تقف تستند بيديها على حوض المطبخ. دموعها تنزل في قهر، كل يوم يمر عليها تخسر جزء من روحها ونفسها القديم. لم تكن تتصور يومًا أن حياتها البسيطة ستؤول لذلك المنحدر. نظرت لطفلتها التي تحبو ببراءة بأرضية المطبخ وطفلها النائم بسلام بجوارها، من كثرة التعب والبكاء. طفلها الذي يكبر أخته ببضع شهور، لقد حملت بأخته وهو بعمر الشهرين. ظلمت نفسها وظلمتهم معها. ولكن ماذا كانت ستفعل هي؟
والجميع يخبرونها أنها إن لم تتزوج الآن لن تتزوج ثانية. مجتمع ظالم ظلمها وحط عليها. لقد تركت جامعتها بعدما تزوجت. أجبرها شبيه الرجال الذي تزوجته أن تتركها، وهي من كانت تحلم ليلاً نهاراً بكلية الطب وبعدما دخلتها أجبرها على تركها لتربية الأولاد وخدمة أهله. نزلت دموعها بقهر وذل وهي تتذكر كلماته لها. *** صباحًا. "انتي ياهانم، انتي لسه نايمة لدلوقت. قومي ولا مستنية لما أمي تعمل كل حاجة."
التفتت له بقلة حيلة وانتشلت يدها بهدوء من تحت رأس طفلها النائم بأحضانها أخيراً بعد بكاء طال لساعات. استقامت بضعف، قائلة له بهدوء: "في إيه بس يا أحمد؟ الساعة لسه خمسة ونص. سيبني شوية بس وبعدين هنزل. الولاد لسه نايمين." نظر لها بتلك النظرة المشمئزة التي ينظر لها بها منذ ولدت طفلتها سيليا. لقد ازداد وزنها قليلاً قليلاً فقط، ولكنه يقرف منها ومن منظرها. كما يخبرها دائماً. حتى وجودها بجانبه ليلاً لم يعد يطيقه أبداً.
انكشفت الغمة من على عينيها وفهمت أنه لم يكن يريدها يوماً، وأن زواجه منها كان لينساها هي. حبيبته التي عادت لتستعيده وباستماتة. رفعت رأسها له تستجدي منه الرأفة، تبحث بين خبايا عينيه تسأل نفسها: "ياقلب زوجي أين ذهبت تلك الرحمة؟ انتفضت على صوته، يخبرها بتوتر من نظرة عينيها التي ترمقه بها: "اخلصي وقومي." ردت بصوت مختنق من كبت دموعها: "حاضر يا أحمد. حاضر."
رفع نظره ينظر باتجاهها وهي ترتدي ثيابها لبدء رحلة عذابها اليومي. تفتح باب خزانتها بيد مرتعشة من شدة التعب. لم تأخذ وقتاً بانتقاء ما سترتديه. هي لا تملك غيرهم أساساً، كما تخبرها والدته: "خرق بالية لم ولن تليق بابنك وعائلته الثرية."
نعم، هي تلك الفقيرة الغنية التي انتشلوها من عالمها الوردي ونزعوا منها دراستها التي تعشق، وأصدقائها التي لا تملك مؤنساً غيرهم، وأهلها التي يمنعوها عنهم ولا تزورهم إلا في نوبات غضبها والتي لا تستمر أكثر من ساعتين، ويعيدوها بيديهم. ارتدت عباءتها البيتية لتبدأ يومها. رجعت بنظرها لأطفالها النائمون بسلام أخيراً، فوجدته ينظر لها بنظرة لا تعرف ماهيتها. نظرة لا مبالية أم شفقة لحالها؟
ولكنها تجاهلتها كما تجاهلت العديد من أمور حياتها. ورفعت صوتها تحدثه، بتوتر من رده التي تتوقعه: "طب ممكن بس تخلي بالك من سليم وسيليا على ما يصحوا؟ بلاش أنزلهم معايا دلوقتي الجو برد وهيتعبوا." رد برده التي تعلمه جيداً. أحمد بلامبالاة: "وانتي لزمتك إيه؟ أومال أنا متجوزك ليه. خدي عيالك معاكي نيميهم تحت، مش عايز صداع."
