بعد خروج تهاني، بدّلت ملابسها وعادت نور لوضعها الأول، لا تستطيع النوم من شدة تفكيرها فيما حدث اليوم من مفاجأة وصدمة كبيرة لها، ولا تحسن التفكير حتى. ما تفكر به في هذه اللحظة هو يوسف. تمسك الهاتف كل حين تنظر له بلهفة وترقب كأنها تنتظر أن يتصل بها، ولكن لن يفعل، فلما يهاتفها وهو بهذه الحالة وكل تفكيره منصب على شقيقته المفقودة! أو حتى تقوم هي بالاتصال به كي تطمئن عليه.
تفكر بتردد شديد، تريد الاتصال عليه ولكن في كل محاولة تتراجع سريعًا عن قرارها، ولكن ماذا يفعل الآن يا ترى؟ بماذا يفكر وإلى أين ذهب؟ لم تكن تريد تركه وشأنه وهو في هذه الحالة. ولكن يجب أن لا تزيد الثقل عليه، فيكفي ما به من هموم، لا يجب أن تبالغ باهتمامها أكثر من اللازم وكأنها منصبة عليه هكذا. فكرامتها أهم من كل شيء، لن تتصل به. إذا كان يريدها سيقوم بالاتصال بها، فلن تفعل ذلك، هكذا كان قرارها الأخير.
إلا أنها متعجبة من أمرها حقًا ولا تعرف ماذا أصابها، ولأول مرة تهتم بشخص غريب بهذا الشكل، فهي تشعر بأن هذه الفترة، بداية من دخول سلمى للمشفى باقترابها منه واقترابه منها، وكل يوم يزداد اقترابهما من بعضهما البعض. حتى الألقاب بينهم شبه منعدمة تمامًا. فهي على ثقة كبيرة وتامة بأن يوسف يشعر بما تشعر به تمامًا. حديثه ونظراته وطريقة تعامله معها اختلفت تمامًا عما كان يعاملها من قبل، وأيضًا هي كانت تخجل منه بشدة وأن تنظر في
عينيه ومن كلماته الرقيقة التي تشعرها بالخجل. ولا تزال على نفس الوضع باختلاف اعتيادها على الحديث معه، فزال التوتر والإحراج في تعاملها معه قليلًا. فالأحداث الأخيرة جعلتها يقتربان من بعض كثيرًا، نظرًا أن كلاهما على نفس القارب، والحالة التي يمر بها يحتاج من يهوّن عليه قليلًا. ولكن لا، يجب أن تتوقف، يجب أن يعود كل شيء لما كان بعد المرور بسلام من هذا الكابوس.
حاولت بقدر الإمكان أن تزيله من تفكيرها فأغمضت عينيها وحاولت أن تنام. *****************
بعد أن تركه إيهاب وهو يتسكع بسيارته بلا هدف، يفكر في الأحداث المتداخلة التي حدثت له منذ بداية معرفته بسلمى حتى الآن، أحداث غريبة متداخلة ومشاكل كانت أصعب من أن يتخذ قرارها في وقت ضيق للغاية. وأصبح مجبرًا على الزواج منها ولا يعرف إن كان يحبها أم يحب سارة، التي في الآونة الأخيرة لا تبدو كسارة خطيبته التي يعرفها منذ سنوات على الإطلاق. توجد متغيرات لا تفسير لها حتى الآن ولكن الأكيد بأن كل شيء سوف يكشف ستاره عما قريب. فقرر ألا يتحدث معها إلا عندما تفسر له عن سر معرفتها بهروب سلمى.
قرر الصعود بسرعة قبل أن تراه تهاني وتقوم باستجوابه وهو لا طاقة له للحديث في هذا الموضوع ولا يتحمل نقاشات ومجادلات، لأنه بكل بساطة لا يوجد لديه إجابة على الإطلاق، فهو بضغط نفسي وعصبي شديد ويمكن أن ينفجر في أي لحظة في أي شخص أيًا كان من هو بسبب سلمى، فهو يرى بأنها السبب فيما وصلوا إليه من تعقيدات بسبب الصفقة التي سوف تحدث لهم. صعد إلى غرفته فخطر على باله شقيقته نور، من المؤكد أنها عادت إلى المنزل بعد هذا اليوم المشؤوم.
قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. وجد نور ممددة على الفراش مغمضة العينين بسكينة تامة، واضعة ذراعها حول عينيها والذراع الآخر مفرود على الفراش بأريحية تامة مع ثني أحد ساقيها. إنه يعرف تلك الوضعية جيدًا، ما هي إلا تنم على الإرهاق الشديد. وعلى الرغم من ذلك يريد الحديث معها. فقطع الصمت وهو يجلس على طرف الفراش قائلًا بنبرة جادة نوعًا ما: -نور، قومي عايزة أتكلم معاكي شوية. ردت وهي على نفس الوضع بشيء من الضيق:
-بعدين يا طارق، مفيش طاقة للكلام. صاح بها بضيق، لأول مرة يتحدث معها بهذا الأسلوب: -لا مفيش حاجة اسمها بعدين، نتكلم دلوقتي يلا. اعتدلت جلستها بانزعاج وغضب شديد وصاحت به بعنف: -إيه في إيه؟ بتزعقلي كده ليه؟ هو أنا اللي هربتها مثلًا عشان تطلع عصبيتك عليا؟ قولتلك مفيش طاقة للكلام يا طارق مش قادرة أتكلم، خلاص فرهدت يا أخي. بعدين. كأنه لم يستمع إليها فأردف: -سلمى فين يا نور؟ اتسعت عيناها لم تصدق الحالة التي وصل إليها.
فقالت بتعجب: -نعم يا طارق! أنت بتستهبل مش كده؟! أو بتستعبط أيهما أقرب. وأنا اشعرفني راحت فين أنا زيي زيك. ثم أنا اللي اكتشفت الموضوع هخبيها يعني!! صاح بها بانفعال ونبرة اتهام: -لا يا نور، انتوا صحاب ومبتخبيش عليكي حاجة. مش يمكن دي لعبة بينكوا عشان الجوازة متمش؟ زفرت نور بغضب ثم قالت:
-لا حول ولا قوة إلا بالله. سلمى الفترة الأخيرة وهي متغيرة ومبتحكيليش حاجة. ولو زي ما بتقول متفقة مع سلمى بالعقل كده أكون مساعداها واجي أبلغوا واجمعوا مكنتش جيت أنا ويوسف الاجتماع، على الأقل فلتنا منه ومقولناش تعالوا شوفوا حل في المصيبة دي. عقد ذراعيه وصاح بها بضيق واتهام: -أيوه تعالي هنا بقى، كنت فين وبتعملي إيه مع يوسف؟ إيه اللي بينك وبينه؟!
اتسعت عيناها بشدة وصدمة لم تصدق ما تفوه به أخيها الآن. إنه يشك بها وتفكيره وصل إليه لهذه الدرجة. لم تستوعب بأنه سيأتي اليوم ويتهمها بهذا ولا يوجد شيء بينهم من الأساس. فنهضت بعنف وجلست قباله تصيح به في غضب شديد: -نعم اللي بتقوله ده! أنت اتجننت ولا بتستعبط يا طارق؟ أنت بتشك فيا؟! بتتهمني إني على علاقة بيوسف؟!! دي آخرتها!
الظاهر أنك مش طبيعي واللي حصل أثر على دماغك وعقلك يا أستاذ ولا مستوعب أنت بتقول إيه أصلًا. مش هسامحك على اللي قولته في حقي يا طارق وخليك فاكره كويس. اخص عليك بجد. آخر حاجة ممكن أتصورها منك أنك تشك في أخلاقي. لكن قبل ما تعاتبني عاتب نفسك. شوف اللي وصلك للمرحلة دي مع سلمى عشان توصل بيها الدرجة وتهرب. يا خسارة يا طارق يا ألف خسارة.
نظرت له باشمئزاز وحزن وكسرة نفس وخيبة أمل على ما تشعر به وما تفوه من كلمات جرحت فؤادها، والدموع تجمعت في مقلتيها لازمة كاللؤلؤة. تركته وحده وغادرت الغرفة سريعًا بخطوات أشبه بالركض. تناول هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، عندما سمع صوتًا من الجهة الأخرى صاح به في عنف شديد:
-اسمع يا يوسف، ابعد عن نور أحسنلك وإياك تكلمها أو تقرب لها. كفاية مش هيبقى أنت وأختك المجنونة اللي منعرفلهاش طريق وسبب في المشاكل اللي وصلنا لها بعملتها السودة دي. أغلق المكالمة على الفور دون انتظار رد منه، والتفت نحو الباب وجد تهاني واقفة والدمع في مقلتيها تنظر له بخيبة أمل وحزن وغضب شديد، عاقدة ذراعيها. فقد سمعت كل شيء بداية من مشاداته مع نور حتى المكالمة.
عندما أخبرها الخادم بوصول طارق صعدت كي تطمئن عليه وفي طريقها لغرفته سمعت صوته في غرفة نور والمشادة بينهم. نظرات تهاني له كانت قاتلة مميتة. صاحت به بعنف: -ممكن أفهم تفسير الهبل اللي سمعته ده؟! هي حصلت يا طارق تشك في أختك!! رد مبررًا وهو يصيح: -أومال كانت فين كل الفترة دي من ساعة الميتنج وهي اختفت وراها وملهاش حس. حتى قبل كده نظراتهم بتقول حاجة. لم تستطع التصديق على كلام ابنها. هل هذا طارق حقًا؟ لا يمكن أن يكون هو.
