكير وما صدقت لقيتك، جاوبني من فضلك!!!! -بس أنا جاوبتك! ابتلعت "وَميض" غصة مريرة في حلقها ثم أضافت بهذيان وتفكير بلغ مبلغه منها: -طيب إزاي؟
إزاي أكون راكبة عربيتي وقافلة إزازها وأقع في النهر وأطلع عايشة؟ رغم إن الشخص اللي طلب الاسعاف مش هو اللي أنقذني؟؟ يبقى مين اللي أنقذني؟! وليه إنتَ اللي فرضًا يعني تخيلته تحت المية!!! خشي أن يضعف أمام عبراتها التي كادت أن تفيض على جفونها ويبوح بكل شيءٍ. انتصب في مكانه واقفًا ثم قال بصوت ثابت يخترقه شرارة من الحدة والحسم: -آنسة وميض، المقابلة خلصت من ربع ساعة، اتفضلي!
استدار يعطيها ظهره ثم سار نحو النافذة وبقى هناك ولكنه سمع شهقة خفيفة تنبعث منها وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدها تقول بصوت هادئ: -كُنت موجود، أنا مش مجنونة ومش واقعة في دباديبك علشان أتخيلك، كُنت إنتَ ولو مش بتحب تقول الخير اللي بتعمله فدا شيء تاني، لما تقول هترحمني من التفكير اللي هيقتلني، لو سمحت ريحني!! -مع السلامة. خرجت عن طاقة صبرها هذه المرة. تشنجت ملامحها فصاحت بنبرة مخنوقة منفعلة:
-تمام، أنا هعرف الحقيقة بنفسي يا أستاذ تليد، هخليك تيجي لحد عندي وتقول لي أيوة أنا. مرت لحظات من آخر جملة قالتها وبعدها سمع صوت ارتطام الباب فاستدار على الفور يتفقد ريحها الذي بقى أسيرًا في مكتبه. تطلع إلى الباب بحزن دفين وتبدلت ملامحه القوية إلى أخرى مشتاقة يحيطها هالة من الضعف. أغمض عينيه وصوتها يتكرر على مسامعه باستمرار. يجول في خلده عدة أسئلة من بينها، ما الذي سوف تفعله كي يأتي إليها محققًا نوالها؟
تلك الغبية لا تعلم أن دمعة واحدة من عينيها كفيلة أن تجعله يهدم الكون ويبنيه من جديد على هواها هي؟! لقد كانت صغيرته التي تعلم على يدها الكثير من المشاعر الجديدة، تعلم كيف تتغير ألوان البيت الباهتة إلى زاهية بقدوم ريح أنثوي جميل. أدرك ملمس شعرها القصير الناعم وقارنه بوجود أمه. أدرك ماذا يعني شعور أخوي وأن تكون حاميًا غيورًا على شقيقة لك.
تذكر كلمات والده في تلك الليلة، ذلك الرجل الحكيم الذي لا يخطئ في تخميناته مطلقًا. تذكره يقول بصوته المريح في وعظ: -أخاف عليك يا بني روحك تتعلق بيها فتعشق وتخاف البوح علشان هي أختك بين الخلق وهي لا بنت أمك ولا أبوك!!! تنهد تنهيدة ممدودة بعمقٍ ضاغطًا على قبضته المتكورة. في النهاية حاول أن يصمد أمام ثورتها وأن ينتظر ما سوف تأتي به صغيرته الشقية!
اتجه صوب مكتبه جالسًا إليه من جديد شاردًا في بعض اللقطات العابرة التي نظر فيها إلى ملامحها باختلاس! خرج من المطبخ ومعه إحدى العاملات. أشار لها صوب الدرج فأومأت من صاعة وهي تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها بعض الصحون. انتظرت "تماضر" حتى غادرت العاملة ثم سارت إليه تقول بسخط: -أنا شايفة إنك بتكسر العادات والتقاليد اللي اتربيت عليها علشان خاطر ست شروق هانم؟!
زفر "عمران" شاعرًا بالحنق من كلمات والدته التي لا تمل دسها في نفوسهم السعيدة وابهات فرحتها. استدار لمواجهتها ثم قال بصوت متماسك: -ولا كسر عادات ولا حاجة، أنا عريس جديد وحابب أكل مع مراتي لوحدنا في أوضتنا، أعتقد دا من حقنا!!! قهقهت "تماضر" بتهكم ثم أجابته مستنكرةً: -عريس جديد؟!!! ليه فاكر نفسك متجوز من خمس أيام؟ دول خمس شهور. -كويس إنهم خمس شهور مش خمس سنين وإلا مكناش خلصنا!
