الفصل 33 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
21
كلمة
3,710
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

عيناها لم تسقط عنه بفضول، تريد أن تعرف المزيد. منذ ليلة أمس وهو لا يدرك السبب الرئيسي لرؤيتها بشكل مختلف، كيف له أن ينسحب إليها وينجذب إليها؟

حاول بقدر الإمكان أن يختصر الكلام معها وأن يبتعد عن النظر لعيناها عندما يتحدث معها. أجابها بهدوء وهو يشعر بأنها تنظر إليه، فبمجرد أن انتهى تركها ودخل الشرفة قبل أن تقول شيئًا آخر، وهو يفكر في هذه الحيرة التي شوشت على تفكيره ليقطعه صوت رنين هاتفه ليرا المتصل سارة. زفر بحنق شديد فكل ما مر به كانت هي السبب في ذلك وقرر أن لا يقوم بالرد عليها وتجاهل اتصالها، لتعيد الكرة عدة مرات إلى أن سأم ورد عليها بضيق:

-أيوه يا سارة .. خير. قالت سارة بتذمر: -مالك يا طارق في إيه .. الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟ زفر بشدة وقال بضيق: -سارة أنا مش فايق على الصبح .. قاطعته وأردفت بحزن: -في إيه يا طارق أنت مضايق مني ليه .. أوعى يكون بسبب إني جيتلك الأوتيل. صاح بها طارق: -ما أنت حلوة وبتفهمي أهو .. كلامنا بيجيب لنا المشاكل يا سارة. صاحت سارة بتذمر وحقد شديدين: -يا سلام!! تبقى خطيبي ومحرومة حتى إني أكلمك!!

.. كل ده بسبب الست سلمى عفريت العلبة اللي أنت متجوزها. انفعل عليها طارق بحنق بمجرد أن سمع إهانتها: -قلت مية مرة تبطلي تغلطي فيها .. لاحظي إنها بقت مراتي وكرامتها من كرامتي. حاولت اصطناع الدلال حتى لا تخسره: -أعمل إيه يعني ما هو كل ما نتقابل معرفش بتطلع لنا منين في كل حتة .. والله حاسة إنها بتراقبنا وعاملة فيها سحرة. صاح بها بعدم تصديق: -تراقبنا!! إيه اللي بتقوليه ده بس .. مستحيل سلمى تعمل حاجة زي كده.

يشعر بأنه مقيد وهو يتحدث داخل الشرفة ويخشى من علو صوته تسمعه سلمى من الداخل، فخرج وقال وهو لا ينظر إليها ويتجه للخارج: -مش هتنزل لي تفطري؟ أجابت بشيء من الضيق هو لم يلاحظه: -ما أنت عارف مبفطرش أول ما بصحى .. هطلب الأكل هنا مش قادرة أنزل تحت. -أنت حرة. قالها وهو يخرج ويتركها وحدها بالغرفة بكل برود وتهكم ويعود للمكالمة مرة أخرى: -شيلي الأفكار دي من دماغك يا سلمى. صاحت به سارة بغضب شديد: -سلمى!!

.. أنا سارة يا أستاذ .. اللي واخد عقلك يتهنى بيه .. من تفكيره بها مطولًا تناسى سارة للحظات، حاول أن يخرج من هذا الموقف المحرج بأي طريقة ليقول: -ما أنت مفيش سيرة إلا هي .. مفيش مرة نتكلم إلا أما أنت تفتحي سيرتها مش أنا. قررت أن ترخي قليلًا لتنعم نبرة صوتها وتقول بدلال: -خلاص حقك عليا .. وحشتني أوي على فكرة. ابتسم وحن قلبه إليها: -وأنت كمان وحشتيني أوي يا حبيبتي ..

شعر بوجودها فنظر خلفه ليراها في حالة ضيق ودهشة والدموع شرعت في التجمع بعيناها. نظرة عتاب وألم مزقت عيناه وقطع الاتصال لينظر لها بصدمة. بدون أي كلمة دخلت الغرفة وأغلقت من الداخل بالمفتاح، مسح شعره بكفه بكل عنف وحيرة، فكلما تصلح الأمور تتعقد مرة أخرى، ليقرع على الباب مرات متتالية وينادي عليها.