فصاحت به في غضب: -لا أنت الظاهر زي ما قالت أختك اللي حصل لحس عقلك ومش عارف عواقب اللي بتقوله. وكلامك لحظة غضب هتتحاسب عليه يا طارق. أختك اللي كبرت معاك وعينك عليها خطوة ورا خطوة وعارف أخلاقها كويس ومش ممكن تعمل حاجة زي دي من ورانا. تبقى على علاقة بيوسف إزاي اللي بتشوفه صدفة أصلًا في شركة الجوهري وتعاملهم خفيف؟
أختك مبتخبيش عني حاجة عشان تكون عارف وحكتلي عن طبيعة علاقتها بيوسف زمايل في الشغل وبس. لما يجي أبوك ليك حساب معاه. يا خسارة تربيتي فيك يا طارق. يا ألف خسارة. زفر بضجر شديد. فقد اختنق حقًا وكاد أن يفقد أعصابه ولكن تماسك وقال بنفاذ صبر: -أنا آسف يا أمي، دماغي مش فيا. صاحت به بانفعال شديد وقالت بعزم وجدية:
-مش عايزة أسمع منك ولا كلمة، ولا ليك كلام معايا. آسف دي تقولها لأختك اللي جرحتها وياريتها تداوي وترضى تسامحك. حسابك مع أبوك لما يرجع. أصبح في غرفته في منتهى العصبية والغضب، كاد أن يخسر شقيقته في لحظة غضب ولا يعرف من أين أتى له هذا الحس. يمكن أنه كان يتمنى أن تقف بجانبه كما فعلت هي مع يوسف؟ يشعر بأنها غير متضامنة معه لا يعرف لماذا.
كاد أن يحطم كل شيء أمامه في الغرفة. جلس في ضيق وهو يفكر كيف يمكنه مصالحة نور واكتساب ودها مرة أخرى، وتلك السلمى الهاربة رغم صدمته إلا أنه يريد تهشيم رأسها غيظًا من تلك الكارثة التي سوف تحل عليهم بسببها. ألا يعرف سر هروبها؟ فكر كثيرًا في حديث نور وهو يراجع جميع تصرفاته معها ويبحث عن الخطأ.
مسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم ترد عليه على الإطلاق. فلا يمكنه الآن الاتصال بإيهاب وقص ما حدث بينه وبين شقيقته ولا يعرف ماذا يفعل بعد. بعد مغادرة تهاني الغرفة مسرعة عادت إلى الحديقة والدموع تسيل على وجنتيها في ألم وغضب وحسرة على ابنها وتبديل حاله لهذا الشكل. لا تعرف ماذا حدث لعائلتها بعد خضوعهم لتلك الصفقة اللعينة التي تسببت لهم بكثير من المشاكل والعقبات هم في غنى عنها. فيجب ردعه إلى هذا الحد.
تناولت هاتفها وحاولت الاتصال بنور عدة مرات لا محال. زفرت بغضب وحزن شديد وهي تدعو الله أن تكون ابنتها سالمة وبخير. ******************* بعد خروجه من الفيلا يقود بسيارته بلا هدف، لا يعرف إلى أين يؤول. شعوره بالاختناق الشديد زاد أكثر بعد مكالمة طارق له، لم يتوقع أبدًا أن يصدر منه هذا الفعل من طارق. هل يشعر حقًا بأن هناك شيئًا غريبًا بينه وبين نور ولماذا؟ هل هذه حقيقة هو يراها بالفعل أم هي مجرد توهم لديه؟
جُرح كثيرًا من أسلوبه ونبرة صوته، سيحرمه من الإنسانة التي وقفت سندًا له في عز محنته، من كانت تهوّن عليه وتجذبه نحو النور، من أخرجته من ظلمته وأزالت الحزن من قلبه ولو قليلًا في وقت كان وحيدًا ووالده كل ما يشغله الصفقة والمال. ضاع أمله في الحياة ولم يجد من يشكي له عما بداخله، فقد رحلت سلمى هي الأخرى ولكن بشكل مؤقت ولا يعرف أين هي الآن. شعوره بالعجز أكبر من أي شيء كأنه مكتوف اليدين، لا يوجد مكان لم يبحث فيه.
تنهد بحيرة ولا يعرف ماذا يفعل الآن حقًا، لا مكان له ليذهب إليه وهو في هذه الحالة ليشكي له ما به. شرد قليلًا ثم اتسعت عيناه عندما تذكر شيئًا هامًا. انحرف بسيارته وغير طريق سيره وهو يقود بسرعة عالية في سبيل وجهته، وهو يعلم جيدًا إنه سيكون نوعًا ما أفضل عندما يصل ويفصح عما بداخله بكل حرية. وإن شاء يبكي لبكى. ****************
بعد ذهاب يوسف من الفيلا، جلس هاشم مكانه يفكر في حديث ابنه الذي لم يحرك به شعرة إلا في الدقائق التي عاتبه بها. عاد مرة أخرى إلى تفكيره في تلك الصفقة اللعينة، وماذا سوف يفعل إذا تأخر في زواج ابنته. نزل إلى مكتبه وفتح الحاسوب الخاص به وأخذ يعمل عليه قليلًا إلى أن جاءته رسالة هامة للغاية. تلك الشركة تستفسر أو تتأكد عن موعد زفاف سلمى وطارق، ولا يعرف ماذا يقول. أيقول أن ابنته هربت ولا يوجد زفاف؟!
ولكن كيف فتلك الصفقة بمثابة كل شيء له؟ لا أحد يعرف حتى الآن ما تأثير تلك الصفقة على تفكيره بهذه الحالة، ولما هي بالتحديد؟
لا يستطيع أن يقول لهم الحقيقة. دقائق وتم إرسال رسالة أخرى أنه إن لم يتم الزواج اليوم وبأسرع وقت سيتم تزويج سلمى منهم، وهو يرفض هذا الأمر بشدة. لا يوجد حل إلا وأن يتحجج بمرض ابنته حتى يستطيع إيجادها في هذه الفترة. وبالفعل أرسل لهم فاكس بذلك وهو يخشى ويترقب النتيجة بفارغ الصبر. بعد ذلك تناول هاتفه واتصل بمحمود ليخبره بآخر التطورات، ولكن هاتفه مغلق من آخر مشادة بينهما. **************** دخلت غرفتها وهي تناديها:
-يلا يا قلب عمتو عشان.. لجم لسانها عندما وجدت الغرفة فارغة. قلقت قليلًا ثم ذهبت إلى الحمام كي تطمئن من وجودها، قرعت أكثر من مرة لا من مجيب. حسمت أمرها وفتحت الباب لا توجد بالداخل، دب الشك في قلبها وركضت في أنحاء الشقة تبحث في كل الغرف فلم تجدها قط. أيقنت ما كانت تخشاه. فصاحت بأعلى صوت: -ألحقني يا أمير، سلمى اختفت. تعالى يابني بسرعة. انتفض أمير من فراشه بخضة وفزع وهرول على الغرفة مصدر الصوت ليصيح بها بلهفة:
-مش معقول. يا خربيت جنانك يا سلمى. اللي خلاها تهرب من هنا كمان! نظرت له بحزن وعتاب: -أكيد سمعتك وأنت بتقول هتكلم يوسف. صوتك كان عالي. خافت فعلًا لا تروح وتعرفهم مكانها بعد ما هربت منهم بصعوبة. فمشيت من البيت. يا ترى روحتي فين يا بنتي. يا عيني عليك يا سلمى واللي بيعمله فيك أبوك. بعد ما تلاقي الأمان هنا تخليها تخاف وتمشي. صاح أمير بندم وضيق مبررًا: -وأنا أعرف منين إنها سمعتني من جوه. العمل دلوقتي؟
هي مالهاش صحاب تروح لهم؟ جلست سميحة بقلة حيلة لتقول: -مالهاش غير نور صاحبتها القريبة منها تعتبر أختها. بس استحالة تروح لها لإنه أخت خطيبها كمان ولا هتلاقيها عند حد من قرايبنا أنت عارف سلمى. اندهش أمير كثيرًا من هذه المعلومة الجديدة. طارق خطيبها يكون شقيق أعز صديقة لها! تنهد وقال بنفاذ صبر: -طيب يا أمي أنا هتصرف، لازم أمشي دلوقتي. ويوسف لازم يعرف. تمسكت في ذراعه وصاحت بلهفة ورجاء: -لا يابني عشان خاطري. صاح بغضب مكتوم:
-يعني إيه لا يا أمي، لازم أخوها يعرف. الوضع اختلف دلوقتي، خلاص سلمى مشيت من هنا ومش عارفين هنلاقيها فين دلوقتي. لازم يعرف لازم. تركها وأغلق الباب خلفه بعنف. جلست تبكي من هذه الصدمة التي لا يمكن أن تخطر على بالها، تشعر بكسرة نفس على تلك الصغيرة المسكينة. لا يوجد في يدها أي شيء تفعله كي تنجو من عاصفة أبيها المحتمة غرقها في أي وقت، وما مصير يوسف عندما يعرف أنها كانت عند سميحة وأخفت عليه ذلك؟! *****************
غادر أمير ووصل إلى قسم الشرطة. جلس على مكتبه وطلب رقمًا، دقائق وسمع قرعًا على الباب فدخل طارق بعدما سمع الإذن بالدخول. دخل العسكري وضرب التحية ليقول بعدها: -في بلاغ اتقدم من حوالي ساعتين يا فندم. أعطى له ورق البلاغ في يده فتناولها أمير بفتور. اتسعت عيناه وهو يقرأ ثم وجه حديثه للعسكري دون أن يلتفت إليه: -طيب روح أنت.
