الفصل 12 | من 46 فصل

رواية رحيل العاصي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميار خالد

المشاهدات
20
كلمة
2,566
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

اتسعت عيون شادي من كلماتها تلك وصمت للحظات من هول صدمته، وبعد ثوانٍ أردف: –وأنتِ أكيد وافقتي. –أيوة. ابتسم الآخر ثم قال: –طيب جايه تقوليلي دلوقتي ليه؟ –مش عارفه.. صدقني مش عارفه، بس أنا مش مرتاحة مع إني ده اللي كنت عايزاه، بس أنا... ثم زفرت بضيق وامسكت رأسها بألم. نهض شادي من مكانه وجلس على المقعد المجاور لها ثم قال بابتسامة: –أنسي كل ده، أنا مبسوط أنك جيتي قولتيلي. –بس أنت هتمنعني صح؟

–لو ده اللي أنتِ عايزاه أنا مش همنعك، وأنا سايبلك حرية الإختيار. قولي اللي أنتِ عايزاه، عايزه تهربي كده كده الموضوع هيكون بعيد عني، بس.. –بس إيه؟ –هل أنتِ جاهزة إنك تقابلي العالم الخارجي لوحدك؟ ظلت تنظر بعينيه لفترة ثم قالت بدموع: –لا. –وعشان كده أنتِ لسه هنا لحد دلوقتي، صدقيني كل اللي بيحصل ده عشانك أنتِ.

تنهدت سلمى وظلت تتنفس بصوتٍ عالٍ ثم بكت بضيق. نظر لها شادي بعيون متسعة لأن تلك هي المرة الأولى التي تبكي فيها بتلك الطريقة منذ وقت طويل. ابتسم بفرحة وتركها تبكي حتى توقفت بعد لحظات وبدأت تنظم أنفاسها مرة أخرى. نظرت إلى شادي لتجده يطالعها بابتسامة، فنظرت له بتساؤل نوعاً ما. قال الآخر بدون أي مقدمات: –إيه رأيك أعزمك على الغدا النهاردة؟ ابتسمت بتهكم وسخرية وقالت: –والله؟ والغدا هنا ولا في جنينة المصحة؟

نظر لها شادي بصمت وابتسامة غامضة على وجهه، فتغيرت نظرات سلمى ونظرت له بعيون متسعة ثم قالت: –هتخرجني من هنا؟!! –لو وعدتيني إنك متعمليش أي فعل يبوظ كل حاجة. نظرت له سلمى بابتسامة رائعة ولأول مرة تضحك بوجهه وقالت: –يعني بجد هتسمحلي إني أخرج من هنا حتى لو وقت صغير؟ –أنا كنت عايز اجبلك هدية عشان أنتِ وثقتي فيا وفتحتِ لي قلبك، وبصراحة ملقتش أحسن من الهدية دي، طبعاً ده قبل ما تقوليلي على موضوع دكتورة فاطمة.

ابتسمت سلمى بأمل ونظرت له بثقة، فقال شادي: –ها يا ستي تقبلي نتغدى سوا ولا؟ –أيوة أقبل. ثم صمتت للحظات وقالت بوجه عابس: –بس هخرج بالهدوم دي؟ ابتسم شادي وقال: –أكيد لا، روحي دلوقتي مع سهام وهي هتديلك فستان جميل مع الحجاب بتاعه، هستناكي كمان ساعة.

نهضت سلمى من مكانها ونظرت إلى شادي بفرحة كبيرة، بعيون لامعة، بأنفاس متفائلة. نظر لها شادي ولأول مرة يشعر بكل تلك السعادة في قلبه. أومأت سلمى برأسها ثم خرجت من الغرفة وبصحبتها الممرضة سهام التي اخذتها بهدوء وبدون أن يراهم أي شخص وساعدتها في تجهيز نفسها. وبعد ساعة كان شادي أمام غرفة تلك الممرضة في انتظار سلمى التي سوف يخرج بها من البوابة الخلفية بدون أن يراهم أي شخص. في غرفة الممرضة.. قالت لها سهام بأعجاب:

–إيه الجمال ده كله، معقول مخبية الحلاوة دي كله؟ نظرت لها سلمى بحزن وقالت: –وإيه فايدة الجمال لما يكون الحظ زي الشوك. –بكره الشوك ده يروح وميبقاش غير الورد يا ورد.