ألقى كلماته الأخيرة ثم غادر من أمامها على الفور، صعد الدرج إلى غرفته وأثناء دخوله وجد العاملة تخرج على الفور. أغلق الباب خلفه ثم ظهرت على محياه ابتسامة مشرقة وهو يقول بمرحٍ: -أخيرًا هناكل لوحدنا وبدون إزعاج. قهقهت "شروق" برقة فأسرع "عِمران" بجذب الصينية الموضوعة على الطاولة ثم وضعها أمام زوجته التي تجلس على الفراش وبصوت دافئ قال: -عايزك بقى تخلصي الصينية دي كلها. رمقتهُ بعينين جاحظتين ثم قالت بهدوءٍ مندهشةً:
-وإنتَ؟؟؟ -هساعدك طبعًا. أومأت "شروق" متفهمًا، تناولت ملعقتها ثم وضعتها في الصحن وقبل أن تتناول ما بها إلى فمها، شعرت بفتورٍ مفاجئ يجتاحها. لاحظ "عِمران" ذلك فسألها بقلق: -مش بتاكلي ليه؟! تنحنحت بتوترٍ ثم قالت بصوت ثابت: -يا ترى مامتك عندها حق؟!! يعني إني لحد دلوقتي مفيش حمل؟؟ قطب "عِمران" ما بين حاجبيه ثم قال مستنكرًا وهو يترك ملعقته جانبًا: -لا مش عندها حق، لأن لسه بدري على الهواجس دي.
-إنتَ صح، أقصد يعني ليه منريحهاش ونروح نتطمن على نفسنا؟!! على الأقل تفهم إننا مقدرين مشاعرها ومش مطنشين أو بنعاندها! لأني بصراحة مش مرتاحة بتوتر العلاقة بينا! فكر للحظات فيما تقول ولكنه حرص على معرفة رغبتها هي أولًا فسألها بترقب: -وإنتِ عايزة أيه؟!! -عايزة أعيش في راحة، مش عايزة كل الأبواب تتقفل في وشي وكل مكان أروحه ألاقي فيه حد مش عايز يشوفني أو يفهمني!!!
تنهد "عِمران" بهدوءٍ متفهمًا فحوى رسالتها التي تقصدها من وراء كلماتها، مقاطعة والدها لها تؤذي نفسها التي تعشق السلام والسلم، معذورةً؛ فهي لم ترَ والدها منذ ليلة الزفاف عندما جلس بجوار المأذون لإتمام عقد القران بعد وصلة من الإلحاح عليه من قبل زوجته وابنتيه ولكنه اشترط قبل أن يضع يده في يد "عِمران" أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يراها داخل القصر أو يسمع صوتها. لقد كان قرارًا مجحفًا منه، أن تضع إنسانًا بين نصلي مقص حادٍ وتطلب منه إما أن ينصاع لرغباتك التي لا مبرر لها أو تضغط بهما على عنقه ناهيًا الباقي من أنفاسه التي عانت الكثير بفضلك!
قام "عِمران" بجذبها إلى صدره ثم ربت على خصلات شعرها وقال بصوت حنون معين لنفسها الحساسة: -أنا معاكِ في أي قرار، المهم مشوفكيش ضعيفة ولا قدام نفسك حتى، تمام!!!! أومأت وهي تتشبث به لاقتباس بعض الطمأنينة والسكينة في جواره اللطيف.
استشاطت غضبًا حينما وردها اتصالًا من والدها يعرب فيه عن حزنه الشديد من تصرفها الطائش مع زوجة ذلك الرجل بعد أن استدعاه "عثمان" وبخ جميع كلماته الغاضبة في وجهه مهددًا إياه بالاستغناء عن خدماته داخل القصر إن لم يسيطر على جموحها الغير مبرر. اندفعت نحو مكتب مديرها داخل الجريدة. دقت الباب بقوة فأمرها بالدخول. خطت صوبه بحركات سريعة ثم وضعت أمامه ورقة طويلة وأضافت بنبرة مشتعلة من الغيظ: -عايزة موافقة على الخبر دا!