ألقى التحية وخرج وأغلق الباب خلفه. تناول أمير هاتفه واتصل بيوسف فوجد الهاتف مغلقًا أو غير متاح. نهض وتناول مفاتيح سيارته واستقلها وهو يقود سريعًا فالحماس والقلق يحيط به بشدة وهو في طريقه إلى وجهته، يفكر كيف يبدأ الحديث وكيف يتلقى الخبر؟ *****************
وصل أمير إلى فيلا هاشم الجوهري، خاله الذي اكتشف حقيقته مؤخرًا. لم يعرف إنه بتلك القسوة على أبنائه، خاصة سلمى فهي فتاة تحتاج إلى الحب والحنان بعد وفاة والدتها، ولكن كانت النتيجة عكسية تمامًا فقد أهملها وكسب منصبه وأمواله مقابل بعد أبنائه عنه. خطة في منتهى الغباء والأنانية. صعد على السلالم الرخامية ثم ضغط على الجرس ليفتح له الخادم، الذي تفاجأ بالزي الأبيض المريب. وقف أمامه أمير في ثبات وحزم وقال بجدية:
-أستاذ يوسف موجود؟ رد الخادم سريعًا: -آه يا باشا اتفضل، والبيه الكبير موجود. اتفضل. نظر أمير حوله بتعجب على الثراء الفاحش الظاهر في أثاث الفيلا واللوحات الثمينة، فلم يتعجب كثيرًا من تصرفات خاله. بعد لحظات خرج هاشم في فزع وقلق بعدما أخبره الخادم بأن هناك ضابط شرطة بانتظاره في الخارج، شك بأن الأمر متعلق بأحد من أبنائه خاصة سلمى. أحدث لها أي مكروه يا ترى؟ صدم هاشم عندما وجد أمير أمامه، ما الذي أتى به إلى هنا؟
هل عرف شيئًا ما مما حدث؟ هل أخبره يوسف بشيء؟ يا لها من مصيبة سوف ينتشر الخبر بين العائلة إذا اتضح أنه يعرف شيئًا. كان أمير يقف بثبات شديد للغاية يراقب رد فعل هاشم عندما رآه، فارتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة. حاول هاشم أن يبدو طبيعيًا أمامه فقال: -أهلًا يا أمير اتفضل. رد أمير بجدية: -لا مالوش لزوم، أنا جي في حاجة وماشي على طول عشان ورايا شغل كتير. يوسف موجود؟ تنهد بضيق ثم اصطنع الهدوء ليقول:
-لا للأسف شدينا في الكلام. مشي من ساعة كده وموبيله مقفول. نظر له أمير واصطنع عدم المعرفة: -ليه هو حصل حاجة؟ توتر هاشم وهو يقول: -لا لا يابني ما فيش. خلافات في الشغل ما أنت عارف يوسف. كنت عايزه في إيه؟ التفت إليه أمير لبضعة دقائق صمت ثم قال بضيق: -لا ما فيش. سلام.
رحل أمير وركب سيارته وهو يحاول الاتصال به ولكن غير متاح. طلب رقمًا آخر وبدأ الحديث معه بجدية. أما هاشم لم يكن يشعر بالراحة ولا الاطمئنان من زيارة أمير في هذا الوقت ومن سؤاله عن يوسف. يشك بأنه عرف شيئًا ما. فلم يطمئن أيضًا لنظراته ونبرة صوته. ******************
حل المساء ولا تزال جالسة في الحديقة، الحزن يكسي قلبها ووجهها بشدة، لا تتحدث مع أحد ولا تسمع لأحد. كرهت أن تكون مسالمة بهذا الشكل ولا تتدخل في أعمال زوجها. ولكن الوضع مختلف الآن فهو ليس عملًا عاديًا بل الأمر يخص أبنائها ولا تريد خسارتهم كما خسر أبناء الجوهري والدتهم. لذا قررت لن تظل مكتوفة اليدين بعد الآن، فقط تنتظر قدوم محمود والأهم من ذلك نور، التي لا تعرف إلى أين ذهبت وماذا تفعل الآن. انتفضت عند سماع بوق السيارة في
الخارج فظنت إنها نور، نهضت وسارت بخطوات سريعة أشبه بالركض إلى الباب الداخلي للبهو. كاد الخادم أن يقوم بفتح الباب إلا أنها سبقته بلهفة وفتحت هي وقلبها يدق بسرعة عالية بقلق ولهفة. فتح الباب وفوجئت بمحمود أمامها، تحولت علامات اللهفة إلى الحزن وخيبة الأمل.
قالت بوجه دون تعابير: -حمد الله على السلامة. ثم تركته وعادت من حيث أتت. تعجب محمود في قرار نفسه من تلك المقابلة الباردة الحزينة، فهو غير معتاد منها على ذلك. فذهب خلفها ليرى ما بها. دخل الحديقة وجلس بجوارها على الأريكة ينظر لها ويقول: -في إيه يا تهاني؟ مش عوايدك مقابلتك دي. لم ترد عليه، فقط التزمت الصمت. تعجب من حالها وصاح بها برفق: -إيه الحكاية قلقتيني. ردت دون النظر إليه: -نور لغاية دلوقتي ما جتش. قضب حاجبه
بتعجب وقال بنوع من الغضب: -نعم! يعني إيه ما جتش؟ أومال راحت فين؟! تنهدت بهدوء وقالت سريعًا قبل أن يغضب: -جات من بدري وريحت شوية. شدت في الكلام مع طارق وسابت البيت وتليفونها مقفول ولغاية دلوقتي ما جتش. تحولت نبرة صوته إلى العلو قليلًا والضيق الشديد: -إيه التهريج اللي بيحصل ده. قالها إيه عشان تسيب البيت وإزاي ده حصل.
رفعت رأسها والتفتت إليه بتردد شديد، تريد الإفصاح بكل ما حدث كي يردع طارق عن تفكيره وتخشى البوح لأنها تعرف جيدًا حالته عندما يغضب. فحسمت أمرها وقصت له ما حدث. يستمع لها بغضب شديد ولا يصدق أذنيه لما سمعه. صاح قائلًا: -هو فين دلوقتي؟ ردت تهاني بجمود: -فوق في أوضة نور ما خرجش من ساعتها. نهض وقال وهو يتحرك مسرعًا: -أنا هعرفه شغلي معاه.
ركضت خلفه وهي ترجي به أن لا يؤذيه، هذا ما كانت تخشاه بالفعل. صعد إلى غرفة نور وفتح الباب بقوة شديدة، تفاجأ طارق بوجود والده واقتحامه الغرفة بهذا الشكل الذي أربك تفكيره، فيبدو على قسماته الغضب الشديد. وبدون أي مقدمات صاح به في عنف: -أنت إزاي يا أستاذ يا محترم لسانك سمح لك أنك تقول المهاترات دي لأختك. أنت اتجننت. عارف ده معناه إيه؟
إني فشلت في تربيتها وتربيتك عشان تشك فيها وفي أخلاقها وتفكر لمجرد التفكير بالشكل ده. بتطعن أختك في شرفها وأخلاقها يا طارق! قال الجملة الأخيرة بشيء من التعجب وعدم التصديق ثم أكمل بخيبة أمل: -أنت خيبت أملي وثقتي فيك. نعدي بس من الكارثة اللي إحنا فيها الأول وحسابك بعدين.
خرج سريعًا وذهب إلى غرفة نومه، نظرت له بعتاب ثم غادرت الغرفة هي الأخرى وذهبت خلف زوجها. أما هو يقف مكانه في شرود كبير، يشعر بالاختناق الشديد وغضب أشد، يريد أن يخنق الظروف التي وضعته في ذلك الموقف مع أبيه، ها هو كاد أن يخسره هو الآخر بسبب ذلة لسان ساعة شيطان كما يقال. يشعر بأن كل شيء من حوله قد تدمر وانهار، يخرج من حفرة يقع بأخرى ولا يوجد مسافة بينهما للراحة على الأقل ولا يوجد مخرج أو مهرب حتى. *******************
دخلت تهاني غرفة نومها وجدت محمود يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين طيات كفيه شاردًا في حزن وغضب شديد، يشعر بأن هناك لعنة كبيرة حلت على الجميع. الصغير قبل الكبير، لقد خرج الأمر عن سيطرته الآن ولا يوجد مخرج على الإطلاق هكذا يرى. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تربت على منكبه في حنان وهدوء وهي تقول: -وإيه العمل يا محمود؟ الولاد بيضيعوا مننا واحد ورا التاني وإحنا مش عارفين نعمل حاجة. رفع رأسه وتطبع إليها وهو يصيح بغضب:
-أنا مش فاهم اللي جراله.. ده عمره ما كان كده أبدًا.. ده لا يمكن يكون طارق لابني اللي ربيته، لا يمكن. تنهدت تهاني وقالت بحزن: -لعنة وصابت الكل.. ما سابتش حد سليم.. كله من هاشم. أردف محمود في ندم: -أنا اللي غلطان إني وافقت على الصفقة دي.. قلبي ما كانش مستريحلها من الأول، بس قعد يقنعني فيها لغاية ما وافقت.. بس في حاجة غلط أنا متأكد من كده كويس أوي. مسحت تهاني دموعها لتقول: -والعمل دلوقتي؟ تنهد محمود بقوة ثم قال بهدوء:
-العمل عمل ربنا.. نلاقي سلمى الأول ضحية السلطة والنفوذ وهنشوف نعمل إيه.. تناول هاتفه وتابع: -أما أشوف نور فين لغاية دلوقتي. منذ خروجها من المنزل وهي تتسكع بسيارتها دون هدف، والدمع يسيل من مقلتيها لا تعرف ماذا تفعل الآن حتى حل المساء. من كان يحنو عليها ويستمع إليها لم تعد موجودة بعد فماذا تفعل؟!
انحرفت عن طريقها وذهبت إلى المكان الذي طالما تجد الراحة فيه، أو بمثابة ورشة عمل لها ولسلمى أثناء الدراسة. فهو عبارة عن معرض صغير يعرض فيه اللوحات الفنية والتحف وبه ركن صغير كافتيريا للمكان. جلست نور في إحدى الأركان ومنذ أن أتت وهي تجلس ترسم وعيناها لم تتوقف عن الذرف. فجاسر من كان يراقبها، يجلس بجوارها وعيناه لم تزِل عنها ويتأملها، لا يريد سؤالها ويعتبر تطفلًا منه عليها. يتركها وشأنها إن أرادت التحدث سوف تفعل.
