الفصل 30 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
18
كلمة
10,010
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

كان لديه أمل ألا يتم كل شيء في موعده المحدد، أمل في ألا يخسرها، ليس حبًا بها، ولكن بناءً على رغبة والده أولًا قبل أي شيء. وبعد تفكير عميق، أدرك أن والده كان على حق، فتلك الشراكة مكسب لكليهما قبل أن تكون مكسبًا عامًا للشركة. ولكن كل شيء الآن أصبح منتهيًا بمجرد أن ألقت بوجهه خاتم خطبتهما، وسعيها للزواج من المدعو طارق الإبياري الذي يكرهه بشدة، لأنه باعتقاده أخذ ما ليس من حقه، لديه قناعة كبيرة بأن سلمى لن تكون إلا له.

لم يكن يومًا الحب ضمن حساباته على الإطلاق، أو حتى الاهتمام بمشاعر الآخرين يعيره. هذا ما نشأ عليه منذ صغره، تربية حامد له على المال وجمعه، على التملك واكتساب ما لدى الغير بأي طريقة ممكنة. فلن ينكر بأنه كان على إعجاب بسلمى منذ البداية، وانجذابه بشخصيتها القوية، حتى شعر مع الوقت بالاختلاف الشديد بينهما ونقده لها في العديد، إلى أن شعر بالاختناق من تحفظها في الكثير من التصرفات والحديث بينهما، الذي يراه شيئًا مفروغًا منه

بين أي شخصين بينهما علاقة رسمية، علاقة جادة تسمح له بالاقتراب منها كما أحب، ولكنها كانت على صد ومنع مستمر له، ومن هنا نشأ الخلاف بينهما على أتفه التفاصيل والأشياء. فلم تتحمل سلمى تجاوزاته وتغيره نحوها، ولم يتحمل عاصم صدها وأسلوبها الجاد والصارم معه، وتحفظها الذي يكون جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها.

إذا، بعد كل ما مر، ستكون لرجل غيره، فكرة لا يتقبلها حتى الآن، على سبيل التملك أو إذا وجد بعد كل هذا ولو ذرة مشاعر تجمعهما. فلن ينكر أيضًا بأن سلمى أحبته في البداية كما أحبها، ولكن بدأ كل شيء يتغير بالتدريج إلى الأسوأ. خرج من شروده على صوت قرع الباب ليدخل والده ويقترب منه، ليجده جالسًا أمام مكتبه يبدو عليه الضيق والغضب، ليقوم بسؤاله بمنتهى الهدوء: -مش هتقوم تجهز ولا إيه؟ رفع رأسه ورد بمنتهى الاستنكار:

-أنت ناوي تروح ولا إيه؟ رد حامد بمنتهى الثقة وهو يجلس قباله ويضع ساقًا على الأخرى بكل هيمنة: -طبعًا هروح، هي دي محتاجة كلام؟ وأنت هتيجي معايا. قطب حاجبيه بضيق وطرق على سطح المكتب: -وأنا بقى مش رايح، الجوازة دي على جثتي. تحولت نبرة حامد إلى الصرامة: -اعقل كده وخلينا نتكلم بالمنطق شوية. صاح به بانفعال: -منطق إيه وهي هتتجوز راجل غيري؟ عادي يعني المفروض أقبل وأباركلها كمان! رد حامد بهدوء وثقة، فهو على

يقين بكل كلمة يتفوه بها: -بلاش تضيع كل اللي بنيناه في السنين اللي فاتت دي كلها بتصرف طايش منك، وفكر بعقل شوية، ممكن تسمعني للآخر. زفر بشدة ليقول بحنق: -اتفضل، عايز تقول إيه؟ استرد حامد حديثه: -لو الجوازة دي متمتش زي ما هي هنخسر كتير جدًا، ومش بعيد سمعتنا في السوق تتهز. ثم دي جوازة مؤقتة لحد ما الصفقة تتم وهيطلقها. فاكر مثلًا إنه ممكن يستمر معاها وهما مش طايقين بعض بالشكل ده؟

دي هربت يا غبي يوم الفرح عشان متتجوزوش تقوم أنت زي الأهبل كده عايز تفركش كل حاجة! هاشم وعدني إنها فترة وهو ما هيصدق يطلقها وساعتها هتبقى ليك. اقتنع عاصم نوعًا ما بحديث والده، ولكن رد بحنق: -هو أنا لسه هستنى بسلامته لما يطلقها؟ أفرض الموضوع طول ولا حليت في عينيه؟ ضحك حامد بخبث:

-قبل ما يحصل كل ده حاول ترجعها تاني، لاغيها بكلمتين، زن في ودنها. هو أنا اللي هقولك تعمل إيه ما أنت راجل وعارف ازاي توقعها. كل بنت ولها سكة، وأنت وشطارتك بقى تنسيها طارق واللي جابوه. ابتسم عاصم بخبث، يبدو أن فكرة والده راقت له كثيرًا، وسيبدأ من اليوم بتنفيذها. ******************** بعدما عاد إيهاب مرة أخرى، أخذ يفكر فيما حدث مع طارق، كارثة بكل المقاييس ولا يعلم كيف تجرأت وفعلت ما فعلت.

لقد جنت بالفعل وبكل تأكيد، ولا يعرف كيف مشاعره كادت أن تنجرف نحوها، كاد أن يضعف وهي تحاوط ذراعها عنقه محاولة الاقتراب منه أكثر فأكثر، وهو يحاول بقدر الإمكان أن يتجنبها. فحمدًا لله دخول تهاني وإيهاب بالوقت المناسب، وفي ذات الوقت يلعن تلك النظرة التي نظرت له بها، وذلك الظن الذي أتى به أبواه، فلم يرد أن يراه أي منهما بهذا الشكل المشين على الإطلاق، موقف حرج ومشاعر متداخلة.

زاد الأمر تعقيدًا منذ آخر مشادة بينه وبين شقيقته نور، وغضب أبواه على سوء ظنه بها، وها قد ساء الوضع بما فعلته تلك الحمقاء المدعوة خطيبته، وذلك المشهد الذي على يقين إنه لا يمحى من ذهن أبويه بسهولة، ولا يدري ماذا يفعل في تلك الكارثة حقًا. انفعالات كثيرة من طارق على إيهاب، يدرك جيدًا بأن لا ذنب له فيما حدث، ولكن لا يوجد من يفرغ به من ضيق ومشاعر مكبوتة سواه. -مش قلتلك كلامها وراه مصيبة مصدقتنيش.

ظل يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا في غضب شديد، وكلما يتذكر مدى قربها منه لهذه الدرجة ينفعل أكثر من قبل: -أنا بجد مش عارف إيه اللي بتعمله ده، ازاي يا ربي، لا دي اتجننت رسمي. زفر إيهاب بنفاذ صبر: -يابني اهدى بقى خلاص، اللي حصل حصل. زاد انفعاله ليصيح به بغضب أكثر: -وشكلي إيه قدام أهلي بعد اللي حصل؟ هو أنا ناقص يا ربي مش كفاية حوار نور تيجي هي كمان وتزود الطينة بلة.

كان إيهاب حقًا حزينًا لما حدث له، عقبات ومشاكل واحدة تلو الأخرى دون فواصل، يخرج من عقبة تندل قدمه فيما بعده، ليرد بتلقائية: -سارة أي نعم جريئة وأنت عارف، بس عمري ما كنت أتوقع إنها تطلع هنا، لا ومن سوء حظك وأنت نصك بالشكل ده وأبوك وأمك يشوفوكوا بالمنظر ده، أحمد ربنا أن نور مكنتش موجودة بقى وإلا هتبقى كملت يا معلم. انتبه طارق لجملته الأخيرة، وكأن أفعى كبيرة قد لدغته للتو، ليصيح به في قلق:

-لا نور مينفعش تعرف باللي حصل، هيبقى منظري إيه قدامها، ولو سلمى شمت خبر أنا مش ناقص الجوازة تبوظ. تأمله إيهاب قليلًا ثم قال باهتمام وجدية: -هو أنت بجد همك شكلك قدام سلمى لو عرفت حاجة زي دي يا طارق؟ ده أنت حتى ملكش ذنب في اللي حصل. اندفع طارق بعد تفكير لبضعة ثوان وهو يفكر بها: -أنت أهبل يابني، طبعًا يهمني شكلي قدامها، يرضيك يعني، (لا يعرف ماذا يقول، أو لا يعرف بأي كلمات تعبر فاسترد) معرفش.

لا يعرف ماذا يقول، لا يعرف ولا يدري بما يفكر، مشاعر متداخلة ومتشابكة، كأنه في حيرة كبيرة، دوامة لا يعرف كيف يخرج منها. إيهاب يشعر به، يشعر بأنه يخفي في داخله شيئًا ما ولا يريد أن يفصح عنه، أو لا يعرف كيف أو ما هو الذي يؤلمه بهذا الشكل. فحاول إيهاب نبش ما بداخله لعل وعسى يساعده ويخرجه من تلك الحيرة ليقول بخبث: -يهمك في إيه وهي أصلًا متفرقش معاك في حاجة ولا بتطيقها من الأساس، يهمك في إيه وأنت متأكد إنك معملتش حاجة غلط.

لا يعرف ماذا يقول، فقد هربت الكلمات والأحرف من طرف لسانه، تشابكت مشاعره في قلبه وأفكاره في عقله، ليقول في حزم: -لا يهمني، محبهاش تاخد عندي فكرة زي دي وأنت عارف كويس إني مش كده، وزي ما قلت أنا مليش ذنب في اللي حصل، يا رب بس متكونش نور عرفت حاجة، زمانها مشغولة معاها. بعد صمت دام لدقائق، جاءت لخاطره شيئًا ما ليتجه نحو الباب ويقوم بفتحه مناديًا لوالدته ولا يعرف إيهاب بماذا يفكر.

صعدت تهاني وقسمات وجهها دالة بشكل واضح وكبير على انزعاجها وغضبها، لتقول في جمود: -عايز إيه، استر نفسك الأول. زفر بحنق وبدأ يسأل: -نور عرفت باللي حصل؟ ردت تهاني بنفس الجمود: -وأنت كل ده همك؟! تحدث طارق بنفاذ صبر، لا يريد أن ينفعل عليها: -أيوه يهمني، أرجوكِ يا أمي جاوبيني. زفرت تهاني لتقول بحزن وضيق: -أيوه عرفت، لسه مكلماني من شوية ولقت صوتي مضايق فعرفت.

نظر لإيهاب بصدمة، يا للمصيبة، مسح وجهه بكفيه بعصبية، توقع بأن تكون قد قالت لسلمى بكل تأكيد شيء كهذا، ما لم يكن في الحسبان. اندهشت تهاني من رد فعله، لا تعرف إن كان يهمه معرفة شقيقته بهذا الشأن أم لا، لتقول: -مالك في إيه، خايف من رد فعل أختك لما تعرف ولا شكلك قدام سلمى؟ عمومًا متقلقش أختك مش ممكن تقولها حاجة زي دي عنك. زفر بشدة وصوت أنفاسه غاضبة، فأدار ظهره حتى لا ينفعل ليتدخل إيهاب مسيطرًا على الموقف:

-خلاص يا طنط مجرد سؤال، أكيد يهمه يعني، سيبيه دلوقتي. رمقتهم تهاني بتفكير وغضب وخرجت على الفور. مسح وجهه بيديه وتنفس الصعداء ولا يدري أن كان ما تقوله تهاني قد حدث بالفعل، فهو غير مستريح على الإطلاق. ربت إيهاب على منكبه وهو يحاول أن يمازحه: -خلاص فكك يا عم الموضوع موصلش لسلمى. نظر له بتأمل ليقول: -بس أنا مش مطمن. قاطعه إيهاب بمزاح:

-يادي النيلة، يابني أنت غاوي نكد وخلاص، ما لسه قايلالك بلسانها، ثم أنت مش عارف نور ولا إيه يعني، فك كده وأنجز عشان أنجز أنا كمان ونشوف هنعمل إيه بعد كده، يلا بقى متنحليش. اطمئن قليلًا من حديث إيهاب، وبدأ في ارتداء ملابسه. ******************* في المساء، قرابة الساعة السابعة مساء.