بدلت ملابسها وارتدت حقيبتها وفتحت الباب مرة أخرى لتمر بجانبه ورحلت، ليسير خلفها بلهفة وينادي عليها وهي تتجاهل مناداته إلى أن دخلت المصعد وفرت الدموع من عيناها وهي تقول بجمود: -مفيش فايدة. عندما وصل للدور الأرضي ظل يبحث عنها ليجدها في مطعم الفندق تجلس في هدوء شديد، اقترب منها بحذر وتردد في الجلوس إلى أن حسم أمره في النهاية.

ظل ينظر لها دون أي رد فعل منها فقط عيناها مقتظة بالدموع محاولة منها بقدر الإمكان أن تتحاشى نزولها أمامه. بعد عدة دقائق حضرت وجبة إفطارها وبدأت في تناوله في صمت وهي تبتلع كل قطمة بصعوبة شديدة، تنهار من داخلها ومن الخارج تتسم بالبرود والهدوء. تناول فطوره هو الآخر وهو يسترق النظر إليها، إلى أن انتهت وعادت إلى جناحهما مرة أخرى وذهب خلفها فضولًا منه.

ظلت تسير بها ذهابًا وإيابًا في توتر كبير، وهي تفرك بيديها في منتهى العصبية وهو يخشى أن يتحدث معها فتنفجر في وجهه وهي غاضبة وفي شدة انفعالها ليقول: -سلمى ... انفعلت به بشدة وأحمر وجهها وأصبح مثل البندورة: -مش طيقاك أبعد عني .. أنا عايزة أنزل مصر دلوقتي حالًا مش قادرة أستنى معاك دقيقة واحدة. صاح بها بغير استيعاب: -اللي بتقوليه ده أنت اتجننتي .. مينفعش. لترد بنفس الحالة المهيبة لتصرخ أكثر:

-أنتوا خليتوا فيا عقل .. أنت إيه يا أخي مبتحسش معندكش قلب .. إيه الأنانية اللي أنت فيها دي .. ليه ها ... ليييييييه .. كنت بحسبك غيره ولقيت فيك شوية حنية من اللي مفتقداها من ساعة موت أمي .. كل ده طلع وهم وغش وخداع .. ليه ليه .. طلقني يا طارق .. طلقنييييي.

دون سابق إنذار وقعت وفقدت وعيها تمامًا، وعلى قسمات وجهها حزن وألم شديدين، دموعها تنهمر بغزارة، حاول مرارًا إفاقتها ولكن لا تستجيب. كان مثل المجنون ينادي عليها بلهفة. حملها ووضعها على الفراش ثم تناول سماعة الهاتف من فوق الكومود واتصل بطبيب الفندق. في خلال دقائق وصل وقام بالكشف عليها وهو في غاية التوتر. علم في النهاية بأنها مصابة بانهيار عصبي وأعطاها حقنة مهدئة ولن تستيقظ إلا بعد ساعات.

خرج الطبيب وجلس بجانبها، وهو يؤنب نفسه بأنه السبب لما وصلت إليه، حاول أن يتجنب النظر إليها، يصارع نفسه ومشاعره التي غطت عليه من حيث لا يدري. جلس على الأريكة الخاصة بها ساندًا ذراعه على ساقيه، دافنًا رأسه بين طيات كفيه.

بعد ست ساعات استعادت سلمى وعيها، كأنها لا تريد أن تستيقظ من الأساس، نظرت حولها لتجد نفسها على الفراش وطارق يجلس على الأريكة بنفس الوضع، نظرت له بألم والدموع تهوي من عيناها، لقد انفجرت به وأفضت ما كانت تحمله في داخلها منه، لم تستطع كبح مشاعرها أكثر من ذلك بعد الآن. نظر إليها لتدير هي وجهها، عم الصمت ليقطعه هو قائلًا دون أن ينظر إليها: -عارف إنك مش هتصدقيني مهما قلت .. هحاول مضايقكيش تاني لحد ما ننفصل .. أنا آسف.

تركها وخرج، كان يخشى مواجهتها، ليتركها تنهار من البكاء وقلبها يعتصر ألمًا. **********************

مرت الأيام دون أي جديد، فقط تخرج سلمى بمفردها لزيارات مختلفة في أنحاء المدينة، لعل وعسى تتخلص من الشحنة السلبية في داخلها، وهو لم يعارضها في ذلك على الإطلاق بل كان يرا بأن خطوة التجاهل زادت وبدأت من ناحيتها ولا يشعر رغم ذلك بأنه أكثر راحة. ولكن يكفي أنه يتجاهلها، وعندما تغيب يجدها في نفس المكان التي كانت تحب الجلوس فيه برفقة والدتها، فيأتي ويجلس قربها في صمت وهي تشعر به ولكن تتجاهل وجوده.