قطعت نور الصمت وقالت بصوت جامد دون الالتفات إليه: -هتفضل متنحلي كده كتير؟ تفاجأ جاسر وشعر بالإحراج الشديد، فلم يكن يتوقع بأنها تلاحظه وهي متمعنة في عملها. فتنحنح في حرج وهو يقول: -لا أبدًا.. أصل من ساعة ما جيتي وأنتِ ساكتة ما بتتكلميش خالص.. فمش حابب أضغط عليكِ. تنهدت براحة ثم قالت بهدوء غريب يشوبه بعض الجمود: -أنا كويسة يا جاسر.. ما تقلقش. أردف بصوت حنون: -لا واضح إن في حاجة مضايقاكِ.. مالك يا نور؟ زفرت
بضيق وهي تقول بجمود شديد: -لو سمحت أنا مش قادرة أتكلم نهائي.. عن إذنك. لملمت أدواتها وتناولت حقيبتها ورحلت على الفور. وقف وهو يشعر بأنه بدلاً من التخفيف عنها قليلاً، فقد زاد الطين بلة وجعلها ترحل وهي تشعر بالضيق منه. وصلت المنزل وهي في حالة ميؤوس منها على الإطلاق، دخلت ووجدت حالة من الصمت الشديدة تعم على المكان، حمدت الله على ذلك لأنها ليس لديها القدرة على النقاش بعد الآن.
بالطبع لم يناما تهاني ومحمود، فهم بانتظار عودة نور. إلى أن سمعوا قرعًا على الباب فقام محمود على الفور ليفتح، ليجد أمامه الخادم الذي أوصلها عند عودة نور يقوم بإخباره. فقال بهدوء: -آنسة نور وصلت يا بيه. رد محمود بهدوء: -طيب روح نام أنت. انصرف الخادم بهدوء ثم عاد إلى الداخل. نظر لتهاني وقال بهدوء: -ادخلي لها أنتِ. تنهدت بحزن وهي تنهض من الفراش ولا تعرف ماذا تقول لها أو بأي شكل تهون عليها.
قرعت على باب غرفتها أكثر من مرة فلم تجد ردًا على الإطلاق. حسمت أمرها وفتحت الباب، ظلت مكانها قرابة دقيقتين تنادي عليها ولم تجب نور. وضعت تهاني يدها على مكبس الضوء وكادت أن تشعله صاحت بها نور بضيق وقالت: -ما تولعيش النور. أدركت بأنها في حالة مزرية وبداية غضب إذا تمادت في الحوار. فقالت تلطفًا: -حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. أحضرلك العشا؟ ردت نور بضيق وجفاء:
-الله يسلمك.. لا مش عايزة أكل ومن فضلك يا أمي أنا ما فيّاش دماغ أتكلم دلوقتي.. ممكن؟ تنهدت بحزن وحيرة وقالت بهدوء: -ماشي يا نور.. تصبحي على خير. ردت نور سريعًا بنفس النبرة: -وأنتِ من أهله. أغلقت الباب وعادت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كان محمود يجلس على الفراش منتظرًا آخر الأخبار، تأكد منها عندما قرأ قسمات وجه زوجته العابسة الحزينة. جلست بجواره وهي تقول:
-مش طايقة حد أصلًا ولا طايقة تتكلم.. يا حبة عيني ما أكلتش من صباحية ربنا ورافضة تاكل أي لقمة. ضرب ساقه بيديه بقوة وغضب وهو يتمتم: -كله منك يا طارق ومن لسانك اللي عايز قطعه.. صبرك عليّا لما نعدي من الكوارث اللي إحنا فيها دي. لم تشعر بالراحة قط عندما ترى عصبية زوجها بهذا الشكل. ربتت على منكبه وهي تحاول تهدئة روعه برفق: -هدي نفسك بس يا محمود مش كده.. ضغطك هيعلى. صاح بها بغضب وصوت عالٍ:
-يعني مش شايفة عمايل ابنك.. ماشي يا طارق. خلد الجميع إلى النوم بعد ساعات طويلة من التفكير والقلق فيما حدث. في صباح اليوم التالي استيقظ طارق مبكرًا واغتسل وصلى فرضه وقرر الذهاب مبكرًا قبل أن يستيقظ من في المنزل ويوبخه على ما بدر منه أمس. فكر كثيرًا وتردد على الدخول لنور ولكن لم يستطع على الإطلاق، فليست لديه الجرأة للتحدث معها بعدما قام بجرحها بكلماته القاسية. فخرج مسرعًا.
استيقظت نور وظلت في فراشها قرابة ربع ساعة تستعيد وعيها بالكامل وتفكر فيما حدث مع جاسر. فهي تشعر بأنها تمادت قليلاً بأسلوبها معه وهو لم يخطئ، فقررت عند رؤيته ستقوم بالاعتذار منه.
فكرت في يوسف للحظة ما تريد الاطمئنان عليه وترى إن وصل لشيء أم لا، تناولت هاتفها على الكومود وكادت أن تتصل تذكرت اتهام طارق لها، فتغيرت معالم وجهها للعبوس وألقت الهاتف بجانبها وقررت عدم الاتصال به حتى لا تدخل في مشاكل لا حصر لها يكفي ما حدث بالأمس.
ولكن لا يوجد طريقة أخرى لمعرفة آخر الأخبار عن سلمى إلا عن طريقه. تنهدت بعد تفكير طويل وتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به فوجدت الهاتف مغلق أو غير متاح فزفرت بضيق شديد واعتدلت جلستها وهي تفكر ماذا تفعل. إلى أن جال لخاطرها فكرة، فقامت بحمل الحاسوب المحمول على ساقيها وبدأت تبحث عن الفنادق الموجودة التي يمكن لسلمى الالتجاء إليها، إلى أن وصلت لعدة فنادق. نهضت سريعًا في حماس وعلى محياها بسمة أمل ودخلت الحمام.
استيقظ أمير مبكرًا كالعادة قبل الذهاب إلى عمله، غالبًا ما يتناول الفطور مع سميحة إذا سمح له الوقت أو في المكتب. منذ ليلة الأمس وبعد إجراء اتصاله لم يصل إلى يوسف بعد، فقد كلف مخبرًا بالبحث عنه في كل مكان لاحتياجه له بشدة في أمر اختفاء سلمى. جلست سميحة بجانبه لتقول: -رجعت إمتى امبارح؟ رد دون الالتفات إليها: -على واحدة كده. تنهدت وقالت بقلق: -ما فيش أخبار عن يوسف؟ نظر إليها وقال بحيرة:
-من امبارح بدور عليه مش لاقيه.. حتى فونه مغلق.. أنا ابتديت أقلق. ثم أردفت بتوتر وتردد: -طيب وخالك؟ ترك الخبز من يديه باستياء ثم رنا إليها ليقول: -ما تجيبيش سيرته.. من ساعة اللي حكيتيه وأنا مش متخيل إنه خالي اللي أعرفه.. ما كانش طبيعي خالص ومتوتر لما سألته عن يوسف.. شكله شد معاه جامد. تنهدت سميحة بحزن: -الله يهديه ويرجع له عقله. أنهى أمير طعامه ونهض وهو يردف:
-الحمد لله.. يا دوب أروح المكتب وأشوف الحكاية الغريبة اللي وقعنا فيها ولاد أخوكِ دي. ذهب محمود إلى الشركة بعدما تناول شطيرة صغيرة رغمًا عنه بعد إلحاح شديد من تهاني. وبعد ساعة نزلت نور بعدما اغتسلت وأبدلت ملابسها استعدادًا للخروج. ألقت التحية على تهاني وقبل أن تخرج أوقفتها متسائلة: -رايحة فين على الصبح كده؟ اندهشت نور من تساؤلها، فالتفتت إليها وقالت: -من إمتى بتسأليني يا ماما.. اعتبريني نازلة شغل ولا الكلية.
تنهدت تهاني بقلق وقالت: -أصل حالتك امبارح ما كانتش تسر عدو ولا حبيب.. فاعتقدتش بعد اللي حصل إنك تنزلي النهاردة. زفرت براحة شديدة واطمئنان ثم أردفت: -في مشوار مهم لازم أعمله وما ينفعش يتأخر.. عن إذنك. تحركت بضعة خطوات وكادت أن تفتح الباب أوقفها صوت تهاني مرة أخرى: -مش هتقولي لي كنتِ فين امبارح؟ ردت دون النظر إليها بضيق: -بعدين.. لما أرجع يا ماما.
خرجت سريعًا قبل أن تدخل في دائرة المناقشات. استقلت سيارتها وقادت بشرود بالأمس. تناولت هاتفها وقامت بالاتصال برقم إلى أن أتاها الرد: -ألو.. صباح الخير. الصوت من الجهة الأخرى: -صباح النور.. أخبارك يا نور النهاردة.. يا رب تكوني بخير. تنهدت ثم أردفت بهدوء: -الحمد لله أحسن.. أنا بعتذر جدًا عن الطريقة البايخة اللي كلمتك بيها امبارح.. كنت مخنوقة وجات فيك.. ما حبتش تكون زعلان مني من غير قصد. رد سريعًا حتى لا تشعر بالذنب:
-لا لا أبدًا ما فيش حاجة.. أنا كنت مقدر حالتك.. عمومًا حصل خير ثم أنا ما بزعلش منك يا نور. ابتسمت براحة ثم قالت: -طيب الحمد لله.. شكرًا يا جاسر على تقديرك.. مع السلامة. أغلقت معه المكالمة وهي تشعر بالراحة الشديدة، هكذا أرضت ضميرها، لم تكن تريد أن يظل يحمل في قلبه أو عقله أي شيء منها في لحظة غضب. هكذا أفضل بقيامها بالاتصال به. تنهدت في راحة وأكملت طريقها وهي تحاول الاتصال بيوسف لإخباره بهذه الخطوة.
حل مساء اليوم وما زال البحث عن يوسف. عند عودة أمير إلى المنزل، وجد سميحة ما زالت مستيقظة، اقترب منها وجلس بجوارها وقال: -إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا أمي؟ ردت بحزن: -ما جاليش نوم.. بالي مشغول بيوسف يا أمير أوي.. لسه تليفونه مقفول. زفر بضيق وهو يقول: -أيوه.. ما أعرفش غطسان فين ده كمان.. ما تعرفيش ممكن يكون فين؟ ردت بحزن وتفكير: -لما بتضيق بيه الحال بيروح يزور أمه. اعتدل جلسته في لهفة واهتمام شديد ثم صاح في دهشة
كأن فكرة خطرت على باله: -إيه! طنط فريدة!! .. إزاي الفكرة دي تاهت عن بالي؟ بعد خروج تهاني بدلت ملابسها وعادت نور لوضعها الأول لا تستطيع النوم من شدة تفكيرها فيما حدث اليوم من مفاجأة وصدمة كبيرة لها، ولا تحسن التفكير حتى. ما تفكر به في هذه اللحظة هو يوسف. تمسك الهاتف كل حين تنظر له بلهفة وترقب كأنها تنتظر أن يتصل بها، ولكن لن يفعل، فلما يهاتفها وهو بهذه الحالة وكل تفكيره منصب على شقيقته المفقودة!
