الفصل 12 | من 14 فصل

رواية رقم 17 الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
17
كلمة
1,075
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

كانت الشقة كما هي في الأيام اللاحقة. رغم ذلك كان هناك شيء تغير، حضور ثقيل يحيط بالشقة. حضور غير مرئي لكيان يراقب بثقة، تشعر به في جدران الشقة، في ألوانها، في أثاثها، حتى الريح الذي يتحرك فيها. لم يرى أي شخص الكيان، لكن حنان كانت أول من شعرت به. عندما كانت تعمل في المطبخ، اشتمت مثل ريح محروقة تمر من خلفها، ذكرى أعادت إليها الماضي وجعلت الأطباق تسقط من يدها.

لعبة راما التي تحطمت، العروسة في العلبة الزجاجية التي استيقظت لتراها محطمة على الأرض بفم مفتوح. كان الكيان قد فتح البوابة وحضر بنفسه إلى عالم البشر بعدما تمكن بطريقة ما من الاستحواذ على الختم. وكان الشيخ صقر لازال في بيته يحاول أن يجد حل، وبدأ غارقًا في الأوهام التي أحاطه بها الكيان. كان مثل الذي أصابه الهذيان القاتل. تمر الأيام دون أن ينجز أي شيء، وكلما وصل لنتيجة اتضح أنها أبعد ما تكون عن الكيان نفسه.

بدر لم يكن غبي، شعر بالكيان هو الآخر، لكنه لم يستطع فعل أي شيء، فقد كان حضور الكيان حضور وهمي. لم يظهر مثل المرة الماضية، رغم أن كل شيء كان يقول أنه يعيش بينهم. داخل الشقة. وشعر بدر أن هناك شيء يبعد راما عنه، رغم أنه كان يحاول بكل قوته أن تظل معه. فرغم أنهم يعيشون في شقة واحدة إلا أنه لم يكن يراها إلا نادرًا. كان الكيان قد مرر قواه وقوانينه الخاصة، لم يترك أي شيء للصدف. كان عقل بدر دائمًا مشغول، دائمًا فارغ.

تائه، هاذي. حنان المرعوبة بدت تخاف من كل حركة، تصرخ مع أقل صدفة. بدا لها كل ظل الكيان ذاته. تحولت حياتها لحالة من الفزع المفرغ. لم يكن في الليل ما يميزه، لا عاصفة، ولا ضجة، ولا حركة غير مألوفة. لكن غرفة راما تغيرت. هواء ثقيل دخل من حيث لا نافذة، برودة تسللت تحت الباب كأن شيئًا يزحف معها. والظلال على الجدار لم تعد تتبع مصدر الضوء. راما، التي كانت تضع رأسها على وسادتها، فتحت عينيها فجأة.

لم تصرخ، كأن جزءًا منها كان ينتظر ما سيحدث. الضوء الموجود في الغرفة خفت تدريجيًا، كأن جهة ما تلتهمه. ثم ظهرت أول علامة، خط رفيع من الضوء البنفسجي رسم نصف دائرة على أرض الغرفة. لم يكن له صوت، لكنه حمل ثقل عالم كامل يدخل إلى عالم آخر. انغلق الخط وفتح نفسه في صمت تام. ودخلوا. ثلاثة لا أكثر، لجنة قضاة الجان. طويلو القامة، هادئون، يحملون وقارًا يجعل الغرفة الصغيرة تبدو أضيق مما هي عليه.

كل واحد منهم يرتدي وشاحًا داكنًا عليه رموز قديمة لا تتحرك، بل تنبض. وجوههم بلا غضب، بلا عطف، كأنهم جليد يسير على قدمين. وقفوا عند طرف الغرفة، لا يتنفسون، لا يتكلمون. راما لم تبك. لكن عينيها اتسعتا. تعرف أن هؤلاء ليسوا زوارًا. بل محكمة. أحدهم، الأكبر، صاحب العينين الفضيتين، رفع يده قليلاً. وفجأة، سكنت الظلال، اختنق الهواء، وتجمدت العروسة في علبتها كتمثال بلا روح. قال الأكبر بصوت منخفض، صافٍ، كأنه يخرج من عمق لا يقاس:

"راما بنت البشر... تجمدت الكلمات في حلق الطفلة. لم يترك لها الوقت لتجيب. تابع القاضي: "نحن لجنة النظر في دعاوى النسب، وما ينسبه أحد كيانات الظل إليك." ارتجفت راما لأول مرة. شعرت أن شيئًا كبيرًا جدًا يجري، أكبر منها، أكبر من أبيها، أكبر من البيت كله. الكيان، يدخل دون أن يدخل. لم يظهر. لكن الغرفة تغيرت. الظل الموجود قرب خزانتها تمدد، وانكمشت أطرافه. ثم أخذ شكلاً دائريًا، كأن أحدًا يقف خلف الضوء ويكسره بجسده.

