الفصل 13 | من 28 فصل

رواية سدفة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية شاكر

المشاهدات
24
كلمة
3,461
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

قالها رائد ثم هز عنقه مستنكرًا، وعاد يطوي ثيابه ويضعها في حقيبته وكأنه لم يقل شيئًا. رمقته نداء في سرعة وعادت تنظر عبر النافذة، وفي الواقع هي لم تندهش كثيرًا فقد كانت شبه موقنة بأنه هو! ولكن لمَ قال لها رامي بأن له أخ أصغر يدعى رياض؟ التفتت لرائد وسألته بما يجول في رأسها فأجاب ببرود وهو منشغلًا بجمع مقتنياته ودون أن يلتفت لها: "والله السؤال ده تسأليه لرامي مش ليا!

صمتت لبرهة متضجرة من رده ولكن لم تستطع كبح فضولها فسألته مجددًا: "طيب إنت إزاي رجعت تشوف؟! صمت ولم يلتفت لها حتى ظنته لن يجيبها لكنه اعتدل واقفًا وزفر متنهدًا ثم قال باقتضاب: "اتعالجت" رمقته بغيظ وأشاحت بصرها بعيدًا، فلمَ يعاملها بذلك الجمود؟ شعرت بالدماء تغلي برأسها واشتد غيظها منه لذا قررت ألا تحدثه مجددًا، فحقًا هو كما وصفته في طفولتها غامض كالليل...

عادت نداء تنظر عبر النافذة تتمنى أن يصل أحد أفراد العائلة لتخرج من غرفته تلك، عازمة ألا تختلط به مجددًا فهو لا يشبه رائد الذي حدثته عبر الهاتف لأشهر ولم يكن هو من اشتاقت إليه! الآن يبدو كشخص آخر لا يتشابه معه سوى باسمه! ستنساه! حتمًا ستنسى فقط ليمر هذا اليوم وبعدها لن تراه أبدًا! هكذا حدثت حالها حتى سمعت صوت وئام وهيام تضحكان فأقبلت لباب الغرفة وطرقته بتلهف وهي تناديهما ففتحت هيام التي قطبت جبينها وهي تبدل نظرها

بين أخيها وبين نداء وقالت: "بتعملوا ايه؟! ومـ... مين قافل عليكم؟! "مش عارفه!! قالتها نداء بجمود ولم تنتظر تعليق آخر وهرولت خارج الغرفة، فنظر رائد لمكانها الفارغ ثم لأخته المبتسمة، واقترب منها قائلًا وهو يزم جفونه بتوعد: "والله يا هيام لو عرفت إن إنتِ اللي كنتِ قافله علينا هتزعلي مني جامد" تلاشت ابتسامتها ورفعت كتفيها لأعلى قائلة بنبرة مرتعشة: "أ... أ... أنا معملتش حاجه"

ثم ركضت من أمامه كي لا يباغتها بكلمة أخرى، فصك رائد باب الغرفة وجلس على فراشه نفخ بحنق وأخذ يطالع المكان حيث كانت نداء تقف أمام النافذة قبل قليل وارتسمت ابتسامة على شفتيه، أخذ يحدث نفسه أنه لابد أن يتجاهلها ويعاملها بجفاء كي لا تشعر بانجذابه ناحيتها، فهو لديه أختين وما لا يرضاه عليهما لن يقبله عليها أبدًا، فلا يريد لقلبها ذاك العذاب الذي يجتاح خاطره... لا أحد يعلم بما تخبئه لنا أقدارنا!

علها تأتينا بما نهوى، وتثلج أفئدتنا بما نبغي، ولو لم يأتنا ما نريد فقد قال تعالى: "وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم... " فإرادة الله هي الخير على الدوام ولو لم ترض رغبتنا! أخذ رائد يحدث نفسه ويقنعها بعقلانية أنه وما زال أمامه وقت ليس بالقليل وطريق لابد أن يقطعه وحده قبل أن يفكر بالزواج أو الارتباط...