أصبحت كحورية في غاية الجمال آتية من عالم البحار، عالم آخر بدلالها وحسن جمالها وأناقتها. ذاك الرداء الأسود كأنه صمم خصيصًا لأجلها، طويل و"منفوش" بحرية، تلك الفصوص اللامعة أسفل صدرها ومرصعة على الجزء السفلي منه كالنجوم في وسط سماء كاحلة تشع جمالًا ورونقًا لا مثيل لها.

وشعرها الأسود المصفف للأعلى بطريقة أنيقة وجميلة للغاية، مثبت بمنتصفه ذلك الساتر المصنوع من القماش الحريري والدانتيل الأسود، مرصع بذات الفصوص على ردائها، يتدلى على منكبيها، لينير وجهها ذو البشرة الفاتحة التي يجمله بعض من مساحيق التجميل البسيطة والخفيفة للغاية، فقط تحدد ملامحها الطفولية كما طلبت سلمى، الأمر الذي جعل الفتاة التي كانت تزينها تندهش لطلبها ولأول مرة ترى عروسًا برداء الزفاف أسود اللون ولا تريد مساحيق تجميل كما تتجمل في مثل هذا اليوم البهيج.

ولكن على الرغم من بساطة زينتها ألا تبدو آية في الجمال، فهي لا تحتاج سوى ذلك ليبرز جمالها الطبيعي. كانت جالسة لا تتحدث كثيرًا إلا على قدر السؤال، ساهِمة وشريدة، تتأمل نفسها أمام المرآة، تخشى الدمع يزرف دون إرادة من مقلتيها ويثير انتباه من حولها، تكبت وتخفي أحزانها.

رغم زواجها بالإكراه، ولا الحديث عن طارق قد يثير اهتمامها، إلا إنها شعرت بغصة في قلبها لما سمعت من الحديث الدائر بين نور وسميحة، لا تعرف لماذا حزنت وشعرت بالضيق لهذا النحو، فهو لا يهمها بشيء على الإطلاق، ولا يفرق في حياتها أي شيء، إذًا لماذا تشعر هكذا؟ حقًا لا تعرف.

الآن أصبحت جاهزة، ملكة جميلة متوجة برداءها الأسود، تنظر لها سميحة ونور باسمتين، تشعران بما تشعر به، تحاولان مواساتها بكل الطرق بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام، سوف تكون بخير وسوف تكون أجمل عروس اليوم. اقتربت منها سميحة وقبّلت جبينها والدمع كاد أن يزرف من مقلتيها:

-بسم الله تبارك الرحمن.. زي فلقة القمر يا حبيبتي.. ربنا يسعدك ويعوضك كل خير في اللي جاي يا سلمى.. أتمنى من كل قلبي تكون بداية صفحة جديدة من حياتك.. فريدة لو كانت عايشة هتكون أسعد واحدة في الدنيا دي وهي شايفاكِ عروسة زي القمر كده. دمعت أعين سلمى تأثرًا بما تقول عمتها، كانت تتمنى الكثير من أجل هذه اللحظة لترد بكل ألم وحزن:

-أمي لو كانت عايشة مكنش جرالي كل ده.. كنت اتجوزت زي أي بنت من الإنسان اللي بحبه واللي أتمنى أكمل معاه باقي عمري.. كنت لبست فستان أبيض اللي كل بنت بتتمنى تلبسه في يوم زي ده.. كانت حاجات كتيرة هتفرق أوي يا عمتو.. أوي.. بس الحمد لله على كل حال. قبّلتها وسقطت الدموع من مقلتيها وقلبها يعتصر ألم:

-حاسه بيكِ يا حبيبتي.. مفيش قدامنا إلا نرضى بالمكتوب ونعيش الأمر الواقع اللي اتفرض علينا.. وأنا متأكدة أن ربنا هيعوضك كل خير يا سلمى.. يمكن احنا مش شايفين حكمته دلوقتي بس هنعرفها بعدين.. ربنا يسعدك يا بنتي وعقبالك يا نور. لفظت تلك الأخيرة وهي تنظر لنور التي كانت تبكي تأثرًا في صمت، تشعر بالنار التي تكوي صدرها ولا تعرف كيف تهدئ من روعها، ابتسمت لتقول بحب وصدق: -إن شاء الله يا طنط.. ثم وجهت حديثها لسلمى:

-فكي بقى عشان خاطري.. كل حاجة هتكون كويسة أنتِ خلاص هتخرجي من حبستك مش مبسوطة ولا إيه.. طارق مش وحش أوي كده يا سلمى.. قبّلتها من وجنتيها وقالت مازحة: -ربنا يستر ونعرف نسلكه من تحت إيدك بعد كده.. هو اللي هيجي يشتكي منك. ابتسمت سلمى رغمًا عنها ومسحت الدمعة المتساقطة سريعًا لتصيح بها نور مازحة: -أيوه كده يا شيخة فكي.. بقولك إيه نستغل الفرح ده ونفرح كده ونفرفش وفكك من طارق.. مش هو أخويا؟

.. بس فكك منه خلينا كده نضحك وننبسط. ضحكت سميحة على طريقة نور: -جاتك إيه يا نور.. هم يضحك وهم يبكي صحيح. ضمتها نور لصدرها وتمسكت بها سلمى جيدًا كأنها تحتمي بها وتخشى ما قد تراه في الأيام القادمة. ********************* في تمام الساعة السابعة والنصف كان طارق على أتم استعداد لمغادرة المنزل متجهًا إلى الفيلا التي تمكث فيها عروسه حاليًا.

كان في كامل أناقته بتلك الحلة قاتمة السواد، وربطة عنقه ذات اللون، على كل حال يبدو وسيمًا للغاية بشعره الأسود المصفف للخلف بعناية، ووجنتيه الملساء التي زينت ببسمة مصطنعة حتى يصير ما خططا إليه جيدًا وينتهي هذا الكابوس دون أي خطأ ما يمكن أن يحدث. اكتملت سخريته والأحداث المتعاقبة في بداية هذا اليوم العجيب عندما وجد سيارته مزينة بالورود والزينة، كأي سيارة مخصصة لزفاف أي عروسين.

بالفعل كان إيهاب مترقبًا رد فعله وتعبير وجهه لما سيراه لتنفلت تلك الضحكة على حاله، فلينظر له طارق بغضب ويصيح به ساخرًا: -أهو ده اللي كان ناقص.. ورد يا إبراهيم جايبلي ورد!! .. محسسني إني هتجوز بجد. يضحك إيهاب بهستيريا على نبرة ولغة جسد طارق، ليشاركه تلك الحالة من الكوميديا السوداء ليقول مازحًا: -ماله الورد.. ما تفكيها بقى يا يسرية.

اقترب منه بغضب وكاد أن يقوم بضربه، ليركض إيهاب وهو لم يستطع أن يسيطر على ضحكاته ويجلس في مقعد القيادة ليشرع بالتحرك على الفور وهو يقوم بمداعبة طارق واستفزازه قصدًا. *******************

على الرغم من الخلاف الكبير الذي ظهر مؤخرًا لأمير نحو هاشم، وعدم موافقته أو رضائه عن تلك الزيجة أو عن تلك السرعة المتناهية لإتمامها، فهو على غير استعداد أن يساهم فيها ولو بقدر بسيط، وهو يعلم جيدًا أن ما يفعله كنوع من المشاركة في مصير سلمى المحتوم.

ولكن بناءً على طلب السيدة سميحة، بعد الرجاء والإلحاح الشديد وافق على مضض أن يقف بجوار هاشم ويساعده في ترتيبات حفل الزفاف، وكل شيء يندرج في النهاية لمصلحة سلمى، كي يمر اليوم على خير وينتهي ذلك الكابوس وذلك الحصار أو السجن بمعنى أصح، وتخرج من تحكمات أبيها، فاقتنع بذلك حبًا لمساعدتها وحبًا أن يراها سعيدة ولتعيش حياة طبيعية. وبالفعل أشرف على الترتيبات بنفسه وكانت سلمى تشعر نوعًا ما بالراحة لوجوده هنا مع أبيها.

بدأ الضيوف بالوفود، الكثير منهم من كبار رجال الأعمال وشخصيات ومعارف هامة أغلبها طرف هاشم أكثر من محمود، الذي رحب بضيوفه وارتسم على وجهه بسمة مزيفة عكس ما يحمله في قلبه من حزن على هذا اليوم الذي كان يتمناه منذ زمن كأي أب يحلم أن يزوج ولده الوحيد. ليكون هاشم على العكس تمامًا، السعادة تنطلق من وجنته اليمنى ممتدة لليسرا، فقد حقق مبتغاه في النهاية وهو المنتصر المستفاد من كل ما حدث.

ليشعر محمود بالغيظ الشديد في داخله، وتحاول تهاني على قدر الإمكان أن تتحامل أحزانها وتواسي زوجها ليمر اليوم على خير وتزيح عنه سخافات هاشم.

وصل طارق فيلا هاشم بصحبة إيهاب الذي يدعو من صميم قلبه أن يحافظ صديقه على انفعاله، لأنه مازال غير مطمئن لهذه الليلة على الإطلاق، خاصة بعدما شاهد بنفسه رد فعل تلك الحمقاء وإنها كانت على يقين وتأكيد لما تقول، والحوار الأخير الدائر بينهم يقول بأنها على أتم استعداد لبدأ حرب بينها وبين سلمى وطارق، فيدعو الله بالستر على كل حال.

وجد أبواه بالفعل في انتظاره، وقد تفهم جيدًا عدم انتظار أي منهم بعدما حدث هذا الصباح وقرر أن يتجاهل الأمر حاليًا وألا ينظر إليهم في الوقت الراهن ليتحامل على نفسه قليلًا بعد.

ليجد هاشم يترك ضيوفه ويقترب نحوه مرحبًا به بحرارة، وهو يغيظه كثيرًا على هذا الزيف البارع، فمد يداه فيضطر طارق أن يصافحه حفاظًا على المظهر العام ولكن بوجه خالٍ من المشاعر، ليرحل بعدها هاشم ويقترب نحوه العديد من الضيوف سواء من طرف والده أو من هاشم، وعلى ثغره ابتسامة مصفرة مصطنعة ويرحب بهم، ليشعر الحضور بأن هذه زيجة طبيعية تمامًا، ولكنه قلق بشأن رد فعل زوجته المستقبلية.

الجو بدأ بالازدحام نوعًا ما وكل من هو قادم يقبل عليه ويبارك له، ليخطف هو بعض النظرات على والديه الذين كانوا منشغلين مع الحضور بشكل ملحوظ. همس إيهاب وهو يقف بجانبه: -شكل أبوك وأمك مش طايقينك بجد. اصطنع البسمة ليرد وهو ينظر أمامه مرحبًا بالحضور: -أومال أنت فاكر إيه.. ده شوية وهيولع فيا.. خلي الليلة دي تعدي على خير. رد إيهاب وهو يشعر بالتوتر: -اثبت أنت بس وكله هيبقى تمام.