أو حتى تقوم هي بالاتصال به كي تطمئن عليه. تفكر بتردد شديد تريد الاتصال عليه ولكن في كل محاولة تتراجع سريعاً عن قرارها، ولكن ماذا يفعل الآن يا ترى بماذا يفكر وإلى أين ذهب؟ لم تكن تريد تركه وشأنه وهو في هذه الحالة.
ولكن يجب أن لا تزيد الثقل عليه فيكفي ما به من هموم، لا يجب أن تبالغ باهتمامها أكثر من اللازم وكأنها منصبة عليه هكذا، فكرامتها أهم من كل شيء لن تتصل به. إذا كان يريدها سيقوم بالاتصال بها، فلن تفعل ذلك، هكذا كان قرارها الأخير.
إلا أنها متعجبة من أمرها حقاً ولا تعرف ماذا أصابها، ولأول مرة تهتم بشخص غريب بهذا الشكل، فهي تشعر بأن هذه الفترة بداية من دخول سلمى للمشفى باقترابها منه واقترابه منها، وكل يوم يزداد اقترابهما من بعضهم البعض، حتى الألقاب بينهم شبه منعدمة تماماً. فهي على ثقة كبيرة وتامة بأن يوسف يشعر بما تشعر به تماماً، حديثه ونظراته وطريقة تعامله معها اختلفت تماماً عما كان يعاملها من قبل، وأيضاً هي كانت تخجل منه بشدة وأن تنظر في عينيه
ومن كلماته الرقيقة التي تشعرها بالخجل. ولا تزال على نفس الوضع باعتيادها على الحديث معه، فزال التوتر والإحراج في تعاملها معه قليلاً. فالأحداث الأخيرة جعلتها يقتربا من بعض كثيراً، نظراً أن كلاهما على نفس القارب، والحالة التي يمر بها يحتاج من يهون عليه قليلاً. ولكن لا، يجب أن تتوقف يجب أن يعود كل شيء لما كان بعد المرور بسلام من هذا الكابوس.
حاولت بقدر الإمكان أن تزيله من تفكيرها فأغمضت عينيها وحاولت أن تنام.
بعد أن ترك إيهاب وهو يتسكع بسيارته بلا هدف، يفكر في الأحداث المتداخلة التي حدثت له منذ بداية معرفته بسلمى حتى الآن، أحداث غريبة متتداخلة ومشاكل كان أصعب من يتخذ قرارها في وقت ضيق للغاية، وأصبح مجبر على الزواج منها ولا يعرف إن كان يحبها أم يحب سارة، التي في الآونة الأخيرة لا تبدو كسارة خطيبته التي يعرفها منذ سنوات على الإطلاق، يوجد متغيرات لا تفسير لها حتى الآن ولكن الأكيد بأن كل شيء سوف يكشف ستاره عما قريب. فقرر لن يتحدث معها إلا عندما تفسر له عن سر معرفتها بهروب سلمى.
قرر الصعود بسرعة قبل أن تراه تهاني وتقوم باستجوابه وهو لا طاقة له للحديث في هذا الموضوع ولا تحمل نقاشات ومجادلات، لأنه بكل بساطة لا يوجد لديه إجابة على الإطلاق فهو بضغط نفسي وعصبي شديد ويمكن أن ينفجر في أي لحظة في أي شخص أي كان من هو بسبب سلمى، فهو يرى بأنها السبب فيما وصلوا إليه من تعقيدات بسبب الصفقة التي سوف تحدث لهم. صعد إلى غرفته فخطر على باله شقيقته نور، من المؤكد أنها عادت إلى المنزل بعد هذا اليوم المشؤوم.
قرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. وجد نور ممددة على الفراش مغمضة العينين بسكينة تامة، واضعة ذراعها حول عينيها والذراع الآخر مفرود على الفراش بأريحية تامة مع ثني أحد ساقيها. إنه يعرف تلك الوضعية جيداً، ما هي إلا تنم على الإرهاق الشديد، وعلى رغم ذلك يريد الحديث معها. فقطع الصمت وهو يجلس على طرف الفراش قائلاً بنبرة جادة نوعاً ما: -نور، قومي عايزة أتكلم معاكي شوية. ردت وهي على نفس الوضع بشيء من الضيق:
-بعدين يا طارق مفيش طاقة للكلام. صاح بها بضيق لأول مرة يتحدث معها بهذا الأسلوب: -لا مفيش حاجة اسمها بعدين نتكلم دلوقتي يلا. اعتدلت جلستها بانزعاج وغضب شديد وصاحت به بعنف: -إيه في إيه، بتزعقلي كده ليه، هو أنا اللي هربتها مثلاً عشان تطلع عصبيتك عليا، قولتلك مفيش طاقة للكلام يا طارق مش قادرة أتكلم، خلاص فرهدت يا أخي، بعدين. كأنه لم يستمع إليها فأردف: -سلمى فين يا نور؟ اتسعت عيناها لم تصدق الحالة التي وصل إليها.
فقالت بتعجب: -نعم يا طارق! أنت بتستهبل مش كده؟! أو بتستعبط أيهما أقرب، وأنا اشعرفني راحت فين أنا زيي زيك، ثم أنا اللي أكتشفت الموضوع هخبيها يعني!! صاح بها بانفعال ونبرة اتهام: -لا يا نور أنتوا صحاب ومبتخبيش عليكي حاجة، مش يمكن دي لعبة بينكوا عشان الجوازة ما تتم؟ زفرت نور بغضب ثم قالت:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، سلمى الفترة الأخيرة وهي متغيرة ومبتحكيليش حاجة، ولو زي ما بتقول متفقة مع سلمى بالعقل كده أكون مساعداها واجي أبلغ وأجمعوا مكنتش جيت أنا ويوسف الاجتماع على الأقل فلتنا منه ومقولناش تعالوا شوفوا حل في المصيبة دي. عقد ذراعه وصاح بها بضيق واتهام: -أيوه تعالي هنا بقى كنت فين وبتعملي إيه مع يوسف، اللي بينك وبينه؟!
اتسعت عيناها بشدة وصدمة لم تصدق ما تفوه به أخيها الآن، إنه يشك بها وتفكيره وصل إليه لهذه الدرجة، لم تستوعب بأنه سيأتي اليوم ويتهمها بهذا ولا يوجد شيء بينهم من الأساس. فنهضت بعنف وجلست قباله تصيح به في غضب شديد: -نعم اللي بتقوله ده! أنت اتجننت ولا بتستعبط يا طارق أنت بتشك فيا؟! بتتهمني إني على علاقة بيوسف؟!! دي آخرتها!
الظاهر أنك مش طبيعي واللي حصل أثر على دماغك وعقلك يا أستاذ ولا مستوعب أنت بتقول إيه أصلاً، مش هسامحك على اللي قولته في حقي يا طارق وخليك فاكره كويس، اخص عليك بجد، آخر حاجة ممكن أتصورها منك أنك تشك في أخلاقي، لكن قبل ما تعاتبني عاتب نفسك شوف اللي وصلك للمرحلة دي مع سلمى عشان توصل بها الدرجة وتهرب، يا خسارة يا طارق يا ألف خسارة.
نظرت له باشمئزاز وحزن وكسرة نفس وخيبة أمل على ما تشعر به وما تفوه من كلمات جرحت فؤادها، والدموع تجمعت في مقلتيها لازمة كاللؤلؤة. تركته وحده وغادرت الغرفة سريعاً بخطوات أشبه بالركض. تناول هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، عندما سمع صوت من الجهة الأخرى صاح به في عنف شديد:
-اسمع يا يوسف أبعد عن نور أحسنلك وإياك تكلمها أو تقربلها، كفاية مش هيبقى أنت واختك المجنونة اللي منعرفلهاش طريق وسبب في المشاكل اللي وصلنالها بعملتها السودة دي. أغلق المكالمة على الفور دون انتظار رد منه، والتفت نحو الباب وجد تهاني واقفة والدمع في مقلتيها تنظر له بخيبة أمل وحزن وغضب شديد، عاقدة ذراعها، فقد سمعت كل شيء بداية من مشاداته مع نور حتى المكالمة.
عندما أخبرها الخادم بوصول طارق صعدت كي تطمئن عليه وفي طريقها لغرفته سمعت صوته في غرفة نور والمشادة بينهم. نظرات تهاني له كانت قاتلة مميتة. صاحت به عنف: -ممكن أفهم تفسير الهبل اللي سمعته ده؟! هي حصلت يا طارق تشك في اختك!! رد مبرراً وهو يصيح: -أومال كانت فين كل الفترة دي من ساعة الميتينج وهي اختفت وراه وملهاش حس، حتى قبل كده نظراتهم بتقول حاجة. لم تستطع التصديق على كلام ابنها، هل هذا طارق حقاً، لا يمكن أن يكون هو.