نزل المدير بعينيه إلى الورقة يقرأ ما بها متوجسًا من جنونها الذي يشهده بين الحين والآخر. تنهد بضيق ثم نظر إليها وقال بصوت معاتب: -تاني يا وميض!!! -وتالت ورابع يا أستاذ توفيق، أنا عايزة حقي أما بقى لو إنتَ خايف فممكن أخد أخباري وأمشي وإنتَ عارف إن عروضي كتير بس أنا اللي باقية على المكان. تنهد "توفيق" تنهيدة مكتومة وما هي إلا لحظات حتى خط توقيع موافقته على الورقة ثم ناولها لها وهو يقول بصوت نصوح:
-أنا لو خايف؛ فعليكِ إنتِ يا بنتي! تناولت الورقة منه ثم أضافت بصوت ثابت وملامح متبلدة: -الانسان مش هيعيش غير عمر واحد، يا يعيشه باحترام أو مذلول، إحنا اللي بنختار قيمتنا وصورتنا في نظر الناس، بعد إذنك! أومأ بهدوءٍ فغادرت صوب إحدى الغرف ثم فتحتها على الفور لتجده يجلس أمام جهاز حاسوبه فتمد يدها له بالورقة ثم تقول بلهجة حازمة: -الخبر دا في خلال نص ساعة يكون صفحة أولى في عدد النهاردة. -اعتبريه حصل يا باشا.
باغتته بابتسامة هادئة ثم غادرت. توجهت صوب مكتبها وما أن دخلته حتى خارت قواها وهي تجلس فوق كرسيها ضيقًا من شعورها بالظلم وجور الجميع على حقها إذ أنها ابنة العاملين بالقصر ولا يحق لها الدفاع عن نفسها خاصةً بعد معرفتها بأن هذه السيدة وزوجها هم اليد العليا في حادثة غرقها؛ كما أن ابنة العاملين لا يمكن أن تكون على حق مطلقًا ولو كان الدليل مرأى العين!
التقطت هاتفها باختناق ثم بحثت عن الاسم وراحت تجري اتصالًا بالرقم؛ ولكنها شعرت بقليل من الأمل وهي تجد جرس الانتظار يخترق سمعها. انتظرت بلهفة وشوق حتى جاءها الصوت فقالت بضيق ملهوف: -وحشتني يا حيوان إنتَ!!!! تجاوزا معًا بوابة الشركة سيرًا حتى السيارة، لتبقى "سكون" واقفةً في مكانها ثم تنظر إلى والدها وتقول بصوت مرخٍ يحاط بهالة من الملل: -بابا، أنا هستنى واحدة صاحبتي وهنخرج شوية.
استدار "عثمان" إليها قبل أن يركب السيارة ثم ربت على وجنتها قائلًا بتفهم: -ماشي حبيبتي، اخرجي وغيري جو من ضغط الشغل.
أومأت متدبرة ابتسامة باهتة فركب السيارة التي انطلقت على الفور. ظلت "سكون" واقفةً في حيرة تنظر يمنة ويسرة شاعرة بالفراغ الذي يخلفه انتهاء دوامها بالشركة. تنهدت بملل ثم تمشت نحو ناصية الشارع تنظر في أوجه الناس بلا هدف. لم تكن هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها وحيدة بلا أصدقاء أو أقارب؛ لقد أبعدها عملها مع والدها عن تكوين صداقات جديدة ليتضح لها مع مرور الوقت أنها باتت وحيدة حتى أصيبت حياتها بالرتابة والروتين.
ظلت تسير في الشوارع بلا هدف يذكر حتى قررت أن تستقل سيارة أجرة رغم جهلها عن وجهتها التي تذهب إليها. ركبت السيارة فقال السائق باهتمام: -على فين يا هانم؟!!! التفتت بنظراتها إلى السائق تفكر في إجابة على سؤاله وحينما فشلت في اختلاق إجابة قالت بنبرة متحشرجة: -مش عارفة، بس متقلقش هحاسبك زيّ ما إنت عايز.
أومأ الأخير متراضًا وساق دون أن يسأل مرة أخرى. كانت تنظر من النافذة باكتئاب شديدٍ جعلها ترى كل شيء من حولها منطفئًا خاليًا من ألوان البهجة. تسأل نفسها إلى أية درجة يملك الإنسان من طاقة كي يتكرر يومه كل يوم بنفس النمط والشكل على مدار عشرين عامًا. لا تزال طالبةً بالجامعة ولكن صداقات والدها جعلتها لا تذهب إلى هناك كثيرًا وتحصل على التقدير الذي تبتغيه. يستند والدها على صداقات قوية رغم منعه إياها من تكوين أية صداقات باعتبارها دومًا ما تكون وهمية وضعيفة لن تستفيد منها شيئًا. رأت في ذلك نقيضًا غريبًا ولكنها لا تود احزانه كي لا يشعر بفقدان الأبناء بعد إصابة "عُمر" وغياب "شروق".