فالزواج مسؤولية كبيرة ستقع على عاتقه ولابد من الاستعداد الكامل قبل أن يخطو خطوة واحدة، فالحب وحده لا يكفي ولم يسمع عن بيوت قد شيدت بالحب! هل سيطعم أسرته حبًا!! نعم! لابد وأن يطعم رب الأسرة أفراد عائلته حبًا ولكن هل سمعت عن أحد قد أكل حبًا وشبع؟ قال رائد لنفسه إن البيت يبنى بالمال أولًا ثم الاحترام ثانيًا والمودة ثالثًا فهذا ما وجدنا عليه آباءنا! ومن يقل غير ذلك فحتمًا هو شخص يعيش عالم آخر!

ولن ينجرف مع تيار تلك النزوة ستبلغ ذروتها ثم تعود لتنخفض تدريجيًا حتى تتلاشى. نهض واقفًا وخرج من الغرفة قبل أن يأتي رامي الذي يتجنب الحديث معه منذ أيام ورغم أنه يريد إفراغ ما بجعبته من أفكار كادت تطيح برأسه لكنه حسم الأمر فلن يحدث رامي بما يعتمل بصدره مرة أخرى!

أخذ الجميع يستعدون للرحيل ووقف رائد بالشرفة يحمل هاتفه ليطلب رقم يحيى ويحكي له عما يمر به وعن مشاعره المتضاربة فيحيى صديقه الذي مهما طالت مدة ابتعاده عنه يفتح له ذراعيه مرحبًا كلما عاد.... في شرفة أحد المنازل كان هناك شاب يرتل آيات من القرآن وهو يسقي مزهرية من الورد وينحني ليشم عبيرها مبتسمًا ثم يسير خطوتين لليسار ليسقي أعواد النعناع التي زرعها مؤخرًا... "يا يحيى خذ الكتاب بقوة"

التفت الشاب أثر صوت والده الذي يقف أمام باب الشرفة ارتسمت الابتسامة على شفتيه فدائمًا ما يقول له والده تلك الجملة فهو الابن الوحيد لوالديه وقد انتظراه بشوق ولهفة لمدة عشرين عامًا بعد زواجهما.... عشرون عامًا قضياها داعين باكين متوسلين لله دون ملل ولا كلل، حتى رزقا به لذا سماه والده يحيى. فهو شاب نشأ على طاعة الله متأثرًا بأخلاق والديه الكريمة ويحفظ كتاب الله عن ظهر قلب. اقترب يحيى من والده وانحنى ليطبع قبلة دافئة

على يده باحترام وقال: "صباح الخير يا حاج" رد الشيخ الذي بلغ من العمر عتيًا: "يا صباح الورد على الورد" أشار يحيى للزرع والورود وقال بحماس: "إيه رأيك بقى في الحديقة اللي عملتهالكم في البلكونة دي" جلس الشيخ على مقعده وقال بإعجاب: "إنت أصلًا مبتعملش حاجة وحشة الحلو ميعملش إلا الحلو" "أيوه أقعد إنت انفخ فيا كده لحد ما هنفجر" قالها يحيى وضحك فشاركه والده حتى أتاهما صوت تلك السيدة التي جاوزت الستين: "صباح الخير"

التفت لها يحيى وقال والابتسامة عالقة على محياه: "يا صباح الورد على الورد" ابتسمت السيدة وهي تهندم عصابة رأسها وتردد: "هجهز لكم الفطار حالًا" ليرد يحيى: "الفطار جاهز يا أمي من بدري" أخذت تدعو لولدها الذي يساعدها بكل شيء، فقال الشيخ بابتسامة: "اقعد إنت دلعنا كده لحد ما هنتعود" غمز له يحيى قائلًا: "طيب ما هو ده المطلوب إنكوا تتعودوا" وأردف بجدية: "يا بابا دا أنا خدامكم" نهض الشيخ بوهن وربت على كتف ابنه وهو يقول برضا:

"إنت حبيبنا وهديتنا اللي ربنا أهداها لنا يا يحيى... كده الواحد يموت وهو مرتاح هحتاج إيه في قبري غير ولد صالح يدعي لي! انحنى يحيى والتقط يد والده وقبلها وقال: "ربنا يديك الصحة وطول العمر يا بابا" ارتفع رنين هاتفه الذي كان قابعًا أعلى الطاولة فقالت والدته: "دا مين اللي بيرن عليك بدري كده؟! أقبل إليها يحيى ونظر لشاشة هاتفه لوهلة قبل أن يقول بابتسامة: "دا رائد! دا كان بيحلم بيا ولا إيه!! أجاب ليأتيه صوت رائد:

"وحشتني أوي" يحيى بنزق مصطنع: "لسه فاكرني!! من يوم ما رامي أخوك رجع من السفر وإنت بايعني خالص اخص عليك صاحب! "والله عارف إني مقصر معاك... ممكن تسامحني؟ يحيى مبتسمًا: "عيب عليك يا أسطا إنت أخويا ومهما تغيب عني مكانتك في قلبي زي ما هي" "تصدق بالله... أنا بحبك" يحيى بخجل مصطنع: "لا إله إلا الله... يا رائد ميصحش كده أنا بتكسف ومبعرفش أرد على الكلام الحلو ده" ضحك كلاهما ليباغتهما صوت أنثوي:

"رائد تعالى اقفل لي السوستة دي... ابتسم يحيى فلابد أن تلك إحدى أختيه، نظر رائد لوئام ثم التفت أمامه متجاهلًا لها وهو يقول ليحيى: "إن شاء الله يا يحيى أول ما أرجع من إسكندرية هقابلك" "يا رائد اقفل لي السوستة مش عارفة أقفلها شكلي تخنت ولا إيه!! .. يلا يا رائد" قالتها وئام وهي تقترب من رائد، فقال نازقًا: "الله! يا وئام بتكلم في التليفون... قال يحيى: "طيب يا غالي أسيبك تشوف حوار السوستة ده ونتكلم وقت تاني"

ضحك رائد وهو يقول: "ماشي يا حبيبي بلغ سلامي للحاج والحاجة" وقفت وئام قبالة أخيها وقالت بضجر: "يا رائد... خلص هو أنا هتحايل عليك! زم رائد شفتيه ونظر لها متوعدًا وهو يقول: "ماشي يا يحيى هكلمك تاني يا حبيبي إن شاء الله" وضع رائد الهاتف في جيبه متوهمًا أنه أنهى المكالمة، فسمع يحيى صوته الهادر: "والله العظيم عايزة تتأدبي قلت مليون مرة لما أكون بتكلم في التليفون ما أسمعش صوتك" ضحكت وهي تقول بسخرية:

"يعني كنت بتكلم مين يعني؟! أوعى تكون موزة ومخبى عليا! قالتها وئام غامزة بمكر، فقال مبررًا: "موزة إيه! كنت بكلم يحيى صاحبي." ضحكت وهي تقول: "يحيى اللي ضد الكسر... الواد أبو ياء مفتوحة ده؟ لكزها في ذراعها وهو يقول: "اتلمي" ضحكت وئام فهي لم تره ولو مرة واحدة لكنها سمعت رائد يحكي عنه كثيرًا لرامي ووالديه ودائمًا يصحح نطقهم لاسمه وهو يقول: "يحيى وليس يِحيى".

على نحوٍ آخر ابتسم يحيى وأغلق الهاتف قبل أن يلتفت فيرى والديه يضعان الإفطار على المائدة فسارع إليهما وهو يقول: "تعبتوا نفسكم ليه ما أنا جاي أهوه" وصلت السيارة التي ستصطحبهم، ظلت نداء تتحاشى النظر نحو رائد الذي فعل مثلها ومر الطريق وهم يتحدثون ويتمازحون أحيانًا لكن لم يلتفت أي من نداء أو رائد لبعضهما. وكان رشدي قد اتفق مع علي أن يقابلهما في نفس المكان الذي أحضرهما إليه أثناء الذهاب.