فصاحت به في غضب: -لا أنت الظاهر زي ما قالت اختك اللي حصل لحس عقلك ومش عارف عواقب اللي بتقوله، وكلامك لحظة غضب هتتحاسب عليه يا طارق، اختك اللي كبرت معاك وعينك عليها خطوة ورا خطوة وعارف أخلاقها كويس ومش ممكن تعمل حاجة زي دي من ورانا، تبقى على علاقة بيوسف ازاي اللي بتشوفه صدفة أصلاً في شركة الجوهري وتعاملهم خفيف؟
اختك مبتخبيش عني حاجة عشان تكون عارف وحكتلي عن طبيعة علاقتها بيوسف زمايل في الشغل وبس، لما يجي أبوك ليك حساب معاه، يا خسارة تربيتي فيك يا طارق، يا ألف خسارة. زفر بضجر شديد، فقد اختنق حقاً وكاد أن يفقد أعصابه ولكن تماسك وقال بنفاذ صبر: -أنا آسف يا أمي دماغي مش فيا. صاحت به بانفعال شديد وقالت بعزم وجدية:
-مش عايزة أسمع منك ولا كلمة، ولا ليك كلام معايا، آسف دي تقولها لاختك اللي جرحتها وياريتها تداوي وترضى تسامحك، حسابك مع أبوك لما يرجع. أصبح في غرفته في منتهى العصبية والغضب، كاد أن يخسر شقيقته في لحظة غضب ولا يعرف من أين أتى له هذا الحس. يمكن أنه كان يتمنى أن تقف بجانبه كما فعلت هي مع يوسف؟ يشعر بأنها غير متضامنة معه لا يعرف لماذا.
كاد أن يحطم كل شيء أمامه في الغرفة. جلس في ضيق وهو يفكر كيف يمكنه مصالحة نور واكتساب ودها مرة أخرى، وتلك السلمى الهاربة رغم صدمته إلا أنه يريد تهشيم رأسها غيظاً من تلك الكارثة التي سوف تحل عليهم بسببها. ألو يعرف سر هروبها. فكر كثيراً في حديث نور وهو يراجع جميع تصرفاته معها ويبحث عن الخطأ.
مسك هاتفه وحاول الاتصال بها ولكنها لم ترد عليه على الإطلاق، فلا يمكنه الآن الاتصال بإيهاب وقص ما حدث بينه وبين شقيقته ولا يعرف ماذا يفعل بعد. بعد مغادرة تهاني الغرفة مسرعة عادت إلى الحديقة والدموع تسيل على وجنتيها في ألم وغضب وحسرة على ابنها وتبديل حاله لهذا الشكل. لا تعرف ماذا حدث لعائلتها بعد خضوعهم لتلك الصفقة اللعينة التي تسببت لهم بكثير من المشاكل والعقبات هم في غنى عنها. فيجب ردعه إلى هذا الحد.
تناولت هاتفها وحاولت الاتصال بنور عدة مرات لا محال. زفرت بغضب وحزن شديد وهي تدعو الله أن تكون ابنتها سالمة وبخير. بعد خروجه من الفيلا يقود بسيارته بلا هدف، لا يعرف إلى أين يؤول. شعوره بالاختناق الشديد زاد أكثر بعد مكالمة طارق له، لم يتوقع أبداً أن يصدر منه هذا الفعل من طارق، هل يشعر حقاً بأن هناك شيئاً غريباً بينه وبين نور ولما؟ هل هذه حقيقة هو يراها بالفعل أم هي مجرد توهم لديه؟
جرح كثيراً من أسلوبه ونبرة صوته، سيحرمه من الإنسانة التي وقفت سنداً له في عز محنته، من كانت تهون عليه وتجذبه نحو النور، من أخرجته من ظلمته وأزالت الحزن من قلبه ولو قليل في وقت كان وحيداً ووالده كل ما يشغله الصفقة والمال. ضاع أمله في الحياة ولم يجد من يشكي له عما بداخله، فقد رحلت سلمى هي الأخرى ولكن بشكل مؤقت ولا يعرف أين هي الآن. شعوره بالعجز أكبر من أي شيء كأنه مكتوف اليدين، لا يوجد مكان لم يبحث فيه.
تنهد بحيرة ولا يعرف ماذا يفعل الآن حقاً، لا مكان له ليذهب إليه وهو في هذه الحالة ليشكي له ما به. شرد قليلاً ثم اتسعت عيناه عندما تذكر شيء هام. انحرف بسيارته وغير طريق سيره وهو يقود بسرعة عالية في سبيل وجهته، وهو يعلم جيداً إنه سيكون نوعاً ما أفضل عندما يصل ويفصح عما بداخله بكل حرية، وإن شاء يبكي لبكى. بعد ذهاب يوسف من الفيلا جلس هاشم مكانه يفكر في حديث ابنه الذي لم يحرك به شعرة إلا في الدقائق التي عاتبه بها.
عاد مرة أخرى إلى تفكيره في تلك الصفقة اللعينة، وماذا سيفعل إذا تأخر في زواج ابنته. نزل إلى مكتبه وفتح الحاسوب الخاص به، وأخذ يعمل عليه قليلًا إلى أن جاءته رسالة هامة للغاية. تلك الشركة تستفسر أو تتأكد عن موعد زفاف سلمى وطارق، ولا يعرف ماذا يقول. أيقول أن ابنته هربت ولا يوجد زفاف؟! ولكن كيف، فتلك الصفقة بمثابة كل شيء له. لا أحد يعرف حتى الآن ما تأثير تلك الصفقة على تفكيره بهذه الحالة، ولما هي بالتحديد.
لا يستطيع أن يقول لهم الحقيقة. دقائق وتم إرسال رسالة أخرى: "إن لم يتم الزواج اليوم وبأسرع وقت سيتم تزويج سلمى منهم"، وهو يرفض هذا الأمر بشدة. لا يوجد حل إلا وأن يتحجج بمرض ابنته حتى يستطيع إيجادها في هذه الفترة. وبالفعل أرسل لهم فاكس بذلك، وهو يخشى ويترقب النتيجة بفارغ الصبر. بعد ذلك تناول هاتفه واتصل بمحمود ليخبره بآخر التطورات، ولكن هاتفه مغلق من آخر مشادة بينهما. **************** دخلت غرفتها وهي تناديها:
-يلا يا قلب عمتو عشان.. لجم لسانها عندما وجدت الغرفة فارغة. قلقت قليلًا ثم ذهبت إلى الحمام كي تطمئن من وجودها، قرعت أكثر من مرة لا من مجيب. حسمت أمرها وفتحت الباب، لا توجد بالداخل. دب الشك في قلبها وركضت في أنحاء الشقة تبحث في كل الغرف فلم تجدها قط. أيقنت ما كانت تخشاه. فصاحت بأعلى صوت: -ألحقني يا أمير، سلمى اختفت. تعالى يابني بسرعة. انتفض أمير من فراشه بخضة وفزع، وهرول على الغرفة مصدر الصوت ليصيح بها بلهفة:
-مش معقول! يا خربيت جنانك يا سلمى. اللي خلاها تهرب من هنا كمان!! نظرت له بحزن وعتاب: -أكيد سمعتك وأنت بتقول هتكلم يوسف. صوتك كان عالي. خافت فعلًا ألا تروح وتعرفهم مكانها بعد ما هربت منهم بصعوبة، فمشيت من البيت. يا ترى روحتي فين يا بنتي؟ يا عيني عليك يا سلمى واللي بيعمله فيك أبوك. بعد ما تلاقي الأمان هنا تخليها تخاف وتمشي. صاح أمير بندم وضيق مبررًا: -وأنا أعرف منين إنها سمعتني من جوا؟ العمل دلوقتي؟
هي ملهاش صحاب تروحلهم؟ جلست سميحة بقلة حيلة لتقول: -ملهاش غير نور صاحبتها القريبة منها تعتبر أختها. بس استحالة تروحلها لإنها أخت خطيبها كمان، ولا هتلاقيها عند حد من قرايبنا، أنت عارف سلمى. اندهش أمير كثيرًا من هذه المعلومة الجديدة. طارق خطيبها يكون شقيق أعز صديقة لها! تنهد وقال بنفاذ صبر: -طيب يا أمي أنا هتصرف، لازم أمشي دلوقتي. ويوسف لازم يعرف. تمسكت في ذراعه وصاحت بلهفة ورجاء: -لا يابني عشان خاطري. صاح بغضب مكتوم:
-يعني إيه لا يا أمي؟! لازم أخوها يعرف. الوضع اختلف دلوقتي، خلاص سلمى مشيت من هنا ومش عارفين هنلاقيها فين دلوقتي. لازم يعرف، لازم. تركها وأغلق الباب خلفه بعنف. جلست تبكي من هذه الصدمة التي لا يمكن أن تخطر على بالها، تشعر بكسرة نفس على تلك الصغيرة المسكينة. لا يوجد في يداها أي شيء تفعله كي تنجو من عاصفة أبيها المحتمة غرقها في أي وقت. وما مصير يوسف عندما يعرف أنها كانت عند سميحة وأخفت عليه ذلك؟! *****************
غادر أمير ووصل إلى قسم الشرطة. جلس على مكتبه وطلب رقمًا، دقائق وسمع قرعًا على الباب فدخل الطارق بعدما سمع الإذن بالدخول. دخل العسكري وضرب التحية ليقول بعدها: -في بلاغ أتقدم من حوالي ساعتين يا فندم. أعطى له ورق البلاغ في يداه، فتناولها أمير بفتور. اتسعت عيناه وهو يقرأ ثم وجه حديثه للعسكري دون أن يلتفت إليه: -طيب روح أنت. ألقى التحية وخرج وأغلق الباب خلفه. تناول أمير هاتفه واتصل بيوسف فوجد الهاتف مغلقًا أو غير متاح.
نهض وتناول مفاتيح سيارته واستقلها وهو يقود سريعًا، فالحماس والقلق يحيط به بشدة وهو في طريقه إلى وجهته، يفكر كيف يبدأ الحديث وكيف يتلقى الخبر؟ ***************** وصل أمير إلى فيلا هاشم الجوهري، خاله الذي اكتشف حقيقته مؤخرًا. لم يعرف إنه بتلك القسوة على أبنائه، خاصة سلمى فهي فتاة تحتاج إلى الحب والحنان بعد وفاة والدتها. ولكن كانت النتيجة عكسية تمامًا فقد أهملها وكسب منصبه وأمواله مقابل بعد أبنائه عنه.
