عنفت نفسها على ضعفها أمامه، ابتعدت عنه لتسرع في تحضير ملابسها دون النظر له مردفة بلا اهتمام. –على فكرة أنا كمان صايمة. اندهش عندما قالتها فرح من داخلها لمجرد شعوره بأنها تتخذ قدره حسنة لها، لكنه نفى تقليدها الأعمى له. –لا مش هتصومي. ما كان منها إلا أنها اندهشت هي الأخرى بغرابة، يريد أن يصيروا غضبها من الآن حتى صيامها يتدخل فيه. شذى رافعة حاجبها الأيمن. –لا والله وده من إيه بقى إن شاء الله؟
حاطة صيامي هتتدخل فيه يا دكتور؟ مالك بتحدي. –ما هو علشان أنا دكتور لازم أتدخل وأمنعك من الصيام يا شذى. شذى بتحدي أكبر. –ليه؟ وإنت شايفني أنا كمان مسنة ولا عندي مرض مزمن يا دكتور؟ أخذ مالك ملابسه من الخزانة متجنباً النظر إليه، غير عالٍ صراخها.
–أولاً إنتِ لو كنتِ ناويه تصومي ثلاث أيام الصيام كان هيبقى من امبارح. ثانياً إنتِ بتاخدي علاج وليه مواعيد محددة لازم تاخديه فيها. ثالثاً بقى وده المهم، إنتِ ما أكلتيش امبارح كويس، حتى مش اتسحرتي وعندك امتحان النهارده يعني لازم تكوني مركزة كويس جداً. تقدري تقولي لي هتركزي إزاي بقى؟ ارتدت أسدال صلاتها على منامتها مستعدة لتذهب وتضغط بيدها على مقبض الباب وفتحته، ولكنها ألقت نظرة لائمه وكلمات أكثر لوماً عليه.
–وإنت فاكر إنّي هقدر أركز في حاجة بطريقتك دي معايا، حتى من غير طريقتك دي، اطمن أنا مدمرة من جوايا لدرجة إني حتى النفس اللي بتنفسه مش حاسة بيه. تفتكر بقى هفكر في أكل أو شرب. أغمض عينه، تلك الجميلة تملك حزناً يجعلها كإمرأة هارمة قد أكل عليها الدهر وشرب. لكن كيف يعيدها إلى الحياة وهي تزيد من تقليل شأنه، وهذا ما لم يرض به أبداً.
ارتدى ملابسه على وشك أن تصعد إليه مستعداً ليوصلها إلى جامعتها، ثم ترجل على الدرج هابطاً لأسفل متقابلاً معها. ليردف مالك بهدوء تام. –يلا صلي الصبح والبسي وأنا هستناكي في العربية، مش هقول لك طبعاً إنك تتأكدي من لبس نقابك كامل وتاخدي علاجك يا شذى. قررت التلاعب بعقله وإيقاظته، وقفت من الأعلى تناديه سائلة. –مالك. التفت إليها قبل أن يبرح آخر درجة ناظراً للأعلى. –تعملي إيه لو نزلت لك من غير النقاب؟
لمحت بعينيها عروق يده النافرة أثر تكويره قبضته بقوة، لكنه أجابها ببرود. –هكسر لك رجلك اللي اتجرأت وخرجتك ليا من غيره يا شذى. دبت بقدميها أرضاً معلنة عن غيظها هي، لتختفي من أمام نظره ويبتسم هو على دبدبتها كالاطفال بكل سهولة. *** وفي تمام الحادية عشر ظهراً ترجلت خارج لجنة امتحانها، وقفت أمام بابها حائرة خائفة، هي لا تعرف أحداً هنا، وليست عندها الشجاعة بأن تتعرف على أحد.
وفي ظل تفكيرها هذا وجدت رنين هاتفها يصدح معلناً عن اتصال منه، فتحت الهاتف متلهفة على الرد عليه لتهمس بصوت رقيق. –مالك. لكم تمنى أن يقولها لها: لا يوجد سواكي في قلب مالك، لكن تراجع لسانه في آخر لحظة ليقول بهدوء. –عملتي إيه؟ –مش عارفة، أنا حليت خلاص. –طب وخايفة كده ليه؟ التفتت حولها تبحث عنه لتجده يقف في آخر الرواق يضع الهاتف جانب أذنه وعينه عليها.
