وقبل أن ترد عليه رحيل، أوقفها صوت صراخ ليلي التي وقعت من أعلى اللعبة التي كانت عليها. انتفضت رحيل من مكانها ومعها عاصي وهرولوا إليها بسرعة. وصلت إليها رحيل وحملتها في أحضانها بسرعة. كانت ليلى تبكي بشدة وظهر جرح صغير في ركبتها، ليس عميقًا، نفس الجرح الذي يوجد أثره بنا حتى الآن من طفولتنا. أمسك عاصي ساقها بحذر وصاح بها: –لحد امتى هفضل أقولك خدي بالك من نفسك. ولم يكمل جملته، لأن من صاحت به تلك المرة كانت رحيل وهي تقول:
–أنت شايف ده وقت مناسب للتهزيق بتاعك ده، لازم نروح بيها أي صيدلية تعقم جرحها ونضمدها. –صيدلية إيه؟ أنا هاخدها المستشفى. –الموضوع مش مستاهل، مش كده يا لولي؟ نظرت لها ليلى بدموع وقالت: –لا، أنا ركبتي وجعاني أوي، عايزة أروح المستشفى. –طيب يا حبيبتي، بطلي عياط الأول وهنروح الصيدلية، لو لقينا الموضوع كبير هنروح المستشفى، اتفقنا؟ –ماشي، خالوا عاصي شيلني، مش قادرة أمشي. وقبل أن يتحرك عاصي، قالت رحيل بصرامة:
–لا يا خالو، خليك مكانك، ليلى قوية وهتقدر تمشي لحد العربية لوحدها، هي مش بعيدة. قال عاصي: –مش هتقدر تمشي، خليني أشيلها. –شوية وشوية طيب، اتفقنا يا لولي، لازم نحرك رجلنا عشان الوجع يقل، ماشي؟ –بجد؟ –أيوه طبعاً، بصي جربي تمشي كده وتنسي أنها فيها تعويرة، هتلاقي الوجع راح خالص، تيجي نجرب نمشي شوية. حركت ليلى رأسها بالإيجاب، وتحركت مع رحيل ببطء حتى كادت أن تتحرك بطبيعية وكأن لا يوجد جرح بقدمها. نظر عاصي إليهم بدهشة كبيرة.
وهنا جاءت إحدى الأمهات والتي كانت تقف بجوارهم، وهي من التقطت ليلى حين سقطت. قالت له: –مامتها صح؟ لازم تتصرف معاها كده، لازم تحسس الطفل من صغره أنه يقدر يعتمد على نفسه، مش من أي حاجة تكون أنت مصدر المساعدة، لازم يساعد نفسه. لو هي مكنتش عملت كده، كانت البنت كل ما تقع هتستناك تيجي تقومها، مش هتقوم نفسها بنفسها، كده هتبقى أقوى وقادرة تعتمد على نفسها أكتر. نظر لها عاصي وابتسم ابتسامة مجاملة، ثم لحق بهم. وعندما اقترب منهم،
سمع رحيل تقول: –شوفتي الوجع قل خالص إزاي؟ –شوية أيوه، بس لو خالو شالني كنت هبقى مرتاحة أكتر. –افرضي خالو مش موجود؟ هنفضل قاعدين في الأرض كده مستنين أي حد يجي يقومنا ولا نساعد نفسنا إحنا ونقوم؟ –نساعد نفسنا ونقوم. –شوفتي بقى إنك بنوته شطورة، أنا حبيتك أوي. –وأنا كمان. اقترب منهم عاصي وقال للفتاة: –حاسة بإيه دلوقتي؟ –وجعاني بس مش أوي.