ابتسمت سلمى بحزن وانتهت. وقبل أن تفتح سهام الباب حتى تخرج، تأملت سلمى نفسها قليلاً. تأملت فستانها فاتح اللون الذي يكسوه اللون البني الهادئ وحجابها الذي يتماشى مع فستانها. نظرت إلى وجهها لتجد وجنتها قد تلونت باللون الوردي قليلاً بعد أن كساها الشحوب. ابتسمت عندما رأت ملامحها بهذا النقاء وبعد كل تلك المدة، أنها كادت أن تنسى ملامحها حتى. خرجت من الغرفة لتجد شادي أمامها، فقال وهو ينظر إلى ساعته:

–مفيش وقت، يلا نتحرك دلوقتي، ده وقت العصر، أغلب الحرس بيكونوا بيتغدوا.

ونظر إليها لتتجمد عينيه عليها لثوانٍ ثم أشاح بنظره عنها بسرعة قبل أن تنتبه إليه. ابتسمت سلمى بحماس وفي الخفاء استقلت سيارة شادي وانطلق هو بها من البوابة بعد أن اختبأت بها جيداً، ثم خرج بها من المصحة بنجاح. كاد قلبها أن يخرج من مكانها وهي تعتدل في جلستها وتنظر من نافذة السيارة، أنفاسها وأنظارها مخطوفة وهي تنظر حولها. وبعد كل تلك السنين وأخيراً ترى كل تلك الطرقات أمامها.

وصل عاصي مع عائلته ورحيل إلى المطعم، ولسوء الحظ كان نفس المطعم الذي سوف يصطحب شادي سلمى إليه. جلسوا سوياً وطلبوا طعامهم. وفي تلك الأثناء وصل شادي ومعه سلمى إلى المكان. ترجل من السيارة ونزلت الأخرى منها وتحرك من مكانه، ولكنها ظلت متسمرة مكانها. قال: –مالك، اتحركي يلا. –خايفة.. الناس كتير. أمسك يدها وقال: –أنا معاكي متخافيش.. يلا.

نظرت له بثقة واطمئنان وتحركت معه إلى الداخل وهي تختبئ وراء ظهره برهبة. جلسوا مكانهم وكان بعيداً نوعاً ما عن عاصي فلم يروا بعضهم وطلبوا طعامهم هم أيضاً. كانت هي تنظر حولها بعيون متسعة وأنفاس مكتومة. قال شادي: –مبسوطة؟ –خايفة. –خايفة من إيه طيب؟ –حاسة الناس كلها بتبصلي، حاسة كلهم عايزين يأذوني.

–خالص، لو ركزتي فعلاً هتلاقي إن محدش ملاحظك.. خدي نفسك وارتاحي، وافتكري إنك مستنية اليوم ده من زمان، معقول هتخليه يعدي بتوتر كده؟ ابتسمت الأخرى وأومأت برأسها وارتاحت بعد كلماته تلك قليلاً. وفي الناحية الأخرى وصل طعام عاصي والبقية وكانوا يتناولون طعامهم بهدوء حتى أوقعت ليلى على نفسها بعض الطعام فاتسخت ملابسها قليلاً. وقبل أن تنهض حنان من مكانها، نهضت رحيل وأخذت ليلى إلى الحمام. وعندما وصل طعام شادي وسلمى قالت هي:

–أنا هقوم أغسل أيدي الأول عشان حاسة أنها مش نضيفه. –قومي ومتخافيش، يلا، وأنا قاعد مستنيكي هنا. قالت بخوف: –فاضل قد إيه ونرجع المصحة تاني؟ –بلاش تفكري في كل ده، فكري في دلوقتي بس يلا.

تحركت من مكانها وهي تنظر إلى الجميع بتوتر وخوف حتى دخلت إلى الحمام. وقفت أمام المرآة وفتحت الصنبور وغسلت يديها وشردت قليلاً. وأفاقت من حالة الشرود تلك على بعض قطرات المياه التي تناثرت عليها بسبب لعب تلك الصغيرة التي تقف بجانبها في الماء، وكانت تلك الصغيرة هي ليلى! وقد تركتها رحيل لثوانٍ ودلفت إلى المرحاض.