خطة في منتهى الغباء والأنانية. صعد على السلالم الرخامية ثم ضغط على الجرس ليفتح له الخادم، الذي تفاجأ بالزي الأبيض المريب. وقف أمامه أمير في ثبات وحزم وقال بجدية: -أستاذ يوسف موجود؟ رد الخادم سريعًا: -آه يا باشا اتفضل والبيه الكبير موجود. اتفضل. نظر أمير حوله بتعجب على الثراء الفاحش الظاهر في أثاث الفيلا واللوحات الثمينة، فلم يتعجب كثيرًا من تصرفات خاله.
بعد لحظات خرج هاشم في فزع وقلق بعدما أخبره الخادم بأن هناك ضابط شرطة بانتظاره في الخارج، شك بأن الأمر متعلق بأحد من أبنائه خاصة سلمى. أحدث لها أي مكروه يا ترى؟ صدم هاشم عندما وجد أمير أمامه، ما الذي أتى به إلى هنا؟ هل عرف شيئًا ما مما حدث؟ هل أخبره يوسف بشيء؟ يا لها من مصيبة سوف ينتشر الخبر بين العائلة إذا اتضح أنه يعرف شيئًا. كان أمير يقف بثبات شديد للغاية يراقب رد فعل هاشم عندما رآه، فارتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة.
حاول هاشم أن يبدو طبيعيًا أمامه فقال: -أهلًا يا أمير، اتفضل. رد أمير بجدية: -لا ملوش لزوم، أنا جي في حاجة وماشي على طول عشان ورايا شغل كتير. يوسف موجود؟ تنهد بضيق ثم اصطنع الهدوء ليقول: -لا للأسف شدينا في الكلام. مشي من ساعة كده وموبيله مقفول. نظر له أمير واصطنع عدم المعرفة: -ليه هو حصل حاجة؟ توتر هاشم وهو يقول: -لا لا يابني مفيش. خلافات في الشغل ما أنت عارف يوسف. كنت عايزه في إيه؟ التفت إليه أمير لبضعة
دقائق صمت ثم قال بضيق: -لا مفيش. سلام. رحل أمير وركب سيارته وهو يحاول الاتصال به، ولكن غير متاح. طلب رقمًا آخر وبدأ الحديث معه بجدية. أما هاشم لم يكن يشعر بالراحة ولا الاطمئنان من زيارة أمير في هذا الوقت ومن سؤاله عن يوسف. يشك بأنه عرف شيئًا ما. فلم يطمئن أيضًا لنظراته ونبرة صوته. ****************** حل المساء، ولا تزال جالسة في الحديقة، الحزن يكسو قلبها ووجهها بشدة. لا تتحدث مع أحد ولا تسمع لأحد.
كرهت أن تكون مسالمة بهذا الشكل ولا تتدخل في أعمال زوجها. ولكن الوضع مختلف الآن، فهو ليس عملًا عاديًا، بس الأمر يخص أبناءها ولا تريد خسارتهم كما خسر أبناء الجوهري والدتهم. لذا قررت لن تظل مكتوفة اليدين بعد الآن، فقط تنتظر قدوم محمود والأهم من ذلك نور، التي لا تعرف إلى أين ذهبت وماذا تفعل الآن. انتفضت عند سماع بوق السيارة في الخارج فظنت إنها نور. نهضت وسارت بخطوات سريعة أشبه بالركض إلى الباب الداخلي للبهو.
كاد الخادم أن يقوم بفتح الباب إلا أنها سبقته بلهفة وفتحت هي وقلبها يدق بسرعة عالية بقلق ولهفة. فتح الباب وفوجئت بمحمود أمامها، تحولت علامات اللهفة إلى الحزن وخيبة الأمل. قالت بوجه دون تعابير: -حمد الله على السلامة. ثم تركته وعادت من حيث أتت. تعجب محمود في قرارة نفسه من تلك المقابلة الباردة الحزينة، فهو غير معتاد منها على ذلك. فذهب خلفها ليرى ما بها. دخل الحديقة وجلس بجوارها على الأريكة ينظر لها ويقول:
-في إيه يا تهاني؟ مش عوايدك مقابلتك دي. لم ترد عليه. فقط التزمت الصمت. تعجب من حالها وصاح بها برفق: -إيه الحكاية قلقتيني. ردت دون النظر إليه: -نور لغاية دلوقتي مجتش. قضب حاجبه بتعجب وقال بنوع من الغضب: -نعم!! يعني إيه مجتش؟ أومال راحت فين؟! تنهدت بهدوء وقالت سريعًا قبل أن يغضب: -جات من بدري وريحت شوية. شدت في الكلام مع طارق وسابت البيت وتليفونها مقفول ولغاية دلوقتي مجتش. تحولت نبرة صوته إلى العلو قليلًا
والضيق الشديد: -إيه التهريج اللي بيحصل ده؟ قالها إيه عشان تسيب البيت وازاي ده حصل؟ رفعت رأسها والتفتت إليه بتردد شديد، تريد الإفصاح بكل ما حدث كي يردع طارق عن تفكيره وتخشى البوح لأنها تعرف جيدًا حالته عندما يغضب. فحسمت أمرها وقصت له ما حدث. يستمع لها بغضب شديد ولا يصدق أذنيه لما سمعه. صاح قائلًا: -هو فين دلوقتي؟ ردت تهاني بجمود: -فوق في أوضة نور مخرجش من ساعتها. نهض وقال وهو يتحرك مسرعًا: -أنا هعرفه شغلي معاه.
ركضت خلفه وهي ترجي به أن لا يؤذيه، هذا ما كانت تخشاه بالفعل. صعد إلى غرفة نور وفتح الباب بقوة شديدة. تفاجأ طارق بوجود والده واقتحامه الغرفة بهذا الشكل الذي أربك تفكيره، فيبدو على قسماته الغضب الشديد. وبدون أي مقدمات صاح به في عنف: -أنت ازاي يا أستاذ يا محترم لسانك سمحلك أنك تقول المهاطرات دي لأختك؟ أنت اتجننت؟ عارف ده معناه إيه؟ إني فشلت في تربيتها وتربيتك عشان تشك فيها وفي أخلاقها وتفكر لمجرد التفكير بالشكل ده؟
بتطعن أختك في شرفها وأخلاقها يا طارق!! قال الجملة الأخيرة بشيء من التعجب وعدم التصديق ثم أكمل بخيبة أمل: -أنت خيبت أملي وثقتي فيك. نعدي بس من الكارثة اللي إحنا فيها الأول وحسابك بعدين. خرج سريعًا وذهب إلى غرفة نومه. نظرت له بعتاب ثم غادرت الغرفة هي الأخرى وذهبت خلف زوجها. أما هو يقف مكانه في شرود كبير، يشعر بالاختناق الشديد وغضب أشد. يريد أن يخنق الظروف التي وضعته في ذلك الموقف مع أبيه.
ها هو كاد أن يخسره هو الآخر بسبب ذلة لسان ساعة شيطان كما يقال. يشعر بأن كل شيء من حوله قد تدمر وانهار، يخرج من حفرة يقع بأخرى ولا يوجد مسافة بينهما للراحة على الأقل ولا يوجد مخرج أو مهرب حتى. ******************* دخلت تهاني غرفة نومها وجدت محمود يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين طيات كفيه شاردًا في حزن وغضب شديد. يشعر بأن هناك لعنة كبيرة حلت على الجميع، الصغير قبل الكبير.
لقد خرج الأمر عن سيطرته الآن ولا يوجد مخرج على الإطلاق هكذا يرى. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تربت على منكبه في حنان وهدوء وهي تقول: -وإيه العمل يا محمود؟ الولاد بيضيعوا مننا واحد ورا التاني وإحنا مش عارفين نعمل حاجة. رفع رأسه والتفت إليها وهو يصيح بغضب: -أنا مش فاهم اللي جراله. ده عمره ما كان كده أبدًا. ده لا يمكن يكون طارق ابني اللي ربيته، لا يمكن. تنهدت تهاني وقالت بحزن: -لعنة وصابت الكل، مسابتش حد سليم.
كله من هاشم. أردف محمود في ندم: -أنا اللي غلطان إني وافقت على الصفقة دي.. قلبي ما كانش مستريحلها من الأول بس قعد يقنعني فيها لغاية ما وافقت.. بس في حاجة غلط أنا متأكد من كده كويس قوي. مسحت تهاني دموعها لتقول: -والعمل دلوقتي؟ تنهد محمود بقوة ثم قال بهدوء: -العمل عمل ربنا.. نلاقي سلمى الأول ضحية السلطة والنفوذ وهنشوف نعمل إيه.. تناول هاتفه وتابع: -أما أشوف نور فين لغاية دلوقتي. *********************
منذ خروجها من المنزل وهي تتسكع بسيارتها دون هدف، والدمع يسيل من مقلتيها لا تعرف ماذا تفعل الآن حتى حل المساء. من كان يحنو عليها ويستمع إليها لم تعد موجودة بعد، فماذا تفعل؟! انحرفت عن طريقها وذهبت إلى المكان الذي طالما تجد الراحة فيه، أو بمثابة ورشة عمل لها ولسلمى أثناء الدراسة. فهو عبارة عن معرض صغير يعرض فيه اللوحات الفنية والتحف وبه ركن صغير كافتيريا للمكان.
جلست نور في إحدى الأركان ومنذ أن أتت وهي تجلس ترسم وعيناها لم تتوقف عن الذرف. فجاسر من كان يراقبها، يجلس بجوارها وعيناه لم تزل عنها ويتأملها، لا يريد سؤالها ويعتبر تطفلًا منه عليها. يتركها وشأنها إن أرادت التحدث سوف تفعل. قطعت نور الصمت وقالت بصوت جامد دون الالتفات إليه: -هتفضل متنحلي كده كتير؟ تفاجأ جاسر وشعر بالإحراج الشديد، فلم يكن يتوقع بأنها تلاحظه وهي متمعنة في عملها. فتنحنح في حرج وهو يقول:
-لا أبدًا.. أصل من ساعة ما جيتي وأنتِ ساكتة ما بتتكلميش خالص.. فمش حابب أضغط عليكِ. تنهدت براحة ثم قالت بهدوء غريب يشوبه بعض الجمود: -أنا كويسة يا جاسر.. ما تقلقش. أردف بصوت حنون: -لا واضح إن في حاجة مضايقاكِ.. مالك يا نور؟ زفرت بضيق وهي تقول بجمود شديد: -لو سمحت أنا مش قادرة أتكلم نهائي.. عن إذنك. لملمت أدواتها وتناولت حقيبتها ورحلت على الفور.