مر على هذا الحال قرابة عشر دقائق والجميع يرحب بالحضور بابتسامة زائفة ومن الداخل لكل منهم قصة مؤلمة إما يحملها مع نفسه أو يشاركها مع الآخرين، هذا بالطبع لا ينطبق على هاشم الذي ارتسمت على وجهه السعادة المفرطة وقلبه من الداخل يقفز فرحًا لنيله ما يبغاه في نهاية المطاف والكل نفذ ما خطط له رغم العقبات، ولكن بالرغم من معارضة الجميع له فقد وصل في النهاية.

إلى أن جاء عاصم بصحبة والده الذي استقبله هاشم بحفاوة، فتلك الصفقة وشرطها اللعين جعلت العلاقة تهتز قليلًا بينهم، ولكن ذكاء هاشم الاجتماعي جعله ينقذ الموقف بكل سهولة ويميل حامد السيوفي في صفه وتعود المياه لمجاريها، بنفوذه وقوة لسانه استطاع إعادة كل شيء ولكن فشل مع محمود، هو الوحيد الذي لم يستطع التأثير عليه بخلاف أبنائه بكل تأكيد.

كان عاصم يشتعل أشد اشتعال من داخله وهو يرى تلك الحفلة الفخمة مقامة لذلك الطارق اللعين الذي سحب منه كل شيء في غمضة عين دون أي مقدمات، ولكن كما قال له أبوه بقليل من الذكاء والحيلة يستطيع نيل قلب سلمى واتجاه مشاعرها نحوه مجددًا إن كانت موجودة منذ البداية. عيناه تتفحص المكان بأكمله ويا لها من ميزانية ليست بقليلة على إقامة هذا الحفل كأنه مقام في إحدى القاعات بفنادق السبع نجوم!

إلى أن لمح طارق يقف بعيدًا عن الأنظار يرحب بالحضور، وعيناه تطلق شرار وغضب عند رؤيته بهذا الشكل. إيهاب وهو يتجول بعينيه على الحضور لمح عاصم بصحبة رجل في أواخر الخمسين يصافح هاشم ونظره منصب على طارق بشدة، قلق أن يدور حديث بينهم وينشب بينهم اشتباك، فكل منهم يكره الآخر بشدة. فنكزه إيهاب بذراعه بتوتر: -ألحق صاحبك هنا.. منزلش عينه من عليك من أول ما وصل.

ابتسم طارق ووضع كلتا يديه داخل بنطاله وهو ينظر له بابتسامة استفزازية مليئة بالتحدي والسخرية، على قصد مضايقة عاصم بهذه النظرة بعدما كان يسخر منه بنظرته عندما تلاقت أعينهم، فلم يكن يعرف أنه تأثر بها بهذه السرعة إذا فهو يبغضه بشدة. فأخذ يفرك في عينيه بعد أن رمقه طارق نظرة جعلته يشيط ويزداد غضبه أكثر.

كل هذا وإيهاب كان يشاهد بحذر رد فعل كل منهم وتفاجأ كثيرًا برد فعل طارق الذي توقع منه أن يثور مجرد رؤيته ولكن هذا خالف كل توقعاته. لاحظ طارق حملقة إيهاب له، فنظر له مستفسرًا: ـ مالك متنحلي كده ليه؟ رد إيهاب ببلاهة: ـ مكنتش متوقع منك الهدوء ده كله أول ما تشوف عاصم بصراحة.. جاه في بالي إنكوا هتشدوا مع بعض وتحصل عركة.

لم يحتمل طارق تفكير صديقه ليضحك بشدة، فتلك الضحكة وبرغم من أن عاصم لم يفهم معناها ولكنه شعر بأنها موجهة له زاد كرهه وحقده اتجاه طارق أكثر وأكثر، الأمر الذي كاد أن يدفعه للتقدم نحوه ويقوم بقتله في الحال، ولكنه اكتفى بالرحيل وهو في قمة غضبه. فنظر له طارق ولا يزال يضحك: ـ ده أنت قديم أوي يا إيهاب.. مين ده إللي أعمله قيمة وأتخانق معاه طالما هو بعيد عني؟ .. مجرد ما بيشوفني بيولع لوحده، ايش حال لو كلمته بقى.

رفع إيهاب إحدى حاجبيه دهشة وعدم تصديق على تغير تفكير صديقه وتلك الحرب الباردة التي يلعبها بصمت، فصفق له بإعجاب قائلًا: ـ لا حلوة وجديدة يا برنس.. حقيقي أبهرتني.. إيه يابني الدماغ دي أنت مكنتش كده ولا ليك في الحرب الباردة أبدًا. لينظر له طارق بجدية وحزم:

ـ الحرب الباردة بدأت من زمان والكل بيحارب فيها.. اللي بيستسلم ويسيب المشاعر تتغلّب عليه هيموت ويخسر كل حاجة.. الخلاصة ازاي تكون محارب بارع وتستنزف عدوك بهدوء والجدع اللي يضحك في الآخر.. هو اللي بدأ من الأول يستحمل بقى وما يفكرش إنه في يوم هيوصل للي عايزه طالما أنا في وشه. إيهاب بدهشة من حديثه: ـ اللي حصل غيرك أوي يا طارق؟ نظر له وبابتسامة صغيرة:

ـ أنا متغيرتش يا إيهاب.. كل الحكاية أن اللي حصل فتح عينيا على حاجات كتير.. ولا تزال الحرب مستمرة يا صديقي. زفر إيهاب بشدة وحيرة: ـ ربنا يستر من اللي جاي.. بس خف اللعب شوية. اكتفى طارق بابتسامة صغيرة له ثم قال بجدية: ـ تعالى نشوف آخرة اللي احنا فيه إيه عايز أخلص. ليضحك إيهاب بشدة ويقول له بصوت متقطع من الضحك: ـ شكلك مش مكتوبلك راحة ولا خلاص يا صاحبي. دفعه طارق بضيق ليصيح به:

ـ ليه كده يا فقري.. ثم بتضحك على إيه يا أهبل أنت؟ رد إيهاب بنفس الحالة وهو يشير لبعيد: ـ شوف كده وأنت هتفهم لوحدك.

نظر طارق إلى مكان ما يشير إليه إيهاب ليرى سارة تقف بعيدة عنهم قليلًا وعيناها غاضبة ومصطنعة الحزن، فعيناها كانت تبحث عنه في كل مكان منذ وصولها، تشاهد فخامة الحفلة وكانت تتخيل بأنها من المفترض أن تكون زوجته في هذا اليوم، كل ما تراه مقيم لأجلها هي.. فكيف تراه يتزوج من فتاة أخرى وهي تشاهد بصمت، فما فعلته هذا الصباح لا يشفي ما بداخلها ولهذا قررت القدوم إلى هذا الحفل لتفكر ماذا تفعل وكيف تقوم بمضايقة سلمى قدر ما استطاعت.

زفر طارق بشدة وقد أدرك بأن سارة وغيرتها المفرطة لن تجعل مرور اليوم مرور الكرام، فلم تكتفِ بتلك الحركة الجريئة ولا يعلم بماذا تنوي. المشهد كان مضحكًا لإيهاب، رؤية كل منهم عقب الآخر بلا فصال.. ولكن هو لا ينسى ما حدث بينه وبين سارة بعد ذلك الأمر الذي حدا به أن تتغير معالم وجه إلى الضيق لينتبه على صوت طارق: ـ شكل سارة ناوية ما تجيبهاش لبر.. تعال نشوف وصلوا لإيه خلينا نخلص من الهم ده. *******************

ذهب طارق وأتبعه إيهاب وتقدم نحو والديه الذين يقفون بصحبة هاشم وولده، وحامد السيوفي وعلى رأسهم عاصم، الذي كانت كل نظرة منه لطارق كان يشعر بها ويتصنع اللامبالاة ليثير غضبه أكثر وأكثر. إيهاب يتابع والقلق يصيب قلبه من أفعال صديقه غير المحسوبة حتى، فلم يستطع عاصم تحمل أكثر من ذلك وإلا سوف يقوم بارتكاب جريمة للتو. فغادر التجمع في الحال، ليوقفه حامد لينظر إليه في تعجب متسائلًا: ـ إيه يا ابني رايح فين؟ رد عاصم ونظره منصب

لطارق بنظراته الحارقة: ـ رايح أشرب سيجارة في حتة طراوة ألا المكان هنا بقى خنقة. بينما ابتسم طارق ابتسامة جانبية ساخرة، خافتة، لم يلاحظها سوى صديقه الذي لم تروق له تصرفاته تلك، لأول مرة يشعر بأن هذا ليس بطارق الذي طالما يعرفه. تجاهل نظرات والديه المعاتبة ووجه نظره وحديثه إلى هاشم ليقول ببرود وجدية: ـ مش هنخلص بقى.. كلمت المأذون؟ رد هاشم بفرحة ومزاح قائلًا: -كلمته وجاي في الطريق.. إيه يا عريس مستعجل ولا إيه. اصطنع طارق

الابتسامة ليقول بجدية: ـ فوق ما تتصور.. عايز أخلص من الهم والكارثة إللي اتحطيت فيها بسببك.. أنا كان مالي ومال الصفقة المهببة دي. تدخل محمود وصاح به منبهًا إياه: ـ خلاص يا طارق مش وقته الكلام ده.. إللي حصل حصل.. عدي الليلة دي على خير. لتنقلب قسمات وجه هاشم للضيق: ـ واللي جايبالي الفضايح دي تركز وما تبوظش كل اللي وصلته وإلا يومها مش هيعدي. رمق لأبيه كي ينتظر ثم انتقل ببصره لهاشم بتحدي وبنبرة أشبه بالتحذير:

ـ حلو أوي.. سلمى بعد شوية هتكون مراتي.. يكون في علمك مهما عملت أو سوت لو فكرت إنك تأذيها ولو بشعرة واحدة بس أنا اللي هقفلك.. ومش هسمحلك يا هاشم يا جوهري إنك تمد إيدك على مراتي تاني وأنا موجود.. كفاية أوي لحد كده. اندهش يوسف وأمير، الذي اقترب إليهم بعدما انجذب لحديث طارق ولم يصدقا ما سمعه للتو. لا يعرفون ما يكون تفسير كلمات طارق، أمن الممكن تكون مشاعر له من ناحيتها؟

ولكن لا يمكن أن يحدث ذلك، فهو منافٍ تمامًا لبداية الحوار. ليشعر يوسف كم هو مقصر وعاجز من ناحيتها، فقد استطاع طارق مهما يكن فهو غريب عن شقيقته، استطاع أن يواجه ويتحدى بكل جراءة وقوة والده.. بينما هو لم يستطع أن يصمد فيما كان ينوي بداخله لها.

فأمير وإيهاب ليسوا الوحيدين الذين اندهشوا من رد طارق، بل ما تبقى خاصة والديه.. فلا يعرف محمود كيف لطارق أن يتهور ويتحدث لهاشم بهذه الطريقة، ولكن من داخله لا ينكر إنه فرح من هذه الخطوة. كاد أن يرد هاشم بعدما تحول وجهه جمرة من النار من الغضب على تلك النبرة التهديدية ليتدخل محمود سريعًا قبل أن تسخن الأحداث وتثور المشكلة ليصيح: ـ طارق!! .. من الأفضل يا هاشم أنك تطلع تجيب سلمى نستعد عقبال ما المأذون يجي.

