-قـ... قـ ـتـ ـل!!!!! قالها دياب بصدمة وعيناه تتذبذبان وجسده يختلج، فأطرق الضابط لبرهة بعد أن أومأ رأسه وهو يزم فمه بأسى، ثم دلف للمشرحة بينما وقف دياب يعضد أخاه الذي يبكي بحرقة. خارت قوى محمد بعدما سمع حديث الضابط، فهوى جالسًا على أقرب مقعد، ظل يحملق أمامه في شدوه يستمع لصوت بكاء والده وصوت دياب الذي يبذل جهدًا كبيرًا في التظاهر بالتماسك! حتى انتبهوا لأمر الضابط: -دلوقتي هتدخلوا تتعرفوا عليها!!
وثب محمد وتبعهم متمنيًا ألا تكون هي! فبداخله صوت يخبره بأنها بخير! لم تمت ولن تذهب قبل أن يخبرها بهويته. دلفوا للغرفة بخطوات متثاقلة وكأن الحزن أثقل أقدامهم فأصبحت كالصخر. فتحت الممرضة ثلاجة الموتى فأغلق محمد مقلتيه قبل أن يكشف عن وجه الجثة متمنيًا أن يسمع نفي والده ينتظر أن يسمع ليست هي! لكن وللمرة الثانية يضطر لمواجهة فاجعة من فواجع القدر المؤلمة الأولى كانت لأمه التي توفيت بين أحضانه وها هي الثانية لأخته!
فتح عينه أثر انهيار والده وصراخه باسم ابنته: -بنتي... رغده... لا يا رغده... قومي يا بنتي... مين عمل فيها كده؟ مين اللي عمل في بنتي كده... طفق دياب المروع هو الآخر يهدئ أخاه والطبيب والتمريض يتابعون المنظر يحاول بعضهم المواساة والمساندة بينما يتابع البقية في سكون وهدوء وكأنهم اعتادوا مثل هذا المشهد وآلفوه فلم يؤثر في قلوبهم.
فتح محمد عينه فأبصر وجهها الشاحب واتسعت حدقتاه فزعًا حين رأى جيدها المنحور بلا رحمة، فانتفض وظل يعود للخلف بهلع ثم ركض خارج الغرفة مروعًا ومنكبًا على وجهه وكأن عينه لا ترى سوى صورة واحدة مقسومة لنصفين وجه والدته الشاحب بعدما فارقت الحياة ووجه أخته المذبوحة.
وقف بالخارج يلهث، لم تحمله قدماه فجثا على ركبتيه وهو لا يشعر بأي من حوله تفيض الدموع بغزارة على وجنتيه وتتسارع أنفاسه ومن حوله أناس لا يعرفهم يربتون على كتفه وهو يبكي كطفل صغير. تذكر كلامها له في الصباح، ابتسامتها ووجهها المليء بالحيوية، نظراتها التي تتأرجح بين الدهاء والحنان، تذكر حديث ريم عنها وكيف كانت تصفها بالساذجة الطيبة التي لا تفطن ما تريد، ارتفعت شهقاته وهو يردد بانكسار من خلف بكائه:
-أنا بس كنت عايزك تعرفي إني أخوكي! كنت عايز أحضنك ولو مره واحده... ياريت الوقت يرجع وأنا أصلح حاجات كتير... فقد يعود الماضي ونغير ما به من أهوال ولكن في منامنا وحين نغلق جفوننا ليخفف عقلنا من ثقل ما مر بنا. انخرط في بكاء مرير وهو يردد بانهيار وبنبرة مرتفعة: -أنا أخوكي سمعاني... إنتِ أختي يا رغده... أختي. فقل لمن يتعجل بالموت ليرتاح، إن الموت مصيبة! وإلا لما قال الله في كتابه: "... فأصابتكم مصيبة الموت...
"، فهو أمر جلل! النفس ترحل من جوار ذويها ومن عالم الدنيا بأسره إلى عالم آخر حيث تثاب على طاعتها وتحاسب على إثمها وتندم على تقصيرها.