منتظرة عودتهم إلى مصر لكي ينهي كل ما بينهم، فلم تستطع أن تتحمل أكثر من ذلك. ******************* في شقة كبيرة يغلب على أثاثها التحف الثمينة، وموسيقى ميتال تشدو بألحانها الفجة في الخلفية. أمام طاولة صغيرة عليها بعضًا من الزجاجات غريبة الشكل، يجلس عاصم على مقعده الوثير ويتحدث إلى سارة ويبدو عليه الغضب الشديد. أشعل سيجاره بكل غل وهو يقول بلهجة شديدة الغضب:

-أنت بتتصرفي على كيفك يا بت أنت .. مش قلت لك تهدي اللعب ده كان ناقص تسافر له كمان. نهضت سارة من جانبه وهي تصيح به بحنق: -جرى إيه يا عاصم .. مش قادرة أستحمل وهي معاه .. مش خايف ألا تحن له وساعتها مش هيبص في وشي! ولا حتى هتعبرك وتبقى بت زي دي كلت عليك كل حاجة. حاول التحكم في أعصابه ليقول بانفعال بسيط وهو ينهض ليمسك بشعرها بعنف ويجذبه نحوه:

-جرى إيه يا بت .. لو مكنتش عارف الفولة هتعمليهم عليا أنت نسيتي أنا جايبك منين ولا تحبي أفكرك؟! .. بتصرفاتك دي هتخليه يكش منك ولا أنا ولا أنت هنوصل لحاجة .. فأعقلي كده وأوزني الكلام يا حلوة عشان متزعليش ها. أفلتت شعرها منه وعيناها ترتعش الخوف من نظراته لها، وقلبها يشتعل من الغضب نحوه. أومأت برأسها وتناولت حقيبتها وخرجت على الفور. جلس هو على الأريكة ينفث سيجاره بكل غرور وهو يحدث نفسه:

-مسيرك تجيلي يا سلمى وشوفي البرنس بتاعك هيعمل إيه. ********************* نزلت سارة وخرجت من العقار وهي تبكي، تفكر في مصيرها مع عاصم وطارق، الذي يعتبر طوق النجاة بالنسبة لها للتخلص من قيد عاصم وتحكماته بها، فهي بجانبه كي يساعدها للوصول لطارق مقابل مساعدته ليحصل على سلمى ويكون له نصيب من شركة وأملاك أبيها.

تشعر بأنها تريد أن تتحدث إلى أحدهم، يملأ فراغها الذي تركه طارق مؤقتًا وسوف تحصل عليه بمجرد رجوعه إلى أرض الوطن. ابتسمت عندما جاء لخاطرها إيهاب، ولكنها تعرف أنه تغير نحوها فجأة في الفترة السابقة ولم يكن هكذا من قبل، سوف تتحمل غلاظته على أي حال أفضل من لا شيء. وبالفعل قامت بالاتصال به: -أيوه يا هوبا أنت فين؟ نظر إيهاب إلى هاتفه ببلاهة ليتأكد من الرقم الصحيح ليجدها سارة بالفعل، ليقول بعدم تصديق: -سارة؟!

لترد بدلال مصطنع: -أومال هتكون مين يعني .. بتعمل إيه دلوقتي. إيهاب بغرابة ما يشعر به: -في الكافيه مع الشلة. ابتسمت لتردف بحماس: -طيب بقولك إيه فكك منهم وتعالى نسهر سوا .. الشلة بتاعتي عاملة بارتي على مركب النهارده ومكنتش عايزة أروح لوحدي .. تعالى معايا. تردد إيهاب ويندهش من التغيير المفاجئ الذي طرأ عليها دون أي مقدمات، ليحاول الإفلات منها: -مش هينفع يا سارة خليها مرة تانية .. أنا قاعد مع صحابي. حاولت

أن تجذبه بلطف كي يأتي: -عشان خاطري يا إيهاب أنت عارف من ساعة طارق ما اتجوز الهانم اللي بيدافع لها كل ما أجي أتكلم وهو مش طايقني. قطب حاجبيه بتعجب ليقوم بسؤالها: -ليه كده؟ ابتسمت وردت بخبث: -ليه وليه عشان قفشتنا مع بعض .. مش خطيبي هو ولا نكون بنعمل جريمة وأنا معرفش. صدم إيهاب مما سمع، وتوقع أسوأ ردود الفعل ليقول باهتمام: -هو مفيش فايدة فيك!! .. اللي حصل وطارق فين دلوقتي. ابتسمت بشدة وأدركت إنه وقع