وحين وصلوا وقف علي يحملق بنداء بابتسامة واسعة فقد اشتاق لرؤيتها، وفطن رائد لنظراته تلك التي تشي بمكنون قلبه فحدجه بنظرات ثاقبة ثم طالع نداء فوجدها تجر الحقيبة ولا تبالي بعلي، بل أنها وحين أخذ علي الحقيبة من يدها التفتت واقتنصت نظرة أخيرة نحو رائد قبل أن تصعد للسيارة، فأشاح رائد بصره وتنحنح مرتبكًا وهو يحك أنفه ثم ابتسم!

مرت الأيام تباعًا وبدأت الدراسة، أصر والد نداء أن تلتحق ابنته بكلية التربية الخاصة مثل وئام وهيام فوافقت دون اعتراض فالتعليم بالنسبة لها مجرد شهادة ستضعها بين أرفف مكتبتها. مرت سنة كاملة ولم ير خلالها رائد نداء ولو صدفة، وكان هو من يتجنب التلاقي بها حتى أنه رآها عدة مرات واختبأ كي لا تراه.

وفي شارع متوسط الاتساع يضم بيوت متوسطة المعيشة كان رائد يسير جوار يحيى بعد أن انتهى من زيارته في بيته لدعوتهم لحضور عقد قران أخيه رامي. أخذ رائد يخبر يحيى عن مشاعره المضطربة ويحكي له عما يعتمل بصدره: "مش عارف إنت هتفهمني ولا لأ يا يحيى بس أنا تعبان! كنت فاكر لما هبطل أشوفها وأبعد عنها مش هفكر فيها لكن الموضوع جاي معايا بالعكس وطول الوقت خايف تضيع مني" توقف يحيى عن السير وقال بجدية:

"بقولك إيه يا رائد إنت حالتك دي ميتسكتش عليها! بص إنت تتقدملها وأنا واثق إن باباها هيوافق" أطلق رائد ضحكة كالزفرة وسأل ساخرًا: "وإيه اللي مخليك واثق كده ما يمكن يرفضوني" "لأ مش هيرفضوك مش إنت بتقول إن باباها صاحب باباك! يبقى أكيد هيوافق ويا سيدي لو رفض هتبقى عملت اللي عليك" عاد رائد يسير بخطى ضيقة يفكر في كلام يحيى ثم سأله: "تفتكر دا الحل؟ "أيوه هو ده الحل الوحيد" تنهد رائد بعمق وقال:

"هصلي استخارة وبعد فرح رامي هاخد خطوة إن شاء الله" ربت يحيى على كتف رائد وقال: "ربنا يقدملك الخير يا غالي... قاطعهما هتافات مرتفعة: "حـرامي... امسك حـرامي" "لااااا... الديك بتاعي... قال الطفل تلك الجملة لاهثًا وهو يركض بأقصى سرعته ويمر من بين أرجل كل من يقابله. طفل صغير بجسد عارٍ، يرتفع عن سطح الأرض عدة سنتيمترات، وبين ذراعه الصغير الهزيل ديكًا يحاوطه كلعبة تخصه ويأبى أن يتركها لغيره!