وفي تلك الأثناء، كان وصل الثلاثة أمام السيارة. وأخذ عاصي ليلى ومعه رحيل إلى أقرب صيدلية، وتم تضميد جرح ليلى البسيط. ثم عادوا إلى السيارة مرة أخرى. وهُنا وقفت رحيل وقالت: –كده هستأذن أنا بقى، أنا فرحت أوي باليوم معاكي يا لولي، مع أنه مكملش وكان لسه في خطط كتير، بس مش مشكلة. نظرت لها ليلى بخوف وقالت: –هشوفك تاني؟ نزلت رحيل إلى قامتها وقالت: –أكيد هتشوفيني تاني. نظرت ليلى لعاصي وقالت: –هتخليني أشوف رحيل تاني يا خالو؟
نظرت رحيل بقلق من ردة فعله، وجاءت لتتكلم، ولكنه اسكتها حين قال: –أكيد، وقت ما تكوني عايزة تشوفيها قوليلي. صفقت ليلى بفرحة وقفزت في مكانها، فتأوهت بألم بسبب الجرح الصغير بركبتها. قالت رحيل: –طيب أنا همشي، مع السلامة. قال عاصي بسرعة: –استني، أوصلك معانا. –لا، أنا بيتي قريب أصلاً. ابتسمت لها ليلى، ثم طلبت من عاصي أن يحملها، ثم مالت بجسدها على رحيل وقبلتها في وجنتها.
وفي تلك اللحظة، في مكانٍ ما بعيد عنهم بخطوات، التقط أحدهم صورة لهم بتلك الوضعية، ثم التقط لهم العديد من الصور معًا!! تفاجأت رحيل من حركتها تلك، ولكنها ابتسمت بعفوية وردت القبلة لها، ثم استدارت ولوحت بيدها لهم وسارت في طريقها إلى بيتها وهي تحمد ربها في سرها أن يومها الأول في تلك الشركة قد مر بأقل الخسائر. في المصحة النفسية.
وبعد أن انتهت من إحدى الجلسات، عادت بها الممرضة إلى غرفتها. دلفت إليها بصمت وجلست على سريرها ونامت مكانها دون أن تتحدث. قد اعتادت منها الممرضة على تلك الأفعال، لذلك خرجت من الغرفة بملل.
وعندما أحست أنها بمفردها في الغرفة، نهضت من مكانها وأخرجت تلك الرسائل المخبأة تحت سريرها. لا تعرف من يرسل إليها تلك الرسائل، ولكن كل ما تعرفه أنها ترى العالم من خلالها. تصل لها رسالة كل أسبوع من شخصها المجهول. كانت تلك الكلمات المكتوبة فيها بمثابة بوابتها للعالم الخارجي. كانت تنتظر تلك الورقة كل أسبوع بشدة، كانت الوسيلة الوحيدة التي تهون عليها مرارة ما تعيشه.
في إحدى المرات، كانت رسالتها عبارة عن وصف الربيع وكيف تبدو الزهور في هذا اليوم. برغم الحديقة التي كانت تجلس بها كل يوم، ولكنها لم تشعر للحظة برائحة الزهور إلا عندما قرأت تلك الرسالة. رويدًا رويدًا، بدأت حواسها في الاستجابة. أخذت تقرأ في الرسائل القديمة مجددًا، كانت تهون على نفسها حتى تأتيها الرسالة الجديدة. قالت: –مين بيبعت الرسايل دي؟ معقول يكون هو؟ طيب لو هو، إزاي بتوصل هنا؟ وليه هيبعتلي رسايل أصلاً؟
ما هو كل ما بيبقى عايز يجي يشوفني بيجي. وفي تلك اللحظة، دق الطبيب شادي على الباب. فأخفت الرسائل بسرعة تحت وسادتها، ولكن هناك ورقة ظهرت لم تنتبه لها. وضعت الحجاب على رأسها بسرعة وظلت صامتة واعتدلت على سريرها. ففتح الآخر الباب بحذر، وعندما وجدها تجلس مكانها، دلف إلى الغرفة. قال: –أخبارك إيه النهاردة؟ نظرت له بصمت، ثم أشاحت ببصرها عنه. قال شادي: –طيب، أنتِ بتعاقبيني ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ –ذنبك إنك واحد من اللي حابسيني هنا.