وباستهزاء أكمل: "وبعدين ما يتعبوا يا ست الدكتورة، أومال إيه ست سنين طب اللي خدتيهم. وعشانهم عاملالنا فيها دكتورة." وضعت يديها على أذنيها تكتمها حتى لا تسمعه، فتذكرها بخيبتها وضياع حلمها وأده بمكانه. لا تريده أن يذكرها، وهل نست ليذكرها كل دقيقة. اقتربت مسرعة غير عابئة لنظرته التي تحولت من السخرية إلى أخرى لا تعلمها، وهو يراها تحمل أطفالها الصغار كل على ذراع، ودموعها غلبتها لتغرق وجهها بقهر.
وصلت للطابق الأرضي بهم أخيراً. وجدته موصداً، ما زالوا نائمون. نظرت لصغارها النائمون بمرارة ولم تجد غير قدمها لتدق به الباب. انفتح الباب بغل وصراخ. "انتي يا غبية في حد يصحي حد دلوقتي؟ نزليهم من دلوقتي ليه؟ صراخها أيقظ النائمون على ذراعيها، فاستيقظوا صارخين من صياح عمتهم العالي. فريدة بحزن: "معلش يا أمل. مكنتش أعرف إنكم نايمين. أخوكي اللي صمم إنزل دلوقتي."
أمل بصراخ: "ما طبعًا تلاقي قرفان منك ومن منظرِك العكر ده. حاجة تقرف كل يوم على الموال ده." اندفع أخوها عابد باتجاه الصوت بلهفة: "في إيه بتشخطي كدا ليه؟ قلتلك ميت مرة متعليش صوتك على مرات أخوكي." وقعت عينه على فريدة الواقفة تخبئ عينيها الباكيه بحضن ابنها الباكي. نظر لأخته بتوعد واقترب حاملاً سيليا من بين يديها، قائلاً بحزن: "معلش يافريدة حقك عليا. هاتي سليم معايا أنا هنيمهم جنبي."
ابتسمت بحزن تعلم أنه أحن عليهم من والدهم نفسه، وأعطتهم له بهدوء وتسللت للمطبخ لتمارس عاداتها اليومية، تتمنى نفسها أن غداً أجمل. تكتم آهاتها بداخلها تنفذ وصايا والدتها: "اتحملي ومسيرها تتعدل. الست مالهاش غير بيت جوزها." *** جففت يدها واقتربت حاملة طفلها النائم بوجهه متسخ من شدة البكاء والتعب. تقبله بحزن، هامسة بأذنه: "أسفة يا حبيبي معرفتش أختارلك أب صالح. مكنش بإيدي. والله ما كان بإيدي."
التفتت لطفلتها التي تمسك بقدمها، ونزلت بصعوبة لتحملها هي الأخرى. لقد أنهت الغذاء أخيراً. وضعتهم على سرير عمها عابد، فهو الوحيد الذي يسمح لها باستعمال غرفته. الجميع يعاملونها كأنها حشرة معدية لا يصح لها أن تستعمل حاجياتهم. وأه لو يعلمون. وضعتهم واستندت أخيراً على جانبها منذ الصباح. دقائق... واندفعت حماتها صارخة بها: "قومي انتي هتنامي؟ يالا الرجالة جم عاوزين يتغدوا ولا مستنية أنا اللي أحط الأكل."
قامت من مكانها بصمت تنفذ بآلية. انتهت واقترب الجميع من المائدة لتناول الطعام. سليم الأب: "يالا يافريدة يابنتي تعالي عشان تتغدي معانا." اندفعت حماتها بقرف: "لا، غيري هدومك الأول لو عايزة تقعدي معانا عالسفرة. هتوسخي الكرسي." علت الصدمة وجوههم وانتظرت أن يخيب ظنها ويرد عنها، ولكنها كالعادة ينظر لها بخجل من منظرها ويصمت. وحده عابد كعادته من اندفع مدافعاً عنها. عابد بحدة: "إيه اللي بتقوليه دا؟
مالها هدومها مش شايف فيها حاجة عشان تغيرها. تعالي يا أم سليم اقعدي." نظرت له بامتنان وشكرته بهدوء، قائلة: "شكراً يا عابد. أنا سبقتكم بالهنا والشفا. عن إذنكم." سليم الجد: "ليه كدا يا أحمد؟ من امتى وانت كدا؟ استغفر الله العظيم. دي البنت من صباحية ربنا واقفة على حيلها." انتبهوا لجرس المنزل فاندفعت والدته قائلة: "أكيد دي روان، أصلي عزمتها عالغدا."
