سمعت نداء تلك الجملة فأرهفت السمع وترقبت، لكن لم يأتها أي صوت بعد. فطالعت الهاتف لبرهة لتكتشف أن رائد قد أنهى المكالمة. أخذت تتسائل ماذا يمكن أن يكون قد حدث وفي هذا الوقت؟ هل حدث مكروه لأحد أفراد العائلة؟
طلبت رقمه مجددًا والهاتف مشغول، فأُثير قلقها وأخذت تقطع الغرفة جيئة وذهابًا في توتر بالغ. اتجهت صوب باب غرفتها لتخبر والديها، ولكن عادت أدراجها وقررت الانتظار قليلًا. وما لبثت كثيرًا وطلبت رقم هيام فلم تجب. طلبت بعدها رقم وئام فلم تجب أيضًا. ابتلعت ريقها في ارتباك وهي تردد: -أعمل إيه؟ يارب استرها يارب… على جانب آخر.
بمجرد قول شيرين تلك الجملة أغلق رائد الهاتف وألقاه جانبًا في توجس، وكأنه كان يفعل جُرمًا ويخشى أن تراه والدته. سرعان ما انتبه لحالة والدته ووثب نحوها قائلًا: -في إيه يا ماما؟ -أبوك! أبوك عمل حادثه. قالتها بانفعال قبل أن تشهق باكية وتتدفق العبرات من مقلتيها. جحظت عيني رائد وهربت الدماء من وجهه وقال بهلع: -حادثة! هو بابا أصلًا راح فين؟ -خرج مع عمك رشدي معرفش كانوا رايحين فين!
وحد اتصل عليا من موبايله قالي إنه عمل حادثه بالعربيه وحالته صعبه… اخذ رائد يسحب الكلام من فم والدته الباكية حتى أخبرته باسم الطريق الذي ذكره المتصل وبعض تفاصيل المكالمة.
بعد فترة من الوقت ومع تنفس صباح اليوم، كان رائد يقف مع والدته في ذلك المكان بعد أن سأل كل من قابله إذا كان هناك حادث سير بالجوار وكان يصف مظهر سيارة والده، ولكن لم يفده أحد حتى وصلا إلى ذلك الطريق. كان خاليًا من المباني والمارة. وقف رائد يتلفت حوله في حيرة وحاول أن يتصل على والده أو رشدي والهاتف مازال خارج نطاق الخدمة. زفر متضجرًا وقال:
-هو ده نفس المكان اللي قالك عليه المتصل يعني لا فيه حادثه ولا يحزنون… أومال فين بابا؟ -والله يا رائد حد كلمني من تلفونه وقالي زي ما قولتلك! تنهد رائد وقال: -كويس إننا مقلقناش رامي! -صباح الفل… التفت رائد لمصدر الصوت فرأى ثلاثة رجال وكل منهم يتسلح بألة حادة. امتقع وجهه وابتلع ريقه في توجس، ووقف كالحصن المنيع أمام والدته التي هربت الدماء من أوصالها فزعًا على ولدها. حرك أحد الرجال الألة الحادة صوب نظر رائد
وهتف مع ابتسامة خبيثة: -طلع اللي معاك يا برنس من سُكات دا لو مش عايزنا نأذيك إنت وست الحبايب! طالع رائد والدته بنظرات حائرة ومضطربة وأخذ يتلفت حوله عله يجد منقذًا في ذلك المكان الموحش. ضحك رجل أخر وقال لتهكم: -إنت بتدور على إيه؟ محدش هنا يا باشا. تمسكت شيرين بذراع رائد وقالت: -إديله اللي هو عايزه…
فكر رائد لبرهة فلم يجد بديل عن إخراح كل ما بحوزته من أموال ثم الهاتف في هدوء ظاهري يناقض داخله المضطرم بنار الغضب. اقترب أحدهم من شيرين وهو يُحملق بخاتم ذهبي ودبلة بيدها، وقال بأمر: -واللي في إيدك! نظرت شيرين للذهب وابتعدت خطوتين في تردد، ولكن عندما اقترب اللص بالألة الحادة من رائد أسرعت نزعهما وتسليمهما. -يلا يا رجاله.
قالها أحدهم فركض إثنان، بينما أطلق الثالث ضحكة مدوية متهكمة قبل أن يعود بظهره للخلف محركًا الألة الحادة تجاه رائد كأنه يحذره من الاقتراب. وقبل أن يوليهم ظهره ويركض قال بسخرية: -شكرًا يا باشا مع السلامة… أطبقت شيرين يدها على فمها وأخذت تبكي، ووقف رائد يبدل نظره بين والدته الباكية واللصوص ثم زمجر غاضبًا بقلة حيلة. ★★★★★ انتبه يحيى من نومه أثر صيحات ديك في غرفته. فتح عين واحده وطالع آدم الذي ينام جواره فسمع صياح أخر!