وكانت ملامح الذعر ترتسم على قسمات وجهه وملامحه البريئة. "استنى ياض... حد يمسك المفعوص ده يا إخوانا" قالها صاحب المحل لاهثًا ولازال يركض خلف الطفل مع الزبون الذي دفع حق الديك قبل سرقته بلحظات. ارتفع صوت نشيج الطفل الراكض وهو يقول بحشرجة: "لااااا محدش هياخد ثونه "سونه"" وطفق يركض بكل ما أوتي قوة، صاح الديك فقبل الطفل عُرفه الأحمر، وخاطبه بلوعة: "متخافش يا ثونه محدش هياخدك مني"

نظر الطفل خلفه فلاحظ اقتراب الرجال منه وما تبقى إلا خطوتين ويمسكون به، فحاول الإسراع من ركضه وهو يبكي صارخًا: "ديكي... ديكي... وفجأة التقطه عن الأرض ذراع أحدهم، فأحكم الطفل ذراعه على الديك وأخذ يهز أرجله ويحاول التفلت من قبضة من حمله وعيناه مغلقتان صارخًا: "ثيبني "سيبني"... لاااا محدش هياخد ثُونه... ديكي" ضحك يحيى الذي حمل الطفل قبل لحظة قائلًا بسخرية: "متخافش محدش هياخد ثُونه اهمد بقى فضحتنا"

انفرجت أسارير الطفل حين سمع صوت يحيى، وفتح عينيه يطالعه مبتهجًا، وقال: "يحيى حبيبي!! ... الحمد لله إنك هنا" تنهد الطفل بارتياح مردفًا: "اثتحلفك "استحلفك" بالله تنقذ ثُونه يا يحيى" كان رائد يقف جوار يحيى ولا يستطيع كبح ضحكاته، فكيف لطفل صغير أن يُحير كل هؤلاء الرجال! ضحك يحيى وخاطب الطفل: "اثتحلفك إنت بالله ترحمني وترحم الغلبانة أمك" رائد بضحك: "مين ده يا يحيى؟! "آدم ابن عمي...

دا بقى الغلطة اللي فضحانا في منطقتنا والمناطق والمجاورة" وقف صاحب المحل قبالة يحيى وقال وهو يلتقط أنفاسه: "هات الديك يا أستاذ يحيى ابنكم دوخنا" نظر يحيى للطفل ثم للديك وقبل أن ينبس بكلمة أو يحرك ساكنًا خاطبه الطفل باستعطاف: "أثتحلفك بالله ألا تفعل" خاطب يحيى صاحب المحل: "خلاص أنا هدفع تمنه يا عمي رضا وهاخده" تدخل الزبون الذي دفع ثمن الديك قائلًا: "لأ أنا اشتريته...

ولا يجوز أن يشتري أحدكم على بيعة أخيه ويتدخل فيما لا يُعنيه" عقد يحيى جبينه وهو يحدق بالزبون باستغراب مغلف بالسخرية: "نعم يا فندم!!! لا يجوز إيه؟ مد صاحب المحل يده ليأخذ الديك وهو يردد: "هات يا ابني الديك ده" أحكم الطفل ذراعه على الديك، وقد التوى فمه لأسفل متأهبًا للبكاء، ثم ونظر ليحيى قائلًا بفم مشدود: "اثتحلفك بالله تنقذه... هتف صاحب المحل بحنق: "ادينا الديك يا ابني خلينا نمشي المحل لوحده... قال يحيى بنفاذ صبر:

"يا عمي رضا قولتلك هدفع تمن الديك!! وقال الزبون بإصرار: "طلاق تلاتة ما أنا متنازل عن الديك ده" صاح الطفل بتصميم: "ثونه محدش هياخده" حاول الرجل نزع الديك من يد الطفل الذي صرخ: "ثـــــونه" وحاول يحيى إبعاد صاحب المحل والتفاهم معه ورائد يحاول فك الاشتباك وهو يهتف: "يا جماعة مش هتخسروا بعض عشان حتة ديك بعرف أحمر" هتف يحيى بحدة: "استنى يا عم رضا اوعى كده! وهتف الزبون مجددًا: "طلاق تلاتة ما هسيب الديك ده"

وصاحب المحل يقول بضجر: "سيب الديك ياض... ارتفعت أصواتهم، والديك يصيح بين يدي الطفل الذي يأبى أن يتركه، فطالع يحيى رائد قائلًا: "رائد بتعرف تجري؟! ونستفيد من آدم أنه إذا أحببت شيئًا فإياك أن تتركه، حارب لأجل ما تريد وإن حاول أحدهم انتزاعه منك فلا تيأس فقط اسـرقه واهرب!! هل صدقت؟ انتظر!! فتلك حكمة خاطئة لا تفعلها! فإذا أحببت شيئًا سارع لامتلاكه وإن لم تستطع فاتركه لمالكه.