ارتعشت يده من ذكر اسمها، حبيبته ابنة صديقة والدته التي رفضت الزواج منه لأنه لم يكمل دراسته وتزوجت بغيره. وتزوج بفريدة عنداً بها ولكي يخبرها أن غيرها وبمكانه أعلى ارتضت به. فريدة التي تفوقها جمالاً وعلماً. ولكنه كما جرت العادة، الإنسان يبحث دائماً عما يرفضه. لقد تطلقت بعدما تزوجت بستة أشهر وعادت حرة من جديد، ومن يومها عاد الأمل لقلبه من جديد. وهي من أعادته.
رفع رأسه باتجاهها بعدما ألقت السلام عليهم، ورمقته بتلك النظرة التي يفهمها جيداً، نظرة تخبره بها أنها حرة وله. صاحت والدته: "فريدة. انتي يابت." أتت فريدة بهدوء كعادتها بعدما استمعت لترحيبهم بها، وبيدها ما تريده قبل أن تطلبه طبقاً لها. بعدما رمقت روان بنظرة سخرية ولا مبالاة. فريدة: "اتفضلي ياماما."
رفعت نظرها له وجدته ينظر لها بنظرة خجل. اندفعت للداخل بغصة بحلقها. وهل هناك أوجع على المرأة من أن تعلم أن زوجها عاشق لأخرى؟ أهناك أوجع وأصعب من أن يقترن اسمك بآخر يسخر منك ويقلل منك، يعيب بفقرك ويهينك به، يقتل روحك ويعنفك، فيجعلك تنسي روحك ونفسك، وتدفنها بخجل وضعف من قلة حيلتك. أهناك أصعب من أن ترتضي بالذل والمهانة من أجل قطعة منك؟ هذا حالها، هذه حياتها.
تنهدت بتعب وعيناها تغيم من شدة الإرهاق والتعب، وغصباً عنها شعرت بالجوع، لم تذق الطعام منذ هبطت للأسفل. وضعت بضع معالق من الطعام المتبقي ولم تجد مكاناً تجلس به بالمطبخ، فتمتعت بحزن وجلست أرضاً. ***
كان اندفع واقفاً بعدما جلست روان، غير راضٍ عما يحدث. يعلم تماماً ما تريده والدته لتكسر أنف تلك الجميلة الهادئة. ليتها كانت زوجته لحارب الدنيا من أجلها. ولكنها الدنيا لا تريح أحداً. تعطي لغيرك ما تتمناه أنت، فتقف متعجباً من غيرك التي لا تقدر قيمة ما تملكه. ولكنها أقدارنا، وهل نغيرها؟ روان بسخرية: "إيه يا عابد؟ أنا جيت قومتك ولا إيه؟ عابد بسخرية: "أبدًا، شبعت. عن إذنكم."
اندفع للداخل باحثاً بعينيه عنها، وجدها تجلس أرضاً تبتلع طعامها بغصة وبجانبها ابنتها تطعمها بيدها بهدوء. رفعت رأسها فوجدته هو، فنظرت له بخجل وحزن. اقترب منها يمنع حرجها، قائلاً بابتسامة: "تصدقي الأكل عالأرض أحسن. أنا كمان هاكل معاكوا." فريدة باستغراب: "مأكلتش معاهم ليه؟ عابد: "بصراحة نفسي انسدت، بس لما لقيتكوا قاعدين كدا انفتحت تاني."
فريدة بابتسامة: "طيب هحطلك طبق. بس معلش بقى الأكل اللي هنا مش شكل اللي برا، ومش مقامك الأرض." ضحك قائلاً: "يابت، إحنا طول عمرنا ناكل عالأرض. مبدأناش ناكل عالسفرة إلا من قريب." تنهد وهو يجلس بجانب سيليا الصغيرة: "لما انتقلنا هنا بعد ما ربنا وسعها علينا في التجارة، ماما اللي أصرت إننا نعمل أوضة للسفرة وناكل عليها زي ولاد البشوات، بس إحنا أساسًا عمرنا ما أكلنا عليها."