كأنه أول يوم تقضيه طفلة بالروضة بعيداً عن أبيها، جرت نعم جرت وسط ذهول الطلاب من حولها، لتقف أمامه قبل أن تصطدم بصدره وتلقي بنفسها بين ذراعيه. شذى بتلهف وعين دامعة. –مالك، أنا كنت هموت من الرعب وأنا لوحدي. صعق من تهورها هذا، سحبها من يدها مبتعداً عن الأنظار. –أعمل في جنانك ده إيه؟ شفتي عمرك واحدة منتقبة بتجري زي الأطفال كده؟ لتهتف شذى وقد فاض بها الكيل وطفح.
–يا مالك حرام عليك، بقول لك كنت هموت من الرعب وخايفة، أنا أصلاً افتكرتك مشيت وسبتني لوحدي، ما كنتش عارفة أعمل إيه. فتح لها باب السيارة، أدخلها بها والتف يجلس بمكانه ليقود بسرعة قبل أن تتلف أعصابه بالكامل، وأردف لها بعنف. –أنا ما مشيتش أصلاً وفضلت مستنيكِ لحد ما تخرجي. شذى بحب. –مش كنت بتقول إنك عايز تلحق شغلك، قعدت ليه؟ مالك ساخراً.
–أصلي خفت، خفت تخرجي من اللجنة وتقفي خايفة ما تعرفيش تتصرفي زي ما عملتي كده بالظبط، خفت عليكِ يا شذى. –كفاية بقى يا مالك. صرخت بها ووضعت راحة يدها على وجهها مكملة. –حرام عليك بقى، أنا أعصابي تعبت من كل اللي أنا فيه ده. مالك ملفتاً نظرها. –ومين اللي بيخلق الخناق ده؟ مين اللي بيهين التاني كل شوية؟ مين اللي كل تصرفاتها زي الأطفال ومخليني عيني عليها في كل حاجة؟ وفي الآخر بتتهمني إني جبان.
–أنا آسفة والله آسفة، إعمل اللي انت عايزه بس لو سمحت خلينا ناخد هدنة من العصبية والخناق عشان حتى أقدر أركز في باقي الامتحانات بتاعتي. أردف مالك بضجر. –وبالنسبة لامتحان النهارده؟ شذى بحزن. –ما أعرفش بقى، أنا حليته خلاص. مالك بتحذير. –وأنا مش هقبل بأنك تطلعي بمادة يا شذى. صمتت وأشاحت وجهها للجهة الأخرى بحزن، ليكمل هو محاولاً تهدئة نفسه قبلها وتحفيزها على المذاكرة. –ولو نجحتِ في الترم ده من غير مواد ليكي عندي هدية حلوة.
وما زالت على جلستها ولم تلتفت إليه، لكنها همست. –ما بقتش عايزة حاجة غير إني أعيش يومين من غير شدة الأعصاب والخناق ده، أنا بجد تعبت يا مالك. كادت تفتح باب السيارة عندما توقف أمام المنزل، إلا أنها تفاجأت بإمساكه لها، استدارت له دون أن تتحدث. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يحدثها ليزفره براحة مردفاً لها.
–أنا كمان تعبت، إحنا فعلاً لازم ناخد هدنة، بس معلش استحمليني يومين الامتحانات دول كمان لحد ما يخلصوا، بعدها هترتاحي مني فترة كويسة. –قصدك إيه؟ –أنا قدامي عشرة أيام وأسافر عشان المؤتمر الطبي وهقعد بره حوالي خمسة عشر يوماً، أظن أن ده وقت كافي عشان تقدري ترتبي أفكارك وتريحي أعصابك وتريحيني معاكي يا شذى. نفضت يدها من يده ورفعت وشاح وجهها ليرى سيلاً من دمعها على وجنتيها المقتذتان باللون الأحمر، وهمست له.