هنا انتبه الجميع على صوت أمير وهو يقول في اعتراض: ـ لا. صاح به محمود في عنف: ـ أنت بتقول إيه!! عقد ذراعه وقال في ثقة بابتسامة صغيرة: ـ مش أنا اللي بقول.. ده طلب سلمى.. عايزاني أنا أو أستاذ محمود إللي يسلموها.. إنما أنت.. لا.. حالة من التوتر والإحراج أصابت الجميع، ليبرر محمود الوضع: ـ ازاي بس وأبوها موجود.. عايز الناس تتكلم وتقول إيه. ابتسم أمير وقال في ثقة مرة أخرى: ـ ده شرطها وإلا.. أنتوا عارفين سلمى ممكن تعمل إيه.

صاح هاشم بعنف وغضب شديد من تصرفات تلك الملعونة الصغيرة: ـ لا دي هربت منها.. بتهددني بنت فريدة.. بتلوي دراعي.. عايزة تعرني تاني قدام الناس.. شكلها محتاجة قلم تاني عشان تفوق. كاد أن يذهب بخطوات سريعة إليها ليوقفه طارق ممسكًا بذراعه بقوة وهو يقول بنبرة هادئة، ولكن حاسمة وتهديدية لأقصى درجة ممكنة: ـ مش قولتلك إياك تمس شعرة منها وأنا موجود.. ولا كلامي ما تسمعش؟ صاح به محمود بغضب وثقة:

ـ ألزم حدودك يا طارق.. لسه ما بقتش مراتك. كاد أن يرد طارق وعلى وشك الحرب البدأ بينهم سحب يوسف الذي كان يراقب الحوار من البداية في صمت تام أمير ليفض النزاع الذي نشب بينهم: ـ أمير.. اطلع هات سلمى.. يلا.. كفاية المعازيم بدأت تتفرج علينا.. يلا مستني إيه. رمقهم نظرة أخيرة قبل أن يرحل عنهم جميعًا، ليرتسم ثغر طارق ببسمة انتصار جانبية وهو ينظر إلى هاشم بتحدي والأخير يشتعل غيظًا. ********************

ابتسم ساخرًا عندما شاهدها تقف بعيدًا وعيناها لم تتنحَ ولو ثانية واحدة ناحية طارق، مما اشتعل الغيظ في داخله أكثر من قبله.. حتى هي أي كانت علاقته بها تهتم لشأنه، ما المميز به حتى ينصب كل شيء في محوره، لو كان بيده أن سحقه لفعل.. عن قريب. اقترب منها وقال ساخرًا دون الالتفات إليها: ـ اهدي على نفسك شوية يا حبيبتي ألا حد ياخد باله. ابتسمت ساخرة وردت قائلة:

ـ شوف مين اللي بيتكلم.. اتكلم عن نفسك الأول.. ما شفتش أنت كنت بتبصله ازاي!! .. ولو عليا أنا خطيبته في الأول وفي الآخر.. إنما أنت بقى... رمقها بغضب ليقول بنبرة لاذعة: ـ ما تلمي نفسك يا سارة.. أنتي نسيتي بتكلمي مين؟ صاحت به غاضبة: ـ جاي تتشطر عليا أنا؟! .. روح اتشطر على اللي خطفها منك. قذفت في وجهه تلك الكلمات لتفتح بابًا لن ينغلق أبدًا، باب أساسه الشر والكره أشد وأشرس من قبل.. ليزداد الانتقام أكثر من قبل.

****************** تدخل نور من الشرفة مهرولة وهي تصيح إلى الداخل: ـ المأذون وصل.. المأذون وصل. بمجرد أن سمعت سلمى لتلك الجملة لتشعر بجمود لدمها.. قشعر جسدها من أعلى رأسها لأخمص قدميها. لا تعلم أن النهاية قد ولّت، كل شيء أصبح مشوش أمام عينيها حتى صخب الموسيقى مجرد صدى صوت آتٍ من بعيد.. إلا قلبها يدق بعنف شديد فلا تسمع سواه، يداها ترتعش والبرودة تسري في أنحاء جسدها الصغير، لتزداد تقلصاتها عما كانت منذ قليل.

فابتلعت غصتها بصعوبة وكتمت عبراتها داخل مقلتيها قدر الإمكان.. لتلمع عين سميحة هي الأخرى بالدموع، فمسكت يديها لتمدها بالأمان وإنها ليست وحيدة. نظرت سلمى إليها وعيناها تتحدث بكلمات كثيرة منها الرجاء وعدم تركها وحدها، لو كان بإمكانها الفرار لفعلت، ولكن فات الأوان.. يجب أن تنهي ما بدأت به.

انتفض جسدها عند سماع قرعات الباب، لتذهب نور لتفتح الباب وقلب سلمى يدق بشدة، ثوانٍ معدودة وعادت نور بصحبة أمير فتنفست الصعداء وحمدت ربها بأن تصوراتها كانت خاطئة. ابتسم أمير بصدق فقد يراها لأول مرة فاتنة وهي عروس، اقترب نحوها وما زال محتفظًا بتلك البسمة المرسومة على شفاتاه لطمأنتها ويقول بنبرة هادئة: ـ جاهزة؟

في داخلها تصرخ وتقول لا.. لا أريد، لتعود لواقعها ومقلتيها امتلأت من العبر كادت أن تسقط على الفور ولكنها تماسكت، لتهز رأسها بإيجاب وهي تصطنع البسمة.. شابكت ذراعها بذراعه وخرجوا من الغرفة وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى في غاية القلق والتوتر، يتبعهم نور وسميحة. لم يصدق عينيه مما رآه، لم يرَ جمالًا في أي فتاة كما يراها اليوم أمامه، تمامًا كحورية تخرج من بين الأمواج العاتية لتسير على شط المحيط تلفت نظر كل من رآها.

رقيقة بمعنى الكلمة برداءها الأسود "المنفوش" وفصوصه الفضية اللامعة كأنها كتلة من النجوم في سماء الفضاء الكاحلة، تسير أمامه في رزانة وهدوء شديدين لم يرها بهما من قبل..

تقابلت عيناهما وهي تقترب نحوه ليغرق في بنيتها التي تنظر له وتصرخ بألف كلمة، نظرة تحدٍ لم يرها في عينيها من قبل، غضب خفي ولكنه يشعر به. عتاب واضح على ملامحها الجامدة التي لا يعرف إن كانت سعيدة أم حزينة، لم يستطع بعد قراءة وجهها الصغير، فقد يذوب في عينيها ويشعر بخفقان قلبه لأول مرة يدوي بشدة مثل هذه اللحظة. خرج من شروده على صوت أمير لينبهه بأنهم أمامه مباشرة ولا تزال عيناهما تتلاقي.

على صعيد آخر كان الحضور في اندهاش من رداء الزفاف الخاص بسلمى، خاصة هاشم الذي كاد أن يفلت غضبه عليها أمام الحضور. ما الذي ترتديه يوم عرسها؟ أسود؟! سلمها أمير إياها، لتتشابك ذراعها به بدون أي كلمة، ليقترب أمير هامسًا بجانب أذنه: "طوق نجاة". ليعود لما كان وينظر له في دهشة وعدم فهم من تلك الكلمات، كأنها شفرة وعليه فهمها.

ذهبوا جميعًا إلى طاولة متوسطة الطول والعرض، يجلس في منتصفها المأذون وعلى طرفيه تجلس سلمى بجوار هاشم وطارق بجوار محمود في صمت تام بينما يقوم الأول بتجهيز الأوراق والإجراءات وبدأ بمقدمة صغيرة عن الزواج وأصوله وحقوق كل من الزوج والزوجة لبعضهما البعض. وجاءت لحظة تشابك أيدي هاشم بمحمود لعقد القران، فالأخير مضطر أن يضع يديه بين يديه ولكن ما باليد حيلة.

انتهى عقد قرانهما وأصبحت سلمى زوجته شرعية له أمام الله والقانون والناس أجمعين، بمجرد سماع جملة "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير" أصابتها رعشة في جميع بدنها، كأن سكينًا طعن في صدرها وأدركت الختام. أخذها وجلسا في المكان المخصص لهما في صمت شديد، لتسمع صرصار الحقل من شدة صمتهما. تفكر فيما يحدث بعد قليل عندما تصبح معه بمفردها. نظر إليها ليقول بابتسامة زائفة دون أن ينظر إليها: ـ افردي وشك ده بدل ما أفردهولك.

زفرت سلمى بشدة وردت بهدوء: ـ عدي ليلتك يا طارق. ابتسم ساخرًا: ـ وإن معدتهاش يا سلمى؟! نظرت له في تحدٍ وهدوء شديد: ـ ما بلاش أحسن، رد فعلي مش هيعجبك. التفت إليها ليصيح بغضب: ـ ما بتهددش يا سلمى، وأنتِ عارفة كده كويس. زفرت بشدة وتماسكت لتستأنف حوارها الساخن معه: ـ ولا أنا، شوف مين بدأ الأول، والبادئ أظلم. صاح مرة أخرى بتحدٍ وضيق: ـ هي بقت كده؟! ردت سلمى بنبرة باردة مما أثارت استفزازه:

ـ ما أنت اللي جريت شكلي عايزني أقولك إيه يعني. شعر بقنبلة تنفجر برأسه، لأنه طالما حذرها من تلك النبرة التي تتعامل معه بها حتى الآن، فصاح بغيظ شديد: ـ هو أنتِ مفيش فايدة في لسانك ده أبدًا، أعملك إيه ضاربة بوز شبرين، الناس عينهم علينا. ابتسمت ساخرة: ـ شوف اللي ضحكته من الودن دي للودن دي، ما تقول لنفسك. زفر بشدة ورد بنفاذ صبر وهو يتمالك أعصابه: ـ اللهم طولك يا روح، مشوفتش في برودك. ردت ساخرة وهي بداخلها تضحك

بشدة بأنها أثارت استفزازه: ـ من بعض ما عندكم. جز على أسنانه بشدة وهو يتمالك أعصابه لآخر لحظة حتى لا يتهور عليها. يا لها من شخصية استفزازية بلا حدود. ابتسمت بخفوت وهي تبدأ معه الحرب الباردة التي أقسمت عليها من قبل، ستجعله يرى النجوم في وضوح الشمس. ******************

منذ أن رآها تسير خلف سلمى لم يستطع تجاهلها، دون إدراك عيناه تتبعها، ما باليد حيلة. فقد اشتاق إليها حقًا وكم كانت جميلة اليوم رغم الحزن الظاهر في قسمات وجهها محاولة منها إخفائه بقدر الإمكان. يريد أن يذهب إليها ويتحدث معها ويرى الخجل يركض من عينيها كلما نظر لعينيها، لا يستطيع أن يفعل بعد الآن وهذا أكثر ما يؤلم في المجمل. الشيء الذي طالما تمناه أمامه ولا يستطيع مد يده للحصول عليه.