"إنتِ أنانية يا ريم عشان وافقتِ تتجوزي قبل أختك الكبيرة... اتخطبتِ من سنة وقولت ماشي أكيد مش هتتجوز قبلي لكن كمان تحددي فرحك!!! إنتِ أنانية... أنانية ومبتفكريش إلا في نفسك" قالتها رغدة بحرقة وصدرها يعلو ويهبط بانفعال، فردت ريم بنبرة خرجت هادئة: "أنا مش أنانية بس مش عايزة أكون زيك... قاطعتها رغدة مستنكرة: "زيي! يعني إيه زيي؟ انفعلت ريم وقالت: "مش عايزة أقعد جنب أمي ومحدش يتقدملي...

وعلى فكرة إنتِ إللي أنانية ومبتفكريش إلا في نفسك المفروض تفرحيلي... ازداد انفعال رغدة فاقتربت من ريم وجذبتها من شعرها وهي تصرخ: "بكره هيطلقك وهيدوسك برجليه وهترجعلنا مكسورة... فاكراه بيحبك! عيال عمك دياب مبيعرفوش يحبوا" حاولت ريم الإفلات من قبضتها وهي تهتف بنبرة مرتفعة: "بيحبني يا رغدة بيحبني.."

استشاطت رغدة غضبًا وطفقت تضرب ريم التي تحاول صد لكمات أختها دون ضربها وهي تأن وتصرخ حتى تدخل صالح بدلًا من أن ينقذ ريم من تحت يد رغدة، دفعها بقوة لتسقط أرضًا ثم وبمنتهى القسوة سحبها من ذراعها وقال وهو يكز على أسنانه: "اطلعي بره... إحنا زهقنا منك ومن قرفك" قالها ثم دفعها لخارج الشقة وصك الباب في وجهها فطرقت ريم الباب وهي تصيح: "إنتوا بتعملوا كده ليه! حرام عليكوا مستكترين عليا الفرحة!!

طرقت الباب كثيرًا وهي تنادي والدتها ثم أخوتها ولكن ما من مجيب! نظرت لمنامتها الصيفية ذات الأكمام القصيرة وطرقت الباب مجددًا، ارتشفت دموعها وهي تقول بتوسل وبنبرة مبحوحة: "ماما! افتحيلي... حرام اللي إنتِ سيباهم يعملوه فيا ده... هدرت والدتها فاطمة من خلف الباب: "اسمعي يا ريم طالما وافقتِ تتجوزي ابن شيرين وعصيتيني يبقى متنادينيش أمي... أنا مش أمك وخليكِ ماشية ورا أبوكي يا بنت أبوكي" هتفت رغدة بهمس:

"افتحيلها يا ماما لتروح لشيرين وعيالها! فاطمة بثقة: "متقلقيش بنتي وأنا عارفاها مش هتمشي بالبيجامة في الشارع! ظلت ريم تطرق الباب عدة مرات تتوسلهم أن يفتحوا وما أن يئست أن يردوا عليها جلست على درج السلم تبكي بمرارة. فقد مر عام كامل مذ أن تقدم رامي لخطبتها، حاولوا بكافة الطرق إقناعها أن ترفض تلك الزيجة ولكنها لم تتراجع قدر أنملة عن قرارها وستتزوج من رامي على أي حال وسينعقد قرانهما بعد يومين.

ومنذ أن علموا بموعد عقد قرانها تحولت معاملتهم من سيئة لأسوأ، تصطدم بها رغدة متعمدة فتوقعها أرضًا وصالح ومؤمن لا يتوقفان عن ضربها. تربها على كل شاردة وواردة وهي تكظم غيظها وتواسي نفسها بأن هانت وستنتقل لبيت زوجها.