–إنت فاهم أني كده أعصابي هترتاح يا مالك. مد يده وأنزل وشاحها على وجهها مرة أخرى، وضع يده على عجلة القيادة ضاغطاً عليها بشدة ناظراً للأمام. –على الأقل هترتاحي من عصبيتي عليكِ، يلا انزلي وادخلي نامي لك شوية وبعدها ابقي قومي ذاكري. سحبت حقيبتها وتركته وذهبت نحو باب المنزل تدقه متذكرة أنه يتبعها، لكنها تفاجأت بأنه قد أدار محرك السيارة مرة أخرى واستعد للرحيل.
فتحت والدتها الباب، وقذفت لها بيدها حقيبتها واتجهت نحوه قبل أن يرحل. شذى سريعاً. –استنى يا مالك. مالك ملفتاً لها. –نعم؟ عايزة حاجة؟ إنحنت برأسها أمام نافذة السيارة لتنظر له. –إنت رايح فين؟ ليصيح مالك بعصبية. –اتعدلي ما توطيش كده في الشارع. اعتدلت بحزن ووقفت بجانب السيارة حين رأته يفتح بابه وينزلق من على مقعده، لائماً نفسه على تعصبه عليها وذهب لها سريعاً. –ممكن ما تبقيش توطي كده في الشارع تاني؟ –الله! كنت عايزة أكلمك.
–كنتي عايزة حاجة يعني؟ هزت رأسها يميناً ويساراً، ووقفت متلعثمة تفرك أصابعها في بعضهم. ليرأف هو بحالها ويهمس لها. –طيب أنا رايح شغلي وهارجع قبل المغرب بأمر الله، يلا ادخلي بقى ولو عوزتي حاجة ابقي كلميني. أومأت له برأسها ودلفت داخل البيت متخطية والدتها التي ما زالت تقف تراقبهم، وعندما تخطتها أشارت له بيدها متسائلة بمعنى. –في إيه؟
رفع كتفيه ومط شفتيه السفلى لها بمعنى أنه لا يعلم، ثم أشار لها بالسلام واستقر بسيارته وسريعاً ما رحل. *** أغلقت ماجدة الباب بالمنزل واتجهت خلف ابنتها التي تصعد الدرج سريعاً لتوقفها. –استني يا شذى مش تقولي لي عملتي إيه في الامتحان؟ وقفت على الدرج ناظرة لها لترد عليها وتسألها بنفس الوقت. –الحمد لله يا ماما، هو مالك مشي؟ –آه مشي يا حبيبتي، اطلعي غيري لبسك وانزلي كلي حاجة. –لا أنا هنام شوية، هي خالتو فين؟
–في المطبخ، انزلي سلمي عليها واقعدي معانا شوية وبعدين ابقي نامي زي ما انتِ عايزة. أومأت لها برأسها مؤكدة. –طيب يا ماما أنا هنزل لكم كمان شوية. صعدت الدرج سريعاً واتجهت والدتها للداخل حيث شقيقتها. كانت جالسة كعادتها تحضر الطعام، وعندما ولجت عليها شقيقتها سألتها. الحاجة مجيدة. –ها رجعوا؟ ماجدة نافية. –لا دي شذى بس اللي دخلت وطلعت أوضتها، مالك مشي تاني بالعربية. –تلاقيه رجع المستشفى تاني، وهي عملت إيه في الامتحان؟
–بتقول الحمد لله، بس مش عارفة مالها زعلانة ليه. –يا اختي هي من إمتى بنتك دي بان عليها فرح؟ إلا ما شوفتها مرة بتضحك، ربنا رزقها بجمال البنات كلها بتحسدها عليه وهي عاملة زي البومة. –على فكرة بقى، الله يسامحك. قالتها شذى الواقفة على الباب تستمع إلى حديثهم. ضحكت الحاجة مجيدة مشاكسة لها. –ها يسامحني على إيه ولا إيه بس، دا كفاية إني بليت الواد الغلبان بيكي. شذى بحزن. –كده برضه يا خالتو يعني أنا بلوة؟