أومأت بهدوء وهي تعطيه طبقه، متذكرة تلك المثل التي تقوله والدتها دوماً وينطبق على حماتها (شبع بعد جوعة) . مد يده وأخذه منها، وتناولوا طعامهم مع تبادل الحديث بينهم. استمع لتمتمة كلمات من الداخل وهو يتناول طعامه، تحت نظراتها اللعوب. فباغتته أخته ببرود، غامزة لصديقتها روان: "متستغربيش، دي تلاقي اسمها إيه اللي انت جبتهالنا دي بتتكلم؟
هي وعابد بصراحة، عابد أخويا دا نفسه حلوة، مش عارفة بيجيله نفس إزاي يتكلم معاها بمنظرها دا." ارتعشت يده ونظر لها بتوتر، فأكملت بوقاحة: "والله انت ليك الجنة يا أحمد. أنا عارفة بتنام جنبك كدا إزاي، ولا انت نفسك بتجيلها إزاي." صراخ والدها أسكتها: "آآآه يا أمل. اخرسي. مش هسمحلك. إيه قلة الحيا دي؟
اللي بتتريقي عليها دي، لولا تحكمات أخوكي اللي ملهاش لازمة، كان زمانها دكتورة محدش زيها، وكانت وصلت لمكانة عمرك ما كنتي تحلمي توصليلها. أول وآخر مرة أسمعك بتكلمي عنها كدا. فاهمة." ابتلعت ريقها بخوف، فوالدها كأخيها عابد لا يسمح لها أبداً بإهانتها. لا تعلم ماذا فعلت بهم، أهو سحر أم ماذا؟
رفع والدها نظره لأخيها الجالس بإحراج، ناظراً له بخيبة وغيظ من ضعفه وخجله من زوجته. لكم من المرات نصحه ولكن لا حياة لمن تنادي. نظرة والده له كشفته أمام نفسه، فحمد الله وقام من مكانه.
سمع صوت ضحكاتها التي تناساها منذ شهور، فاقترب بهدوء من باب المطبخ، وجدها تجلس بأريحية مع أخيه يتجاذبان أطراف الحديث بسلاسة يتناولون طعامهم على أرضية المطبخ. جميلة هي كما رآها أول مرة، ليس بها غلطة، حتى وزنها الذي ازداد وما يعايرها به ما زادها إلا جمالاً. لقد وصل أخيه معها لمرحلة من الألفة لم يصل له هو بحياته معها. لقد أجبرها على ترك كل شيء تحبه، لم تؤثر به توسلاتها ولا دموعها الحزينة. لم يشفق قلبه لها يوماً. أهى بسيطة من عائلة فقيرة كما يخبره والده، فيتجبر عليها.
لمح ابنته بحضن أخيه تناديه "بابا". أنه حتى لا يذكر أنه حملها يوماً هكذا. زوجته وأبناؤه. لم يعلم من الأساس أنها بدأت بالكلام وتنادي أخيه "بابا". هل بالفعل لا يستحقها كما يخبره والده وأخيه؟ لما دائماً لا يرى غير أنه يريد قهرها وذلها؟ هو لا يكرهها، لقد أحبها وارتاح معها من أول مرة جلس بها معها. ولكن لا يعلم ما يحدث له. يسخرون من ملبسها وهيئتها. وهل هو اشترى لها يوماً ثياباً لتصبح أجمل؟ هل يعطيها أموالاً من الأساس؟
كما يخبره أخيه. هل يجعلها ترى الخارج؟ هو يخجل منها فقط. رفعت نظرها فوجدته ينظر لها بصمت مريب، فخافت غصباً عنها وارتعشت متذكرة ما حذرها منه مجالسة أخيه والشكوى، وهل تشتكي؟ لم ولن تشتكي يوماً.
ارتعشت يدها ووقعت منها الملعقة بخوف، خوفاً من أن يمد يده عليها كما فعل مسبقاً. لاحظ عابد فعلتها، فاستدار ناظراً لما تنظر له، ووجده أخيه. همت بأن تستقيم فسحبها عابد بعنف لتجلس مكانها، قائلاً: "اقعدي يافريدة كملي أكلك." رامقاً أخيه بنظرة استحقار وخجل منه ومن رجولته المنعدمة. فريدة بتوتر: "شبعت الحمد لله. هعملكم الشاي."
تنهد وهو يستقيم حاملاً سيليا، قائلاً: "خلاص يافريدة، أنا كمان شبعت. شكراً. متعمليش حسابي معاكي. هاخد سيليا أنيمها معايا. ابقي اطلعي انتي لما الولاد تصحى، هبقى أطلعهم لك." رمق أخيه بغيظ ورحل باتجاه غرفته. اقترب منها بهدوء، ناظراً ليدها التي ارتعدت وأوقعت الأطباق من شدة الخوف. رفعت نظرها له مبررة بتلعثم: "والله يا أحمد هو اللي قعد معايا. أنا كنت قاعدة في المطبخ بتغدا لوحدي والله."