بشباكها لتقول بضعف مصطنع: -مش هينفع الكلام هنا .. تعالى مستنياك في .... زفر بضيق وقال: -طيب يا سارة أنا جاي .. ربنا يستر. أنهى معها المكالمة، ونهض مسرعًا في المغادرة إلى أن أوقفه أحد أصدقائه: -اللي حصل يابني رايح فين .. السهرة لسة هتحلو. رد في عجالة: -معلش لازم أمشي حالًا الظاهر في مشكلة. رد الآخر باهتمام: -سارة خطيبة طارق.. مش كده؟ .. على فكرة البت دي بترسم على صاحبك وهتفركش له جوازته.

خد بالك ألا ترسم عليك أنت كمان. كاد أن يتشاجر معه إلا أن أحدهم وقف حائل بينهم: -أنت اتجننت يا ابني، أنت عارف بتقول إيه؟! ابتسم وقال بكل ثقة: -وأنا مالي يا عم، اديني قلت لك وأنت حر. رمقه نظرة غاضبة، ورحل على الفور إلى طريقه المنشود لمقابلة سارة وهو يشتعل بكل غضب وحنق. *********************** أثناء قيادته، قام بالاتصال بها: -أيوة يا سارة... تلت ساعة بالكتير وهأكون عندك... أوصفي المكان بالظبط. اندهشت سارة من نبرة

صوته الغاضبة لترد بهدوء: -في بحري... مستنياك قدام النادي... مالك يا إيهاب؟ صاح بها في ضيق: -مفيش يا سارة... لما هوصل هأكلمك... سلام. أغلق المكالمة وهي تنظر لهاتفها بغرابة، قلبها قلق ولا تعرف لماذا. مرت نصف ساعة إلى أن رأت إيهاب يترجل من سيارته ويقترب إليها وهي تخشى نظراته، ولكي تتجنب غضبه قالت على الفور: -تعالى ندخل جوه ونتكلم أحسن... يلا. دخل معها وصعدوا على متن المركب، لينفجر هو بها: -ممكن أفهم اللي حصل؟ ...

أنت شوفتي طارق بعد الفرح؟ كانت تخشى أيضًا نبرة صوته الغاضبة، لتبتلع غصتها وتقول: -ممكن تهدى شوية عشان نعرف نتكلم... مالك ما أنت كنت كويس لما كلمتك. حاول تماسك أعصابه حتى يستوعب ما سوف تقوله بعد قليل: -ها يا ستي، اديني هادي أهو، إيه اللي حصل؟ ردت ببرود: -كل الحكاية إني روحت أشوف طارق في الأوتيل الصبح... كان واحشني أوي بصراحة فجأة سلمى طبت علينا تقريبًا حصل بينهم مشكلة.

اتسعت عيناه صدمة ودهشة، فلم يتوقع أن تكرر فعلتها للمرة الثالثة، إلى أن جال في خاطره حديث صديقه فنفاه على الفور وهو يصيح بضيق: -أنتِ أكيد جرى في عقلك حاجة يا سارة... مش مكفيكِ اللي حصل يوم الفرح رايحة تكملي عليه... روحتي ليه؟ ردت بضيق من طريقته الهجومية لها: -هو أنا جايباك عشان تزعقي لي؟ ... ما عرفتش أنام طول الليل وأنا عارفة إنه مع واحدة تانية... روحت أشوفه ما جرمتش يعني...

حتى لما كلمته تاني وهو مسافر شكل الهانم اتحمقت وقفل في وشي السكة، عجبك كده؟! لا يستطيع استيعاب ما يسمعه من تلك البلهاء، التي كاد في لحظة أن يحن إلى حديثها ونبرتها الخادعة، ليصيح بها بعدم فهم لردود أفعالها: -أنا مش قادر أستوعب بجد... أنتِ متأكدة إنك بتحبيه باللي أنت بتعمليه ده؟! بتخربي حياته ليه يا سارة، ده مش مبرر للحب على فكرة... بيعمل كل ده عشان تبقوا مع بعض تقومي تزودي المشاكل... كده كده هيطلقها مستعجلة على إيه؟

