الفصل 18 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
17
كلمة
3,076
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

غفو جميعاً على الأريكة إلا هو، ظل جالساً بجوارهم يدثّرهم جيداً، ويحاول أن يضمّهم إليه حتى يشعروا بالدفء. بدون أن تشعر احتضنت الصغيرة جيداً، وأمالت رأسها على صدره، وذهبت في نوم عميق. وصل صديقه أسفل البناية ليأخذ أولاده، فقرر إيقاظ مالك الصغير، وحمل مكه ليذهبا إلى والدهم. "مالك مالك يلا يا حبيبي عشان بابي وصل." أشار له الصغير بالذهاب دونهم، وحاول النوم ثانية. "قوله نايمين، خليه يمشي ويجي بكرة."

ضحك مالك على شقاوة هذا الصغير، وقرر حمل الاثنين بهدوء. "معلش يا حبيبي هو جه خلاص، وطالع في الأسانسير، ماقدرش أقوله امشي تاني." استيقظ الصغير، وانزلق قبل أن يحمله متفهماً. "حاضر يا عمو، أنا صحيت أهو ممكن أبوس شذي قبل ما أمشي." أومأ له رأسه بهمس مراقباً قبلته الصغيرة على وجنتها. "ممكن بس براحة عشان هي كمان نايمة." قبل الصغير وجنتها، وابتعد عنها غامزاً بعينه له. "ابقى قولها إني بحبها هي كمان، وإن الكيك بتاعها حلو أوي."

"حاضر يا سيدي هبقى أقولها." ليفتح الباب مرحباً بصديقه، ملقياً له ابنته على ذراعه. "حمدلله على السلامة يا باشا، ماتتفضل تدخل والله." حاول حسام الدخول مجيباً ترحيبه الساخر. "طيب." "طيب إيه رايح فين يا ز... إنت، الساعة واحدة بعد نص الليل." "وفيها إيه دي، سيبني أدخل أريح شوية." "تريح فين، هو أنا في الشقة لوحدي امشي يا لا." "أخ نسيت إن مراتك جوه، طيب أقولك سلام أنا بقى يلا يا مالك." هتف الصغير ملوحاً له بيداه.

"يلا يا بابي سلام يا عمو مالك ابقى بوسلي شذي لما تصحى." "حاضر يا حبيبي سلام." *** وبعد أن أغلق الباب، اتجه إليها وحملها لتنعم بنوم مريح في فراشهم. لتسقط أكمام جلبابها من على كتفها، وهي محموله على ذراعه، مظهره بياض جلدها الرقيق. ابتلع لعابه بصعوبة، كل شيء بها يجذبه، أهدابها الكثيفة، وجنتيها الحمرواتان بتلك الغمازتين المغمورتين فيهما، شفتيها المكتظة التي تلهبه شوقاً، جسدها الأبيض البض، هل يعقل أن يتجنب كل هذا؟

يغض بصره عن من؟ إنها زوجته مليكة فؤاده. أرقدها على الفراش بكل هدوء، لكنه ظل مسحور بها مشدود إليها، ليغمر وجهه في ثنايا عنقها يقبلها قبلة رقيقة ناعمة يبث لها مدى شوقه. ظناً بذلك أنها لا تشعر به، لكنها خيبت ظنه، فتحت عيناها بتثاقل، وهي تشعر بخشونة لحيته على عنقها، فابتسمت دون أن يراها، حبيبها برغم قسوته وعناده، لا يطيق الابتعاد عنها.

قررت هي الأخرى أن تجذبه لها أكثر، تعلمه أنها متشوقة له، مستجيبة للمساته الساحرة على جسدها. تململت بجسدها تحت ذراعيه، حاوطت عنقه بساعديها تريد اقترابه، هامسة بجانب أذنه.. "مالك." شعر بتململها، بهمسها له، بالتفاف ذراعيها حول عنقه فأحلهم مبتعداً عنها هاتفاً. "نامي يا شذى مافيش حاجة." أغمضت عيناها بألم، وضمت نفسها هامسة له. "أنا سقعانة." اجتذب الغطاء مدثّراً إياها جيداً وابتعد ثانيةً.

اعتدلت متحيرة من بُعده لها وهتفت قبل أن يترجل خارج الغرفة. "رايح فين، مش هتنام؟ التفت لها مندهشاً، أحقاً تريد اقترابه، أم هي خائفة من البُعد؟ "لأ كملي نومك إنتي أنا هدخل آخد حمام وأتوضى وهأقيم الليل شوية." أحنت رأسها بخجل. "طب ماتدخل الحمام اللي هنا، لو سمحت خليك جانبي وصلي هنا ماتسبنيش لوحدي." أومأ برأسه لها كالمسحور دون أن يتكلم، وإذا به يدلف إلى المرحاض ويغلق الباب من خلفه.