تجمدت عيونها على تلك الصغيرة للحظات وبحركة لا إرادية منها أمسكت خصلات شعرها، فانتبهت لها ليلى ونظرت لها بابتسامة واسعة. ضحكت تلقائياً وقالت لليلى بشرود وكأنها تذكرت شيئاً ما: –شعرك حلو أوي لونه.. –جميل صح؟ –أيوة.. افتكرت حد شعره كده بنفس اللون برضو. –بجد مين؟ ظلت تطالع ليلى وتتأملها بصمت، فابتسمت ليلى وقالت: –عارفه ماما كمان كان شع… وقبل أن تكمل جملتها خرجت رحيل من المرحاض وقالت: –بتكلمي مين يا لولي؟

طالعتها سلمى وظنت أنها والدة ليلى، فنظرت لها برهبة. نظرت لها رحيل بابتسامتها المعتادة وقالت: –أهلاً. أومأت برأسها. وهنا لاحظت رحيل ملابسها التي قد ابتلت نوعاً ما بسبب قطرات الماء التي نثرتها عليها ليلى، فقالت بأسف: –أنا آسفة أوي بجد، ليلى هي اللي عملت كده صح؟ قالت ليلى: –مكنش قصدي، لا مش كده يا طنط. ابتسمت سلمى بعفوية وقالت: –لا مكنش قصدها فعلاً.. فرصة سعيدة.

ثم خرجت بسرعة من أمامهم وتركتهم. وعندما وصلت أمام الحمام نظرت بجانبها لتُصعق عندما ترى عاصي يجلس على المائدة التي تبعدها بمسافة. تجمدت الدموع في عيونها ولم تقدر على الحركة للحظات وكأن قد أصابها الشلل. وكان شادي يتابعها عن بعد، وعندما وجدها تنظر لنقطة معينة نظر هو أيضاً ليجد عاصي!

نهض من مكانه بتوتر وذهب إليها بسرعة وأمسكها من يدها، فتحركت معه وكأنها مسلوبة الإرادة. أخذها ليخرج بها من المكان فوراً، وقبل خروجهم بدأت سلمى بالصراخ بصوتٍ عالٍ، فالتفت إليها كل من في المكان ومنهم عاصي. ولحسن الحظ أن شادي استطاع أن يخرج بها في تلك اللحظة قبل أن يراها عاصي، ولكن حتى إذا لم يستطع أن يراها فقد تعرف عاصي على صوتها فوراً.

انتفض من مكانه بسرعة وبحث بعينيه عنها فلم يجدها في الأرجاء، فخرج بسرعة من المكان ولكنه لم يجدها أيضاً. ولكنه كان على يقين أن هذا صوتها. لذلك قرر أن يذهب إلى المصحة فوراً، فاستقل سيارته وانطلق بها إلى هناك. اتجهت رحيل إلى حنان ومعها ليلى، وعندما لم تجد عاصي قالت ليلى: –إيه ده، هو خاله راح فين؟ –جاله شغل يا حبيبتي، تقريبا خرج على طول. عبست الطفلة بضيق وقالت: –يوه بقى، هو كل شوية شغل؟ أنا زهقت. قالت رحيل:

–يعني أنا مش كفاية؟ أقوم أمشي يعني؟ قالت ليلى بسرعة: –لالا خليكي. قالت رحيل بضحك: –ده حتى كويس أنه مشى عشان نقعد نخطط للمقالب اللي هنعملها فيه براحتنا. ضحكت ليلى بحماس وقد نست حزنها وظلت تحاور رحيل بمرح. نظرت حنان إلى رحيل بابتسامة ونهضت ليلى من مكانها وذهبت إلى جانب الأطفال المخصص في المكان لتلعب قليلاً. صدع هاتف رحيل رنيناً برقم بدر، فردت عليه وقالت: –الو. –إيه يا بنتي فينك؟

–أنا آسفة والله، معلش اتشغلت في كذا حاجة، نسيت أكلمك أطمنك عليا. –أنتِ كويسة يعني؟ راجعة امتى؟ –آه يا حبيبي كويسة، متقلقش، شوية كده وجاية. ثم أنهت معه المكالمة. قالت حنان بفضول: –ده خطيبك؟ –لا ده عمي أنا مش مخطوبة. ثم اختفت الابتسامة عن وجهها وهي تقول: –بابا وماما متوفين، وأنا عايشة مع عمي، هو كل عيلتي دلوقتي. قالت حنان بحزن: –حقك عليا، مكنش قصدي أفكرك. –لا عادي.. أنا آسفة لفضولي، بس ممكن سؤال؟ –أكيد يا حبيبتي.