–آه وبلوة كبيرة كمان، تعالي اقعدي هنا يا بت انتي. جلست بجوارها تفصص معها حبات البزلاء، لتكمل خالتها. –ها مالك زعلك في إيه النهاردة؟ بكل سلبية أجابتها. –عادي بقى يا خالتو، أنا أخدت على كده خلاص. نفخت الأخرى بنفاذ صبر. –انطقي يا بت ماتطلعيش روحي معاكي. شذى باحباط. –أنا بجد تعبت من عصبيته دي، تصوري إني لما خرجت من الامتحان كنت هموت من الخوف وأنا لوحدي، ولما لقيته مستنيني فرحت وجريت عليه، عارفة عمل إيه أول ما وصلت له؟
الحاجة مجيدة مبتسمة لها. –عمل إيه يعني ضربك؟ –لا جرني من إيدي وراه زي المعزة وحدفني جوه العربية وقعد يزعق ويقول لي، فاكرة نفسك طفلة. ولما وصلنا هنا بكلمة من شباك العربية لقيته بيزعق تاني ويقول لي ما توطيش في الشارع كده. التفتت ماجدة من أمام الطاهي وهتفت. –ومش واخده بالك إن دي غيرة يا شذى؟ شذى منتبهة إلى والدتها. –غيرة إزاي يا ماما بس؟ أردفت خالتها مؤكدة بمثل شعبي قديم.
–زي الناس يا روح. قال اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى، يعني يعمل لك إيه أكتر من كده عشان يثبت لك إنه غاير عليكِ، يحطك في صندوق ويقفل عليكِ عشان تصدقي. شذى بإنهيار. –مش عايزاه يغير عليا، عايزاه يبطل عصبيته دي كل شوية يا خالتو. خالتها ضاحكة. –والله خايبة، مش عارفة مصلحتك فين، دا الغيرة أساس الحب يا عبيطة. ***
أصدرت الحاجة مجيدة أمرها للجميع بأن يلتفوا حول مائدة الطعام، لم تأكل أي منهم شيئاً، حتى يستأنس بهم في إفطاره، وها هو يحضر من المسجد، بعد أن صلى صلاته مع أبيه. كانت تجلس بجواره ساكنة تماماً، تعبث في طبقها ولم تأكل شيئاً، لاحظ هو هذا وهمس لها. –ما بتاكليش ليه؟ فرحت لاهتمامه بها، رفعت عيناها من على الصحن ملتفتة إليه، لتراه يأكل بشراهة ولم ينظر إليها، لتهم بالوقوف من على مقعدها بوجه عابث، هامسة بكلمة واحدة. –شبعت.
أمسك يدها قبل أن تقف، مجبرها على الجلوس مرة أخرى، مائلاً برأسه نحوها قليلاً. –مش قولتي إننا في هدنة، وأنا وافقت عليها، خلصي طبقك كله وهاجيب لك حاجة حلوة. لمعت عيناها بفرحة أخيراً، وعلت ثغرها ابتسامة لطيفة، التفتت إلى صحنها لتجده قد بدله لها بآخر ممتلئ بكل أنواع الطعام، كما قطع لها قطعة اللحم، وأشار لها عليه أمراً. –ما تقومييش غير لما الطبق ده يخلص. –بس دا كبير أوي.
–وإنتي في اليومين دول خسيتي قوي، يا ريت بقى تاكلي عشان ما تبقيش رفيعة. وإذا به يلقي داخل أذنها بكلمة احمرت وجنتيها، وهو يقف من جانبها، دون أن يسمعه أحد. –احم، أنا مش بحبك رفيعة. في غضون ثواني كانت قد أنهت طبقها بالكامل، لدرجة أن وجهها قد احمر بالكامل. ***
جلس مع أبيه على الأريكة الخشبية يحتسون الشاي، ويتحدثون سوياً، بينما جلستا الشقيقتان تتابعان التلفاز، أما عنها هي فكانت تنظف الصحون بغرفة الطعام، ليلاحظ هو عدم وجودها، ويذهب إليها. مالك واقفاً عند الباب. –شذى أنا رايح أصلي العشا، لو سمحتي عايز لما أرجع ألاقيكي صليتي وقاعدة بتذاكري بره. شذى بابتسامة هادئة. –حاضر. ابتسم لها وذهب من أمامها، لتلتفت هي إلى ما بيدها وتكمله.