وأمام المستشفى التي بحثوا بها للمرة الخامسة، وقف رائد قبالة رشدي المهموم رمق نداء بطرف خفي كانت ملامحها جامدة مدلهمة، جفت دموعها وها هي تضم والدتها الباكية وجوارها وئام التي تربت على كتفها بشفقة، فبعد الكثير من البحث بالمستشفيات والطرقات لم يجدوا أي أثر لنادر وقد بدأ اليأس في التسلل إلى قلوبهم. -إنتو لازم ترجعوا البيت وترتاحوا شويه وإن شاء الله الشرطة توصل لحاجه. قالها رائد مخاطبًا رشدي الذي رد بجمود:
-نرتاح إزاي وابننا مفقود!!! علقت وئام بعد تنهيدة حارة: -إن شاء الله هتلاقوه... -يارب. رددها ثلاثتهم بنبرة خافتة ذليلة للخالق. فنحن ضعفاء، فقراء، لكننا لا نتذلل ولا نتوكل إلا على الله الغني العزيز، ونوقن أنه وحده القادر على رفع البلاء وتفريج الكرب وإزاحة الغمة. وصل يحيى حاملًا بيده كيسة سوداء، ألقى عليهم التحية ثم أشار لرائد ليتحدث معه بمفرده، حمحم وهو يفتح الكيس فأشاح رائد وجهه باشمئزاز وهو يقول: -إيه ده يا يحيى!
كانت جثة لهرة بيضاء وقد تلطخ جسدها بالدم، أجاب يحيى: -القطه دي لابسه نفس السلسله اللي القطه بتاعتكم لبساها! تفقدها رائد مجددًا وبدأ يربط أساور الموضوع فقد أخبره رشدي أن نادر خرج مع الهرة، سأله بترقب: -لقيتها فين دي؟ -لقيتها مرميه على الأرض والدم حوليها زي ما يكون حاجه خبطتها! -طيب تعالى نقول لعمي رشدي ولو إن الموضوع صعب يتقال... -ربنا يستر.
قالها يحيى قبل أن يتوجها صوب رشدي وشرع يحيى يروي له ما حدث، فأجهش رشدي بالبكاء لا يتخيل أن يصيب ابنه مكروه! يتساءل هل دعسته سيارة أم ماذا حدث؟ وطفق يأنب نفسه على تقصيره في حقه. من ناحية أخرى توجه رائد لداخل المشفى حين أبصر والده يتحدث عبر هاتفه وملامحه العابسة لا تبشر عن خير، فهرول إليه وهو يهتف: -بابا! التفت دياب لرائد والعبرات تقف عتبة جفونه ويحاول جاهدًا أن يتحكم بمشاعره، قال: -بتعمل إيه هنا يا رائد؟
-كنا بندور على نادر! في حاجه ولا إيه! إنت بتعمل إيه هنا؟ عصر دياب جفونه بأصابعه ليضمن أن دموعه لن تخدعه وتنهمر، فسأله رائد بقلق: -خير يا بابا شكلك ميطمنش! تنهد دياب بعمق قبل أن يشرع في السرد وحينها لم يتمالك حاله وبكى بل أنه لم يستطع السيطرة على عبراته وشهقاته، فضمه رائد وهو يردد بأسى: -إنا لله وإنا إليه راجعون. على جانب آخر أضاء هاتف وئام فأجابت على هيام التي كانت تبكي ولا تستطيع تجميع كلماتها:
-مكنتش بتمثل يا وئام... كانت حاسه إنها ماشيه... قلبي واجعني أوي... -أنا مش فاهمه منك حاجه! بتعيطي ليه؟ -رغده ماتت يا وئام! ماتت... صاحت وئام: -إنتِ بتقولي إيه!!!! -رغده بنت عمك ماتت... رغده ماتت... أخذت هيام تبكي بينما تجمعت الدموع بمحاجر وئام، أطبقت يدها على فمها وتصنمت مكانها لبرهة وهي تقنع نفسها أن رغده خبيثة وقد تفعل أي شيء! لابد أنها تتظاهر! لكن هل يتظاهر أحد بالموت؟ رددت بصدمة ونبرة خافتة: -رغدة!!
اقتربت منها نداء وسألتها عما بها فهزت وئام رأسها بالنفي دون أن تنبس بكلمة، فانشغلت نداء بالحديث مع والديها بينما أخذ يحيى يلتفت حوله بحثًا عن رائد فرأى وئام التي تضع الهاتف على أذنها بيد بينما تطبق الأخرى على فمها ودموعها تسيل وهي تلتفت يمنة ويسرة، أمامها ثم خلفها تبحث عن أخيها الذي اختفى داخل المستشفى مع دياب! دنا منها يحيى وسألها: -مالك؟! طالعته بصمت قبل أن تشهق باكية وهي تسأل: -فين رائد؟ يحيى بلهفة: -إيه اللي حصل؟
ومين اللي بيكلمك في التلفون؟ ارتفع نشيجها وهي تردد: -بنت عمي ماتت... صمت يحيى هنيهة حين رأى حالتها، التفت حوله باضطراب وهو يقول ببعض العصبية: -أنا مش عارف رائد راح فين؟ أقبل رشدي ودينا ونداء منهم يسألونها عما أصابها وهي تردد بحشرجة وانهيار: -رغدة ماتت....