أنا بجد مش عارف أقول إيه... قربت أصدق اللي بأسمعه عنك. صاحت به منفعلة بغضب: -سمعت إيه يا إيهاب؟! صاح بها وهو يحاول الابتعاد عنها: -ولا حاجة... أنا ماشي وأما أشوف المصيبة اللي وقعتيه فيها دي. تركها ونزل من المركب ليستقل سيارته ويرحل وهو يحاول الاتصال بطارق ولكن غير متاح. ********************

في صباح اليوم التالي، كعادة تهاني تجلس صباحًا تتناول الفطور مع زوجها في هدوء، وعقلها منشغل بطارق وسلمى، الذين منذ سفرهم لم تسمع أي أخبار عنهم، ليقطع صمتهم صوت محمود: -نور فين؟ ردت تهاني باسمة: -نزلت من بدري عندها محاضرة... وهتفطر هناك. ابتسم محمود هو الآخر وقال باطمئنان: -الحمد لله إنها رجعت تحضر تاني... كنت خايف عليها الفترة اللي فاتت دي والسنة تضيع عليها. زالت محتفظة ببسمتها لتقول:

-هي من نفسها قررت تنزل عشان تشوف اللي فاتها... كلها السنة دي وتتخرج هي وسلمى اللي من ساعة اللي حصل حالها أسوأ منها. رشف من فنجان الشاي وقال بجدية: -أول ما هتيجي سلمى إن شاء الله هأخليها ترجع لدراستها... حرام كل اللي حصل معاها ده، مش هنيجي على آخر سنة ونضيع مستقبلها. ردت تهاني باهتمام: -عندك حق يا محمود، مش هيبقى جواز وتعليم. نظر لها وقال بحزم: -هأبعت السواق النهارده على المطار... طارق وسلمى هيوصلوا على طيارة 2 الضهر.

صاحت به تهاني بلهفة وفرحة: -إيه ده بجد؟! طارق كلمك؟ رد بنفس النبرة: -أيوة... حجز التذاكر وبلغني بميعاد رجوعه... أوضتهم جاهزة مش كده؟ ابتسمت تهاني وقالت: -أيوة من قبل الفرح... وهأشيك عليها كمان شوية. -تمام على خير الله... لو احتاجتي أي حاجة بلغيني. قالها وهو ينهض استعدادًا للرحيل، لتكمل تهاني طعامها مودعة إياه: -حاضر يا حبيبي... في رعاية الله. *******************

أنهت نور محاضراتها وجلست في الكافتريا تحتسي كوبًا من القهوة سريعة الذوبان مع بعض رقائق البسكويت، يقترب منها جاسر وعلى ثغره ابتسامة رقيقة ليقول: -بأحسبك روحتي. رفعت نور رأسها وقالت: -لأ للأسف... لسه عندي سيكشن الساعة 2. -طيب يا ستي أدي كل حاجة فاتتك الفترة اللي فاتت... والمشروع اللي علينا كمان. قالها وهو يعطي لها ملف متوسط به عدد من الأوراق، لتتناولهم في امتنان شديد لترسم بسمة كبيرة على شفاهها بفرحة:

-متشكرة بجد يا جاسر، تعبتك معايا. ابتسم وجذب مقعد مقابلها وجلس: -مفيش تعب ولا حاجة... أنا مدرك للظروف اللي مريتي بيها الفترة اللي فاتت واللي منعتك تروحي الكلية... في نسخة كمان لسلمى لما ترجع بالسلامة. زادت البسمة وقالت بمرح: -لا كده كتير بجد... سلمى هتفرح أوي مع إني كنت هأصور لها نسخة عشان تلحق تلم نفسها هي كمان... طول عمرك سباق بالخير... بجد مش عارفة أقولك إيه. رد بامتنان: -ولا حاجة...

المهم ابدأوا اشتغلوا على المشروع ده عشان فاضل أسبوعين على التسليم... الدكتور مد "الديت لاين" لما لقى معظم الدفعة متأخرة بسبب الخامات قليلة... حظكوا حلو والله. تنهدت براحة وقالت: -الحمد لله... ده اللي كان ناقص درجات العملي اللي ما حلناش غيرها تروح علينا... الحمد لله على كل شيء. نظرت في ساعة يدها وقالت: -لسه ساعة على السيكشن... أنت قاعد في الكلية لحد دلوقتي ليه؟ رد سريعًا عندما شعر بالتوتر:

-كنت بأدور عليكِ عشان أديكِ الورق. اكتفت نور بابتسامة صغيرة وعادت إلى ما كانت تفعله، لتختفي تلك البسمة بمجرد أن رأت يوسف ينظر لها من بعيد. ******************* وصل طارق وسلمى إلى أرض الوطن أخيرًا، عشرة أيام بمثابة عشر سنوات لها في الخارج، سئمت من كونها وحيدة في كل شيء ولكن هذا أفضل لها من وجوده بجانبها مثل عدمه.