وبعد وقتٍ ليس بقليل كانت جالسة على الأريكة، مفترشة على الطاولة الصغيرة بعض الأوراق، ومنحنية عليها تمسك بيد هاتفها وبيدها الأخرى قلماً. جلس هو بجانبها بعد أن عاد، ليضع أمامها حقيبة صغيرة بها بعض أنواع الشيكولاتة. فتحتها وأمسكت ما فيها بفرحة كبيرة، وبدون أي مقدمات ارتتمت على صدره وعانقته مقبلة وجنته كالاطفال. ليتفاجأوا بفعلتها وينظروا إلى بعضهم بفرحة، لتهتف والدته بمشاكسة. الحاجة مجيدة.
–ليكم أوضة تعملوا فيها الحاجات دي، بلا قلة أدب. لترد شقيقتها بلطافة. –الله ماتسيبي العيال يضحكوا شوية مع بعض يا مجيدة، هما عملوا إيه يعني؟ بت يا شذى هو مالك جايبلك إيه؟ هاتي حتة. شذى ناظرة إليهم بشر. –لأ، مالك جايبهم ليا أنا بس، وما تركزيش معانا بقى من أول الليلة الله يبارك لكم. فتح هو جهاز حاسوبه وقرر أن يشغل نفسه به بعد أن قبل رأسها وأبعدها عنه برفق، متابعاً مشاكستهم معاً، ويرى أيضاً وجه أبيه الواجم. مجيدة بأسف.
–حسرة عليا، إلا ما دخلت على أمي بحتة شيكولاتة واحدة، لكن الأميرة شذى تجيلها شنطة مليانة مش كده. مالك ملفتاً نظرها. –قللي انتي بس السكر اللي عندك وأنا أجيب لك اللي انتي عايزة يا سكر. أسرعت ماجدة خاطفة واحدة من الحقيبة وهمت تجري من أمام ابنتها على الدرج بضحك. –طب أنا بقى ما عنديش سكر، وهاخد واحدة يعني هاخد ههههههه.
قفزت شذى من على الأريكة، تجري خلفها وسقط حجاب رأسها من عليها لينسدل شعرها على ظهرها أمامه، لتعم المنزل فرحة غريبة وتعلو به أصوات الضحكات. شذى بشراسة. –وكمان أخدتي أكبر واحدة، طب والله يا ميمي ما هاسيبك. هتفت مجيدة بضحك وهي جالسة مكانها. –شاطرة يا بت يا ماجدة، كليها كلها وما تسيبيش ليها حاجة يا بت. التفتت شذى إليها عابثة. –آخ ياني منك انتي يا ماري، أروح منكم فين بس يا أخواتي.
همت ماجدة بفتحها، لتلتهمها وهي تصعد الدرجات قائلة بفم ممتلئ. –هاكلها كلها. لتتعثر في أسدالها وتسقط على الدرج في مقابلة ابنتها التي أسندتها منفزعة عليها بصرخة. –يا لهوي ماما الحقيني يا مالك. ماجدة متألمة. –آه، ما تخفيش يا شذى، أنا كويسة. مالك منحنياً عليها. –خالتي إنتي كويسة بجد؟ قومي اقفي كده. اتكأت على قدمها وهمت بالوقوف مستندة على راحة يده، لكنها تألمت قليلاً. –الظاهر إن رجلي اتجزعت، طلعي لي أوضتي يا مالك.