في هذه اللحظة تذكرت عمها "سليمان" ذلك الرجل الذي أحبها في صغرها وكان يحنو عليها ويأتي لها بالألعاب والحلوى حينما كانت تسحبها شروق إليه دون علم والديهما؛ سكون تعلم مدى حب شقيقتها للشيخ "سليمان" وأن شخصيتها لا تتفق مع والدها لأنها لا تنفذ ما يرغب لأنها لا تنصاع طالما لم تقتنع بالأسباب وشروق لم ترى من عمها إلا كل خير ورفق وعندما كبرت أصبح تعلقها به الضعفين وكانت عاقلة كفاية كي تميز بين الشخص السيء والجيد وأكثر ما ذبذب علاقتها بوالدها أن أخبرته بأمنيتها في التصالح مع عمها وأن يصبح مثله في يوم من الأيام.
توجهت بنظراتها إلى السائق ثم قالت بصوت مترددٍ: -تعرف مزرعة الشيخ!!! -ومين ميعرفهاش. -وديني هناك. قادها السائق حتى بوابة المزرعة وما أن وصل حتى سحبها من شرودها وهو يقول بثبات: -وصلنا يا هانم!!
أومأت "سكون" دون أن تتكلم، نقدته حقه ثم ترجلت من السيارة على مضض. انطلق السائق فورًا بينما وقفت هي تتأمل بوابة المزرعة في حيرة لا تعلم ما الذي جاء بها إلى هنا بعد أن وعدت والدها أن تقطع جميع صلاتها بعمها وابنه ولكنها في النهاية تضعف أمام ذلك الرجل الذي لم تجد منه سوى كل الخير. تقدمت نحو البوابة بخطوات مترددة حتى لمستها وقبل أن تطرقها للفت انتباه الحارس تراجعت فورًا فراحت تبتعد خطوات أكبر ثم هرولت مبتعدة عن المكان.
-أنا عايزك تهدى، في أيه مالك؟!! أردف "غسان" بتلك الكلمات وهو يدفع الكرسي أمامه حتى اختار إحدى الطاولات. ذهب مع صديقه إليها ثم أبعد كرسيًا منها ووضع مقعد صديقه الذي كان مقابلًا لباب المطعم المتفق عليه. ضغط "عُمر" قبضتيه بقوة ثم أخرج زفيرًا حارًا وهو يقول بتوترٍ: -يعني مش عارف مالي!!! ابتسم له "غسان" بدعم ثم ربت على كتفه، فاستدار "عُمر" بناظريه إليه ثم أضاف بحماس: -شكلي حلو؟! .. هعجبها!!!
-يا شقيق إنت تعجب أي حد، عايزك بس تثق في نفسك وما تتهزش. أومأ "عُمر" متفهمًا. طال الانتظار لعدة دقائق طالت قليلًا إلى أن وجدها "عُمر" تدخل من باب المطعم وعيناها تبحث عنه بين الطاولات. خفق قلبه بعنف مميتٍ واستحال لون وجهه إلى حمرة القلق المسيطرة على كل ذرة به. استدار إلى صديقه ثم طلب منه أن يلوح لها ففعل غسان، وقفت "رويدا" تنظر لهما لبعض الوقت ثم تهللت أسارير وجهها وسارت نحوهما.
كان "عُمر" محدقًا في ملامحها الجميلة التي يحفظها عن ظهر قلبٍ ينتظر قربها منه مسترشدة بقلبها الذي يعرفه؛ إلا أنه تفاجأ بالعكس!!!!!! اقتربت نحوهما ولكنها مدت يدها نحو صديقه ثم قالت بصوت هادئ: -إزيك يا عُمر!!!!