زينت وجهها بابتسامة هادئة، وأراحت رأسها على وسادتها عائدة لغفوتها مرة أخرى. وبعد فترة ليست وجيزة، انفتح باب المرحاض نصف فتحة، لكنه لم يظهر منه إلا رأسه فقط، يتجه بعينه نحو الفراش، ليتأكد أنها خالدة للنوم. ليظهر بجسده العاري تماماً فقط يلف خصره بمنشفة قصيرة، ويسرع في خطاه ليختبئ داخل غرفة الملابس، وهو يوبخ نفسه ببعض الكلمات.

"كنت بلومها وبلزق فيها لما شفتها بالبشكير، أبقى أفرح بنفسك بقى لما تصحى وتشوفك بالفوطة، وتفضل تصرخ ليك بصوتها ده." *** إحساس كبير بالراحة مسيطراً عليها، صوت القرآن يشعرها أنها محلقة بالسماء وسط الملائكة. أعتدلت جالسة تفرك عيناها بيديها، للحظة ظنت أنها غافية في فراشها في بيت خالتها، ومكبرات صوت المساجد تصدح قرآن الفجر من حولها.

لكنها تفاجئت أنه صوته هو، يرتل كلمات ربه بصوتٍ جميل، لم يتركها وحدها كما طلبت منه، فضل أن يبسط سجادة صلاته ويصلي بالغرفة. كم الساعة الآن؟ لقد مر وقت طويل على غفوتها، إنه مازال يقيم الليل. وضعت يدها أسفل وجنتها، وتركت العنان لدموعها، حين استمعت لبكائه. نعم يسجد لربه بخشوعٍ تام وتخرج منه الكلمات مصحوبة دموع عينيه. إن زوجها ذلك الصخر الصلب، يمتلك قلباً حنون رقيق هشاً جداً.

ها هو ينهي صلاته بالدعاء لها، والتف جالساً على الأرض ينظر إلى دموعها، لم يخجل من أن ترى هي الأخرى دموعه، لربما تشعر باحتراق قلبه. انتفضت من فراشها وجرت عليه ألقت بنفسها بين ذراعيه تدث جسدها بداخلهم وتتشبث بخصره بقوة، وبدوره كان يضمها جيداً، رفعها على قدمه وأغلق على ظهرها بيديه. ظلوا على هذا الوضع وقتٍ ليس بقصير، إلى أن هدئوا سوياً وهم ليحملها ويتجه بها نحو الفراش حتى ينعم بقسط من الراحة.

أرقدها وتمدد بجانبها مغلقاً عينيه بوهن شديد، لكنها قررت أن لا تريحه وتزيد من أرقه، جلست وجذبت شيئاً من داخل الكومود، ثم استدارت له. "مالك." لم يفتح عينيه أمرها بهدوء. "ششششش نامي يا شذى، إحنا هنصحى بدري عشان أوديكي الحسين والحق أروح شغلي." "لأه مش عايزة أروح عايزة أفضل هنا معاك." فتح عينيه مندهشاً من خوفها غير المبرر له.

"الله في إيه يا شذى، ما إنتي عارفه إننا هنروح عشان الليلة اللي عاملينها في البيت هناك، وأنا قايلك إننا هنرجع على هنا تاني." "يعني مش هتسبيني هناك، وترجع لوحدك؟ اتكأ على عضده ملتفاً بجسده لها ضاماً حاجبيه. "لأ مش هسيبك هناك يا شذي." أحنت رأسها بخجل منه وهمست وهي تمد له ما في يدها. "حتى بعد ما تعرف إني باخد البرشام ده! اعتدل جالساً أخذاً الدواء منها مستفهماً. "برشام إيه ده؟ تجمهر فجأة وهو يقرأ اسمه ودواعي استعماله.

رفع عينيه عنه لينظر لها بوجه لا يبشر بالخير. "إنتي عارفة البرشام ده بتاع إيه وبيتاخد إزاي؟ أمك عارفة إنك بتاخدي البرشام ده؟ أغمضت عيناها تفيض بحرارة وارتجفت من رد فعله. "لأه ماما ماتعرفش حاجة أو إوعي تقولها، ولو هتفهمني غلط من الأول مش هتكلم." لينفعل أكثر ويثور عليها مشدداً على شعرها بقوة.