حتى لحظة عقد قران أشقائهما كان يتمنى لو كانوا مكانهما. يا له من حلم بعيد صعب المنال، ولكن يجب ألا يضعف أمامها، فكلما شعر بالحنين إليها يتذكر كلمات طارق له ليفق من أحلام يقظته، فحاول بقدر الإمكان أن يتجاهل وجودها أمامهم كي يرتاح وهو يعرف بأن بعدها ليس براحة. تتمنى ولو يأتي إليها ويتحدث معها مثلما يفعل دائمًا، يستمر تكرار هذا السؤال في عقلها "لماذا تغير معها وأصبح بهذه القسوة؟

" ماذا فعلت لتستحق تلك المعاملة الجافة منه؟ لماذا يخسف بقلبها سابع أرض بدون أي مقدمات؟ لماذا يجني عليها ويتجاهلها بهذا الشكل؟ حسنًا كما يريد فلتقوم بذلك هي الأخرى، لتعود تتجاهله مثلما كانت تفعل من قبل ولن تأتي على قلبها مرة أخرى. هو من بدأ فليتحمل النتيجة إذا. ولكن لا يعرفان بأن شخصًا ثالثًا كان يتابعهما باهتمام شديد في صمت، وشعر بأن يوجد شيئًا ما بينهما. *********************

تخيلت للحظة أن نفس الجملة التي أطرقت آذان سلمى هدمت كل شيء بينها وبين طارق، لا تعرف إن كانت حقًا تحبه أم لا؟

كل ما تعرفه بأنه ملك لها وحدها دون شريك أو منافس. لا تتصور أن حياتها ستتغير إن فكر طارق للحظة أن يكن لها مشاعر، فلن يكون لها أي دور أو مكان في حياته. لذلك سوف تعمل جاهدة كي لا يحدث شيء من هذا. فالنار بداخلها وفي عينيها سهام حارقة وهي تنظر له وهو يجلس بجانبها هكذا، فقد أصبحت زوجته وهذا أكثر ما يثير غضبها. فلن تتركها هنيئة بمثل هذا اليوم.

الضيق والغضب طالما مس عقله قبل قلبه منذ اللحظة الأولى أن رآه فيها، يندم ندمًا شديدًا بأن الرصاصة أصابت منكبه ولم تمر لقلبه، فلما كانوا وصلوا لهذا الحد. فقد يصل إلى ما يبغاه سريعًا إن ظلت سارة بجانبه، ففي نهاية المطاف سبيلهم واحد. ******************* اقتربت منهم في ثقة بالغة لا تعرف من أين حصلت عليها، ولكن عليها تنفيذ خطتها كاملة كما رسمت.

وصلت ووقفت أمامهم وعلى وجهها بسمة عريضة مصطنعة، لم يكن طارق على يقين بالخير عندما لمح سارة تقترب نحوهم، يكفي ما سمعته سلمى عنه اليوم وحتى هذه اللحظة لا يعرف تبرير ما حدث. ما يشغل تفكيره في الوقت الحاضر أن لا يحدث صراع بين زوجته وخطيبته في جميع الأحوال، يبحث بعينيه عن إيهاب الذي لا يعلم أين اختفى في مثل هذا الوقت وقد قام بتنبيهه من قبل.

لاحظت توتر طارق عندما لاحظت اقتراب سارة نحوهم، للحظة تذكرت الحوار الدائر بين نور وعمتها، شعرت بغصة في حلقها ونغز في قلبها لا تعرف سببهما، كل ما تعرفه بأنها تشعر بالضيق وعدم الراحة بمجرد رؤيتها. ـ مبروك يا عروسة. تلك الجملة التي تفوهت بها سارة ببسمة مصطنعة للغاية ولا تعرف بأنها بداية حرب باردة، لتقوم سلمى بالرد ببرود بدورها: ـ ميرسي، عقبالك. ردت سارة بنبرة مستفزة وباردة بعدما ضحكت بدلال وهي تنظر لطارق وتقوم بغمزه:

ـ إن شاء الله قريب أوووي على فكرة، لولا اللي حصل كنت زماني أنا مكانك. نظر لها طارق بضيق وحذر، ويخشى رد فعل سلمى لما قالت. التي كادت أن تقتلها وهي تراها تغمز له بدلال بهذا الشكل، ولكن تمالكت أعصابها وقامت بالرد بكل هدوء وسخرية وبرود: -معلش good luck. لن تنهزم أمامها أبدًا، فقد أثارت استفزازها هي وليس العكس، فابتسمت بخبث وقالت: ـ شيك أوي فستانك، بس مش غريبة عروسة زيك يوم فرحها تلبس أسود؟

لقد فهمت ما تنوي عليه ولن تدعها تحصل على مرادها منها لترد ساخرة وبمنتهى البرود: ـ ده من ذوقك، ياما ناس لبست أبيض وجواها سواد، الرك على القالب مش بلون الفستان. ثم أنا حلوة في أي حاجة ألبسها. اشتعلت النار في داخلها كالبركان في أشد درجة انصهاره، ما هذه الفتاة؟ من أين أتت بمثل هذه القوة بالرغم من الظروف التي مرت بها؟ توقعت بأن تراها حزينة ومنكسرة ولكن فاقت كل توقعات كل من طارق وسارة.

رحلت سارة والضيق واضح عليها بشكل كبير وملحوظ، لقد فازت عليها بكل براعة وبرود، والغيرة تنهش قلبها نهشًا من تلك الفتاة التي استطاعت بمنتهى السهولة التغلب عليها بأقل مجهود.

رمقت طارق نظرة أخيرة قبل أن تتركهم ليصبح بين نارين لا يدري كيف يمكن أن يتصرف، التفت لسلمى التي تجلس بجاوره بمنتهى الهدوء وكأنها لم تفعل شيئًا على الإطلاق، فهو مندهش من رد فعلها، فاق حقًا كل توقعاته، أي نعم هو يعلم كم تمتاز سلمى بشخصية هادئة، فمن أين أتت بكل هذا البرود والهدوء الخالص.

أما هي فحاولت بقدر الإمكان المحافظة على هدوئها بالكامل وثبات أعصابها، ولم تنفعل على سارة وهي لا تدري لماذا شعرت بالضيق ونوع من الغيرة الغير مفهوم، أزاحت هذا الشعور من قلبها وبررته بشكلها العام على أي حال أمام الجميع من وجود خطيبته في حفل زفافهما قد يعكر صفوها نوعًا ما. ***************** خطواتها سريعة غاضبة، لا تقبل من داخلها قبل خارجها الذي يشبه وحشًا مدمرًا لمدينة كاملة بالخسارة الفادحة التي حصلت عليها اليوم.

كانت تعتقد بأن ما حدث في غرفته صباحًا ومحاولتها للتقرب منه ليشاهدهما والداه ومنها يصل الخبر لمسامع سلمى فتنهار علاقتهما أكثر. ولكن بعد الحوار الدائر بينهما محاولتها الأولى باءت بالفشل، فلم تبد منزعجة على الإطلاق، فهل لم تعرف بما حدث يا ترى لهذا السبب؟ أيًا كان فلن تستسلم من أول جولة. لتستمع إلى ضحكات من جانبها، التفتت لمصدر الصوت لتجده عاصم يضحك بسخرية على حالها قائلًا:

-شوف مين اللي عيط في الآخر، الكلام على قدك يا حلوة. وتركها تشتعل أكثر وأكثر. لتبحث عن هاتف في حقيبتها بعصبية بالغة وترسل لطارق رسالة نصية: "تعالى دلوقتي حالًا ألا وعزة جلالة الله هاقلب الفرح بتاع السنيورة ده لعزا." "اهدي يا سارة وبلاش تخلفي، المشرحة مش ناقصة قتلى، أجي إزاي؟ "إيه مش قادر تفارق ست الحسن؟! هتيجي ولا أقولها على الاتفاق بينك وبين أبوها؟ "ما بتهددش يا سارة، جاي أشوف آخرتها معاكِ النهارده."

كان التوتر ظاهرًا على ملامحه وهو يراسلها، لاحظت سلمى وتساءلت في قرار نفسها من الذي يراسله الآن ويبدو بهذا الانزعاج؟ فجأة وبدون أي مقدمات نهض من جانبها ورحل، نظرت إليه بدهشة وضيق وعدم فهم. فالتفتت لإيهاب الذي كان على مقربة منهما، اندهش بدوره من رحيل طارق. بمجرد أن وصل إليها جذبها من ذراعها بقوة وسار بها بعيدًا عن الأنظار ولا يدري أن هناك عينًا تراقبه، فزاد غضبه الذي يكتمه منذ بداية اليوم وعلى ما يبدو سوف يطلق سراحه في

سارة الآن على ما بدر منها: ـ ممكن أفهم إيه اللي هببتيه ده إيه؟ اصطنعت سارة البراءة وعدم الفهم: ـ عملت إيه يعني؟ طارق بنفس النبرة الغاضبة: ـ هتستعبطي يا سارة. مش كفاية اللي حصل الصبح، جاية هنا كمان! انزعجت من كلامه لترد غاضبة: -عملت إيه يعني؟ واحدة وجات تشوف خطيبها أجرمت؟ زفر طارق واقترب منها: -أيوه أجرمتي؛ لأنك عارفة اللي حصل كويس. أبويا وأمي لو شافوكي دلوقتي هتحصل مشكلة، وما صدقت أن الموضوع أتلم.

نظرت له وتصنعت البكاء وزيفت دمعة سقطت من عينيها: -أنت فاكر أن الموضوع ساهل بالنسبالي لما أجي فرح خطيبي وألاقيه بيتجوز واحدة تانية غيرها وواخدة كل وقته ومشاعره؟ رق قلبه ناحيتها وشعر بالحنين يغمر قلبه، فسقى ملعوبها دون أن يشعر ليقول بحب وهو يمسح تلك الدمعة المزيفة من وجنتها: -مشاعر إيه بس يا سارة، ما أنتي عارفة اللي فيها، وكل ده عشان خاطرك. اقتربت منها نور مسرعة وعيناها تتساءل إلى أين رحل يا ترى؟

لتجد سلمى بمنتهى الهدوء والسكينة فجلست بجانبها. -طارق راح فين؟ أجابت بهدوء: -معرفش، أنا مالي. تنهدت نور بحيرة وهي مقدرة الحالة التي تمر بها سلمى، ظنت بأنه لا تزال متأثرة بالحديث الدائر بينها وبين سميحة، فأقبلت عليها بهدوء: -صدقيني يا سلمى طارق ما عملش حاجة، دي هي... قاطعتها سلمى وردت بحدة: -وأنا قلتلك قفلي على الموضوع ده يا نور، مش عايزة أسمع حاجة.

زفرت بحزن لا تعرف كيف تصلح الأمر بشأنه، ولكن لم تريد أن تقوم بالضغط عليها أكثر من اللازم، يكفي ما تمر به في الوقت الحالي. لمحت تهاني تشير إليها من بعيد، نهضت سريعًا وقالت: -ماما عايزاني، هرجعلك تاني. ****************** "يا لها من وقحة لتأتي إلى هنا وتثير غضبي، وتقوم بغمزه أمامي بدون خشية أو حياء حتى، تعتقد بأن فعلتها هذه قد تجعلني أشعر بالغيرة منها، ولكن كانت مخطئة للغاية، فلما أغار عليه؟!

لم يراعِ مشاعري حتى، لينهض من جانبي فجأة بدون أي مقدمات، إلى أين ذهب يا ترى؟! حسنًا، لن أعيره اهتمامي فليفعل ما يشاء، ولكن يجب أن يراعي المظهر العام أمام الناس، الذي كان يوبخني منذ قليل بشأنهم جاء الآن وخالف كلماته". هكذا ظلت تحدث نفسها وهي شريدة في عالم آخر، تحاول بقدر الإمكان أن لا تعطي الموقف أكبر من حجمه.