وقف شادي أمامها وظل صامتًا. فنظرت له بتساؤل، وعندها قال: –لو تعرفي حقيقة اللي بعمله عشان أخرجك من هنا، صدقيني مش هتقولي كده. –ليه؟ مش دي الحقيقة؟ بسببك أنت وعاصي أنا هنا. –عاصي مش بيأذيكي، أيوة هو طريقته غلط، بس أنتِ متعرفيش هو عمل كل ده ليه. –عشان يعاقبني ويعاقبها. استفاد إيه لما فرقنا كده وبقت هي في بلد وأنا في بلد؟ طب أنا هونت عليه، ماشي. هي هانت عليه؟ –أنتِ ليه مركزة على وجودك هنا ومش بتحاولي تركزي أنتِ هنا ليه؟
أنتِ هنا عشان تتخطي شعورك بالكره ده. –أنا بكره اللي آذوني، وأنت واحد منهم! –من وجهة نظرك، أنا آذيتك في إيه؟ –عشان عارف إني سليمة ومش محتاجة علاج، وبرضو مصمم تخليني هنا. –أنتِ زي الفل فعلاً، وأنتِ مش موجودة هنا عشان أنتِ مريضة ولا فيكي حاجة. قولتلك خدي وجودك هنا فترة راحة ليكي، تقدري تقوي نفسك عشان تخرجي للعالم من تاني. –فترة راحة بقالها خمس سنين!!
–أنتِ الوحيدة اللي في إيدك إنك تنهي المدة دي. عمومًا، أنا مش عايزك تتعبي أكتر، أنا هسيبك ترتاحي دلوقتي. تحرك من مكانه وقبل أن يخرج من الغرفة، قال: –عايزك تفتكري إني مش عدوك، ولو احتجتي مساعدة، فأنا أول شخص فكري فيه، وتأكدي إني هساعدك. المهم إنك تثقي فيا بس وتمسكي في إيدي لحد ما نوصل للبر. صدقيني، أنا مش عايز أكتر من كده.
نظرت له للحظات، ثم خرج شادي من الغرفة. وتنهدت هي بتعب. ووقتها لاحظت الورقة التي قد ظهرت من أسفل وسادتها، فحمدت ربها أن شادي لم يراها. لا تنكر أنها ارتاحت لكلماته قليلاً، ولأول مرة سوف تجرب حظها وتثق في هذا الطبيب!! قالت: –بكرة هحكيله على موضوع الرسايل، ولو هو صادق فعلاً هيساعدني أعرف مين اللي بيبعتهم. *** –بس يا تيتا، بعدين رحيل أخدتني في حضنها جامد كده وأنا كنت عمالة أعيط.
قالتها ليلى بحماس وهي تحكي لحنان عن تلك الفتاة التي تدعي رحيل، وكانت تتحرك في كل مكان وقد نست وجع ركبتها نهائيًا. كان عاصي يجلس أمامها ويضع يده على وجنته بملل من كلامها عن بطلتها الخارقة التي كادت أن تنهي مسيرته المهنية قبل يوم فقط من هذا الكلام. ابتسمت حنان وقالت: –ده مين اللي عاملة كده في ليلى بس؟ مين رحيل دي يا عاصي؟ –دي واحدة بيني وبينها شغل. –طب ما ليلى كانت بتروحلك على طول، مكنتش بتشوفها يعني؟
ولا هي لسه متعينة جديد؟ –لا، ده موضوع طويل. –طب ما تحكي، في إيه مالك؟ إحنا كل فين وفين لما بنقعد بنتكلم كده أصلاً. تنهد عاصي، ثم حكى لحنان عن قصة تلك الفتاة وكم المصائب التي فعلتها في يوم واحد فقط. وفي النهاية ضحكت حنان. فقال الآخر بدهشة: –أنتِ بتضحكي!! أنتِ متخيلة لو مكنتش أنا لحقت الموضوع كان هيحصل إيه أو كنت هخسر إيه؟ –بس ده ميمنعش أن البنت لذيذة أوي، ضحكتني والله.