حدق "غسان" فيها مصدومًا ثم نظر إلى صديقه الذي أشار له بنظرة من عينيه أن ينصاع مع توقعها. صافحها "غسان" على مضض فالتفتت نحو "عُمر" وهي تتفرس حالته بداية من جلوسه على مقعده المتحرك وحتى نظرة عينيه التي تتجنب النظر إليها. ابتسمت بهدوء ثم تحدثت وهي تعاود النظر إلى الأخير: -أكيد الأستاذ صاحبك؟!!! -أه أه صاحبي.
تظاهر "عُمر" بالابتسام ثم أشاح برأسه للجهة الأخرى وهو يبتلع غصة حارقة تمر عبر حلقومه. تجمعت الدموع في عينيه ولكنه حاول أن يبدو ثابتًا متماسكًا، يعترف داخل خبيئة نفسه بأنه أخطأ ولكنها لم تمنحه فرصة الشرح أو أن تقف أمامهما مذبذبة تبحث بينهما عن حبيبها حتى!! لم تتردد في اختيار الصحيح بدنيًا؟ ما الدليل الواضح الذي دفعها على اختيار واحد من بين اثنين واعتباره حبيبها؟
الإجابة لأن عقلها رفض التصديق أن يكون حبيبها قعيدًا أو معاقًا فاختارت ما تريده قبل أن تصدم بما لا تريد!!! شعر بمدى ارتياحها بعد اعتقادها بتوقعها الصحيح وراحت تتحدث براحة مع صديقه. تنحنح "عُمر" بهدوء ثم قال وهو يدفع بنفسه عجلات كرسيه المتحرك: -I have to go to the toilet, Have a nice time. استدار بكرسيه على الفور وكانت هذه الثانية الأخيرة قبل اندلاع نيران قلبه المنكسر وانسكاب دموع أعينه الجحماء من شدة الألم.
-هو حضرتك مستقصدني؟؟؟ أردفت "مُهرة" بصوت ساخطٍ وأنفاس متأففة، أنزلت ماسك الوجه قليلًا ثم أضافت بصوت متغاظٍ: -أنا لابسة الكمامة ومعملتش أي حوادث، ممكن أعرف أنا واقفة ليه؟!! ابتسم لها الضابط بهدوء ثم استند بكوعه على هيكل سيارتها وراح يقول بصوت هادئ قبل أن يباغتها بغمزة من عينيه: -لا ما في مخالفة سابقة ولا نسيتي!!! التوى شدقها ثم ضربت المقود في انفعال قبل أن ترد بصوت جافٍ:
-بس دا مكانش كلامك المرة اللي فاتت لما شوفت أستاذ تليد؟؟؟ زوت ما بين عينيها ثم تابعت بتوجسٍ دون أن تسمح له بفرصة الرد: -وبعدين إنتَ بتغمز لي؟! دي بقى اللي اسمها مخالفة وأنا بقى اللي هقدم فيك بلاغ. -حقيقي!!! -تاااااااني، خير يا باشا، دكتورتنا عملت أيه تاني؟!
قطع حديث الضابط اقتراب "نوح" منهما. استدارت "مُهرة" نحو مصدر الصوت فوجدته "نوح". تنفست الصعداء من وجود شخص ينتشلها من جنون هذا الشرطي الغريب. تنشقت الهواء داخلها بصبر فوجدت "نوح" يضع كفه على كتف الضابط ثم يكرر مرة أخرى: -ما قولتليش خير؟!!! تلعثم شرطي المرور قليلًا وقبل أن يتكلم ردت عليه بضيق شديدٍ: -والله ما عملت له حاجة، دا بيغلس عليا. -بيغلس عليكِ!!!!
في تلك اللحظة، اقترب "نوح" من الشرطي حتى تلاشت المسافة بينهما ثم مال برأسه قليلًا وهو يحدق داخل عيناي الأخير ثم يقول بصوت أجش غاضبٍ: -لو ناسي شروط تأديتك لوظيفتك، افكرك بيها، بس مش رجولة تضايق بنت ولو حاولت تعترض طريقها تاني بسبب أو من غير سبب، هوديك ورا الشمس لأنك مش محترم!!! تنحنحت "مُهرة" بتوترٍ ثم تدخلت وهي تقول بنبرة هادئة: -حصل خير يا دكتوغ نوح، أكيد حضرتك الظابط فهم غلطه.
-أكيد عرف غلطه، ما هو اللي معندوش الحق ميقدرش يقول لأ!!! ولا أيه يا حظابط!!! ضغط "الشرطي" على أسنانه ثم استدار يلتفت إلى عمله والعرق يتصبب على جبينه من شدة الحرج وكذلك الغضب الذي داهم ملامح وجهه. استدار "نوح" إليها ثم أردف بغيظٍ: -وإنتِ يلا اتنيلي على المزرعة وراكِ شغل!!! -ح حح حاضغ.
