الفصل 30 | من 46 فصل

رواية رحيل العاصي الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميار خالد

المشاهدات
17
كلمة
3,354
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

بكى منصور للحظات ثم قال بصعوبة: –وأنا رايح الجنينة لقيتها مرمية على الأرض وحواليها دم. شكلها وقعت من شباك الأوضة بتاعتها. أنا طلبت الإسعاف، يارب تكون عايشة. بعد كلماته تلك، تجمدوا جميعاً مكانهم، وكأن هناك قوى خفية تمسك بأجسادهم فمنعتهم من الحركة. وكان أول من تحرك منهم هو عاصي، وبعده رحيل وحنان ثم سلمى. وظلت مريم مجمدة مكانها لا تقدر على الحراك.

تحرك عاصي بجنون حتى وصل إلى الجنينة وبحث بعيونه عنها حتى رآها مكومة على وجهها على الأرض ورأسها ينزف دماً بغزارة. ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينتشلها من على الأرض ليظهر وجهها أمامه والذي كان غارقاً بالدماء. شهقت رحيل بفزع ثم أمسكت رأس ليلى بسرعة وضغطت على الجرح. كانت حنان تبكي بفجعة وعاصي ينظر لها بعيون مجمدة، يشعر وكأن الحياة قد تجسدت في شكل كابوس مرعب لا يعرف كيف يهرب منه. لماذا تتلذذ بأن تجعله يذوق العذاب بشتى الطرق؟

لماذا؟ وبعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف وأخذت ليلى. وصعدوا جميعاً معها وبقت سلمى في البيت من أجل مريم. وعندما وصلوا إلى المستشفى، دخلت ليلى إلى العمليات فوراً. جلس هو أمام الغرفة ووضع رأسه بين يديه. ولأول مرة يشعر بكل هذا العجز. حتى عندما كانت مريم في تلك الأزمة لم يشعر بكل هذا العجز. مشاعر كثيرة لا يمكن وصفها من الألم والقلق والخوف والندم.

جلست رحيل بجواره وأمسكت يديه وأنزلتهما عن رأسه لتجد الدموع قد ترقرقت في عينيه ووجهه قد تلوث بدماء ليلى التي كانت على يديه. أخرجت منديل من حقيبتها ومسحت الدماء عن وجهه برفق وكذلك عن يده. نظر لها عاصي بعيون دامعة وقال: –هي هتعيش، صح؟ ابتسمت رحيل برفق وقالت: –هتعيش. ليلى متقدرش تسيب خالها وتمشي. قال بلا وعي:

–كانت غرقانة في دمها وهي بين أيدي. أنا السبب، لو كنت جنبها مكنش حصل كده. أنا وعدت نفسي إني أحميها من كل حاجة، حتى من نفسها. أدمعت عيون رحيل فحركت يدها وربتت على كتفه وقالت: –أنت ملكش ذنب في حاجة. بلاش تعاقب نفسك، ده قدر ونصيب. وهي هتبقى زي الفل. خليك قوي وأنا معاك، صدقني هنعدي كل ده.

ابتسم لها عاصي بحزن ثم نهض من مكانه واتجه إلى والدته وجعلها تهدأ قليلاً. وبعد ساعة ونصف خرجت لهم إحدى الطبيبات من غرفة العمليات واتجهت إليهم بوجه عابس. اتجهوا إليها وقال عاصي بقلق: –ليلى كويسة؟ صمتت الطبيبة للحظات ثم قالت:

–للأسف الوقعة كانت قوية جدًا لبنت في عمرها. فيه كسر في أيديها ورجلها. وبسبب الخبطة حصلها نزيف داخلي في المخ. إحنا الحمدلله عرفنا نسيطر على الوضع. بس احتمال كبير يحصل مضاعفات. وطبعاً مش هنقدر نعرف هي إيه غير لما تفوق. للأسف لو فاقت. نظر لها عاصي بدون تصديق وقال: –يعني إيه لو فاقت؟ –بندعي أنها تتخطى مرحلة الخطر. بندعي أنها متدخلش في غيبوبة. ادعولها لأن وضعها صعب فعلاً، بس مفيش حاجة بعيدة عن ربنا. قال عاصي بلا وعي:

–عايز أشوفها. قالت الطبيبة: –للأسف الزيارات ممنوعة دلوقتي. حالياً هننقلها للعناية المركزة. وخلال ٢٤ ساعة ندعي أنها تتخطى مرحلة الخطر وتستعيد وعيها. ثم تحركت من مكانها وتركتهم في حالة يرثى لها. قالت رحيل بتفاؤل: –هتكون كويسة، صدقني. ليلى بنت قوية وهتستحمل.