خرجت من دائرة تفكيرها على صوت تبغضه كثيرًا، فهي تعرف مصدر هذا الصوت جيدًا، كثيرًا ما وبخها ورأت منه أيام وليالٍ مرة، وجراح لا ينتهي. رفعت رأسها نحوه ونظرت له في صمت تام بدون أي كلمة، تنتظر بأن يبدأ هو بالحديث أو يرحل من هنا، لتجد في عينيه عتاب وغضب مصطنعين، أو هكذا كانت تشعر من تلك النظرة، فهي لم تعد تثق به بعد كل ما حدث منه، ليقطع الصمت بينهم ليقول بتهكم:

-مبروك يا عروسة، لعبتيها صح يا سلمى، جالك قلب بعد كل السنين دي تكوني لغيري؟! عجبك أوي الأفندي بتاعك ده؟! كلماته أثارت غضبها للغاية، أناني بدرجة تكفي لها بأن يزيد شعورها بالكره نحوه عما قبل، كل ما يشغل تفكيره نفسه فقط لا غير، لا يعيره ما حدث أو ما مرت به في الأيام الأخيرة ولا حتى بالعذاب النفسي المار عليها بكل قسوة من أب لا يعرف شيئًا عن الرحمة. رمقته بغضب شديد ولكن أردفت بهدوء مصحوب بحزن:

-عمرك ما هتتغير يا عاصم، على أساس كل اللي حصل ده بمزاجي وإرادتي مش كده؟ امشي يا عاصم خلاص كل اللي بينا انتهى من زمان وأنت عارف ده كويس. تذكر نصائح والده فيما دار بينهم بشأنها، فبدل نبرة صوته إلى محب واستعطاف: -بس أنتي عارفة إني لسة بحبك يا سلمى ومفيش في قلبي غيرك، اللي شفتيه ده مجرد نزوة صدقيني، أوعدك أني هتغير وهكون شخص تاني غير عاصم اللي تعرفيه.

تحاول أن تصدقه ولكن لا، ذلك الشعور القوي يحتل عقلها قبل قلبها. لن تدع قلبها يفوز عليها بالنهاية. ابتسمت في ألم: -مش قادرة أصدقك يا عاصم، للأسف أنت استنزفت كل الفرص والمحاولات بينا، ما عادش ينفع خلاص، مش واخد بالك إني لسة مكتوب كتابي؟ وكان رد عاصم غير متوقع لها بالمرة: -إحنا فيها، تطلقي ونتجوز. فرغت فاها بصدمة ودهشة: -أنت اتجننت!! فاهم أنت بتقول إيه؟! بالبساطة دي؟! قال عاصم بلا مبالاة: -وإيه المشكلة؟

ما أنتي هربتي قبل كده. نهضت وهي لا تزال بعدم استيعابها: -هربت عشان مش عاجبني الوضع اللي كلكوا حطيتوني فيه، وبدايته كانت معاك أنت، إنما دلوقتي لو عليا عايزة أخلص من الجوازة دي وأشوف حياتي، تقوم عايزني أعيش مؤبد في سجن أبويا باللي في دماغك ده؟! أنسى يا عاصم عمري في يوم ما هرجع لحياتك برجليا. جز على أسنانه بغضب شديد ويداه تعتصر من قوة قبضته عليها، ليقترب منها أكثر ويقول بوعيد:

-هتندمي يا سلمى على اللي قلتيه، مصيرك يوم وهترجعيلي. كانت ترتعش من داخلها لاقترابه نحوها، ولكن بدت شديدة من الخارج لتقول ساخرة: -ده أنا مصدقت تقولي أندم!! أردف بنفس النبرة والحالة: -مش هسيبك ولا هسيبه تتهنوا في يوم سوا، بكرة تشوفي. تركها ورحل والدماء تغلي في عروقها من شدة الغضب والبغض الشديد ناحيته، حاولت أن تتمالك أعصابها قبل عودة طارق. كادت تحمد ربها على الخلاص منه ليعود لها من جديد وأسوأ من ذي قبل.

طيلة حواره مع سارة يخطف نظرات متلاحقة نحو سلمى، التي تجلس في هدوء تام. فـ تحولت قسمات وجهه للغضب وقد لاحظت سارة ذلك عندما رأى عاصم يقترب منها وطال الحديث بينهم. أنهى حواره سريعًا مع سارة واستطاع إخماد حالة التهور التي بدت عليها منذ صباح هذا اليوم ليعود لسلمى على الفور، ولكن سارة كانت غاضبة لتركه لها بهذا الشكل ليعود إلى زوجته!!

عندما رأته يقترب نحوها عادت ملامحها للجمود والبرود من قبل، كأن شيئًا لم يحدث، وكأن لم تلاحظ أنه تركها ليذهب خلف سارة خطيبته. جلس طارق بجوارها بهدوء ليقول بغضب مكتوم: -البني آدم ده كان بيعمل عندك إيه هنا؟ ردت سلمى بهدوء وبرود: -تقصد مين؟ طريقة حديثها أثارت غضبه أكثر لتعلو نبرة صوته قليلًا: -هتستعبطي يا سلمى، الزفت اللي اسمه عاصم كان بيقولك إيه؟ التفتت إليه لتجيب بجدية وانفعال:

-أنت ملكش حق إنك تكلمني بالأسلوب ده يا طارق، مش هسمحلك تتعدى حدودك معايا أكتر من كده. تمالك أعصابه قليلًا وقرر سؤاله بنبرة شبه هادئة وهو يجز على أسنانه: -مش هكرر سؤالي يا سلمى، كنتوا بتتكلموا في إيه؟ ارتسم على ثغرها بسمة جانبية، لترد على سؤاله بسؤال بمنتهى البرود والهدوء: -هو أنا كنت سألتك كنت بتتكلم في إيه أنت وسارة؟ اندهش من معرفتها، كيف لها ذلك؟ وكيف رأتهم؟ قال سريعًا مبررًا بنبرة غاضبة: -سارة خطيبتي ولا نسيتي؟

عادي لما أكلمها، إنما الزفت ده يكلمك بتاع إيه؟ مش خلاص كان خطيبك؟ ابتسمت سلمى ساخرة لتقول ببرود واستفزاز: -ده شيء ما يخصكش، آه كان خطيبي وجاي يباركلي عندك مانع؟ تصور عايز نرجع لبعض، على الأقل جاي يكلمني في مكاني مش قام فجأة من جنبي وراح يكلم خطيبته في الدور، أظن ده بقى مش عادي. رمقته بابتسامة منهمكة ونظرة تحدي تنطلق من نبرة صوتها قبل عينيها.

شعر بالغيرة فجأة والضيق الشديد عندما ذكرت سيرة عاصم بهذا الشكل، لذلك قرر أن يلاعبها بنفس أسلوبها فأردف ببرود: -خطيبتي ولها حق عليا، أصل تقدري تقولي كده بتحبني وزعلت أوي من موضوع جوازنا ده، موضوع كده ما كنتش عايزة تتكلم قدامك فيه، عندك مانع؟ كانت تشيط في داخلها، والغيظ ينهش بها ولكن لن تدعه أن يفوز عليها، فابتسمت بتهكم وقالت بسخرية: -ربنا يهني سعيد بسعيدة، اشبعوا ببعض.

ثم نظرت أمامها وابتسامة باردة تزين شفاتيها الورديتين في هدوء تام، وهو يشعر بالغليان من استفزازها وبرودها الخالص. استمرت الحرب الباردة بينهم سواء في حوارهم طوال الوقت أو نظراتهم، وكل منهم يتوعد للآخر في ضيق وتحدي، إلى أن انتهى بالصمت لآخر الحفلة. ***************

تقف كعادتها من بعيد وهي تشعر بالقلق ولا تعرف أن أحدهم يراقبها في صمت شديد، يتابعها وعيناه لم تزاح من عليها، يريد أن يتحدث إليها ويشتاق لها ولكن لا يستطيع فعل ذلك. شعور بأنك مقيد رغم ما تريده أمام عينيك ومحرم لمسه شديد ومؤلم بالنسبة له.

عادت إلى الطاولة الخاصة بها وجلست بجوار والديها، عقلها شارد في أشياء كثيرة ولا تستطيع تحديد مشاعرها بعد. نكزتها تهاني من ذراعها لتستيقظ من شرودها. نظرت لها تهاني بنظرة ذات معنى تفهمها، أومأت برأسها نافية. -مفيش أي جديد يا ماما من ساعة ما روحتلها، واللي زاد وغطى اللي اسمها سارة دي راحتلهم، مش كفاية اللي هببته النهارده الصبح، أنا ما شوفتش بجاحة أكتر من كده بصراحة. تنهدت تهاني بضيق ويبدو على وجهها الحزن:

-كله من مجايب أخوكي، أنا قلتله بلاش يرتبط بيها هو اللي محكم رأيه. ارتسمت بسمة ساخرة وحزن على جانب شفاتيها: -اللي بيشيل قربة مخرومة بتخر على دماغه، مش ده اختياره؟ يشرب بقى، أنا ياما حذرته، هموت وأعرف ساب سلمى وراح على فين ده؟ اعتدلت تهاني وانتبهت لحديثها باهتمام: -اللي حصل؟ تنهدت نور وقالت:

-لما روحت لسلمى كانت قاعدة لوحدها وطارق ما كانش موجود، لما سألتها كان وشها مقلوب وقالت معرفش، سلمى لسة مقتنعة أن طارق له يد في اللي حصل الصبح. تنهدت بحزن شديد: -لا حول الله يا رب، مش فاهمة أخوكي ده بيفكر إزاي، ربنا يستر لما يتقفل عليهم باب واحد. ردت نور بشرود: -يا رب يا ماما، وإلا هدوء سلمى ده مش مريحني. ********************

ما زال الصمت يحوم حولهم بلا رجعة من آخر مشادة حدثت بينهم، وكل منهم يشعر بالغرابة والضيق من الطرف الثاني بالأخص سلمى. يسترق النظر إليها كل فترة ليجدها على نفس الحال، هادئة وشريدة في عالم آخر، كأنها ليست بجانبه إلا بجسدها فقط. زفرت بشدة لتقطع الصمت بينهم: -مش كفاية بقى لحد كده؟ التفت إليها بعدم فهم: -كفاية إيه؟ تنهدت لترد عليه دون أن تنظر له: -عايزة أمشي، مش خلاص عملتوا الفرح الكداب، فيه إيه تاني؟

أومأ بضيق ليتساءل بتعجب: -فرح كداب؟ ده اللي هو إزاي يعني؟ هنا التفتت إليه وقالت بانفعال مكبوت، وجد فرصته ليفر خارج صدرها لعلها ترتاح ولو قليل: -آه كداب، الفرح ده كله كدبة كبيرة إحنا عملناها ومشتركين فيها عشان الناس ما يشكوش في حاجة، على أساس أنه جواز بجد، ولا حد من أهلي وأهلك مبسوط وسعيد باللي حصل غير أبويا، كلنا بنكدب على الناس كلنا مش راضيين على اللي حصل. البسمة اللي على وش مامتك وأختك دي فاكرها بجد؟

مقتنع بيها ولا حتى أنت شخصيًا حاسسها فعلًا؟ يبقى رد عليا كدبة دي ولا مش كدبة؟ كانت بمثابة شبه قنبلة وانفجرت بوجهه، لم يتوقع أن تخرج من صمتها وهدوئها الذي اعتاد عليه من بداية الحفل وتنفعل به دون سابق إنذار، شعر بمرارة ألمها في كل حرف. غرق في عينيها الدامعتين وقسمات وجهها التي برزت عروقها من شدة انفعالها، بمجرد أن شعرت بأن قطرة من دموعها قد تخونها وتفر، أدارت وجهها على الفور حتى لا يراها وعادت لهدوئها وسكونها مرة أخرى.