مالك نافياً ناظراً إلى قدمها. –أوضتك إيه بقى، البسي نقابك يا شذى و حصليني على العربية. جرت شذى سريعاً للأعلى هاتفه بخوف. –حاضر حاضر. ماجدة بعدم فهم. –هأوديني على فين؟ أنا كويسة. مالك بضجر وهو يحملها. –بلا كويسة بلا نيل. إنتي إيه مابتعرفوش تفرحوا أبداً، من غير ما يحصل حاجة. همت الحاجة مجيدة بالذهاب خلفه وهي تلف حجابها. –محسودين والنبي يا ابني والعين علينا، مش مكتوب لنا نفرح أبداً.
أجلسها مالك على مقعد السيارة الأمامي مستغفراً. –استغفر الله العظيم وأتوب إليه، إنتي رايحة على فين انتي كمان، ادخلي جوه لو سمحتي يا أمي. الحاجة مجيدة مزيحة يده فاتحة الباب الخلفي للسيارة. –وسع يا واد انت من سكوتي، أنا مش هاسيب اختي يا حبيبي. ترجلت الصغيرة سريعاً على الدرج مرتدية نقابها، لتتقابل مع ذلك الكهل الكاره لها بالأسفل، ليقذفها بكلماتٍ صاخبة. الشيخ حسان.
–عمرك ما هتبقي مصدر سعادة ليه أبداً، هاتفضلي دايماً مصدر تعبه وحزنه. سالت دمعاتها ورمقته بنظرة كارهة، وغادرت المكان سريعاً، وهي تبكي بشدة. *** أخذها إلى المشفى، وعندما وصلوا إلى هناك كان الألم قد تملك منها وازداد ورم قدمها، ليأمر هو العاملين بأخذها إلى قسم العظام وبحث عن الطبيب المختص، والذي يدعى بالدكتور عبد الرحمن الفولي.
هو رجل بأواخر العقد الرابع من عمره، ولكن من يراه يحتسبه شاب ثلاثيني، نظراً لجسده الرياضي ووجهه ذو الملامح الوسيمة. العجيب أنه انجذب إلى عين ماجدة من أول نظرة، كما ابتسم جداً على حيائها، وخجلها منه، فكلما أراد الكشف على قدمها، أسدلت طرف أسدالها عليها ناظرة إلى ابن اختها بخجل. سألها الطبيب بعض الأسئلة من ضمنها، كان السؤال الذي لا يعجب النساء دائماً. دكتور عبد الرحمن. –عندك كام سنة يا مدام ماجدة؟ ماجدة ناظرة له شرزاً.
–خمسة وأربعين سنة. دكتور عبد الرحمن بضحك. –بس شكلك أصغر من كده على فكرة، ثم وجه حديثه لمالك. –لازم نعمل أشعة على رجليها يا دكتور، شكله كسر مضاعف، إنتي وقعتي إزاي؟ لم تخبره أو حتى ترفع عيناها له، وازداد احمرار وجهها لتخفض رأسها موارية عيناها منه. أردف مالك بدلاً عنها ضاحكاً. –كانت طالعة السلم بتجري وهي بتاكل شيكولاتة فوقعت من عليه. صفعة قوية أخذتها على يده منها، لتأدبه وهي تهمس له. –اسكت يا ولد انت.
الدكتور عبد الرحمن ضاحكاً على خجلها. –طب هو يعني ماكنش ينفع تاكليها وانتي قاعدة؟ السن برضه ليه حكمة. أردفت ماجدة هامسة لمالك بعد أن أعطاها ظهره. –إيه قلة الذوق دي، في حد يقول كده لواحدة ست. مالك ضاحكاً. –الله ما هو الراجل برضه معاه حق. ماجدة مغتاظة منه. –كسر حقه على حقك، والله يا مالك لأقول لمجيدة عليك، استنى عليا بس أما رجلي تخف دي بتوجعني أوي. مالك مبتسماً لها.
