نظرت داليا إلى والدتها بصدمة، واتسعت عيونها على آخرهما. تسمرت في مكانها وطالعتها بنفس النظرات، لكن الخوف زاد على نظرات داليا من ردة فعلها. قالت نسرين بصياح: –أنتِ!! وقعت صينية العصير من يد داليا بتوتر. نظرت إلى والدتها بسرعة، لتجد بعيونها نفس نظرة الصدمة. خرجت رحيل على صوت التكسير وركضت نحو داليا. قالت رحيل: –في إيه!! نهض بدر من مكانه بإحراج واتجه إلى ابنته، لكنها ظلت تطالعهم بعيون متسعة. قال فارس بقلق:
–أنتِ كويسة، في إيه؟! قالت نسرين بحنق: –هي دي اللي أنت عايز تتجوزها؟! ملقتش غير دي يا فارس. نظر لها فارس بانفعال وقال: –ومالها دي في إيه، أنتم تعرفوا بعض؟! –ويارتني ما عرفتها. قالتها نسرين بغضب. فرد عليها بدر بقسوة: –ياريت تاخدي بالك من كلامك، اللي بتتكلمي عنها دي بنتي. قالت نسرين بغضب: –قبل ما تدافع عنها كده، أعرف الأول بتعمل إيه من وراك. أنا مستحيل أقبل بالجوازه دي. وقبل أن تتحرك من مكانها، أمسكها
زوجها من يدها بعنف وقال: –ممكن تهدي شوية وتسيبنا نتكلم! إيه اللي أنتِ بتعمليه ده. نظر فارس إلى داليا بخذلان وقال: –داليا إيه اللي حصل؟ طالعته بدموع وقالت: –والله ما حصل حاجة، ده سوء تفاهم صدقني. طالعها فارس للحظات ثم نظر إلى بدر وقال: –عمي بعد إذنك، ممكن أتكلم مع داليا على انفراد لو مش هيضايق حضرتك.
نظر له بدر بضيق، وطالع والدته بنفس الضيق، ثم تحرك من مكانه وتركهم. نظرت أمينة إلى فارس وأومأت له برأسها. فذهب إلى الشرفة هو وداليا، وكانت نسرين تجلس بتوتر وتهز أرجلها. عندما دلف الاثنان، قال فارس: –ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل؟ كانت داليا تبكي بشدة. فتردد قليلاً، ثم أمسك يدها وقال: –ممكن تهدي وتفهمني! سوء تفاهم إيه؟ مسحت داليا دموعها وقالت:
–أنا مكنتش أعرف أن مامتك عندها أتليه. أنا روحت لها امبارح عشان أجيب فستان وماما كانت معايا. وبعدها الحيوان ده كان ماشي ورانا، وطلع قدامي وفضل يقول كلام ملهوش لازمة. عشان كده مامتك أخدت فكرة وحشة عني. أردف فارس بقلق: –قال إيه بالظبط؟ –أنه كان بيجيلي البيت من ورا أهلي. قالتها بعدم تركيز. وعندما أدركت، نظرت له لتجده يطالعها بخذلان وكسرة، وقال بصوتٍ مهتز: –والكلام ده صح ولا لا؟ نظرت له داليا بصمت ثم قالت:
–هو إحنا مش اتفقنا نقفل أي حاجة قديمة؟ –أيوة، بس عايز أعرف. أو مش محتاجة تجاوبي، هي واضحة. عشان كده قال قدامي أنكم كنتم زي المتجوزين. طبيعي كان بيجيلك البيت من ورا أهلك، بس يا ترى هيبقى نفس الشيء معايا؟ نظرت له بذهول وقالت: –يعني إيه! –يعني لما أخرج، هتجيبي واحد البيت من ورايا. هسيب بيتي وعيالي وشرفي أمانة عندك إزاي؟ بكت داليا بقهرة وقالت:
–والله العظيم ما حصل حاجة. إحنا كُنا بنتقابل في البيت بس عشان كُنا بنخاف حد يشوفنا برا سوا، عشان في مشكلة بين أهل حازم وأهلي. –مش عارف أصدقك. مش عارف أبص في وشك حتى. بكت داليا ونظرت له بصمت، وذكّرت نفسها أنها قالتها من قبل، أنها لا تستحق شخص مثله، لا تستحق كل هذا الحب. وقبل أن يتحرك فارس من مكانه، وقفت رحيل أمامه، والتي قد استمعت لكلماتهم تلك. نظر لها فارس بعيون قد ترقرقت الدموع بها. قالت رحيل:
–أنا عارفه أن داليا غلطت، بس حقيقي متستاهلش كل ده. مينفعش تعاقبها على حاجة قديمة. حقك تزعل لو عملت كده وهي معاك، لكن كده أنت بتظلمها. مسح عينيه وقال: –مش هعرف أثق فيها بعد كده. –هتعرف، مع الأيام هتنسى والثقة دي هتتبني. بلاش تكسرها قدام أهلك، دي أهم حاجة. أنا مش بجبرك تعمل حاجة، لكن أنت وداليا تحبوا بعض. حرام تنتهي بسبب واحد حيوان ميستاهلش. طالعته فارس بصمت وظل يفكر بكلماتها. *** في غرفة ليلى..