القضاة لم يلتفتوا إليه. لم يبدوا خوفًا، ولا ضيقًا. الأكبر قال دون أن ينظر: "لقد استدعيت لتثبت ما ادعيته." لم يجب الكيان بصوت، لكن رائحة الهواء تغيرت. رائحة رماد ساخن، ورائحة معدن محترق يعرفها كل من تعامل مع كيانات الظلام. القاضي الثاني، بصوت أشبه بالهمس: "نسب في عوالم الجان ليس كلمة، بل عهد. وتقديمه دون حق جريمة تحاسب عليها العوالم جميعًا." تقلص ظل الكيان، ثم تمدد ببطء، كأنه يتنفس.

راما تراجعت للخلف خطوة صغيرة، عيناها على القضاة، قلبها معلق في الهواء. القاضي الثالث، الأصغر بينهم، لكنه الأكثر حدة، بدأ الحديث موجهًا للطفلة: "أجيبي، هل ادعى هذا الظل أنه أبوك؟ كانت راما تريد أن تقول لا، تريد أن تصرخ لا. لكنها تذكرت الليالي السابقة، التهديدات، الوجود في الظلام، الكلام الذي يتسرب من الأشياء. هزت رأسها بخوف: "هو... قال إنه... يعرفني من زمان." تحرك ظل الكيان على الأرض بخفة حادة، قريبة من الغضب.

الأكبر رفع إصبعه في الهواء، وفجأة توقفت الظلال كلها عن الحركة. القاضي الثاني اقترب خطوة، ثم قال للظل: "قدم بصمتك." كان الطلب مخيفًا، ليس لأنه أمر، بل لأنه يعني أن الموضوع حقيقي، وأن الظل ليس مجرد تهديد، بل كيان يملك حق المثول. ارتفع ظل الكيان قليلًا عن الأرض، كأن نقطة من العتمة انفصلت عن البقية، ورفعت نفسها على هيئة خطوط دقيقة، تشبه يدًا تتشكل من دخان أسود. راما حبست أنفاسها.

القاضي الأكبر مد يده تجاه الفضاء، وظهرت دائرة من الضوء الفضي، بداخلها رموز دقيقة تتحرك كالريش. قال الأكبر بصرامة: "أثبت كلمتك، أو تحاسب عليها." اليد الظلية اقتربت، لامست حافة الدائرة، ثم ارتجفت الأرض تحت قدمي راما ارتجافة خفيفة للغاية، لكنها حقيقية. ومع تلك اللمسة، حدث شيء لم يحدث من قبل: الدائرة انشطرت بضوء أحمر قاتم. همس القاضي الأصغر: "إذن، ليس ادعاء." وشهق القاضي الثاني بحدة مكتومة.

الشيء الذي رأوه لم يكن طبيعيًا، لأن الدائرة لا تنشق إلا إذا كان للكيان صلة حقيقية بالطفلة. ارتفع ظل الكيان قليلًا، كأن أحدًا يبتسم في الظلام. القضاة، يتبادلون النظرات. لأول مرة، بدا على وجوههم شيء يشبه الصدمة المكبوتة. الأكبر قال ببطء، وتحذير ثقيل يسكن صوته: "هذا يغير كل شيء... ثم نظر إلى راما، وحدق في عينيها طويلًا، كأنه يقرأ شيئًا لا تراه هي ولا البشر. "يجب أن تفصل الطفلة فورًا عن مصدره، وإلا، سيكتمل العقد."

ارتعش ظل الكيان بعنف، غضب؟ إنذار؟ تحذير؟ لا أحد عرف. لكن راما، راما فقط سمعت الهمس يتسلل خلف أذنها: "قلت لهم؟ شهقت الطفلة، وانكمش جسدها. القضاة انتبهوا. الأكبر رفع رأسه نحو الظل: "لن تقترب منها مرة أخرى، حتى نعود بالحكم." ومد يديه الاثنتين، ورسم دائرة جديدة على الأرض، أكبر، أثقل، تشبه ختمًا يغلق طريقًا. وبصوت يشبه هديرًا خافتًا: "نحن لم نقض بعد، لكن، لن نسمح لك بالتصرف."

اختفى ظل الكيان لحظة، وكأنه سحب نفسه إلى الداخل ببطء شديد. ثم انطوت الدائرة الأولى، وتلاشت اللجنة كما جاءت: بلا صوت، بلا أثر. مجرد نفس ثقيل تبعهم قبل أن تغلق البوابة. وبقيت راما وحدها، في غرفة تشعر بأنها أصبحت أكبر من جسدها، أصغر من خوفها، وأعمق من أن تسكنها طفلة. عندما استيقظت راما ركضت نحو والديها تصرخ. كان ما رأته يشبه الحلم لكنه حقيقي. ألقت بنفسها في حضن والدتها وصرخت: سوف يأخذني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...