توقفت السيدة عن تلاوة القرآن حين فتح "آدم" باب الشقة ودخل متجهم الملامح فمذ علم باختفاء نادر الذي كان يلعب معه في فرح رامي وهو يدعو الله أن يكون بخير فهو يشفق عليه كيف يعيش بلا سمع! فقد أخبره يحيى قبل عدة أيام أن رائد يسعى لموافقة الدولة على زراعة قوقعة بأذنه ثم سيرتدي سماعة أذن ليستطيع سماع الأصوات، وكان سعيدًا بذلك الخبر. جلس قبالة والدته فقالت بمرح: -معقوله آدم باشا بنفسه هنا! سيبت يحيى وجيت ليه الساعه لسه ٩؟
قال بمراوغة: -أنا أصلًا مكنتش قاعد مع يحيى لأني زعلان منه من ساعة ما أخذ مني سونه الصغير بعد أما ارتاحت روحي ليه وعرفت طعم الدنيا بيه! رمقته والدته بسخرية وهي تقول: -لا والله! وإنت تقدر تبعد عن يحيى مهما يعمل... ده إنت عامل زي السمكه ويحيى المايه بتاعتك. صمت الطفل وظل يطالعها، فأردفت بجدية: -أومال كنت فين؟ وضع قدمًا فوق أخرى قائلًا بزهو: -كنت قاعد مع عمو الحاج أبو يحيى عشان موضوع مهم خاص بالرجاله...
متشغليش إنتِ بالك بيه... ضحكت السيدة وهي تهز عنقها باستغراب من صغيرها صاحب الست سنوات من عمره والخمسين من طريقة حديثه، نهض آدم مستطردًا: -يلا تصبحي على خير أنا داخل أنام... -وإنت من أهل الخير يا مدوخني... ابتسم الطفل ولم يعقب وظلت هي تتابعه بابتسامة حتى اختفى داخل غرفته واستأنفت هي قراءة القرآن.
وبعد قرابة النصف ساعة فتح باب منزلها ودلف زوجها بصحبة طفل صغير تراه للمرة الأولى، نهضت واقفة وهي تطالع الصغير الباكي، إنه نادر! نهضت واتجهت نحوهما وهي تقول: -مين ده يا ابو آدم؟ -مش عارف لقيته ماشي في الشارع بيعيط فجبته معايا! تفحصته السيدة بعينيها وهي تسأل: -وإيه الدم اللي على هدومه ده؟! -مش عارف هو قاعد يعمل إشارات غريبه وأنا مش فاهمه! قلت أجيبه معايا للصبح وأشوف هعمل معاه إيه! ربتت السيدة على
ظهر الطفل بحنو وخاطبته: -متعيطش يا حبيبي... اسمك إيه؟ حدق نادر بفمها وهي تتحدث بينما يرتشف دموعه، فأردفت: -طيب تعالى أجيبلك هدوم نظيفة وأغيرلك عشان تريح شوية... ده شكله متبهدل خالص. قالت الجملة الأخيرة مخاطبة زوجها الذي قلب كفيه مرددًا: -لا حول ولا قوة إلا بالله...
ساعدته السيدة حتى ارتدى ثياب نظيفة وأخذته لغرفة آدم لينام على الفراش المجاور له، فابتهج نادر وظل يشير لآدم النائم بابتسامة ويحدث السيدة بالإشارة أنه يعرفه وهي لا تفقه ما يريد، وضعت سبابتها على فمها أن صه كي لا يستيقظ وأشارت له لينام على الفراش قبالته، أومأ نادر متفهمًا وتنهد بارتياح قبل أن يستلقي وينام فقد ضمن أنه سيعود لأهله في الصباح، تذكر ما حدث معه اليوم، كيف فزع عند رؤية السيارة فقذف الهرة نحوها من هول صدمته فدفعتها السيارة مرة أخرى بقوة لترتطم بالأرض، وحين رأى هو منظر الهرة وقع مغشيًا عليه ودماء الهرة تسيل من حوله.