التفت لها عاصي بعيون قد التهبت وتلونت باللون الأحمر. كان وجهه شاحب، قلق، يكسوه التوتر، الخوف، الكثير من المشاعر الكافية لتنتزع الطمأنينة من أي إنسان. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتشبث بيد رحيل. فتمسكت الأخرى بيده بقوة وقالت: –هتكون كويسة، صدقني. أنا معاك، أهدي واتمالك نفسك. ليلى محتاجاك جداً دلوقتي. نظر لها عاصي وقال بدموع: –لو جرالها حاجة، مش هسامح نفسي.

وقتها جاءت حنان وعانقته بألم وحزن. وظلت رحيل ممسكة بيده بقوة ورفضت أن تتركها للحظة. في بيت عاصي. وقعت مريم مكانها ولم تستوعب ما حدث. أهذا عقاب جديد لها؟ ألم يكفِ ألمها وعقابها كل تلك السنوات؟ هل علمت الحياة أن قلبها قد وُلد فيه ذرة تحمل جديدة فقررت أن تختبرها مجدداً؟ لماذا تحدث كل تلك الأحداث معها؟ اتجهت إليها سلمى وساعدتها فنهضت من مكانها. قالت سلمى: –متخافيش، ليلى هتكون كويسة وترجعلك. أهدي. –ده اختبار جديد، مش كده؟

كفاية اختبارات، أنا تعبت! –أهدي أرجوكِ. وفي تلك الأثناء، دق أحدهم على الباب. فتحركت سلمى بسرعة وفتحت الباب ليطل عليها شادي الذي نظر لها بقلق وقال: –مريم موجودة؟ طالعته سلمى للحظات وقالت: –أنت دكتورها شادي؟ أومأ برأسه بدهشة فقالت الأخرى: –جيت في وقتك، الحمدلله.

طالعها بقلق فقصت عليه سلمى ما حدث معهم. فاتسعت عيونه بقلق شديد ودلف بسرعة ليجد مريم على الأرض تبكي بعدم تركيز بسبب ما يحدث. جلس بجانبها على الأرض وأمسك يدها فنظرت له بعيون دامعة. وعندما تلاقت عيونهم قالت له ببكاء: –ليلى راحت. فرصة أني أصلح كل حاجة راحت مني. كل حاجة ادمرت من قبل ما تبدأ. وضع شادي يده على فمها وقال بإصرار: –ممكن تهدي!

مفيش حاجة باظت. ده أكتر وقت ليلى محتاجاكِ فيه. ده الوقت المناسب عشان تصلحي فيه كل حاجة وترجعي بنتك لحضنك. ناظرته بعيون دامعة ورموش ملتصقة ببعض من كثرة الدموع. أردف شادي: –حصل إيه في المصحة وعاصي قالك إيه عشان ترجعي معاه؟ طالعته بصمت ثم تذكرت ما حدث وقصت عليه. *** لم يتحرك أحد من مكانه وظلوا يطالعوهم بتساؤل حتى صاح بهم شادي وأخرج كل من في الغرفة ولم يتبقى سوى مريم وعاصي. مرت لحظات كساها الصمت حتى قال عاصي:

–مقولتيش الحقيقة ليه؟ –لو أنت تقدر تأذيني، أنا مش هقدر أسببلك أذى. –برضو لسه بتقولي أذية! تنهدت مريم وقالت: –متقلقش على موضوع الناس دي. أمشي دلوقتي وأنا هحله. مكنش لازم تيجي، صدقني مكنتش هستغل الموضوع وأسببلك أذى. –بس أنا مش جاي عشانهم. طالعته مريم بسخرية وقالت: –أكيد مش جاي عشان تاخدني معاك، بجد؟ ابتسم عاصي وقال:

–جاي عشان نفتح صفحة جديدة، ننسى فيها اللي فات ونبدأ من جديد. الوقت عدى وكل واحد فينا كبر. مش عايز نكبر أكتر وإحنا جوه الدوامة دي. كفاية بُعد ومشاكل. ابتسمت مريم بسخرية وقالت: –والله؟ ده أنت اللي بتقول الكلام ده، مش مصدقة. طب وبنتي اللي حرمتني منها، هتسمح إني أشوفها تاني؟ –أنتِ اللي مكنتيش عايزة ليلى أصلًا. ولو كنتِ بره وقتها كنتِ قتلتيها وقتلتي نفسك. المفروض تشكريني عشان أنقذتك من اللي كنتِ هتعمليه.