أخذ يحملق بملامح الطفل وهو يتسائل هل يصيح الطفل كالديك أم ماذا يحدث؟ استوى جالسًا وسُرعان ما تذكر الأمس وكيف راوغه آدم وخبأ الديك الصغير فلم يكتشف يحيى بأمر الديك إلا عند اقترابه من المنزل! وبعد مجادلة طويلة حكى له آدم ما حدث وحاول إقناعه بالتستر عليه! أطلق يحيى تنهيدة طويلة وقال وهو يطالع آدم: -الواد ده صعب أوي! نظر يحيى في ساعة هاتفه تزامنًا مع إضاءة شاشته برقم غريب!
فرك عينيه ثم تنحنح عله يزيل أثر النوم من صوته وأجاب بإلقاء التحيه فرد رائد التحية وقال: -معلش يا يحيى صحيتك بس أنا مش حافظ إلا رقمك إنت ورامي… ورامي مبيردش عليا. -فيه إيه يا رائد؟ -أنا اتسرقت يا يحيى… أخذ رائد يحكي ما حدث جملة دون تفصيل فقال يحيى: -طيب اهدى أنا جايلك حالًا.
وبعد مُضي ربع ساعة ارتجل يحيى من سيارة الأجرة وأخبر السائق أن ينتظره قليلًا. طفق يجول بنظراته في المكان حتى رأى رائد يقف على قارعة الطريق جوار والدته التي لا تتوقف عن البكاء فأقبل نحوهما والقى السلام ثم قال بارتباك: -يلا التاكسي مستني… أحاط رائد كتف والدته التي جففت دموعها بمنديل ورقي فور رؤية يحيى، فرمقها يحيى بشفقة وحاول أن يطمئنهما فقال: -إحنا هنروح المركز نقدم بلاغ وإن شاء الله نوصل للحاجات المسروقة. ارتشفت
شيرين دموعها ورددت بمرارة: -هو اللي راح بيرجع يا يحيى!! -أنا ميهمنيش في كل ده إلا بابا مش عارف راح فين؟ خايف يكونوا عملوا فيه حاجه! قال يحيى في اضطراب: -يا عم متقولش كده إن شاء الله مفيش حاجه. مال يحيى على أذن رائد وأردف: -تماسك يا رائد متقلقش والدتك أكتر ما هي! أومأ رائد متفهمًا وهو ينظر لوالدته قبل أن يتجهوا نحو سيارة الأجرة ويغادروا. ★★★★★
فتح رامي جفونه ليجد حاله مستلقي على الأرض ومن حوله تعم الفوضى. تواثبت دقات قلبه ونهض واقفًا يتفحص المكان بعينه باحثًا عنها. أخذ يخطو لخارج الغرفة فجذب انتباهه ثياب ريم الممزقة والملطخة بالدماء! انحنى وأخذ قطعة الثياب عن الأرض وأخذ يطالعها في ريب ثم حاوط رأسه بيديه فلا يذكر شيء مما حدث! وتمنى ألا يكون قد حدث ما دق باب عقله. ابتلع ريقه بتوجس وطفق يبحث عن ريم يجول بعينيه بأرجاء الشقة وبداخله تساؤلات عده عما حدث هنا؟!
سمع صوت بكاء يصدر من المرحاض فاتجه نحوه بخطى متثاقلة وقلب يرتجف وجسد يختلج. وضع أذنه على باب المرحاض فسمع شهقاتها وأنينها، طرق الباب فلم تجب. طرق مرات ومرات وهو يناديها ويرجوها أن تفتح ويوضح لها أنه لا يذكر أي شيء! فلم يتناهى لسمعه إلا صوت نشيجها. أخذ يردد: -يا ريم أرجوكِ افتحي! إيه اللي حصل؟ -طيب أكلم ماما؟ -يا ريم! جثى على الأرض أمام المرحاض، يجول ببصره على حالة الشقة المزرية! وهو يتسائل هل هو المسؤول عن ذلك؟
وبعد فترة فتحت باب المرحاض وخرجت تحدق أمامها بملامح جامدة وواجمة. وثب واقفًا ونظر بعينيها يسألها في ارتياب: -إنتِ كويسه؟ اقتنصت نظرة نحوه وقالت بسخط شديد: -إنت معندكش رحمه ولا إحساس… أنا عمري ما هسامحك يا رامي… قالت أخر جملة بنبرة حادة ومرتفعة. تنفس رامي الصعداء وقال بقلق: -هو إيه اللي حصل يا ريم أنا مش فاكر والله ما فاكر!