ظلت مريم بجوارها وكانت تتطلع لها بعيون قد كساها الاشتياق، حتى جاءت سلمى ببعض الطعام لليلى. وأخذته منها مريم ثم أيقظت ابنتها برفق. فتحت ليلى عيونها بتعب وحملتها مريم بين يديها وأجلستها في حضنها. وأمscت الملعقة ثم أطعمتها بيدها. كانت ليلى تنظر إلى والدتها مريم بعيون متسعة وبراءة كبيرة. طالعتها بعيون صادقة تُرسل لها الآلاف الكلمات التي تعني جميعاً ” أشتاق إليكِ “.
ورغماً عن الطفلة، ترقرقت الدموع في عيونها وهي تتناول الطعام. فقالت مريم بقلق وتوتر: –بتعيطي ليه، في حاجة وجعاكي؟ قالت ليلى بدموع تتساقط مثل اللؤلؤ:
–صحابي لما كانوا بيقولولي أن مامتهم بتأكلهم بأيديها، كنت بزعل أوي عشان معنديش ماما تأكلني بنفسها زيهم. وفضلت أكلم ربنا كتير ومش مصدقة أن ربنا جابلي مامتي زيهم ومحرمنيش من حاجة. أنا بحب ربنا أوي، وهفضل أدعيه على طول وأنا مش خايفة، هفضل متأكدة أنه ربنا مش هيزعل ليلى أبدًا. وبحبك أنتِ كمان. ضحكت مريم بفرحة ثم عانقتها بقوة وقالت:
–أنا عملت إيه حلو في الدنيا عشان ربنا يرزقني ببنت جميلة زيك كده، أنا محظوظة أوي وتأكدت أن ربنا بيحبني عشان كده بعتك ليا. أكملت إطعامها لتقول ليلى: –لما أخف، عايزه أرجع الحضانة وأنتِ اللي توديني كل مرة وتيجي تاخديني عشان صحابي يعرفوا أن ليا ماما زيهم، عشان محدش فيهم يضايقني تاني. –إيه رأيك أنا وأنتِ نروح نتخانق معاهم؟ –بس دول عيال صغيرة، هتتخانقي معاهم إزاي يا ماما؟ –أنا أعيل منهم عادي. ضحكت ليلى بقوة وعانقت
مريم مرة أخرى ثم قالت: –ماما، أنا بحبك اوي. عارفه إني قولتلك من شوية كده، بس حاسة إني عايزه أقولك كل شوية إني بحبك. ترقرقت الدموع في عيون مريم وازدادت نبضات قلبها حين سمعت كلمة ” ماما ” من أفواه ليلى. وظلت تقبلها في رأسها برفق، وظلت تحمد ربنا ألف مرة أنه لم يحرمها من تلك النعمة التي على هيئة بنت صغيرة. *** في المديرية..
تم احتجاز أحمد بسبب اتهامه بخطف ليلى. جلس مكانه على الأرض بدموع، يقسم بالله أنه كان ينوي للخير، كان ينوي أن يصلح كل الأمور. ندم بشدة لأنه وثق بهذا الخائن، وتذكر كلماته في المقابر. ولولا ما حدث هذا، لكان أخبر عاصي بكل شيء. وفجأة، دلف إليه إحدى العساكر وأخذوه إلى إحدى الغرفة. وعندما دلف، وجد شريف يقف أمامه ويناظره بشماتة. ولولا القضبان التي يقف خلفها، لكان قد فتك به من شدة غضبه. قال شريف ببرود: –متعصب ليه، متروق كده.