صمتت مريم ثم ترقرقت الدموع في عيونها وقالت: –ودلوقتي مش خايف إني أكرر ده تاني؟ ابتسم عاصي وقال:

–مش خايف لأني متأكد إنك مستحيل تكرري ده تاني. أنا قولتلك قبل كده مش هخرجك من هنا غير لما أحس إنك اتغيرتي فعلاً وده اللي أنا شايفه فعلاً. أنتِ بقيتي أقوى من الأول دلوقتي. أنا مش خايف عليكِ. بلاش تبقي غبية وتضيعي يوم تاني من عمرك في إنك تستوعبي اللي بيحصل. أنا بديكي الفرصة إنك تصلحي كل حاجة وبديكي الفرصة إنك تكسبى ليلى. كفاية السنين اللي هي عاشت فيها من غير أم، ارجعي وعوضيها عن كل السنين دي. أردفت

وهي تطالعه بعيون دامعة: –بس أنا أم مش كويسة، أنا كنت هقتل بنتي وهي لسه عندها ساعات. –مكنتيش في وعيك، كنتِ في صدمة ولسه صغيرة. طبيعي كان يبقى ده رد فعلك. دلوقتي أنتِ اللي بتعاقبي نفسك وبترفضى تكملي في حياتك. كفاية كل التعقيد ده، الدنيا أبسط من كده. نظرت له مريم بتساؤل ودهشة ثم قالت: –وأنت من أمتى كنت بتشوف الدنيا بالبساطة دي؟ –لو وافقتي ترجعي معايا، هحكيلك إيه اللي غيّر نظرتي دي.

ثم مد يده لها وانتظر جوابها. ظلت تطالعه بعيون خائفة نوعاً ما، ولكن في لحظة نفضت هذا الخوف وامسكت يده بإصرار وقالت: –موافقة. *** قالت مريم بدموع: –وبعدها خرجنا من المستشفى زي ما أنت شوفت. طالعها شادي بصمت ثم قال جملة وانتظر ردها عليه، وتلك الجملة سوف تظهر له شيئاً ما. وكانت تلك الجملة: –هتعملي إيه دلوقتي؟ نظرت له مريم بضياع، ولكن فجأة تغيرت نظراتها ونهضت من مكانها ثم قالت بعيون حادة:

–لازم أفضل جنب ليلى. أنا مش هسمح إني أخسرها تاني. حتى لو هي تعبانة، أكيد لما تحس بيا جنبها هتخف وتبقى كويسة، صح؟ ابتسم شادي وقال: –هتكون كويسة. وبعدها اتصل شادي بعاصي وطلب منه أن يخبره باسم المستشفى حتى يأتي بمريم إليهم. ولكن عاصي رفض وبشدة، وخصوصاً بسبب حالة ليلى الغير مستقرة. ولكن شادي لم يخبر مريم بالحقيقة، لذلك أخبرها أن ليلى مازالت في العمليات وانتظارها هناك لن يشكل أي فرق. وبصعوبة أقنعها أن تظل في المنزل. ***

كان أحمد يجلس بجوار شريف عندما أتى للآخر اتصال حتى يعرف ماذا حدث في المصحة. وانزعج بشدة عندما علم أن الأمور لم تسير كما كان يرغب. ولكن عندما أتاه خبر تلك الصغيرة التي تنازع في المستشفى حتى تتمسك بالحياة، ابتسم بشماتة وكأنه نسي أن ليلى ما هي إلا طفلة صغيرة ليس لها ذنب بكل هذا الخبث والحقد. أنهى المكالمة فقال له أحمد بترقب: –حصل إيه؟ –كالعادة هرب منها، مريم متكلمتش تضده وقالت إنها قاعدة في المصحة بإرادته.

لم يتكلم أحمد وكأنه قد شعر بسرور بسبب كلمات شريف. كان يساعد في تدمير عاصي ولكن بأي طريقة تكون بعيدة عن ليلى ومريم. وحتى الآن لم يفهم أحمد تصرفاته تلك. هل شعوره بالذنب تجاههم هو الذي يتحكم به؟ لا يعرف. ولكن شعوره بالسرور هذا انتهى حين أكمل شريف: –في خبر بالنسبة لك هيبقى وحش، بس بالنسبة لي لا. ليلى في المستشفى. انتفض أحمد من مكانه وقال: –ليه؟ جرالها إيه؟

–احتمال تكون ماتت. اللي وصلي أنها رمت نفسها من شباك أوضتها. هو الشباك مش عالي قوي بالنسبة لينا ككبار، بس ليها عالي قوي. مسكينة البنت لسه صغيرة. شوف عاصي وصل بنت صغيرة أنها تموت نفسها. ربنا العالم هي كانت حاسة بأيه ولا فكرت في إيه عشان تتصرف كده. لم يصدقه أحمد للحظات فظل يطالعه بعيون متسعة وصدمة ظهرت في ملامحه. لم يستوعب هل من يتكلم عنها تلك ويقول إنها من المحتمل أن تكون ماتت هي ليلى؟