لا يعرف ماذا يقول وهي مشتعلة وحزينة بهذا الشكل، إلى أن نطق أخيرًا: -أنا كمان اتخنقت من القاعدة دي وعايز أمشي. انتظر ردها ولكن دون استجابة، أخرج هاتفه وقام بالاتصال. على جانب نور أتاها اتصال لتجد أن المتصل طارق، شعرت بقشعريرة وقلق من هذا الاتصال لتقوم بالرد على الفور: "ألو أيوه يا طارق.. إيه؟ .. طيب طيب ماشي.. هقوم أشوف أمير راح فين.. خلاص يا طارق سلام". نظر لها محمود بقلق ليقول باهتمام: -في إيه؟

أرادت نور ألا يشعر والدها بأي اضطراب يحدث بينهم، وتفض أي مشكلة في هدوء، فالوضع الحالي لا يسمح بإتيان عائق جديد، لتقول في هدوء: -مش كفاية لحد كده؟! كتب الكتاب وخلص وقعدوا شوية.. قاطعها محمود بحزم: -طارق اللي قالك كده؟ تنهدت براحة لتقول بنبرة حانية: -ده قرارهم هما الاتنين.. مش قادرين يفضلوا أكتر من كده. كاد أن يرد، لتتدخل تهاني مؤيدة:

-نور معاها حق يا محمود.. اللي أنتوا عايزينه حصل.. سيب العيال بقى تعمل ما بدالها.. بدل ما كل واحد قاعد مستحمل ومش طايق التاني. رد محمود بجدية بعدما اقتنع بحديث زوجته، فنهض في الحال: -هشوف هاشم راح فين. رحل محمود وبدأ رحلته في البحث عن هاشم، هذا البركان الملتهب بسبب طمعه وأنانيته أحرق الجميع، إلى أن يأتي يوم وتحرقه.

وجده يقف مع حامد وولده وبعضًا من رجال الأعمال يتسامرون، وصوت ضحكته ترن في أذنه كلما اقترب من مجمعهم، ليقطعها وينظر إليه بعدما شعر بوجوده، فيقترب محمود أكثر ويقطع الهمهمات بجدية قائلًا: -تعالى عايز.. أنجز. ابتعدوا قليلًا مما أثار فضول عاصم هذا الحديث الغامض. نظر له هاشم وقال بغضب: -إيه المهم اللي ساحبني عشانه بالشكل ده من وسط الناس.. مش عارف ده مين؟ .. ده أكبر مستورد أدوية في مصر وهيريحنا على الآخر في الصفقة الجاية.

صاح فيه محمود بخنق وضيق غير محتمل: -لا صفقة تانية ولا تالتة.. هو ده كل تفكيرك دلوقتي!! مش لما ننهي الليلة دي تبقى تشغل بالك بمصالحك. ضحك هاشم وقال بلامبالاة: -الليلة وخلصت والصفقة وهتم.. ليه بقى الواحد يعطل نفسه. نظر له محمود بازدراء واشمئزاز، وأدرك وشعر بكل ما عانته تلك الابنة التي تدفع حتى الآن خطأ وأنانية والدها، أدرك السبب الرئيسي الذي دفعها للهروب، فصاح به باشمئزاز وغضب شديدين:

-حقيقي عمري ما شفت ولا هشوف إنسان أناني وجاحد زيك.. المولد وانفض خلاص وعملت ما بدالك.. ممكن ننهي بقى الليلة دي على خير زي ما بدأناها.. عايزين نخلص. كان يشغل هاشم الغل الشديد في داخله من تلك الكلمات المذمومة في حقه على الرغم من عدم مبالاته، ليرد على جملته الأخيرة في اعتراض: -أنت اتجننت يا محمود.. عايز تهد كل اللي بنيته.. مش شايف أنا واقف مع مين.. خليهم يصبروا شوية. صاح محمود وكاد أن يعلو صوته:

-أنت اللي اتجننت يا هاشم والفلوس خلاص لحست مخك.. تولع الصفقة واللي أنت واقف معاهم.. مش اتجوزوا.. في إيه تاني؟ .. الفرح هينتهي ودلوقتي بدل الاتنين دول ما يولعوا في بعض وساعتها كل اللي بنيته هتهد قدام عينيك.. وأنت عارف... اهتز من داخله بتهديده، وتخيل إن سلمى صدرت أي رد فعل متهور لا يستطيع صده من عنادها: -ماشي يا محمود.. لينا كلام تاني. نظر في عينيه وقال بتحدي قبل أن يرحل: -ربنا يهديك يا هاشم.

تركه ورحل بعيدًا في أقل من دقيقتين أمام ناظري الجمع القريب منهم، ليعود هاشم إليهم مرة أخرى وعلى وجهه ابتسامة واسعة كأن لم يحدث أي شيء: -العرسان بقى مستعجلين وعايزين يمشوا.. مستعجلين على الطيارة ههههههههه. شيء من السماجة ليضحك الجمع الغفير، ولكن الذي كان ينصت باهتمام هو عاصم، والضيق يشتعل في داخله، بأن أول خطوة بادت بالفشل. *******************

وجدته أخيرًا يقف في شرود كبير، خرج منه بعدما شعر بيدها تنقر على منكبه، التفت ليجدها نور، اندهش لترد هي على السؤال المنقوش على وجهه. -واضح أن الاتنين شدوا مع بعض وعايزين يمشوا.. بابا ظبط كل حاجة.. يلا عشان نتحرك. تيقن بأن هذا الحفل لابد وأن ينتهي بأسرع حال، حتى لا يسوء الوضع أكثر من ذلك، ليسرع ويقول: -عندك حق يلا.. حصليني هظبط حاجة وهرجعلك على طول.

أومأت نور برأسها وذهبت على الفور كي تستعد، ولا تعرف بأن هناك عين تراقبها هي أمير. الوضع كما هو وإن كان ازداد سوءًا وصمتًا بينهم، حالة من السكون الرهيب تحيط وتشعر بها كلما اقتربت منهم، تدعو الله من قلبها أن ينتهي الحفل بسلام إلى آخر لحظة. اقتربت أكثر لتجد كل منهم متجنب الآخر، شريد ويفكر لتقطع شرودهم قائلة: -يلا يا شباب استعدوا. نظرت لها سلمى في هدوء وتساءلت: -أمير فين؟ أجابت على الفور: -بيعمل حاجة وجاي على طول.

بعد دقائق حضر أمير بعدما سمعوا أغنية ختام الحفل واستعداد العروسين للرحيل. ساعدتها نور على النزول برداءها الأسود "المنفوش" وفي طريقهم إلى بوابة الفيلا، ليقبل عليهم الجميع للوداع الأخير وفي قلبها خوف وقلق لا حصر له، تسمع دقاته المتسارعة، محاولة منها أن تمالك أعصابها أكثر من ذلك، على الرغم من هالة البرود والهدوء الشديدين اللذين يكسوان ملامحها بشدة.

أقبلت عليها سميحة تضمها بين ذراعيها مودعة إياها، وهي تتماسك بها ولا تريد أن تترك تلك الضمة قط، تحاشت دموعها أن تتساقط، فشعرت سميحة بالخوف والرجفة في قلبها لتربت على ظهرها بحب وحنان، ليطمئن قلبها، قبلت جبينها وقالت باسمة والدمع في عينيها: -ألف مبروك يا نور عيني.. تروحي وترجعي بالسلامة. ابتسمت سلمى وتقول بصوت منبوح: -هتوحشيني يا عمتو.. متسبنيش. ابتسمت وربتت بحنان على وجهها:

-هتبقى مع جوزك في أمان يا عبيطة.. كل حاجة هتبقى تمام. ابتسمت براحة قليلة لتنقل عينيها إلى تهاني التي تنظر إليها باسمة، مردفة ذراعيها لتضمها بحنان: -ربنا يسعدك يا بنتي.. ألف مبروك يا حبيبتي.. الواد ده لو زعلك في حاجة هقطملك رقبته. ابتسمت مجاملة وأومأت برأسها، لتقبلها هي الأخرى، وبدوره محمود، يشعر ويقرأ كل ألم مرسوم على قسماتها تصرخ به، ولاحظ دموع عينيها ليبتسم لها بدوره:

-أنتِ عارفة معزتك عندي زي نور وأكتر.. ربنا يعلم كان نفسي الموضوع ده يتم بظروف مختلفة عن كده تمامًا.. بس قدرك يا بنتي.. ده امتحان وأنا عارف إنك قدها.. لو طارق زعلك ارفعي بس سماعة التليفون وأنا أجيلك. أومأت برأسها باسمة، فهي تشعر بصدق كل كلمة تفوه بها، لتجد صوت طارق بجانبها يهتف باعتراض: -هو أنا ابن البطة السودة يعني.. مينفعش توصوها عليا!! ضحكت سميحة على طريقته هي وأمير وأيضًا نور، لتوبخه تهاني:

-اسكت يا واد أنت.. ملكش دعوة. بامتعاض وهو ينظر لزوجته: -اديني ساكت. لتبتسم سلمى في خفوت وهو يلاحظ ذلك، ويقول باعتراض: -مبسوطة أوي سيادتك.. أهلي كلهم في صفك. ليتدخل محمود بنبرة مصطنعة للجدية: -عندك اعتراض؟ رد طارق على مضض وسخرية: -هو أنا أقدر. ليشير لها بيده بمعنى "صبرًا" لتشيح وجهها عنه ببرود وتبتسم مرة أخرى، حقًا شعرت بالسعادة من هذا الموقف الصغير الذي تبين لها الكثير. قطع الصمت محمود ليقول بجدية وحزم:

-مش هوصيك على سلمى.. دي أمانة في رقبتك. قال طارق ساخرًا: -الكلام ليكَ أنتَ كمان يا جارة. رمقته سلمى بضيق وبرود لتقول بتأفف: -مش يلا بقى.. أنا تعبت. تدخل أمير في الحال: -يلا يادوب تلحقوا الطيارة.. خليت الأمن يودي الشنط في العربية. ودعت سلمى سميحة وتهاني ومحمود، ألقت نظرة على والدها وقلبها يعتصر ألمًا وحزنًا على عدم وداعه، فلم تستطع أن تفعل ذلك، فقط نظرت إليه بعدم اهتمام ورحلت مع كلمات مودعة منهم. ******************

قاد أمير السيارة وبجانبه يوسف، وفي الخلف تجلس نور بجوار العروسين، وساروا جميعًا في جو من الصمت. أرادت نور أن تخف الأجواء وتجعلها أكثر لطفًا، كي تتباعد عن نظرات يوسف الخاطفة بينهم طوال الطريق. نظرت في المرآة لأمير الذي يفهم ما تشير إليه عيناها لتقول بمرحها المعتاد: -جرى إيه يا جدعان جو فيلم المنتقمون ده.. ده فرح عايزين نصهلل كده.. فاكرة كنا قايلين إيه يا سلمى قبل ما ننزل؟

عايزين نفرح وفكك من طارق "نظرت له سريعًا" سوري يا طروق. ودون سابق إنذار أشغل أمير مسجل السيارة وبدأت الأغاني تنطلق وغنا الاثنان معًا بمنتهى المرح، لتضحك سلمى رغمًا عنها من طريقتهما في صمت، وينظر يوسف لأمير بغيرة وضيق شديدين وظل صامتًا طوال الوقت.

إلى أن اندمجت سلمى معهم وبدأت تغني هي الأخرى، فاندهش طارق من تحولها المفاجئ إلى تلك الفتاة المرحة والمفعمة بالحيوية، كأنه يراها لأول مرة ضاحكة بهذه الطريقة، ولأول مرة يلاحظ جمال صوتها وهي تغني.