–هو فين بابا ليلى؟ زفرت حنان بضيق ونظرت لها للحظات ثم قالت: –بصي، أنا في العادة مش بحب أتكلم في الموضوع ده.. بس أنا قلبي ارتاح لك، فهتكلم معاكي، بس ياريت عاصي ميعرفش أنك عرفتي الموضوع ده. –أكيد طبعاً. تنهدت حنان بضيق ثم قصت عليها كل ما حدث مع ابنتها مريم منذ دخول هذا الحقير إلى حياتها إلى أن تركتها وهي تحمل ليلى في أحشائها. ثم أخذ عاصي أخته وأجبرها على السفر وترك ابنتها وهي مازالت صغيرة. قالت حنان:

–لحد دلوقتي مش فاهمه سبب عصبية عاصي إنه يبعد ليلى عنها.. مش عارفه مريم عملت إيه عشان يخليه حتى يشيل كل صورها من قدام ليلى لدرجة أن ليلى متعرفش حتى شكل أمها.. في حاجة ناقصة أنا معرفهاش. –طيب إزاي مريم تعمل كده؟ محدش كلمها ينصحها؟

–كان عندها صاحبة قريبة منها جداً.. الحقيقة هي مكانتش صاحبة، هي كانت واحدة من عيالي وكانت قريبة أوي لقلبي. كان عاصي بيعتبر سلمي ومريم الاتنين خواته.. نصحتها كتير وفضلت فوق دماغها، لكن مفيش فايدة. –وفين سلمى دلوقتي؟ –محدش يعرف، اختفت فجأة هي كمان. عاصي قالي أنها سافرت تقريباً.. هي كمان اتأذت أوي. –مش فاهمه اتأذت إزاي؟

–الحيوان ده لما عرف أنها بتنصح مريم عشان تبعد عنه، ومش بس كده أنها كمان كانت عايزة تنتقم منه بسبب اللي حصل في مريم، بوظ لها حياتها هي كمان وعمل لها فضيحة في شغلها وطلع عليها سمعة وحشة جداً.. حياتها انتهت عشان كده عاصي قالي أنها سافرت هي كمان وبدأت حياتها بعيد عن كل حاجة. مع أن عاصي كمان مش مسامح سلمى عشان خبت عليه علاقة مريم بالحيوان ده من البداية. –معقول في حد مؤذي كده!

وأثناء حديثهم هذا لاحظت رحيل أن هناك شخص ما يراقبهم خارج زجاج المكان. تذكرت على الفور موضوع الصور الذي تخبرها به عاصي وتيقنت أن هذا الشخص هو الذي يهددهم! لذلك وبدون أن تفكر نهضت من مكانها بسرعة وأخذت حقيبتها وتركت هاتفها على الطاولة ونزلت إلى الأسفل حتى تمسك بهذا الشخص! وياليتها لم تفعل هذا التصرف. وصل عاصي إلى المصحة.

دلف إليها مثل المجنون وذهب بسرعة إلى مكتب شادي واقتحمه ولكنه لم يجده بداخله، فضرب الباب بيقين أن تلك الفتاة التي كانت تصرخ هي نفسها سلمى. اتجه بسرعة إلى غرفة سلمى وجاء ليفتحها ولكنه وجد بابها مغلق بالمفتاح كالعادة! تحرك من مكانه وقبل أن يبتعد عن الغرفة لاحظ ممرضة سلمى والتي تدعى سهام وهي تقترب منه، فقال لها بسرعة: –افتحي الأوضة دي. –مقدرش أفتح الأوضة إلا بوجود دكتور شادي، هو اللي مسؤول عن حالة المريضة.

قال عاصي بعصبية مكتومة: –قولت افتحي الأوضة وإلا اعتبري نفسك برا المستشفى دي.. خليكي برا الموضوع وبلاش تضحي بوظيفتك على الفاضي. –بس.. –مش هكرر كلامي تاني. نظرت له سهام بتوتر ثم تحركت من مكانها ببطء واتجهت إلى غرفة سلمى. وضعت المفتاح في الباب وقد أغمضت عينيها بخوف وهي تفتحه. وما أن فتحت الباب حتى دفعه عاصي بقوة ودلف إلى الغرفة ليتفاجأ وينصدم عندما يجدها فارغة بالفعل! إذا أين هي؟ يا ترى إيه اللي هيحصل مع رحيل؟

عاصي هيعمل إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...