ابنته التي لم يشعر يوماً أنه أبًا لها، ابنته التي قد ندم على تخليه عنها. ولكن لِما الندم؟ فهو من تخلى عنها باختياره وإرادته. ربت شريف على كتفه وقال: –أنا كنت فاكرك هتضايق، بس في إيه مش مستاهلة كل ده. نظر له أحمد بعنف ثم قال: –بتقولي احتمال تكون ماتت ومش مستاهلة كل ده، أنت اتجننت! طالعه شريف بتهكم وسخرية وأردف:

–ما تفوق بقى من العالم اللي أنت عايش فيه ده. شوية تقولي بنتي وشوية تقولي خرّج مريم من أي حاجة. أنت نسيت إنك أنت اللي دمرت حياتهم؟ أنت بتضحك على مين بالظبط؟ عشان كده أنا مش مصدقك ولا هصدقك. وبدون أن ينتبه أحمد لكلماته تلك، طلب منه أن يعطيه اسم المستشفى الموجودة بها ليلى. وقد ماطل شريف في الحوار قليلاً حتى أخبره في النهاية عن اسمها فخرج الآخر وبسرعة واتجه إليها.

ولكن شريف لم يعجبه ما يحدث وقد شعر أن بعد أيام أحمد سوف يصبح مصدر أذى بالنسبة له، لذلك شعر ببعض القلق. *** مرت ساعات. وتم نقل ليلى إلى غرفة العناية المركزة. وعندما علم بدر بما حدث، جاء إليهم المستشفى وحاول أن يقنع رحيل أن تعود معه بسبب مرضها، ولكنها رفضت وبشدة. وقد أحضر معه بعض الطعام التي جهزته أمينة لهم.

كان عاصي يقف أمام الغرفة ينظر إليها وهي بين كل تلك الأجهزة الطبية ويدها ورجلها المحاطين بجبيرة طبية. اتجهت إليه رحيل ومدت يدها إليه ببعض الطعام بعد أن أعطت حنان أيضاً والتي قد رفضت في البداية ولكنها صممت فتناولت بعض اللقيمات في النهاية. نظر عاصي للطعام ثم قال: –مش عايز. قالت رحيل وهي تنظر له بابتسامة: –كنت عارفة إنك هتقول كده، بس على فكرة أنا كمان مأكلتش لحد دلوقتي ومش هاكل غير لما تاكل. أنت حر بقى.

زفر عاصي بحنق وضيق ورد: –رحيل بالله عليكِ، أنا على أخري. كُلي أنتِ وملكيش دعوة بيا. –وربنا ما يحصل لو مأكلتش أنا مش هاكل. نظر عاصي أمامه بصمت ثم قال: –أنتِ تعبانة، روحي مع باباكِ. –لا، أنا كويسة. صاح بها عاصي: –أنتِ ليه مش بتسمعي الكلام؟ قولتلك روحي مع باباكِ!! تجاهلت رحيل صياحه هذا وقالت: –لما أطمن على ليلى وعليك هبقى أمشي.

صمت الآخر ولم يعرف كيف يرد على اهتمامها هذا. ولأول مرة يعيش مشاعر من هذا النوع. ولم تعطيه رحيل فرصة أن يفكر فقد سحبته من يده وجعلته يجلس على أحد المقاعد الموجودة أمام الغرفة. ثم جلست بجواره وفتحت علبة الطعام وأطعمته بيدها. نظر لها عاصي بذهول فقالت هي: –هو أنت ليه كنت بترفض تاكل معايا في الشركة مع أن الأكل جميل وبسمسم أهوه. ابتسم عاصي رغماً عنه وظل يطالعها بعيون تلمع. فأكملت هي بضحكة:

–كنت خايف لأكون عملالك مقلب في الأكل وحاطه سكر بدل الملح ولا إيه؟ أنا عبيطة آه بس مش للدرجادي يعني. ده أكل مستحيل إني... كانت تتكلم بمرح وتضحك بين الحين والآخر. وكان عاصي في عالم آخر هي المسيطرة فيه على عقله. شريط يُعاد أمام عينيه منذ أول لحظة رآها فيها حتى تلك اللحظة. كان يدعي في بداية الأمر أن تختفي من حياته والآن أصبحت هي محور حياته.