وقف وهو يشعر بأنه بدلًا من التخفيف عنها قليلًا فقد زاد الطين بلة وجعلها ترحل وهي تشعر بالضيق منه. **************** وصلت المنزل وهي في حالة ميؤوس منها على الإطلاق، دخلت ووجدت حالة من الصمت الشديدة تعم على المكان، حمدت الله على ذلك لأنها ليس لديها القدرة على النقاش بعد الآن.
بالطبع لم يناما تهاني ومحمود، فهم بانتظار عودة نور. إلى أن سمعوا قرعًا على الباب فقام محمود على الفور ليفتح. ليجد أمامه الخادم الذي أوصله عند عودة نور يقوم بإخباره. فقال بهدوء: -آنسة نور وصلت يا بيه. رد محمود بهدوء: -طيب روح نام أنت. انصرف الخادم بهدوء ثم عاد إلى الداخل. نظر لتهاني وقال بهدوء: -ادخلي لها أنتِ. تنهدت بحزن وهي تنهض من الفراش ولا تعرف ماذا تقول لها أو بأي شكل تهون عليها.
قرعت على باب غرفتها أكثر من مرة فلم تجد ردًا على الإطلاق. حسمت أمرها وفتحت الباب، ظلت مكانها قرابة دقيقتين تنادي عليها ولم تجب نور. وضعت تهاني يدها على مكبس الضوء وكادت أن تشعله، صاحت بها نور بضيق وقالت: -ما تولعيش النور. أدركت بأنها في حالة مزرية وبداية غضب إذا تمادت في الحوار. فقالت تلطفًا: -حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. أحضرلك العشا؟ ردت نور بضيق وجفاء:
-الله يسلمك.. لا مش عايزة آكل ومن فضلك يا أمي أنا ما فياش دماغ أتكلم دلوقتي.. ممكن؟ تنهدت بحزن وحيرة وقالت بهدوء: -ماشي يا نور.. تصبحي على خير. ردت نور سريعًا بنفس النبرة: -وأنتِ من أهله. أغلقت الباب وعادت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كان محمود يجلس على الفراش منتظرًا آخر الأخبار، تأكد منها عندما قرأ قسمات وجه زوجته العابسة الحزينة. جلست بجواره وهي تقول:
-مش طايقة حد أساسًا ولا طايقة تتكلم.. يا حبة عيني ما أكلتش من صباحية ربنا ورافضة تاكل أي لقمة. ضرب ساقه بيديه بقوة وغضب وهو يتمتم: -كله منك يا طارق ومن لسانك اللي عايز قطعه.. صبرك عليا لما نعدي من الكوارث اللي احنا فيها دي. لم تشعر بالراحة قط عندما ترى عصبية زوجها بهذا الشكل. ربتت على منكبه وهي تحاول تهدئة روعه برفق: -هدي نفسك بس يا محمود مش كده.. ضغطك هيعلى. صاح بها بغضب وصوت عالٍ:
-يعني مش شايفة عمايل ابنك.. ماشي يا طارق. ******************* خلد الجميع إلى النوم بعد ساعات طويلة من التفكير والقلق فيما حدث. في صباح اليوم التالي استيقظ طارق مبكرًا واغتسل وصلى فرضه وقرر الذهاب مبكرًا قبل أن يستيقظ من في المنزل ويوبخه على ما بدر منه أمس. فكر كثيرًا وتردد على الدخول لنور ولكن لم يستطع على الإطلاق، فليست لديه الجرأة للتحدث معها بعدما قام بجرحها بكلماته القاسية. فخرج مسرعًا.
استيقظت نور وظلت في فراشها قرابة ربع ساعة تستعيد وعيها بالكامل وتفكر فيما حدث مع جاسر. فهي تشعر بأنها تمادت قليلًا بأسلوبها معه وهو لم يخطئ، فقررت عند رؤيته ستقوم بالاعتذار منه.
فكرت في يوسف للحظة ما تريد الاطمئنان عليه وترى إن وصل لشيء أم لا، تناولت هاتفها على الكومود وكادت أن تتصل تذكرت اتهام طارق لها، فتغيرت معالم وجهها للعبوس وألقت الهاتف بجانبها وقررت عدم الاتصال به حتى لا تدخل في مشاكل لا حصر لها يكفي ما حدث بالأمس.
ولكن لا يوجد طريقة أخرى لمعرفة آخر الأخبار عن سلمى إلا عن طريقه. تنهدت بعد تفكير طويل وتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به فوجدت الهاتف مغلقًا أو غير متاح فزفرت بضيق شديد واعتدلت جلستها وهي تفكر ماذا تفعل. إلى أن جال لخاطرها فكرة، فقامت بحمل الحاسوب المحمول على ساقيها وبدأت تبحث عن الفنادق الموجودة التي يمكن لسلمى الالتجاء إليها. إلى أن وصلت لعدة فنادق. نهضت سريعًا في حماس وعلى محياها بسمة أمل ودخلت الحمام.
****************** استيقظ أمير مبكرًا كالعادة قبل الذهاب إلى عمله، غالبًا ما يتناول الفطور مع سميحة إذا سمح له الوقت أو في المكتب. منذ ليلة الأمس وبعد إجراء اتصاله لم يصل إلى يوسف بعد. فقد كلف مخبرًا بالبحث عنه في كل مكان لاحتياجه له بشدة في أمر اختفاء سلمى. جلست سميحة بجانبه لتقول: -رجعت إمتى امبارح؟ رد دون الالتفات إليها: -على واحدة كده. تنهدت وقالت بقلق: -ما فيش أخبار عن يوسف؟ نظر إليها وقال بحيرة:
-من امبارح بدور عليه مش لاقيه.. حتى فونه مغلق.. أنا ابتديت أقلق. ثم أردفت بتوتر وتردد: -طيب وخالك؟ ترك الخبز من يديه باستياء ثم رد عليها ليقول: -ما تجبيليش سيرته.. من ساعة اللي حكيتيه وأنا مش متخيل إنه خالي اللي أعرفه.. ما كانش طبيعي خالص ومتوتر لما سألته عن يوسف.. شكله شد معاه جامد. تنهدت سميحة بحزن: -الله يهديه ويرجع له عقله. أنهى أمير طعامه ونهض وهو يردف:
-الحمد لله.. يا دوب أروح المكتب وأشوف الحكاية الغريبة اللي وقعنا فيها ولاد أخوكِ دي. ***************** ذهب محمود إلى الشركة بعدما تناول شطيرة صغيرة رغم عنه بعد إلحاح شديد من تهاني. وبعد ساعة نزلت نور بعدما اغتسلت وأبدلت ملابسها استعدادًا للخروج. ألقت التحية على تهاني وقبل أن تخرج أوقفتها متسائلة: -رايحة فين على الصبح كده؟ اندهشت نور من تساؤلها. فالتفتت إليها وقالت:
-من إمتى بتسأليني يا ماما.. اعتبريني نازلة شغل ولا الكلية. تنهدت تهاني بقلق وقالت: -أصل حالتك امبارح ما كانتش تسر عدو ولا حبيب.. فما اعتقدتش بعد اللي حصل إنك تنزلي النهاردة. زفرت براحة شديدة واطمئنان ثم أردفت: -في مشوار مهم لازم أعمله وما ينفعش يتأخر.. عن إذنك. تحركت بضعة خطوات وكادت أن تفتح الباب أوقفها صوت تهاني مرة أخرى: -مش هتقوليلي كنت فين امبارح؟ ردت دون النظر إليها بضيق: -بعدين.. لما أرجع يا ماما.
خرجت سريعًا قبل أن تدخل في دائرة المناقشات. استقلت سيارتها وقادت بشرود بالأمس. تناولت هاتفها وقامت بالاتصال برقم إلى أن أتاها الرد: -ألو.. صباح الخير. الصوت من الجهة الأخرى: -صباح النور.. أخبارك يا نور النهاردة.. يا رب تكوني بخير. تنهدت ثم أردفت بهدوء: -الحمد لله أحسن.. أنا بعتذر جدًا عن الطريقة البايخة اللي كلمتك بيها امبارح.. كنت مخنوقة وجات فيك.. ما حبتش تكون زعلان مني من غير قصد. رد سريعًا حتى لا تشعر بالذنب:
-لا لا أبدًا ما فيش حاجة.. أنا كنت مقدر حالتك.. عمومًا حصل خير ثم أنا ما بزعلش منك يا نور. ابتسمت براحة ثم قالت: -طيب الحمد لله.. شكرًا يا جاسر على تقديرك.. مع السلامة. أغلقت معه المكالمة وهي تشعر بالراحة الشديدة، هكذا أرضت ضميرها، لم تكن تريد أن يظل يحمل في قلبه أو عقله أي شيء منها في لحظة غضب. هكذا أفضل بقيامها بالاتصال به. تنهدت في راحة وأكملت طريقها وهي تحاول الاتصال بيوسف لإخباره بهذه الخطوة. *****************
حل مساء اليوم وما زال البحث عن يوسف. عند عودة أمير إلى المنزل، وجد سميحة ما زالت مستيقظة، اقترب منها وجلس بجوارها وقال: -أنتِ اللي مسهراكِ لحد دلوقتي يا أمي؟ ردت بحزن: -ما جاليش نوم.. بالي مشغول بيوسف يا أمير قوي.. لسه تليفونه مقفول. زفر بضيق وهو يقول: -أيوه.. ما اعرفش غطسان فين ده كمان.. ما تعرفيش ممكن يكون فين؟ ردت بحزن وتفكير: -لما بتضيق بيه الحال بيروح يزور أمه. اعتدل جلسته في لهفة واهتمام شديد ثم صاح في دهشة
كأن فكرة خطرت على باله: -إيه! طنط فريدة!! .. إزاي الفكرة دي تاهت عن بالي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!