تجاهلت سؤاله واتجهت لغرفته غير غرفتهما وأغلقت الباب في وجهه بعنف. نظر لأثرها ثم بدل نظره لمكانها الذي كانت تملئه قبل قليل ودنا من الحائط الصلب وطفق يطرق رأسه به مرددًا: -إزاي مش فاكر حاجه! ازي؟ من ناحية أخرى دلفت ريم لغرفتها وهوت جالسة على أقرب مقعد. لم تجف دموعها طيلة الليل! بالأمس رأت شخصًا أخر! شخصٌ لم تعرفه، لم يكن هو رامي الذي راهنت عليه وزعمت حبه لها! لا تجد له عذر فيما فعل! لمَ لم يواجهها ولو مرة واحده؟
هو المخطئ! هكذا كررت تلك الجملة بلسانها هو المخطئ! فقد ودت إخباره عن محمد منذ ليلتها الأولى ولكنه لم يترك لها مجالًا للإفصاح. جالت الأفكار في رأسها فكرت في الانفصال عنه ولكن إخوتها! هل ستستسلم وتعطيهم الفرصة للسخرية منها! هزت رأسها بقوة لتطرد تلك الفكرة من جعبتها، وأخيرًا قررت ألا تخبر أحد ولابد أن تصبر وتحتسب. مسحت وجهها بكلتا يديها قبل أن تنهض وترفع رأسها عاليًا كأنها تقنع نفسها أنها قوية وتستطيع التحمل.
سمعت باب الشقة يُغلق بقوة ورغم تعب جسدها إلا أنها خرجت من الغرفة بخطوات واثقة لكنها ثقيلة لتنظف تلك الفوضى. ★★★★★ أذن العصر ولم يعثروا على أي أخبار عن دياب ورشدي. مروا على المستشفيات المجاورة ولا أثر لهما حتى أنهما سارا في الطرقات يتفرسون وجوه المارة ولكن بلا فائدة.
ومع أذان المغرب كان الصمت قد ألقى عباءته عليهم. أخذ رائد يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا يبدل نظره بين الوجوه المتجهمة، والأنفاس المتثاقلة ويزداد توتره وقلقه أكثر وأكثر. بينما جلس يحيى مطرقًا رأسه لأسفل يردد خلف الآذان حتى قال المؤذن حى على الصلاة، فوثب يحيى واقفًا وردد بصوت مسموع: -لا حول ولا قوة إلا بالله… أقبل نحو رائد وربت على كتفه قائلًا: -يلا ننزل نصلي وندعي وإن شاء الله ربنا هيحلها… شيرين برجاء: -يارب… يارب…
وبمجرد إنهاء جملتها دوى جرس الباب فركض رائد للباب. وقف الجميع متأهبين لرؤية دياب ولكن خاب أملهم حين ظهرت نداء بوجهها الممتقع ودينا التي يتمشى القلق بين قسمات وجهها. أفسح لهم الطريق ودلفوا للداخل وبعد التحية والجلوس قالت دينا بحيرة: -هو قالي إنه رايح مشوار مع الحاج دياب وهيجي على أخر اليوم. مسحت شيرين وجهها وهي تقول: -ما هو قايلي كده برده! رائد بقلق: -طيب هما فين محدش فيهم بيرد ليه؟ يحيى مطمئننًا:
-ممكن تكون الموبايلات اتسرقت أو مثلًا وقعت منهم أو فصلت شحن. شيرين بنبرة قلقة: -طيب والراجل اللي كلمني الصبح ده! تدخلت وئام قائلة: -يا جماعه الظاهر إن موبايل بابا اتسرق واللي سرقه هو اللي كلمكوا عشان يسرقكوا. هيام بحيرة: -طيب وبابا راح فين؟ رائد بانفعال: -حاجه تحير!! أطلق رائد تنهيدة طويلة وقال بقلة حيلة: -يلا يا يحيى نروح نصلي. طالع يحيى رامي الذي يجلس منكس الرأس ولم ينطق بكلمة واحدة فقال بقلق: -يلا يا رامي…
انتبه رامي له ونهض واقفًا ليرافقهما للمسجد. ★★★★★ وقبل العشاء بقليل تعالت أصوات ضحكاتهما في السيارة. -بس إيه رأيك في اليوم ده؟ -ياه يا عقيد أصدقاء الطفوله مهما مر الزمن مش هنلاقي زيهم… بس أمين ده عايش وسط القطط لدرجة إنه مش بعيد ينون. تذكر دياب تفاصيل اليوم الذي قضاه برفقة صديقه القديم «أمين» في بيته بين القطط التي تلد وأخرى المريضه والبقيه يركضون بكل مكان. قال رشدي:
-بس خدت بالك القطط بيولدوا إزاي بيتعبوا ياخي زي البني أدمين بالظبط! -اه والله هي الدنيا كلها كد وتعب… أردف دياب: -هو اليوم كان هيبقى حلو لو معزمش نفسه عندي هو وابنه عشان يتقدم لبنتي اللي أنا واثق إنها هترفضه! -ليه ترفضه دا واد وسيم وحلو؟ -مرتاحتلهوش يا عميد. قالها دياب قبل أن يوقف السيارة أمام بيته واستدار ليجلب صندوق من المقعد الخلفي ثم قال وهو يُطالعه:
-هطلع الصندوق ده للعيال وأجي أوصلك… تفتكر العيال هيفرحوا بالقطط دي؟ طالع رشدي الهرة البيضاء بين ذراعه وقال: -أكيـــــد إذا كنت أنا فرحت بيها! ضحك الإثنان وأردف رشدي: -ياخي لو أنثى الإنسان تولد العدد اللي بتجيبه أنثى القطط كانت تبقى مشكله… -إذا كان بيبقا عيلين ومش ملاحقين عليهم… أخذ رشدي يبحث عن هاتفه بجيب سرواله ثم بالسيارة وهو يقول بحيرة: -مش عارف موبايلي راح فين؟ دا إحنا مكلمناش العيال من الصبح!
وضع دياب يده في جيبه وطفق يبحث عن هاتفه هو الأخر ثم قال بصدمة: -إيه ده أنا كمان مش لاقي موبايلي يا عميد! جحظت عيني دياب واستنتج بصدمة بالغة: -إحنا باين اتسرقنا يا عميد!! قال رشدي: -دي مصيبه لما العميد والعقيد يتسرقوا يبقا على الدنيا السلامة… قاطع سيل حديثهما طرقات عمرو وعامر على زجاج نافذة السيارة. فتح دياب باب السيارة فقال عامر بلهفة: -الحمد لله إن إنتوا عايشين! إحنا كنا هنمـ ـوت من القلق. طالع
عمرو وجه والده وقال بحب: -أنا طلعت بحبك اوي يا بابا! ضمه عمرو وعامر وسط نظرات رشدي الحائرة حتى أبصر ابنه _نادر _الذي ضمه هو الأخر وأخبره أنه أتى برفقة والدته ونداء القلقتان. ارتجلا من السيارة وصعدا للبيت وبمجرد دخولهما عانقهما الجميع وانهالت عليهما التساؤلات أين كنتما؟ وأين هواتفكما؟ … لينتبهوا جميعًا لصوت هرة بيضاء صغيره يحملها رشدي على ذراعه، فتهلل وجه عامر وقال بابتهاج: -الله قطه!
أعطاهم رشدي الهرة وجلسوا يتبادلون الحوار وحكى له رائد ما حدث فقال رشدي: -دي عملية نشل!! يارب الشرطه توصل للعيال دي. قال شيرين بحزن تجلى بنبرة صوتها: -يلا الحمد لله أهم حاجه سلامتكم. وبعد فترة غادر كل منهم إلى بيته. كان رامي متكئًا على الأريكة شاردًا في الأفق فدنا منه رائد وسأله: -مالك يا رامي؟ اعتدل رامي جالسًا وتنحنح وهو يفرك أذنه ثم نهض واقفًا وقال: -مفيش… أنا طالع شقتي.
انصرف رامي وظل رائد ينظر لأثره حتى خرج من الباب. أخذ يتسائل لمَ لم تظهر ريم اليوم! وهل هناك خطب جلل يحدث مع أخيه فلطلما كان كتومًا لا يحب أن يتدخل أحد في شؤونه الخاصة لكن الأمر يختلف فهل يشك رامي بزوجته وذلك ما يتعسه! ذلك السؤال جعل رائد يصب واقفًا ويلحق بأخيه على الفور. وبعد رحيله كان دياب يتمشى في الشقة فرأى هاتف رامي على الأريكة، أخذه وقلبه بين يديه وهو يقول: -موبايل مين ده يا ولاد!
فتحه وأخذ يعبث بمعرض الصور بعد أن تأكد أنه لـ رامي حتى وقع أمامه فيديو وفغر فاه في دهشة مما رأى! ★★★★★ دلف يحيى لبيته حيى والديه وبعد أن جلس معهما لبعض الوقت دلف إلى غرفته. وبينما كان يبدل ملابسه حضر طيفها إلى مخيلته، ابتسامتها التي اختلس النظر إليها مرات عده، صوتها، مشاكستها الدائمة لأخيها وروحها الطيبة التي راقت له،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!