تذكر وجه الفتاة "رغدة" التي كانت تجلس جوار الشاب "يونس" لعنهما بداخله حيث فرا هاربين بعدما قتلا الهرة التي كان يحبها... ارتفع قرآن الفجر من مسجد بالجوار ولم يغمض لأحدهم جفن، يجتمعون أمام المستشفى وأصوات الصرخات والصيحات تدوي بالأرجاء. ابتعدت نداء عن المكان وبحثت عن المسجد تريد الصلاة، تريد السجود بين يدي الله، فلو ظلت في هذا المكان ثانية أخرى سيصيبها الجنون...
أسرعت خطواتها حتى وصلت المسجد دلفت إليه، توضأت وشرعت بالصلاة لم تبكِ إلا حين سجدت فارتفع نشيجها وهي تردد: -يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعال لما تريد يا من تقول للشيء كن فيكون يا من قلت ادعوني أستجب لكم رد إلينا أخي وارحم رغدة يا رب ارحمنا جميعًا برحمتك يا رب... يا الله دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا.
وأمام المستشفى وقف عمرو وعامر يبكيان أثر بكاء من حولهم فدنا منهما يحيى وهي ينكر وجودها في هذا المكان! فمن هول ما مر بالجميع غفلوا عن هذين الطفلين... أخبر يحيى رائد أنه سيأخذهما معه للبيت ليبعدهما عن أصوات الصراخ وجو الحزن الذي خيم على العائلة بأكملها بل والجيران أيضًا... وبعد فترة دلف يحيى للبيت بصحبتهما، ثم لغرفته وطلب منهما أن يستلقيا، فاستوى عامر جالسًا وسأله: -هي رغدة اندبحت زي الفرخة فعلًا! -لـ...
لأ مين اللي قال كده؟ عمرو بتجهم: -عمتي فاطمة مرات عمو... عمالة تصوت وتقول كده! حاول يحيى مراوغتهما فقال وهو يربت على كتف أحدهما: -هي بس مصدومة يا عمرو وبتقول كده من الصدمة... تنهد الطفل قبل أن يقول: -أنا مش عمرو أنا عامر. ابتسم يحيى ولم يعقب، فسأله الطفل الآخر: -هما لقوا نادر يا شيخ؟ -لسه يا عامر. -أنا مش عامر أنا عمرو... قالها الطفل الآخر بنبرة هادئة قبل أن يغلق جفونه، فابتسم يحيى وقال بوداعة:
-طيب يلا يا عمرو ويا عامر تصبحوا على خير... هم يحيى أن يغادر الغرفة فناداه أحدهما برهبة: -أنت رايح فين يا شيخ؟ -إيه يا حبيبي عايز حاجة؟ قال الآخر: -خليك معانا إحنا خايفين. -حاضر. تنهد يحيى واستلقى جوارهما وأخذ يردد آيات من القرآن حتى جذبهما النوم وجذبه هو الآخر، لكنه انتفض فجأة على صوت مرتفع يدوي بأذنه: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة"
جلس لبرهة يمسح وجهه ودقات قلبه تتواثب، تنفس الصعداء ونهض ليصلي الفجر ويقرأ ورده من القرآن فلم يجد الوقت ليقرأه بالأمس. وبعدما صلى حمل مصحفه وتنفس الصعداء وردد باشتياق: -أغرق فؤادك بالآيات إن بها ** طبٌ لكل فؤاد صار يحتضر. أدمعت عيناه حين تذكر حالة رائد وأسرته وفتح مصحفه ليرتل القرآن حتى أشرقت الشمس فسمع باب الشقة يفتح ودلف والده وما أن أبصره قال: -صباح الخير... أنت جيت إمتى يا يحيى؟ -صباح النور...
جيت من شوية ومعايا عمرو وعامر.... طفق يحيى يحكي لوالده ما حدث حتى دوي هاتفه بالرنين، أجاب في سرعة ليأتيه صوت رائد المتحشرج: -تعالى يا يحيى خد أخواتي البنات من هنا لو فضلوا أكثر من كده هيموتوا... دب القلق في قلب يحيى عليها فنهض وهو يقول: -جايلك حالًا. أوصى يحيى والده على عمرو وعامر قبل أن يتوجه نحو باب الشقة ليخرج...