"استنى وأفهم إيه، البرشام ده بيتخد لست الحامل اللي بتبقى عايزة تتخلص من الجنين، إنتي بقى هاتخديه ليه غير كده.. عشان يجيلي نزيف والله أنا ببلعه مش باخده بأي طريقة تانية." قالتها شذي بلفظة تحاول أن تبرر له موقفها لكنها تفاجأت بإجابته. لأول مرة تتلقى صفعة من يده على وجنتها! لأول مرة تعلم أنه مثل من سبقوه من رجال في حياتها!

"عرفت ليه أنا ماكنتش عايزة أحكي ليك حاجة، ومن قبل ما أتكلم حكمت عليا من غير حتى ما تديني فرصة ادافع عن نفسي." "فرصة إنتي لسة بتدوري على فرصة، ما خلاص يا هانم أنا كفاية عليا اللي عرفته، لسة في إيه تاني هاتوجعي قلبي بيه." تركها تبكي بصوتها المرتفع وجلس بالخارج على الأريكة ثائراً ومن شدة انفعاله بكى.

"للدرجة دي كرهك، بتأذي نفسك بالطريقة دي عشان ماتقربش ليها، غبي هاتصدقها بكلمتين تافهين ضحكت عليك بيهم، عيب عليك ده المفروض إنك دكتور كبير وفاهم في أمور الطب كويس، هتيجي على آخر الزمن حتة عايلة زي دي تضحك عليك، ولا عشان علقت نفسك بيها، هتتغاضى في دي كمان. لالالالا البنت دي خلاص من دلوقتي مش تلزمني، بس عشان خاطر أمها أنا هسيبها على ذمتي شهر لحد ما أوفر ليهم مكان تاني يقعدوا فيه وبعد كده هطلقها." ***

الساعة الثامنة صباح يوم الخميس. مازال كل منهما محتفظاً بيقظته، هو يجلس بالخارج وقد عزم أمره أنه سينفصل عنها، وهي جالسة في الفراش تفكر فيما حدث بينهم، ولماذا فعلت بنفسها هذه الفعلة، كان عليها أن تلتزم بسرها ولا تبوح به له، كيف هداها تفكيرها أنه سيرحب بما قالته، حتى وإن كانت تظنه لم يفكر بها السوء كما قال، هل كان سيفرح بأنها لا تريد اقترابه منها.

افتعلت النوم حين دلف عليها الغرفة بملامح جافة، جلس في مؤخرة الفراش معطياً ظهرها منحنياً بجسده للأمام. "أنا عارف كويس أوي إنك صاحية، قومي يا مدام غيري هدومك دي، عشان أوديكي الحسين." انتفضت من تكويرتها بهجوم. "إنت تقصد إيه بمدام دي أنا لسة آنسة على فكرة." "إنتي لسة هاتنكري، ما خلاص يا مدام البرشام اللي بتاخديه وضح كل حاجة."

"قولتلك أنا لسة آنسة، إنت سمعت نص الكلام، وسجلته في عقلك وحكمت عليا، طب اسمع مني باقي الحكاية وبعديها ابقى احكم عليا زي ما إنت عايز، مش إنت اللي كنت عايزني أتكلم." لتقترب منه وتحاول التمسك بذراعه. "طب مش أنا مراتك، خدني اكشف عليا، ثم صرخت بانفعال.. أو حتى خد حقك الشرعي مني يا أخي." "اخرسي." قالها مالك وهو ينفض كفيها من عليه مبتعداً عنها. "ماكنتش أعرف إنك بـ... كمان، يا ريتك فضلت ساكتة ولا إنك تصارحيني بـ...

دي، الشيخ مالك الرفاعي يا هانم مش بياكل من طبق غيره أكل قبله منه، مش بيلبس جـ... غيره لبسها قبله." *** جلس منتظراً إياها بالخارج بعد أن أهانها تلك الإهانة التي لا تغتفر، وارتدى ملابسه وترجل وهو يمسك بيده أدناء وحجاب الرأس ونقاب للوجه، ألقاهم لها أمرها بأن تجهز أشياءها وترتديهم وتتبعه سريعاً. بعد غضون بضعة دقائق، أتته منحنية الرأس دموعها تغرق ذلك النقاب الذي حجب عنه رؤية وجهها الجميل.

وبرغم تلك الوخزة التي تملكت قلبه، إلا أنه وقف كجبل من جليد يكمل أوامره لها. "اسمعي إنتي هاتروحي تقعدي مع أمك في الحسين، هانفضل متجوزين شهر، في الشهر ده هافتعل أي خناقات معاكي، هازعق ليكي على أتفه سبب، لحد ما أمك هي اللي تطلب إني أطلقك." "والله متشكرة أوي لزوقك وكرم أخلاقك، بس أنا بقى اللي رافضة عرضك ده، وبقولك من دلوقتي أهو أنا عايزة أطلق."