–لذيذة آه، دي أنا مش فاهمها بجد، مش عارف إيه النموذج ده. في لحظة تحس أن عفويتها بتوديها في داهية، وفي لحظة تانية تحس أنها فاهمة وعاقلة وناضجة كفاية. وفي اللحظة اللي بعدها تلاقيها اتغابت تاني. قالت حنان بضحك: –ده واضح أن مش ليلى بس اللي رحيل قدرت أنها تلفت نظرها. –هي لفتت نظري فعلاً، بس بالهبل والتمثيل اللي هي بتعمله ده. –تمثيل إيه بس؟ –أصل مفيش حد كده بصراحة.
ضحكت حنان، ثم نهضت من مكانها وأخذت ليلى إلى غرفتها حتى تبدل لها ثيابها. ونهض الآخر حتى يتابع عمله بعد أن نفض رحيل عن رأسه. *** وفي طريق رحيل إلى البيت، شعرت بشعور غريب وكأن شخصًا ما يتبعها. وعندما اقتربت من المنزل، سمعت صوته خلفها وهو يقول: –برضو مش ناويه تبعدي عنهم؟ التفتت رحيل بسرعة لتجد حازم أمامها وينظر إليها بغضب كعادته معها. قالت: –أنت بتعمل إيه هنا؟
–ردي عليا، أنا مش حذرتك قبل كده وأنتِ عامله نفسك جدعة أوي ومش عايزة تسيبي البيت ده برضو. –ده بيتي، أنت اتجننت؟ –لا مش بيتك، أنتِ دخيلة في البيت ده، وطول ما أنتِ فيه أبويا هيرفض أنه يدخله حتى. –ليه كل ده؟ –بتسألي أكنك مش عارفه، أنتِ السبب في كل حاجة بتحصل بسبب أبوكي زمان اللي نصب على أبويا في فلوس الأرض، وبسببك دلوقتي عشان كل ما أجرب أفتح مع أهلي الموضوع يتقفل أول ما تيجي سيرة أبوكي وسيرتك.
–ده كان سوء تفاهم حصل زمان، ومعنى أن أهلك مش عايزين ينسوا ده مش ذنبي. قالتها بصراحة والتفتت حتى تتحرك من مكانها، ولكنه أمسكها من ذراعها بقوة وأحكم قبضته عليها وقال: –أنا هحذرك لأخر مرة يا رحيل، ابعدي عن داليا والبيت ده. اعتمدي على نفسك، سافري، اعملي أي حاجة، المهم تبعدي عنهم. وياريت لو تستقلي مادياً، كفاية كل المصاريف اللي بتاخديها كل السنين دي. سحبت رحيل يدها بقوة وقالت بحده شديدة:
–لما تكون بتصرف عليا من فلوسك، أبقى اتكلم. بطل تحشر نفسك في اللي ملكش فيه. –كل ده داليا فاكرة أن المشكلة في عيلتي أنا. أنا مش عايز أقولها إنك السبب، هي مش ناقصة، هي بتكرهك لوحدها أصلاً. أخرجي من حياتنا بقى، لآخر مرة هقولهالك. نظرت له رحيل بتحدي وجفونها لم ترمش قط. رحل الآخر بضيق وتركها، وما أن التفتت حتى تبدلت نظراتها إلى الضعف والوهن.
فكرت في كلماته كثيرًا وهي تصعد إلى بيتها، حتى وصلت إلى باب الشقة بعدم تركيز. دقت على الباب بخفة، وبعد ثوانٍ فتحت لها داليا. قالت بصوت خفيض: –مش هتتخيلي إيه اللي حصل من شوية. لم تنتبه رحيل إلى كلماتها ودخلت إلى المنزل واتجهت إلى غرفتها بدون أن تتحدث مع أي شخص. نظرت لها داليا بتعجب ولحقت بها. وعندما دخلت، وجدت رحيل تجلس على سريرها بصمت. فقالت الأخرى: –قوليلي، عملتي إيه النهاردة في الشركة؟ –أنا لازم أمشي.
قالتها رحيل بصوت خفيض. فقالت داليا بعدم فهم: –بتقولي إيه؟ علي صوتك. –بقولك لازم أمشي. –تمشي تروحي فين؟ عندك مشوار تاني يعني؟ –لا، لازم أمشي وأسيب البيت ده. –نعم؟!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!