استيقظ آدم بعد إشراق الشمس مباشرة وثب من فراشه وقبل أن يخرج من الغرفة جذب انتباهه طفل كان يقبع جواره على الفراش، دنا منه وفور رؤيته أخذ يفرك عينه يظن أنها ربما تهيؤات! لمسه فتأكد أنه موجود بالفعل، شهق بدهشة وقال بابتهاج وبخفوت: -نادر! اتسعت ابتسامته وقرر إيقاذه لكنه تراجع وقرر إخبار يحيى أولًا، ركض خارج الشقة متجاهلًا أن يخبر والديه أولًا! أبصر يحيى الذي خرج من شقته للتو فناداه ثم قال بابتهاج: -يحيى نادر...
نادر فوق لقيته نايم قصادي على السرير... -أنا مش فايق لهزارك يا آدم. -والله ما بهزر... والله نادر فوق تعالى شوفه بنفسك. كان سيتجاهله لكن تساءل ماذا لو كان يقول الحقيقة؟ فصعد معه ليرتاح فؤاده. دلف لغرفته فوجد نادر بالفعل، تنهد يحيى بارتياح، وطلب من آدم أن ينادي والده، فأخبره عمه كيف وجد آدم شاردًا في الطرقات يبكي لذا أحضره للبيت وكان سيخبر الشرطة هذا الصباح!
خرج يحيى من البيت ليذهب لصديقه بعد أن أخبر آدم أن عمرو وعامر بالأسفل فابتهج مرددًا: -ده باين له أسعد يوم في حياتي.
كانت وئام تستند على كتف أختها هيام بعد أن أغمي عليها وساعدها رائد في العودة لوعيها، ثم بعدها فقدت هيام الوعي وساعدها رائد لتعود، وها هما تجلسان وتبكيان ومن حولهما يدوي صراخ فاطمة "والدة ريم" التي تفتح جفونها لكنها في حالة من الانهيار واللاوعي، تتأوه من شدة ألم قلبها وتصرخ بين وهلة وأخرى وهي بين أحضان شيرين الباكية هي الأخرى... وحين رأى رائد يحيى أقبل نحوه وأعطاه مفتاح السيارة وهو يقول:
-ما تروحهمش البيت عندنا خدهم عندك يا يحيى... معلش هتقل عليكم.. -ما تقولش كده يا رائد... ربنا يربط على قلوبكم يا رب. أخبر يحيى رشدي عن نادر وعاد لبيته مع نداء ووئام وهيام اللتان رافقوهم على مضض بعد إصرار من رائد ووالدهما... وصل رشدي لبيت يحيى سيرًا على قدمه بينما ركب البقية السيارة... عادت نداء لبيتها مع والديها على وعد أن تعود لهيام ووئام وأوصت والدة يحيى عليهما...
ولم تلبث هيام بالبيت كثيرًا فقد غفت عينيها لساعة واحدة وانصرفت لبيتها بينما كانت وئام تغط في سبات عميق.... تمت الدفنة بعد صلاة العصر واكتسى الشارع بالحزن، وانتشرت خلاله أفراد الشرطة. هدأت أصوات الصرخات التي لم تنقطع مذ مساء الأمس، اصطف بعض الرجال أمام البيت بينما النساء بداخل البيت.
طلب الضابط الدخول لغرفة رغدة وطفقت الشرطة تبحث بين أشيائها إلى أن خرج أحد الأفراد بمفكرة صغيرة بحجم كف اليد كانت بين ملابسها وقد دُوِّن بها رقم هاتف وعدة جمل أخرى وأجندة كبيرة دون فيها الكثير من الكلمات وغيرها من الأوراق والمقتنيات. غادرت سيارة الشرطة الشارع تزامنًا مع دخول سيارة يونس الذي وقف أمام بيت دياب وارتجل من سيارته وهو يطالع سيارة الشرطة ويبتلع ريقه باضطراب...
وبعدما ألقى التحية دلف مع رائد للبيت فهوى محمد جالسًا أطرق رأسه ووضع يده على جبهته وأخذ يبكي ورائد ويونس يحاولان مواساته سألت هيام: -الشرطة كانوا عايزين إيه؟ فيه جديد! -سيبينا دلوقتي يا هيام... أنتِ إيه اللي جابك من عند يحيى؟ قالها رائد بنفاذ صبر وهو يمسح دموعه، فرمقته هيام وهو يبكي وخرجت من الغرفة وعندما تذكرت ضعف ودموع كل من حولها سالت دموعها، فكلما رأت أحد يبكي لم تتمالك نفسها هي الأخرى...