مسحت دموعها ونهضت واقفة تبحث حولها على أي شيء تستر به جسدها لتذهب لبيت عمها فقد طفح الكيل، ستشتكي لعمها ووالدها. سالت دموعها بغزارة حين أبصرت قماشة سوداء طويلة كانت تمسح بها درج السلم اليوم، لم تتردد في لفها حول جسدها ثم نزلت الدرج بانكسار وفتحت البوابة وهي تلتفت يمنة ويسرة على المارة من الناس وتتمنى ألا يراها أحد حتى تصل لبيت عمها. هرولت حافية القدمين وقبل أن تصل حد بيت عمها ببضعة سنتيمترات اخترقت زجاجة حادة قدمها فكتمت صرختها وأخذت تسير على قدم واحدة حتى وصلت لبيت عمها وهي تبكي.

صعدت السلم وعند كل درجة كانت تتساقط من قدمها قطرة من الدماء حتى وصلت أمام باب البيت ودقت الجرس. لتسمع صوت شيرين: "حد يشوف مين على الباب يا ولاد" ثم صوت رامي الذي يرنو من الباب وهو يهندم من ساعته وملابسه فقد كان مستعدًا للخروج: "مين؟ ريم بصوت خافت ومكسور وهي تطرق براحة يدها على الباب: "أنا ريم افتح" وحين سمع رامي صوتها فتح باب المنزل في سرعة مرددًا بابتسامة: "إيه يا مسكـ...

وحين وقع بصره عليها وهي منكسة رأسها تبكي والدماء تتساقط من قدمها حُبست الكلمات في صدره وهتف بلهفة واضطراب: "في إيه يا ريم؟! شهقت باكية ولم ترفع رأسها إليه، صدع صوت شيرين: "مين يا رامي؟! وحين أبصرت ريم اتسعت حدقتيها وشهقت بقوة. لم تستطع نداء كبح جماح مشاعرها، فقد غاب رائد عن ناظرها لكنها لم تنسه ومهما حاولت صرف تفكيرها عنه يأتي لمخيلتها دون استئذان ويزداد شوقها إليه يومًا بعد يوم!

كانت تردع نفسها وتنهرها على تفكيرها به، لكنها من ناحية أخرى أصبحت تدعو الله أن تراه! كانت تتزين بأبهى حُلتها عند خروجها من البيت علها تقابله صدفة لكن لم يحدث، كانت تذهب لمحل عطارة والده دياب متمنية أن تصادفه ولكن دون جدوى، حتى أنها ذهبت لبيته برفقة أسرتها أحيانًا وبرفقة وئام وهيام أحيانًا أخرى ولم تقابله مطلقًا! وأخيرًا لجأت لملفه الشخصي على تطبيق الفيسبوك، كانت تتابعه بدقة وتقرأ ما يكتبه باستمرار.

وفي هذا اليوم كانت تجلس على فراشها منكبة على هاتفها الصغير تتأمل صورة جديدة شاركها رائد قبل لحظات كان يقف جوار صديقه الذي يحمل طفلًا صغيرًا يحمل بيده ديك وترتسم الابتسامة على محياهم، وكتب معها "أعرفكم بـ ثونه الديك اللي حيرنا". اتسعت ابتسامتها ولم تلحظ حين ضغطت زر الإعجاب عن طريق الخطأ، تركت الهاتف من يدها لتُلبّي هتاف والدها: "يا نداء... يا بنتي" وثبت من فوق فراشها وسرعان ما وقفت قبالته.