جلس أمامها مسلوب الإرادة، هي تطعمه في فمه وهو في عالم آخر من التفكير والشرود. ولم يفق إلا على صوت سلمى التي جاءت بمفردها إلى المستشفى. قالت بقلق: –ليلى فين؟ ثم نظرت إلى رحيل بدهشة وتساؤل. من تلك الفتاة التي كانت السبب الرئيسي في إصلاح الأمور كلها؟ قد فعلت ما لم تقدر سلمى نفسها على فعله. من تلك الفتاة التي تمكنت من سلب عقل عاصي واخضاعه لها فأصبح يتصرف بطريقة لا يصدق أحد أن عاصي من يفعلها. تنهد عاصي

ثم نهض من مكانه وقال لها: –في العناية. جيتي ليه؟ مش قولتلك خليكِ مع مريم. –شادي هناك معاها. أنا قولت أجي أطمن على ليلى بسرعة بعد ما عرفت المستشفى من ماما حنان. قال عاصي بانفعال: –شادي الدكتور بتاعها وكل حاجة، بس مينفعش يكون معاها في نفس البيت لوحدهم!! ولا أنتِ العيشة في كندا خليتك تنسي الأصول؟ قالت سلمى بهدوء: –هرجع لهم دلوقتي حالاً وهاخد طنط حنان معايا كمان. بس طمني على ليلى حالتها إيه؟

–حالتها مش مستقرة وبندعي أن الـ ٢٤ ساعة دول يعدوا على خير. رفعت سلمى يدها ووضعتها على كتف عاصي وقالت بتهوين: –هتكون كويسة، هي بس لما تحس أن مامتها جنبها هتتحسن. نظرت رحيل إلى يدها التي هي على كتفه وشعرت وكأن شعلة من النار قد أُوقدت بداخلها. وبحركة لا إرادية منها وجدت نفسها تمسك يد سلمى الموجودة على كتف عاصي وقالت مغيره الموضوع:

–بس ليلى عملت كده في نفسها بسبب مامتها وخصوصاً اللي سمعته منك. يعني هتاخد وقت كبير لحد ما تعرف تحبها تاني. نظرت سلمى إلى يدها التي أصبحت في يد رحيل. وقبل أن تتكلم، قال عاصي بتساؤل: –ليه؟ هي ليلى سمعت إيه بالظبط؟ سمعت منك إيه؟ قال تلك الجملة ثم نظر إلى سلمى بتساؤل. وللحظة قد ندمت رحيل على ما قالته. وقبل أن تتكلم سلمى، سبقتها رحيل بقولها: –بصراحة في حاجة أنت متعرفهاش. أنا عملتها.

ثم نظرت له بخوف وقلق. طالعها عاصي لثواني ثم تنهد ووضع يده على وجهه حتى يمتص بعضاً من غضبه وقال بهدوء: –عملتي إيه؟ أنهي مصيبة المرة دي؟

وضعت رحيل إصبعها أسفل أسنانها ثم قصت عليه ما حدث معهم منذ أن رأت الصورة على هاتفها ثم سلمى أمامها. وأنها قد وعدت ليلى أن تأخذها إلى والدتها ظناً منها أنها هي. كان عاصي قد استنتج كل هذا منذ وقت وخصوصاً بعدما قالت له سلمى أن ليلى قد سمعتهم. ولكن مفاجئته الحقيقية عندما أدرك السبب وراء تصرف ليلى هذا. قد أدرك كم الاكتئاب التي أصابت تلك الطفلة لتقرر أن تنهي حياتها وهي بهذا العمر. قالت رحيل:

–صدقني أنا مكنش قصدي أن كل ده يحصل. أنا مكنتش أعرف إن ليلى ممكن تعمل كده في نفسها أو أنها ممكن تسمعنا أصلاً. أكيد هي عملت كده بسبب كلامنا. طالعها عاصي بعيون متعبة ومرهقة وقال: –حرام عليكِ، ليه اتصرفتي من دماغك حاجة زي كده؟ المفروض ترجعيلي الأول. –تقومي مخبية وتعملي اللي في دماغك وادي نتيجة أفعالك! ليلى بين الحياة والموت، برافو.

ثم صفق لها بغيظ. ظل يطالعها بغضب حتى وجد نظراتها تتغير إلى الرعب وكانت تنظر إلى شخصاً ما يقف خلفه. وفجأة أمسكت يد عاصي بخوف ونظرت له بعيون دامعة. طالعها عاصي بدهشة ثم استدار هو وسلمى لينظروا إلى الشخص التي تطالعه رحيل بكل هذا الرعب. وكان هذا الشخص هو أحمد. الذي كان يقف أمامهم بثبات وسط نظراتهم المصدومة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...