نقلتهم السيارة التي أرسلها محمود لهم إلى المنزل، لتستقبلهم تهاني فرحة بترحيب شديد، ابتسمت سلمى من قلبها لأنها تشعر بحب وحنانها وصدق مشاعرها، كانت تشعر من عينيها أنها ليست على ما يرام، وجهها مبتسم ولكن عينيها تحمل في طياتها عكس ذلك، لا تريد الثقل عليها وفضلت تركها تستريح من السفر وتتحدث هي مع والدها على انفراد.

صعدا إلى الغرفة المخصصة لطارق بعدما وضعت بها تهاني لمساتها الأخيرة، تفحصت سلمى الغرفة جيدًا لتجدها كبيرة نوعًا ما ذات ألوان هادئة وأثاثها مزج من الطابع الكلاسيكي والحديث الذي تفضله سلمى، فارتسم على ثغرها بسمة صغيرة، فقد راقت لها الغرفة كثيرًا التي تحتوي على فراش واسع وكبير وأريكة كلاسيكية متوسطة الحجم في الجانب الآخر من الغرفة أمامها طاولة صغيرة ذات النقوش المطبوعة على الأريكة، ومرآة كبيرة تتوسط الغرفة من الجانب الأيسر، وحمام داخلي في الجانب المقابل.

نظر إليها بعد فترة ليست بطويلة وهي تتمتع بالغرفة جيدًا والبسمة على ثغرها ليقترب منها باهتمام: -عجبتك الأوضة؟ ردت ولا تزال على ثغرها تلك البسمة: -ذوقها حلو أوي... زي ذوقي... بأحب الميكس ده. رد طارق بهدوء: -ما هو ذوقك فعلًا... أنا أعتبر ما ليش رأي فيها إلا في شكل الأثاث مش أكتر. التفتت إليه وسألت باهتمام: -إزاي؟ رد بنفس الهدوء: -نور عارفة ذوقك فساعدت ماما في تغيير الأوضة زي ما أنتِ شايفة حتى في ألوانها.

اكتفت بابتسامة ثم قال: -طيب هأسيبك تغيري وأنا هأغير في الحمام. لم تعره اهتمام ليدخل هو ويتركها تبدل ملابسها بأريحية، وبعدما انتهت راحت لجسدها على الفراش في شرود تفكر في أيامها القادمة معه في هذا المنزل. خرج ليجدها قد غفلت، تركها ساكنة وراح جسده هو الآخر بجانبها يتأمل ملامحها الطفولية بسلام إلى أن غفل هو الآخر وهو ينظر إليها. **********************

بعد انتهاء السيكشن، عادت نور إلى المنزل وطارت فرحة عندما علمت بوصول شقيقها وزوجته، كانت سعيدة بأنها سوف ترى سلمى مرة أخرى بعد هذه المدة القصيرة نوعًا ما، لقد اشتاقت إليها كثيرًا. كادت أن تصعد وترحب بها ولكن منعتها تهاني قائلة: -من ساعة ما وصلوا وهم ما لهمش صوت... أكيد ناموا تعبانين من المشوار... سيبيهم يصحوا براحتهم يا نور. ابتسمت وقالت: -بابا عرف؟ لترد تهاني بنفس الابتسامة: -ده هو اللي بعت لهم العربية عشان تأخذهم.

حزنت نور بطفولة: -ما قلتوا لي ليش كنت روحت استقبلتهم. ربتت على يديها لتقول: -ما رضيناش نعطلك على كليتك... كده كده هتشوفيهم... قومي بقى غيري عشان أبوكِ زمانه جاي عنده شوية شغل هيخلص وهيجي عشان نتغدى. *********************

صعدت نور إلى غرفتها، فكرت أن تقرع عليهم الباب ولكنها استمعت لحديث والدتها وتركتهم بحرية، بدلت ملابسها وصلت فرضها ونزلت لتجلس مع والدتها وبعد قليل وصل محمود وقامت تشرف على وجبة الغداء بنفسها لأنه اليوم الأول لسلمى، الفرد الجديد في عائلة الأبياري سوف تتناول الطعام معهم والجميع فرح وسعيد بوجودها.