أحمد بهدوء: "ششش اسكتي. خلاص." مد يده يمسك يدها المرتعشة، فازدادت رعشة. لمح جرح يدها التي سببه لها يوماً من ضربه لها بأحد الجوانب، فأغمض عينيه بخجل من نفسه. لما أوصلها له. ترك يدها التي لم يستطع بيده طمأنة رعشتها، فوقعت عينه على ما كانت تأكله، بضع من الأرز المحروق وفقط.
استدار لها فلمح جلبابها المتسخ من الجوانب، المهترئ من كثرة الغسيل، فصرخ بها غصباً عنه رؤيتها هكذا، تعريه هو أمام نفسه. لم ينقصه أموال لتكون زوجته بهذا المنظر. "اطلعي على فوق، مش عايز أشوفك قدامي." فريدة: "بس لسه هغسل مواعين الغدا وألمّه يا أحمد. وهعملكم الشاي." صرخ مجدداً: "قلت اطلعي." دخلت والدته له، تخبره بحدة: "تطلع فين وتسيب المطبخ يضرب يقلب كدا ومين يلم السفرة؟
اطلع انت يا حبيبي اقعد مع روان وأمل، ميصحش تسيبها لوحدها وهي تخلص شغلها وتغور تطلع. مش عايزينها." نظر لها فوجد عينيها غامت بدموع القهر، والتفتت مسرعة تعد الشاي. فاندفع للخارج ومنه للأعلى، غير عابئاً بنداء أخته.
انتهت أخيراً وصعدت للأعلى. دخلت للغرفة فوجدته نائماً واضعاً يده على عينيه. ذلك الرجل زوجها. غامت عيناها بذكري حلمها الوردي. رجل آخر بمكان آخر. كان حلمها الوحيد وخذلها كما خذلته هو حبيبته. لقد تزوجها لينسي بها من رفضته، وتزوجته جبراً آملة أن تنساه، وليتها نسته.
رجعت للخلف بهدوء. مكانها ليس هنا. لن تزعجه بالأساس، لا يرحب بها بجانبه، مكانها كما يخبره بالأرض. ذهبت لغرفة أبنائها واعتلت الفراش متقوقعة على نفسها تحتضن جسدها المتعب كطفلة صغيرة، غير عابئة بملابسها المبتلة المتسخة. ظهرها يؤلمها، لن تستطيع بتعبها النوم عالأرض.
رفع يده من على عينيه بعدما خرجت بهدوء كما دخلت. استقام باحثاً عنها، فوجدها متقوقعة على نفسها على سرير الأطفال بملابسها تلك. تنهد مقترباً منها إلى أن وقف قبالتها. لاحظ دموع عينيها التي تنزل بهدوء كهدوء صاحبته. لما لا يرتضى بها؟ ماذا ينقصها هي وهو يعلم أن زوجته كانت حلماً لجميع شباب قريتهم ومن يراها. لقد فاز بها هو. إذن لما لا يرضى ويرضيها؟ لما يعنفها هكذا؟ ماذا ينقصها لتستحق معاملته تلك؟
يده امتدت لا إرادياً تمسحها، فانتفضت ناظرة له بخوف بعينيها النجلاوتين التي أوقعتنه بهما يوماً. فريدة وهي تمسح دموعها بخوف: "إيه؟ في حاجة؟ أحمد بغصة: "لا مفيش بس... فريدة بخوف من أن يعنفها لنومها على الفراش بمنظرها هذا: "لملمت ثيابها واستقامت مسرعة، تخبره بأنها آسفة. آسفة معلش مخدتش بالي. آخر مرة. أنا بس كنت تعبانة ونمت بس أفرد ظهري." والتفتت بغصة، تخبره: "اللي زي مكانه في الأرض عارفه. عن إذنك." لما لم تنس؟
لما ما زالت تتذكر؟ لقد قالها بلحظة غضب. لما؟ ولما؟ ضرب بيده على الحائط، شارداً بتلك الليلة وما حدث بها. *** وحيدة وضايعة وقلبي بيبكي. فقري وحالي ذنبي ووجعي. دايماً يصرخ ويعنفني، يخرج حقده في ضربي وذلي. ذنبي أنا إيه إن كانت هي خانت عهدك، فارتميت أنت عليّ. تطلع عقدة جهلك فيّا، تظلم وتحجر أنت عليّ. بس ما تنسى إن في رب وحده عالم بيا، يجبر ضعفي وينصف فيّ. ورغم دموعي راضي عليّ. يا ظالم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!