كان رشدي يجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى ويُصلح جهاز التحكم الخاص بالتلفاز، وأخذ يفك اللصقات الكثيرة الملفوفة حوله فقالت نداء متهكمة: "بتعمل إيه يا بابا! ده مبقاش ريموت دي بقايا ريموت! اشتري واحد جديد بقى! تجاهل كلامها وأكمل ما يفعله وهو يقول: "جهزي نفسك عشان هتيجي معانا عند عمك دياب بعد بكره كتب كتاب رامي" "بس أنا مش عايزة أروح يا بابا" قذفها رشدي بنظرة نارية دون أن ينطق مما جعلها تقول متلعثمة: "حاضر يا بابا هجهز نفسي"

"واعملي كوباية قهوة" "حاضر بس أنا نازلة دلوقتي أشتري حاجة" "حاجة إيه!! قالت بارتباك: "كتب... هشتري كتب محتاجاها السنة الجاية ومتقلقش معايا فلوس" أومأ رأسه وهو منهمكًا بما يفعله، ودلفت هي للمطبخ لتعد القهوة ثم ارتدت ثيابها وخرجت! لم تكن تريد شراء أي شيء لكنها أخذت تسير بلا هدف حتى وصلت قبالة عطارة العقيد، وقفت تتأمل اليافطة من بعيد وداخلها إحساس قوي وصوت لا تعلم مصدره يتردد بأذنها أن رائد بالداخل!

نهرت نفسها عما تفعل وابتلعت ريقها في اضطراب ثم ابتعدت عدة خطوات عن المحل وفجأة توقفت ونظرت خلفها ثم عادت مرة أخرى بخطى بطيئة. وها هي مشاعرها تتناقض من جديد وتتأرجح بين رغبة به وبرؤيته ورهبة مقيتة تلفح قلبها وتدفعها بعيدًا عنه. من ناحية أخرى وبداخل عطارة العقيد

تعالت أصوات ضحكاتهم ويحيى يحكي عن آدم ابن عمه وكيف منع الطفل والدته من الاقتراب من ذلك الديك فباغتته والدته وباعت الديك لمتجر للدواجن أسفل بيتهم، فتربص آدم وأخذ يتابع المحل وكلما رأى الديك لازال حبيس القفص اطمأن فؤاده.

وحين كان الطفل على وشك الاستحمام ألقى نظرة من شرفة بيته على الديك فلاحظ ذلك الزبون الذي أشار للديك وطفق يدفع ثمنه، شهق آدم بصدمة واتسعت حدقتاه وخرج من بيته متعجلًا دون أن يرتدي ملابسه وسرق الديك على حين غفلة من صاحب المحل والزبون. استطرد يحيى حديثه ضاحكًا: "المهم إن إحنا جرينا بس ابنك بطيء يا عمي والناس مسكته... فاضطريت أقول بعلو صوتي نزل إيدك أنت وهو عن سيادة الرائد الناس خافوا ورجعوا لورا" ضحك دياب وهو يقول:

"بيقولك يعملوها الصغار ويقعوا فيها الكبار" رائد بضحك: "المشكلة إن الواد صغير قوي ميبانش من الأرض والديك تقريبًا طوله ووزنه" وبعد الانتهاء من الضحك نهض دياب وقال: "طيب يا ولاد بعد إذنكم أنا عندي مشوار كده وجاي... "اتفضل يا بابا" قالها رائد وظل ينظر لأثر والده حتى اختفى، نظر لـ يحيى وقال: "أنت قاعد معايا شوية طبعًا" أومأ يحيى قائلًا: "قاعد يا كبير بس اطلب لي شاي"

ربت رائد على فخذه مبتسمًا فابتسم يحيى قبل أن يستأذنه ليجيب على هاتفه الذي صدع بالرنين. فتح رائد هاتفه وأخذ يرى عدد المتفاعلين مع الصورة التي نشرها على تطبيق الفيسبوك وأصابه الذهول حين أبصر اسم نداء بينهم، أخذ يقلب في ملفها الشخصي بتركيز، تزامنًا مع نقرات صوتها طبلة أذنه حين قالت لأحد العمال: "لو سمحت عايزة سنامكي"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...