–ههههه معلش بقى يا ميمي ما هو السن ليه حكمة والعضمة كبرت برضه. ماجدة مشتعلة من الغيظ. –كده يا مالك، والله لأوريك بس أما نروح. لتشهق بخضة عندما أتاها صوت الطبيب من خلفها. دكتور عبد الرحمن. –يلا عشان نعمل الأشعة. مد مالك يده مدخلاً بعض خصالها الناعمة المتمرده داخل حجابها، لتقوم هي بعدله، وإذا به يبتعد عنها ويتركها للممرض ليزج المقعد الجالسة عليه للخارج.
نظرت هي له برجاء ألا يتركها وحدها، فوقف بجانب والدته وزوجته، رافعاً كفيه لها بعلامة الاستسلام. *** أخذهم وجلسوا ينتظرونها في مكتبه، حتى تأخذ زوجته راحتها، وترفع نقابها عن وجهها الممتلئ بالدموع. جلست بجوار خالتها، والتي بدورها مالت رأسها على صدرها تربت عليها بحنان. الحاجة مجيدة مطمئنة. –ما تخفيش عليها يا شذى ماما هتبقى كويسة يا حبيبتي. شذى موجهة حديثها إلى زوجها. –إنتوا لقيتوا في رجليها إيه يا مالك؟ مالك بجدية.
–رجليها اتكسرت يا شذى والدكتور بيعمل ليها أشعة عشان يعرفوا الكسر فين بالظبط. شذى ببكاء. –يا حبيبتي يا ماما. مالك بهدوء. –ممكن تبطلي عياط وتقعدوا هنا لحد ما أخلص أنا وهي وهاجي آخدكم تاني. شذى نافية. –لأ خدني معاك ليها. مالك بأمر. –لأ اقعدي هنا، ومش عايز كلام كتير، سيبيني أشوف شغلي بقى. وهنا تدخلت الحاجة مجيدة قبل أن يحتد الأمر بينهم. –خلاص يا مالك أنا هقعد أنا وهي هنا لحد ما الأشعة تطلع وبعدها هنروح ليها.
أجلستها مرة أخرى بجانبها، ليومئ هو برأسه لهم، ويتركهم ويذهب. *** ذهب إلى قسم الأشعة، حيث كانت قد بدأت بالفعل عملها، ووقف رافعاً إياها أمامه يشاهد ما بها، ليجد الكسر مبيناً في كاحل القدم اليمنى. فأشار للدكتور عبد الرحمن بجدية. –كسر مضاعف في الكاحل. ليردف الطبيب أيضاً. –هاتحتاج لجبيرة من الجبس لمدة واحد وعشرين يوم. مالك موافق الرأي. –تمام، إحنا مستنين إيه. الطبيب بضحك.
–الحقيقة هي بدأت تحس بالألم، وبصراحة كمان من كتر خجلها مش عايزة تخلي حد يقرب ليها. ابتسم مالك له وهتف. –طب اتفضل حضرتك معايا وأنا هعرف أتصرف معاها وانتوا بتعملوا ليها الجبيرة. الدكتور عبد الرحمن بخجل. –هي أختك يا دكتور مالك؟ مالك ناظراً له ضاماً حاجبيه. –لأ يا دكتور هي خالتي وأم زوجتي. ظهرت ملامح الحزن على ملامح الطبيب، الذي أحنى رأسه وأردف. –متزوجة. مالك مبتسماً له. –أرملة.
عادت الابتسامة إلى وجهه مرة أخرى، ونظر إليه فرحاً. دلفوا إليها ليجدها تبكي متألمة في صمت. مالك رابتاً على كتفها أمامه. –إيه يا ميمي الجميل زعلان ليه. وكأنها وجدت طوق نجاتها أمسكت يده متشبثة به. –مالك الحقني تعالي شوف الراجل ده عمل في رجلي إيه، من ساعة ما عملي الأشعة وهي قايدة نار. جحظت عين الدكتور عبد الرحمن ورفع لها حاجبه الأيمن هاتفاً. –حرام عليكي يا شيخة، هو أنا لسة جيت جنبك عشان تتبلي عليا كده.
ماجدة ضاممة حاجبيها هامسة لمالك. –إيه يا أخويا البلاوي دي. مالك بضحك. –هههههه أنا عارف يا اختي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!