وبعد فترة هدأ بكائهم فسأل يونس متلعثمًا: -و... وصلتوا للي عمل كده؟ هز رائد رأسه نافيًا مرددًا: -هيروح فين!! مسيرنا هنوصله. ازدرد يونس ريقه باضطراب ولاذ بالصمت لبرهة ثم سأله: -يعني الشرطة ما وصلتش لأي حاجة خالص؟ -لسه! قالها رائد باقتضاب، فقال يونس بتلعثم: -كانوا بيعملوا إيه هنا... أنا شفت العربية وأنا داخل الشارع؟
رمقه رائد في تعجب لاهتمامه الزائد بمعرفة التفاصيل فهو يعرف يونس جيدًا لا يهتم بشيء ولا يعتني بأمر لا يخصه! قال رائد: -شايفك مهتم بالموضوع أوي على غير عادتك؟ -لـ... لأ يعني صعبان عليّ رغدة... وأنتم كمان صعبانين عليّ... قالها بعدما ابتلع ريقه وأخذت نظراته تتجول في المكان باضطراب حتى دوى هاتفه بالرنين فأجاب، ليأتيه سؤال: -يونس معايا؟ -أيوه مين؟ ليختلج جسده وتتواثب دقات قلبه عندما سمع: -معاك الضابط كرم....
وقع قلبه في أخمص قدميه حين أخبره الضابط أن يحضر لمركز الشرطة على الفور، فانصرف بغتة دون استئذان ولم يعره أحد اهتمام... "رجوع بالوقت ليوم زفاف رامي... كان يونس يتابع رغدة بإعجاب فقد مرت السنون وكبرت فأخر لقاء بينهما عندما كانا طفلين وهو في زيارة لعمته شيرين وكان يستمتع بمضايقتها المستمرة حينما يلعبان بالشارع. كانت رغدة تنزل الدرج فاعترض طريقها وقال بابتسامة: -يا ترى فاكراني؟ -يونس!
والله ما اتغيرت لسه بتعترض طريقي برضه! ضحكا الاثنان وقال: -كنت بستمتع أوي لما أضايقك وتقعدي تصوتي وتنادي صالح، فاكرة؟ -وأنا برضه كنت بستمتع لما أعضك وتصرخ! قالتها بضحك، فقال بابتسامة: -بس كنت برجع أصالحك يا بنتي! -بمصاصة! دا أنا كنت طفلة طيبة أوي. انخرطت بالضحك، فقال يونس: -طيب هاتي رقمك بقى عشان ليكِ عندي مصاصة من آخر خناقة. -هات إنتَ رقمك... استنى هكتبه في النوتة عشان نسيت موبايلي في البيت.
أخرجت ورقة من حقيبتها ودونت رقمه، ثم قالت بابتسامة: -هكلمك أول ما أروح. أومأ يونس رأسه وهو يقول: -هستنى منك مكالمة. وبعد هذا اليوم، بدأت تحدثه كل يوم وتقابلا أكثر من مرة. "عودة" -هي دي كل الحكاية يا فندم. قالها يونس الذي يجلس قبالة الضابط بمركز الشرطة، فسأله الشرطي: -يعني إنتَ ما قابلتش المجني عليها يوم الحادثة؟ صمت يونس هنيهة وهو يتذكر حادثة الطفل، ثم هز عنقه نافيًا وهو يردد بتلعثم: -لـ... لأ يا فندم ما قابلتهاش.
-تمام تقدر تتفضل يا أستاذ يونس. نهض يونس وتنفس الصعداء وهو يغادر ذلك المكان، فقد خشي أن يُكشف أمره، لكنها مرت على خير. وبعد خمسة أيام من التحقيقات المستمرة، ومن الحداد على فراق رغدة، قررت نداء أن تعرج على بيت دياب بعدما انتهت من عملها، كان معها نادر فقد أصبحت تأخذه معها. كان رائد يسير أمامهما ويعلم أن طريقهما واحد، لكنه لم يلتفت ولو مرة واحدة حتى وصل لبيته ودلفت هي بعده بلحظات.