استيقظت سلمى ووجدت نفسها قد غفلت بالفعل على الفراش، لتشهق بمجرد أن رأت طارق نائم بجانبها وذراعه محاوط خصرها بشدة، حاولت الإفلات منه بهدوء وهي ترتعش من داخلها، فقامت ترص أغراضها وملابسها داخل خزينة الملابس ودخلت الحمام توضأت وارتدت لباس الصلاة فقد تركت الظهر وها قد حان موعد صلاة العصر ولم تصلِ بعد.

استيقظ بعد عدة دقائق ولم يجدها بجانبه، نهض ليجدها تصلي، ابتسم بشدة وقلبه يشعر بالراحة كلما يراها تصلي، فاق من شروده بها ودخل الحمام. انتهت هي من صلاتها لتجد الغرفة فارغة، انتبهت لصوت المياه أدركت أنه بالداخل... تريد النزول، ملت من الجلوس بمفردها في هذه الغرفة ولكن تشعر بالحرج الشديد، لم تعتد بعد على أصحاب هذا المنزل والتردد شديد، فقد طال غياب طارق بالداخل، حسمت أمرها وخرجت من الغرفة لتجد تهاني في ردهة

الممر لتقترب منها باسمة: -صباح الفل... -شكلكوا نمتوا من التعب، مرضتش أصحيكم. قلت تصحوا مع نفسكوا. ابتسمت سلمى وردت بخجل: -أيوه، ما كنتش قادرة بصراحة، وما كنتش نايمة كويس قبلها. ربتت على ظهرها وقالت: -طيب يلا بقى عشان نتغدى سوا. من ساعتها مستنيينكم تصحوا. طارق صحي؟ عاد وجهها خالياً من البسمة لتقول: -أيوه، في الحمام.

نزلت معها وكانت محرجة للغاية لوجودها في هذا المنزل. عندما رأتها نور ركضت نحوها بفرحة ولهفة شديدتين، ضمتها إلى صدرها بشدة وشوق كبير للغاية، فقد اشتاقت إليها كثيراً هي الأخرى، إلى صديقتها وشقيقتها. إلى أن أتى محمود من غرفة مكتبه ورحب بها بشدة. جلسوا معاً يتناولون الغداء إلى أن حضر طارق والجميع يضعون الطعام أمامها بمحبة وهي خجلة. أصابها التوتر خاصة من نظرات طارق لها، الذي صممت تهاني أن يجلس بجانبها. -أخبار رحلتكم إيه؟

هذا سؤال محمود الذي تسبب في تجهم وجه كل من سلمى وطارق، فردت سلمى بابتسامة صغيرة مصطنعة: -حلوة جداً يا أنكل. زرنا أماكن كتير. شعر بأنها تحاول أن تبدو طبيعية، فأكمل وهو يلتفت لسلمى بعدما خطف طارق بنظرة سارقة ليرى رد فعله: -وأخبار طارق معاكِ إيه؟ أوعي يكون زعلك. توتر طارق فتناول كوب الماء الذي أمامه، يخشى أن تجن سلمى وتقص لهم ما حدث بفرنسا. تفقدته سلمى بطرف عينيها ثم قالت وهي تتسم بالثبات والجدية:

-الحمد لله. فسحني كتير أوي وكان حنين عليا، ما خلاش في نفسي حاجة ومعملتهاش. كأنه أبويا اللي اتحرمت منه. بجد انبسطت أوي. أنهت حديثها وأكملت طعامها فهي تخشى أن ينظروا لعينيها لتفضحها بما تخفي من دموع وكذب، ليشعر هو فجأة بقشعريرة غير طبيعية تسري في جسده. تفاجأوا جميعاً بما سمعوا، ودب الشك في محمود ولم يصدق، كذلك نور وتهاني التي حاولت تصديق هذا التغير المفاجئ الذي طرأ على طارق. حاولت نور تخفيف بؤرة الضوء من سلمى