في لمح البصر كان ممسكاً بعضضها، رافعاً نقابها من على وجهها، هامساً لها بصوت مرعب. "مش بمزاجك يا مدام، إنتي مش في محل قبول أو رفض، وأنا إذا كنت بعمل كده فده عشان خاطر خالتي بس مش أكتر، اتفضلي قدامي يلا." *** في تمام العاشرة كان يقف أمام منزل أبيه العتيق، والذي أذهله انفراج بابه في هذه الساعة المبكرة. "على ما يبدو إن الحجة مجيدة بدأت التحضيرات لليلة من بدري." ثم رمقها بنظرة ساخرة.

"ادخلي يا عروسة، يا صاحبة الصون والعفاف." تنحى لها جانباً لتسبقه للداخل. عندما ولجت للردهة الواسعة وجدتها خالية منهم، حمدت ربها سراً وأطلقت العنان لساقيها، تجري نحو الدرج لتصعد للأعلى، حتى يتسنى لها الاختباء من عيون الجميع. لكنه لم يرأف بها، زاد من احتقانه تجاهها وقرر زيادة الضغط عليها، إذ أوقفها بصوته المتهجم. "رايحة على فين."

التفت له، مطلقة على وجهه أمواج هائجة مندفعة من بحر عينيها المستظلة تحت نقابها، وصرخت كعادتها. "طالعة أوضتي، عندك مانع." مقترباً منها هامساً لها بحذر. "صوتك ده ما يعلاش عليا تاني فاهمه، واتفضلي ادخلي سلمي على أمي وأمك وبعدها ابقى روحي مكان ما إنتي عايزة." قبض على كفها بيدٍ قوية، وتوجه بها باتجاه غرفة الطهي، وأثناء سيرهم أمرها بسخرية. "ماتحاوليش تكشفي وشك جوه، عشان ماحدش يتخض من منظره يا عروسة."

حاولت سحب يده من بين قبضته، لكنه رفض فأفاجأته بلكمه قوية بالنسبة لها في كتفه. التفت إليها قبل أن تخطو قدماه الباب، ونظر لها نظرة أرعبتها جعلتها ترتد للخلف خطوة. "حاضر حسابك معايا بعدين، أنا هعرفك إزاي ترفعي إيدك عليا." دلف بها ليجد الغرفة ممتلئة بالنساء، ووالدتهما منهمكتان في طهي الطعام، ليلفت نظرهم بحضورهم. "السلام عليكم جميعاً." ما إن ألقى السلام، إلا واصدحت الزغاريد، وانهالت عليهم التهاني.

انتشلت الحجة مجيدة يدها من ماجور العجين وإذا بها تجذبه بين ذراعيها وهي تلقي زغرودة عالية تعبر بها عن فرحتها. "حبيب أمك ألف مبروك يا نور عيني، حمدلله على سلامتكم يا عرايس." ضاحكاً بشدة. "ههههههه الله يسلمك يا حبيبتي، بهدلتيني عجين يا أم مالك." "يا أخويا عادي، يعني هي أول مرة يا واد يا دكتور، وسعلي كده لما أرحب بالقمر بتاعتنا اللي مستخبية فيك دي." لتشهق بفرحة حين رأتها.

"وكمان خبيتها تحت النقاب، ليك حق هو حد بردو يسيب القمر دي لكل من هب ودب يشوفها، دانتي حتة ماس، ولازم تخبيكي من العين يا عروستنا." وهي ترى ابتسامته الصفراء. "ربنا يخليكي يا خالتي إزيك إنتي عاملة إيه." "مش هاتسلمي عليا يا ماما ولا إيه." "حمدلله على السلامة يا دكتور، ما قولتليش لينا يعني إن شذي لبست النقاب." ضاماً حاجبيه باستنكار.

"عادي يعني يا خالتي، أظن دي حاجة خاصة بينا إحنا الاتنين، وما تزعلش حد، بالعكس دي المفروض تفرحك." "المهم إنها تكون مقتنعة بيه." "اسأليها أهي قدامك." مقتربة من ابنتها. "مقتنعة بيه يا شذى؟ ناظرة في عينيه برجفة. "أيوا يا ماما مقتنعة الحمد لله." لا تعلم لماذا انقبض قلبها، سحبت ابنتها، وترجلت للخارج بعيداً عن النساء، وبدون أن ترفع وشاح وجهها فاجأتها بسؤالها. "بتعيطي ليه يا شذى؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...