دق رائد باب بيته ففتحت شيرين تزامنًا مع صعود نداء درجات السلم ثم ظهورها، فألقى رائد السلام على والدته ودخل بينما وقفت شيرين ترحب بنداء. كانت داليا تجلس بالردهة مع بناتها ريمان وريناد، فألقى رائد عليهما التحية ودخل لغرفته حيث يجلس محمد. وحين أبصرت ريمان نداء تجهمت، واشتعل غيظها فقد ظنتها أتت برفقة رائد. وفي غرفة وئام وهيام جلس نادر جوار أخته بصمت بعدما علم بأن عمرو وعامر خارج البيت. وبعد فترة من الصمت سألتهما نداء:
-هي ريم عرفت؟ -ما حدش قالها! بس الأخبار مالية النت. قالتها هيام. -حسبي الله ونعم الوكيل في اللي عمل كده، هي الناس بقت قلوبها حجر!!! قالتها نداء وهي تهز رأسها مستنكرة، كانت وئام تقف بالشرفة حين لاحظت دلوف سيارة الشرطة للشارع، فمذ يوم الحادثة وقد اعتادوا أن تعرج الشرطة لشارعهم، فنادت وئام والديها وأخيها الذين هرولوا لبيت ضياء ومعهم محمد. أظهر الضابط حقيبة بيده وقال: -دي بتاعة رغدة؟ أيد الجميع فسأل الضابط:
-ومين ريمان وريناد؟ -دول بنات أختي! قالها ضياء، فقال الضابط: -طيب هما فين؟ -هنا يا فندم ليه؟ قالها دياب فازدرد صالح لعابه في توجس أثر سؤال الضابط عنهما، وعاد خطوتين للخلف وهو يحك أرنبة أنفه، بينما سأل محمد: -هو في حاجة ولا إيه يا فندم؟ الضابط باقتضاب: -إحنا لقينا شنطة رغدة وتليفونها وتوصلنا لمعلومات جديدة. ارتفع صوت فاطمة المختنق بدموع لم تجف: -أنا عايزة حق بنتي يا باشا... هاتولي حق بنتي.
رمقها محمد بشفقة وظلت هي تصرخ وتصيح وشيرين تربت على ظهرها وتحاول ضمها لكنها تنفلت منها وتبتعد عنها فما زال في قلبها بعض الحقد رغم انكسارها. ومن ناحية أخرى اقترب مؤمن "أخو رغدة" من محمد وسأله: -هو إنتَ مين؟! -أ... أ... -ده محمد صاحبي يا مؤمن... يلا يا محمد. قالها رائد وجذب محمد من يده ليغادر بينما ظل مؤمن يحدج ظهرهما بإمعان وصاح بنبرة مرتفعة: -مش غريبة شوية إن صاحبك يكون مهتم بالقضية!!!
تجاهله رائد ولم يلتفت إليه بل أكمل طريقه لبيته. من ناحية أخرى كان نادر يتجول بأرجاء البيت فجذب انتباهه ألبوم صور على مكتب مجاور فأخذ يُقلبه بابتسامة وعند إحدى الصور اتسعت عيناه بدهشة وأخذ الصورة وركض لنداء وأخذ يُحدثها بالإشارة في اضطراب وهو يصدر زمجرة مدوية من حلقه، فابتلعت نداء ريقها وهي تقول: -طيب اهدى. ثم أخذت تُحدثه بالإشارة فهدا قليلًا وجلس، فقالت وئام: -أخوكي ماله؟ صوبت نداء الصورة لوئام وسألتها:
-مين اللي في الصورة ده؟ -ده يونس ابن خالي... بتسألي ليه؟ صمتت نداء لبرهة ثم قالت متجاهلة سؤالها: -ممكن تناديلي أخوكي رائد. -في إيه يا نداء؟ -مـ... ما فيش هسأله عن حاجة. خرجت وئام تناديه بينما وقفت نداء تفكر هل تخبره بما أخبرها به نادر أم تدع نادر يخبره بنفسه. وبعدما خرج آدم من الشقة نظر عمرو لوالدة يحيى المنشغلة بتنظيف المطبخ وقال بهمس: -يلا نبدأ الخطة قبل ما آدم يجي. -تفتكر هتدينا فلوس؟
أومأ عامر رأسه مؤكدًا فتنحنح عمرو ودلف للمطبخ، قال: -أنا سمعت من آدم إن حضرتك بتدوري على عروسة للشيخ يحيى! ابتسمت السيدة وطالعت الطفلين وهي تقول: -فعلًا بدور على عروسة. عمرو بحماس: -لو قولت لحضرتك على عروسة حلوة وبتحبه تديني كام! ضحكت ثم قالت: -على حسب مين العروسة الحلوة اللي بتحبه؟ قال عامر بابتسامة واسعة: -أختي. صمتت السيدة هنيهة ثم سألته: -وهي اللي قالتلك إنها بتحبه؟ أخذ كل طفل يقول جملة والسيدة تُحملق
بهما بصمت وهما يقولان: -لأ بس تصرفاتها واضحة. -دي بتديني فلوس أنا وعمرو عشان نبقى نخرج من الأوضة والشيخ يحيى موجود. -وبتعلي صوتها لما تعرف إن رائد بيكلم الشيخ في التليفون. -وبتبص عليه كتير وهو قاعد أنا بقى واخد بالي. -وبتتكسف منه. -وبتعمله الشاي بإيديها. -مش دليل إنها بتحبه؟ سألتهما: -هيام؟! هز كلاهما عنقه نافيًا ناطقين في نفس الصوت: -لأ وئام.