صاح به أحمد: –أنت واحد جبان! أنت عملت كل ده عشان خوفت أروح أكشفك قدام عاصي، بس لو فاكر إنك خلصت مني تبقى غلطان. قال شريف باستفزاز: –مش هيصدقك، أنا كسبت ثقة عاصي وأنت لوحدك اللي خسرت. –ليه عملت كده؟ أنا كنت في صفك ويساعدك! أبتسم شريف بخبث وقال: –تقدر تقول إن الفكرة دي جاتلي متأخر أوي. دلوقتي أنا كسبت ثقة عاصي، وبكره هكسب صداقته، بعدين هكسب شركته وحياته، وهو هيخسر!
هو كده الغدر مش هيجيلك غير من أقرب حد ليك، وأنا عايز أكون أقرب حد لعاصي. –ليه كل الشر ده لعاصي! –عشان بسببه خسرت أغلى ناس في حياتي، خسرت أمي بسببه، ودلوقتي خسرت أبويا اللي مد أيده ليا! نظر له أحمد بدهشة وقد تذكر الكلمات التي سمعها منه في المقابر، وقد فهم لماذا يحقد شريف على عاصي إلى هذه الدرجة. ولكن ماذا فعل عاصي؟ وكيف تسبب في موت والدة شريف؟
كيف، وقد قال شريف أنه ترعرع في ملجأ. وفي النهاية، تحرك شريف وترك للآخر آلاف الأسئلة. ولكنه عندما سار بضع خطوات، عاد إليه مرة أخرى وقال: –أنا عارف إنك كنت ماشي ورايا وأنا في الترب، وعارف إنك سمعت كلام. طالعه أحمد بذهول، فأكمل الآخر بابتسامة ماكرة:
–لو فكرت تتكلم وتقول أي حاجة عني، مش محتاج أعرفك إيه اللي هيحصل في بنتك. متفتكرش أنها هتكون بعيدة عني، بالعكس، دلوقتي بقت أقرب مني جدًّا. ممكن تتأذي في أي وقت ولسانك هو اللي هيحدد ده. لو متكلمتش في حاجة، هتفضل بنتك بخير. لكن لو اتكلمت وقولت حاجة عني، أنت عارف الباقي. –أنت بتهددني؟! –شايف إيه؟ أنا قولت اللي عندي وأنت حر.
ثم طالعه ببرود وتحرك من مكانه. وعندما ذهب، وصل لعز خبر أنه قد أتى شخصاً ما لزيارة أحمد. فاتجه إلى المديرية بسرعة حتى يلحق هذا الشخص، ولكنه لم يلحق به. في منزل بدر.. جلست نسرين بتوتر وقالت إلى زوجها بعد أن قصت عليه ما حدث في الأتليه الخاص بها، ولكن زوجها ظل مقتنع أن هذا سوء تفاهم. قال لها: –البنت شكلها محترمة وأهلها ناس ذوق يا نسرين، حرام عليكي. أكيد سوء تفاهم. –لا مش سوء تفاهم. تدخل في الحوار ضياء أخو فارس وقال:
–بابا عنده حق، أدي فرصة للبنت تتكلم. غير كده، فارس بيحبها أوي، بلاش تعقديها بقى. وقبل أن تتكلم، خرج فارس إليهم وخلفه داليا ورحيل. وفي تلك الأثناء، ذهبت أمينة وخرجت مع بدر هي أيضاً. قال فارس: –أنا اتكلمت أنا وداليا وفهمت كل حاجة. نظرت له داليا بخوف وكذلك رحيل. فقال الآخر: –الموضوع كله سوء تفاهم. حازم ده كان زميلنا في الكلية وعمل كل ده عشان يوقع بيني وبين داليا من أكتر. قالت نسرين بإصرار: –مش مصدقة. وهُنا
تقدمت رحيل وتكلمت: –أنا مع حضرتك بصراحة. حقك تضايقي وتاخدي موقف زي ده. نظرت لها داليا بذهول وكذلك أهلها بسبب كلماتها تلك. ونظرت لها نسرين بابتسامة لأنها أكدت على كلامها. ولكن رحيل أكملت:
–حقك طبعاً تتكلمي وتقولي كده لأنك شايفة جانب واحد بس من الصورة. لكن في جوانب تانية بتقول أن اللي شايفة ده غلط. ودي طبيعتنا كبشر، عشان كده في حاجة اسمها نقاش، عشان نفهم وندرك ونشوف الصورة صح. فارس بيحب داليا، معقول هتكسري قلب ابنك عشان سوء تفاهم وحاجة مش حقيقية؟! غير كده، ده مش عدل. أنتِ حتى مدتيش فرصة لنفسك إنك تعرفي داليا. نظرت لها نسرين بتردد، ولكن تغيرت نظراتها إلى القسوة. وقبل أن تتكلم، ذهبت رحيل إلى
جوارها وقالت بضحكة مرحة: –اتصديقي بالله، أنتِ شكلك لطيف اوي. يعني أنا مش متخيلة هتكوني حماه إزاي، ده أنتِ اللي يشوفك يقول أصغر من داليا. ضحكت نسرين رغماً عنها بسبب كلمات رحيل. وقد نظر ضياء أخو فارس إليها بأعجاب شديد. وقد انبهر الجميع من ذكائها في تدارك الأمور. بكلمات بسيطة منها وبتصرفاتها العفوية، حلّت وضع معقد جدًّا. وعندما وجدت نسرين تضحك، قالت رحيل: –وضحكتك جميلة كمان، لا براحه على قلبي مش كده. ضحكت نسرين أكثر
ثم قالت من بين ضحكاتها: –ممكن تديني فرصة أتكلم طيب. صمتت رحيل بتأدب وتركت الفرصة لنسرين حتى تتكلم. صمتت الأخرى قليلاً ثم أردفت: –أولاً، أنا آسفة على رد فعلي العنيف ده، بس مخي اتشوش. لولا البنت دي، أنا مكنتش هعرف أفكر صح. أنا موافقة، معنديش مشكلة، بس برضو فترة الخطوبة دي هتكون بنسبةالي إختبار ليكِ.
وقد وجهت كلامها في النهاية إلى داليا. ضحكت داليا بفرحة وأومأت برأيها وجلسوا سوياً ثم قرئوا الفاتحة وسط فرحة وضحكات رحيل التي قد سلبت عقل ضياء. ولكنه لم يحتمل حتى يعود إلى بيته، فقرر أن يعرض على رحيل أن يخطبها هو أيضاً حتى يعرفوا بعض أكثر، ولعل يكون هناك نصيب بينهم. ولكنه قبل أن يتكلم، رن أحدهم جرس الباب. فذهبت رحيل وفتحت الباب لتجد عاصي أمامها! نظر لها بتوتر وقال: –أنتِ كويسة، مش محتاجة حاجة؟
ضحكت رحيل وأشارت برأسها بالنفي. قالت: –اتفضل. قال عاصي بسرعة: –لالا، أنا جيت أطمن عليكِ بس. قالت رحيل بمزاح ومكر: –ياااه، أد إيه أنت أخ عظيم. أبتسم عاصي ابتسامة صفراء وقال بغيظ: وفي تلك اللحظة، أتى بدر بحثاً عن رحيل حتى وجدها تتحدث مع عاصي عند باب الشقة. اتجه بدر إليهم وقال بسرعة: –أنت واقف على الباب ليه، اتفضلوا.
وقبل أن يتكلم عاصي، وجد من يسحبه من يده حتى يدخل. دلف عاصي وبدر وكذلك رحيل إلى الصالون حيث يوجد فارس مع أهله. وما أن دخلوا، قال ضياء بسرعة: –عمي، بصراحة أنا كنت عايز أكلم حضرتك في موضوع تاني. طالعه فارس وعائلته بدهشة، ثم نظر له بدر بتساؤل وانتظر سؤاله حتى قال: –لو مفيش مانع، ممكن أطلب إيد آنسة رحيل. يعني بدل الفرحة تبقى اتنين. وقبل أن يرد بدر، قال عاصي بغضب وغيظ: –تطلب إيد مين؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!