طريقة أخرى للهروب من الواقع الأليم الذي تعيش فيه، والمستقبل الغامض الذي ستؤول إليه بعد قليل، قررت أن تخرج من نفسها وتغني وتطلق العنان لنفسها ولو مرة تشعر بأنها حرة، تخرج ما بداخلها من حزن وألم في الغناء والمرح محاولة منها للهدوء قليلًا، ولأول مرة بعد مدة طويلة تغني وتضحك مع أمير ونور بهذا الشكل، شعرت كأنها عادت سلمى قبل أن ترتبط بعاصم، لحياتها السابقة.

ليس طارق من اندهش بذلك فقط، بل أيضًا يوسف، فقد كان قلقًا على شقيقته من هذا التحول المفاجئ وكلما نظر لنور وأمير تزداد الغيرة في داخله أكثر وأكثر، فلاحظت ذلك نور وتعمدت الغناء أكثر، لتندهش سلمى من ذلك المشهد غير المفهوم أمامها، ولكن سوف تأتي اللحظة لتعرف منها كل شيء خفي عنها. ظلت حالة المرح طوال الطريق إلى المطار حتى أن وصلوا بسلام.

ليضحك الثلاثي براحة عارمة من قلبهم، فابتسمت سلمى على تلك اللحظات التي ضحكت فيها بدون قيود، وبدأ القلق والتوتر يتسرب إليها مرة أخرى. نزلوا جميعًا من السيارة، وقام يوسف بإخراج الحقائب ووضعها على سيارة الفندق، ووقفوا جميعًا أمام البوابة في انتظار لحظة الوداع. ضمتها نور بحب: "خدي بالك من نفسك .. ها" أومأت سلمى ببسمة باهتة وتنهدت بعمق، ليقول أمير هو الآخر: "خدي بالك من نفسك يا سلمى .. هعدي عليكي بكرة بليل عشان المطار"

رد طارق بضيق بعدما شعر بالغيرة الخافية تتسرب لقلبه: "مفيش داعي إيهاب هيوصلنا" ابتسمت سلمى وردت بهدوء: "ماشي يا أمير .. هستنى تليفونك" ليشتعل الغضب في طارق ويرمقها بحذر وغضب، لتضحك نور على هذا المشهد الممتاز، فقد نال إعجابها بكل تأكيد.

تقابلت أعينهم بعد فترة، لقد اشتاق إليها مثلما هي اشتاقت لأخيها، كانت تتمنى ولو ترتمي في أحضانه كما كانت تفعل سابقًا، ولكن كأن هناك سد منيع يمنعها من ذلك .. أما هو فقد اقترب منها وطبع قبلة على جبينها والدموع في مقلتيها، ووجه حديثه لطارق وعيناه لم تفارقها: "خد بالك منها يا طارق .." تأثرت نور وأمير على هذا المشهد، ليومئ له طارق. ودعوا العروسين ودخل كل من طارق وسلمى إلى الفندق. *********************

ركب الثلاثي السيارة وبدأ أمير في القيادة، طوال الطريق ويوسف يراقبها عبر المرآة ويلاحظ أمير ذلك وهو يشعر بأن هناك أمرًا ما غريب بينهم. ونور تتهرب بنظراتها له وتتجنب النظر إليه حتى لا يتملكها الضعف والحنين، ليسود الجو العام طوال الطريق بالصمت، وأمير يشاهد في صمت إلى أن قطعه موجهًا حديثه لنور: "ناوية تعملي إيه في الفترة الجاية يا آنسة نور؟ تفاجأت نور بسؤاله وردت بعفوية:

"هبدأ أنزل الكلية لأن بسبب الظروف اللي مرينا بيها مكنش عندي المقدرة على أي حاجة خالص .. حتى الشغل" ابتسم لها أمير عبر المرآة وقال: "عندك حق .. الله يكون في عونك .. صاحبتك من ناحية وأخوكي من ناحية تانية" تنهدت في حزن وشرود: "الحمد لله إن الليلة دي عدت على خير" نظر بطرف عيناه ليوسف وقال بخبث: "أتمنى اللي حصل ميأثرش على نظرتك في الارتباط" نظر له يوسف بضيق وانتظر رد نور لتقول بنبرة هدوء وثقة ولامبالاة في نفس الوقت:

"اللي حصل سبب ظروف معينة .. محدش فيهم اختار التاني .. فـ مفيش داعي يخليني أغير فكرتي عن الارتباط" ابتسم أمير وأكمل: "عجباني نظرتك للموضوع بالشكل ده .. عقبالك لما نفرح بيكي" ابتسمت نور وردت بتلقائية: "إن شاء الله .. وأنت كمان" نظر ليوسف وقال بخبث: "أنا وأنتِ في ليلة واحدة"

اكتفت نور بابتسامة مجاملة على شفاتيها، وشعر يوسف بالغيرة والضيق الشديد، ولا يعرف بماذا يرمي أمير من هذا التلميح الخفي من حديثه، مع أن الحوار الذي دار بينهم لا يحمل أي ظنون، والأكثر هو ابتسامة نور الخجلة وتلقائيتها المعتادة معه. فكرت نور كثيرًا عن سبب تغير قسمات وجهه وضيقه من حديثهم، ما الذي يخفيه خلف تلك القسمات التي كادت أن تخرج وتصفعهم يا ترى؟ لم تعر للموقف أي اهتمام وظلت على موقفها.. إلى أن خرجت من تفكيرها

على صوت أمير وهو يقول: "خلاص وصلنا" اندهش يوسف ليجد نفسه أمام الفيلا، فيقول باهتمام وفضول ولكن بنبرة صارمة وجديدة: "مش المفروض هتوصل آنسة نور الأول؟ أجاب أمير بخبث: "ما احنا خلاص وصلنا لبيتك .. ثم آنسة نور على طريقي فقلت أوصلك أنت الأول" تبادلا النظرات بينهم في غيرة وضيق ثم خرج وأغلق الباب بعنف بسيط، بمجرد أن اختفى قليلًا ضحك أمير بشدة لتتعجب نور من رد فعله.

كان يعلم بأن تلك الخدعة صعبة بالنسبة ليوسف، شكه في شيء ما في عقله كان يجب أن يتأكد من صحته، وعليه أن يبدأ بما فعل به وها قد حصل على بغيته وتأكدت الشكوك في ظنه .. ليعود الصمت لأدراجه مرة أخرى حتى أن أوصل نور لمنزلها. ************************

منذ دخولهما الجناح المخصص لهما كعروسين حديثي الزواج، وسماع صوت انغلاق الباب .. والرعب والقلق فَرّا من قلبها لجسدها بالكامل، شعرت بقشعريرة حاوطتها من شعر رأسها لأخمص قدميها، واقفة في مكانها دون حراك تفكر بالخطوة المقبلة ولكن لا توجد أي فكرة في رأسها على الإطلاق، فقط تنتظر ما سيحدث بعد قليل .. يجب أن تنهي حد لهذه المأساة منذ هذه الليلة ..

لم يتوقع أن يصل تحديها له بما حدث مع أمير، يشعر حقًا بالضيق والغيرة أكثر، فيتعجب أكثر وهو لا يكترث لها على الإطلاق، لتخرج هي عن دائرة تفكيرها صوت طارق الساخر: "واقفة كده ليه؟ .. عليكي ذنب؟ لترد بمنتهى البرود: "هو أنا واقفة فوق راسك .. خليك في حالك" شعر بالضيق من أسلوبها وزاد الأمر كلما تذكر، لينفعل عليها وهو يقلدها ساخرًا: "ممكن أفهم اللي عملتيه من شوية ده .. ماشي يا أمير هستنى تليفونك"

ابتسمت دون أن يلاحظ وفهمت ما يرمي عليه، لترد ببرود: "هو أنت بتقول الشكل للبيع وخلاص .. أمير وكنا متفقين إنه يوصلنا المطار .. ابن عمتي وعرض عليا وأنا وافقت" صاح بها بغيرة واضحة في عيناه: "لا والله .. بتاع إيه ده بقى إن شاء الله" ردت بنفس البرود والهدوء: "ما أنا قلتلك ابن عمتي .. مش حد غريب يعني .. طارق أنا فيا اللي مكفيني .. متكبرش الموضوع وعدي الليلة دي على خير ها" زفر بضيق وضجر شديدين وهو يتوعد لها:

"ماشي يا سلمى .. صبرك بس" لم تعره أي اهتمام، فشرع في تغيير ملابسه فبدأ بنزع حلته وفك أزرار قميصه لتصيح سلمى باندهاش: "إيه ده أنت بتعمل إيه؟ رد ببرود: "إيه بغير هدومي ولا هنام بيهم كمان!! قالت سريعًا بتوتر ونبرة بها الخجل: "في حاجة اسمها حمام .. هتغير قدامي كمان!! اقترب منها وقال بخبث: "مال وشك قلب زي الطمطماية .. إيه ده أنتِ بتتكسفي؟ .." رمقته بغضب وهي تشكل كفها على هيئة قبضة وتتمنى أن تدفعها بوجهه.

فابتعد وهو يبتسم وذهب ليبدل ملابسه في الحمام، فوضعت يداها على خصرها وهي تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تفكر، ليتملكها الفزع من صوت الباب بعد فترة وهو يخرج منه مرتديًا ملابس نوم قطنية .. ليقترب منها ويقول: "هتنامي بهدومك ولا إيه" نظرت له دون إجابة، ليذهب نحو الفراش ويجلس فوقه في هدوء .. لتتذكر شيئًا ما فتصيح به: "إيه ده وأنا هنام فين؟ رد بهدوء شديد: "جانبي .. السرير كبير ويساع من الحبايب ألف" عقدت

ذراعها وأردفت باعتراض: "أنت بتهزر؟! لا طبعًا" أجاب بنفس الهدوء: "طيب نامي في المكان اللي يريحك" تأملت الغرفة الواسعة حولها فلم تجد سوى أريكة تصلح للنوم، عقدت ذراعها وباعتراض قالت: "أنام فين والأوضة مفهاش إلا سرير واحد .. على الكنبة مثلًا؟! نهض واقترب نحوها لتعود هي للخلف وقال بنفاذ صبر:

"شوفي مين بقى اللي مش عايز يعدي الليلة دي على خير .. أعملك إيه يعني .. سبحان الله جناح عروسين مفهوش غير سرير واحد طبيعي جدًا وأنتِ مراتي .. ها" توترت سلمى وخجلت، فحاولت بقدر الإمكان عدم إظهار ذلك، لتقول وهي مصطنعة الجمود: "على فكرة مش معنى إني مراتك يبقى أنام جنبك على سرير واحد" رفع حاجبه باستنكار وقال ساخرًا: "لا والله!! جديدة دي .. ها وإيه كمان؟ استطردت بجدية وجمود:

"أنت مش ملتزم من ناحيتي بأي حاجة تمامًا وأنا نفس الكلام" اقترب منها أكثر وقال بهدوء كأنه لم يسمع منها شيئًا: "منطقي اللي أنتِ بتقوليه ده؟ .. أيًا كان شكل جوازنا إيه متنسيش إنك على اسمي وذمتي .. بقيتي مراتي ومسؤولة مني" نظرت له سلمى بعند: "أنا مراتك آه بس على ورق .." أردف ويكاد أن ينفذ صبره: "هتفرق يعني بذمتك؟! .. مش هعيد كلامي تاني .. أنا عارف إننا مغصوبين على بعض وبقى أمر واقع .. وده مش هيغير حاجة" نظرت

له بتحدي وقالت بانفعال: "عليك نووووووور .. وده معناه إني مش هكون ليك يا طارق .."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...