حملقت السيدة بالفراغ وهي تتذكر وئام حين دلفت لبيتها لأول مرة وكيف ارتمت بحضنها، اتسعت ابتسامتها فقد ألفتها واختارتها وهي تنتظر لتمر تلك الغمة لتأخذ رأي ابنها. تنهدت بعمق وهي تتخيلها زوجة ابنها وجذبها من أفكارها صوت عامر: -ها هتدينا كام؟ ضحكت السيدة وأخرجت من أحد الأدراج بعض النقود وقدمتها للطفلين اللذين ركضا مبتهجين فرحين بنجاح خطتهما. وبعد فترة دلف يحيى للبيت وأخذ ينادي والدته فنظرا كل من عمرو وعامر
لبعضهما وهمس أحدهما للآخر: -إيه رأيك نقوله هو كمان وناخد منه فلوس؟ اتسعت ابتسامة الطفل وقال: -تعجبني دماغك اللي شغالة دي. رفع الطفل رأسه بزهو وثقة قبل أن يقبلا نحو يحيى ويقول أحدهما: -كنت عايزك في موضوع مهم للغاية يا شيخ. وفي مركز الشرطة خرجت ريناد من مكتب الشرطي بينما دلفت ريمان المرتبكة كانت تتعثر في سيرها وتبتلع ريقها باضطراب، طلب الضابط بطاقتها وسألها ما علاقتها بالمجني عليها فأجابت بتلعثم وبنبرة مرتعشة،
ثم باغتها بسؤال: -ريناد بتقول إن إنتِ خرجتِ مع رغدة يوم الحادثة. اختلج قلبها وقالت بارتباك شديد: -أنا!!! لا مش أنا دي هي اللي خرجت معاها ولما رجعت قالت إنها اتخانقت معاها وكانت متوترة. أومأ الضابط رأسه ورمقها بهدوء وهو يمد لها كوب من الماء لترتشف القليل بينما هو يسألها: -آه واتخانقوا ليه بقى؟ -عشان... توقفت الكلمات على طرف لسانها وتذبذبت نظراتها، فقال الضابط: -كملي ما تخافيش. -هو... هي... رغدة...
كانت عايزة ريم تتطلق فكانوا بيخططوا لحاجات كده وكنت بسمعهم. قالتها وهي تلهث فسأل الضابط زامًا جفونه: -مين اللي كانوا بيخططوا؟ وحاجات إيه؟ -أنا... أنا ما أعرفش حاجة... ما أعرفش حاجة. -لا ده إنتِ عارفة كل حاجة وهتحكيلي عشان أساعدك وإلا هتلبسي القضية كلها لوحدك.. لأن إحنا لقينا مذكرات رغدة كاتباها على تليفونها وكاتبة فيها كل حاجة. سالت الدموع من عينيها وأطبقت يدها على فمها، وهي تردد بنبرة مكتومة:
-كذب كل حاجة كتبتها رغدة كذب. صمت الضابط هنيهة ثم باغتها بسؤاله: -قتلتها ليه؟ انفعلت ريمان وهي تردد بجزع: -والله ما قتلتها! والله ما أنا! -أومال مين اللي قتلتها؟ -ما أعرفش... والله مش عارفة... أنا مش عارفة أي حاجة وعايزة أمشي. -تمشي!! قالها الضابط بسخرية محدقًا بها ورافعًا إحدى حاجبيه ثم صمت وأطرق وهو يشبك أصابع يديه معًا ورفع رأسه يُطالع ريمان المنهارة. ****** من ناحية أخرى
بعد أن خرجت ريناد وسألها الواقفون عما حدث أشار لها صالح بعينه فوقفت جواره، وحين لاحظ انشغال الأعين عنهم سألها بخفوت وهو ينظر أمامه: -عملتِ إيه؟ أوعي تكوني جبتِ سيرة حاجة! قالت باضطراب وهي تفرك يديها: -ما جبتش سيرة حاجة بس أنا مش ضامنة ريمان!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!