جلس "تليد" على كرسيه داخل بساتين الفواكه يراقب حركة العمال ومراقبة كمية الإنتاج الصادرة هذا اليوم. كان يرتشف كوب الشاي الخاص به في هدوء وسكينة إلى أن جاء له أحد العمال بجريدة اليوم كالعادة. فتحها باهتمامٍ ودون أن يبحث كثيرًا عن جديدها وجدها متصدرة الصفحات الأولى بخبر كان بمثابة القنبلة التي رجت داخله خوفًا عليها؛ فتمتم بنبرة خافتة:
(تهديد رجل الأعمال حميد الديب للصحفية وَميض الجندي بعد تداولها أخبار مؤكدة عن عمليات تهريب جرعات مخدرة داخل علب الأدوية في شركته، كذلك وجهت الصحفية له اتهامًا صريحًا بالتعرض لها ورميها هي وسيارتها بالنيل؛ كما ذهبت زوجة حميد إلى الصحفية في المشفى وقامت بمساومتها على ضميرها المهني والأخلاقي في مقابل دراهم بخسة) أغلق "تليد" الجريدة فورًا ثم التقط هاتفه مجريًا اتصالًا سريعًا بأحد الأشخاص الذي ما أن جاءه صوته
حتى أردف تليد بصوت خشن: -اسمعني كويس، هتراقب بيت الآنسة وميض الـ 24 ساعة وتكون حارس ليها بدون ما تحس في كل مكان تروحه ولو حسيت بأي خطر على حياتها تتصل بيا ومتفكرش ترمي نفسك في الخطر دا وتنقذها.. ولا هتعمل زي المرة اللي فاتت!!!!! -ها يا بنتي، عملتي أيه في المقابلة وإتأخرتي ليه؟؟؟ أردفت "سُهير" بتلك الكلمات وهي تتحرك خلف ابنتها المندفعة في عصبية نحو غرفتها. توقفت "وَميض" في الحال ثم استدارت تقابل وجه
والدتها وبصوت مخنوق قالت: -متقبلتش يا أمي، وبعد إذنك ممكن توفري أسئلتك بعد ما أصحى لأني محتاجة أنام شوية!!! زوت "سهير" ما بين عينيها في حيرة ولكنها أومأ منصاعة لما رأت وجه الأخيرة المنطفئ. استكملت "وَميض" سيرها حتى غرفتها التي وصدت بابها بانفعال خفيف. ظلت تصول وتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا تضع رأسها بين كفيها شاعرة بألم جامحٍ يفتك برأسها ويخلق أفكار متزاحمة ومميتة.
بدايةً من مقابلتها له مرورًا باتصال والدها الغاضب وحتى مديرها الذي يخاف طوال الوقت ولا يعرف سوى السير بجوار الحائط. نبشت غرة رأسها بطرف أناملها ثم تذكرت تلك السترة التي تدسها في السر أسفل مرتبة فراشها!!! هرعت نحو الفراش ثم رفعت المرتبة وراحت تسحب السترة بقوة إلا أن تمكنت من جذبها بشكل كاملٍ؛ ولكنها في هذا الوقت سمعت صوت ارتطام شيء صغير بالأرض وصدر عنه صوت خفيف وبسيط!!!
ركعت على ركبتيها ثم نظرت أسفل الفراش الذي خفت به الضوء ولكنها أمدت ذراعها حينما رأت شيئًا ما يلمع هناك فأسرعت بسحبه بروية وحرص وراحت تنظر إلى الشيء بين يديها في ذعر وصدمة فلقت رأسها إلى نصفين مشتتين. حدقت فيها بعينين جاحظتين وهي لا تفهم شيئًا أو تحاول التفكير بصورة صحيحة ذلك الأمر الذي دفعها نحو دولابها وجذب الصندوق منه وفتحه باندفاع جارفٍ. ظلت تبحث بداخله عن مبتغاها إلى أن وجدت تلك الميدالية المطرزة وفي هذه اللحظة قرَّبت الميدالية التي وجدتها من الأخيرة فوجدت في قربهما ثمرة كاملة تنقسم إلى نصفين كل نصف كتب عليه حرف مختلف!!!!!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!