لتقول في مرحها المعتاد: -أيوه بقى. روحتوا فين على كده؟ ابتسمت سلمى وهي تتذكر: -يعتبر بعض فرنسا. بس بحب أستقر في المكان اللي كنت بروحه أنا وماما الله يرحمها. شارك طارق الحوار وهو يتحدث بصعوبة، كأن صوته يرفض الخروج: -مكان جميل ومريح جداً بصراحة. حقيقي حبيته. أردف محمود في شك وهو يتنقل ببصره نحوهم: -طب الحمد لله إنكوا غيرتوا جو. التغير مطلوب. عقبالنا أنا وأنت يا جميل. قال هذه الجملة الأخيرة إلى تهاني وهو يغمز لها بحب،

لتضحك بشدة وتقول بحب وشوق: -يا ريت بجد يا حبيبي. لتنزعج نور وتعقد ذراعها بطفولة وتقول: -يا سلاااام هو أنا بنت البطة السودا يعني؟ هتسيبوني لمين؟ أنا عايزة أسافر أنا كمان. ضحك محمود وقال بمزح: -هتبصلنا في السفرية من أولها. أمري لله يا ستي ناخدك معانا أهو كله بثوابه. ولا إيه رأيك يا سلمى؟ تذمرت نور بطفولة وقالت بحزن مصطنع: -بقى كده يا بابا. ردت سلمى باسمة:

-من نفسها شوية يا أنكل. نور ما بتسافرش ومعظم وقتنا يا إما كان في الشغل أو الشركة. خليها تغير جو عشان نفسيتها. أرسلت لها نور قبلة في الهواء بحب وهي تهتف: -يحيا العدل. إيه الجمال ده بجد. بذمتكم عندكم صاحبة وأخت جدعة وزي العسل كده يا جدعان. ضحك محمود وتهاني ليقول بحب وهو ينظر لسلمى: -ربنا ما يحرمكم من بعض يا بنات. أنا بعتبرك زي نور من زمان يا سلمى. لو احتاجتي أي حاجة ما تتكسفيش اعتبريني والدك.

ابتسمت سلمى بمرارة، كان من الصعب عليها أن تستمع لمثل هذه الجملة الأخيرة، تحاشت دموعها وقالت: -أكيد يا أنكل ما اتحرمش منك. هو أنا هرجع من بكرة الكلية. كفاية كل اللي فات مش عايزة أشيل السنة كمان. ابتسم ورد محمود سريعاً: -عفارم عليكِ. كنا لسه بنتكلم في الموضوع ده قبل ما ترجعوا. ربنا يوفقكم إن شاء الله وتعدوها على خير. نور وسلمى في وقت واحد: -اللهم آمين.

بعد الطعام انتقلوا جميعاً وجلسوا في الحديقة يحتسون الشاي والعصائر في جو عائلي حميم كانت تفتقره سلمى في أسرتها حتى قبل وفاة فريدة. ********************* صعدت سلمى إلى غرفتها وصعد طارق خلفها، توجد تساؤلات عديدة يريد إجابة واضحة عنها، خاصة ما حدث بينهم وسؤال والده عنها، اندهش كثيراً من رد فعلها وكان لديها الفرصة بمنتهى السهولة أن تكشف أمره أمامه ولكنها لم تفعل ذلك وهذا أكثر ما وضع الحيرة داخل قلبه.

فبمجرد أن أغلق الباب خلفه وقف أمامها ونظر في عينيها مطولاً أملاً منه أن يجد إجابة مناسبة على سؤاله: -هو أنتِ ليه كدبتي على أبويا لما سألك؟ نظرت له في هدوء وردت في منتهى الثبات: -سبق وقلت لي في أول ليلة بينا إني مراتك ومسؤولة منك. ومعنى إني مراتك يعني مفيش أي حاجة تحصل بينا أي حد له دخل بيها سواء أهلي أو أهلك. أي كان شكل جوازنا إيه...

وأنا حاسة أن علاقتك بوالدك اتغيرت جداً بسبب الفترة اللي فاتت واللي حصل فيها وميهمنيش التفاصيل قد ما يهمني تكون علاقتك بأهلك طيبة وكفاية المشاكل اللي اتحطينا فيها لحد كده. كان يستمع إليها بكل حواسه وهو يتمعن في كل كلمة، استغبى نفسه وتصرفاته معها واندهش من طريقة تفكيرها، كبرت في نظره. رد سريعاً وقال: -بس... قاطعته قائلة بنفس النبرة: -لو قصدك على باقي الكلام فأنا ما كدبتش في كله. حقيقي كنت مبسوطة في اليوم ده.

لا يعرف ماذا يقول، اكتفى بكلمة واحدة دون غيرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...