تحميل رواية صغيرة بلال بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
وهي تصارع الموت وتضم طفلتها إلى صدرها. "يااااه يا حبيبتي انتظرتك كتير أوي، واليوم اللي جيتي فيه هفارقك. بس أنا هسيبك لرب رحيم، أحن من الكل." أم مصطفى بشفقة عليها. "متقوليش كده يا حبيبتي، هتقومي بالسلامة وهتعيشي ومحدش هيربيها غيرك وهتفرحي بيها." شروق. "أنا خلاص حاسة بنفسي، وعلى موعد مع الله. وصيتي ليكي تخلي بالك منها، هي ملهاش غيرك دلوقتي بعد ربنا." أم مصطفى وقد تسلل الدمع إلى عينيها. "في عيوني يا بنتي والله." شروق. "الحمد لله." ثم شخص بصرها ورددت بخفوت. "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الل...
رواية صغيرة بلال الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
وهي تصارع الموت وتضم طفلتها إلى صدرها.
"يااااه يا حبيبتي انتظرتك كتير أوي، واليوم اللي جيتي فيه هفارقك. بس أنا هسيبك لرب رحيم، أحن من الكل."
أم مصطفى بشفقة عليها.
"متقوليش كده يا حبيبتي، هتقومي بالسلامة وهتعيشي ومحدش هيربيها غيرك وهتفرحي بيها."
شروق.
"أنا خلاص حاسة بنفسي، وعلى موعد مع الله. وصيتي ليكي تخلي بالك منها، هي ملهاش غيرك دلوقتي بعد ربنا."
أم مصطفى وقد تسلل الدمع إلى عينيها.
"في عيوني يا بنتي والله."
شروق.
"الحمد لله."
ثم شخص بصرها ورددت بخفوت.
"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله."
شروق فتاة من أصل طيب، على قدر من الجمال متواضعة رغم ما تنعم به من رفاهية.
فهي ابنة رجل الأعمال المعروف باسم المصرى، أو كما يطلقون عليه حوت الحديد، حيث تقع أغلب مزادات الحديد تحت سيطرته.
وهي خريجة كلية التجارة، ملامحها هادئة يحبها كل من يراها، تبلغ من العمر ثلاثة وعشرون عاماً.
عملت كمحاسبة في شركة والدها باسم المصرى بعد التخرج، واستطاعت في فترة صغيرة أن تثبت خبراتها وأصبحت محط اهتمام الكثير.
وتهافت عليها الخطاب من كل صوب ودرب ولكنها كانت ترفض، فقلبها معلق بمن لا يهتم بها.
يشارك باسم المصرى في مصنعه للحديد والصلب صديقه مؤمن بسيوني.
مؤمن لديه ابن يدعى لؤي.
لؤي شاب في منتصف العشرينات يتمتع بجسد رياضي وملامح جاذبة ولكنه متكبر وعنيد ولا يتمتع بأي مسؤولية، بل يقضي معظم وقته في اللهو واللعب والسهر.
ولا يذهب للمصنع سوى لطلب الأموال من والده من أجل سهراته الخاصة مع أصحابه من جامعته الخاصة الذي لم ينهيها بعد بسبب كثرة رسوبه.
فعنفه والده بقوله حين أتى إليه لطلب المال.
"وبعدين يا لؤي، مش كده؟ هو حضرتك كل ما تعتب المصنع، مفيش حاجة تطلبها غير الفلوس، وياريت بتعمل بيها حاجة عدلة لكن بتصرفها على الهلافيت صحابك."
لؤي بنزق.
"هو أنا كل ما أجي أطلب فلوس، هتسمعني الكلمتين اللي ملهمش لازمة دول. قلت لحضرتك كذا مرة، أنا شاب لسه في بداية حياتي ومن حقي أستمتع بحياتي بالطريقة اللي تعجبني أنا."
مؤمن بسخرية.
"هو مينفعش الاستمتاع غير بقلة الأدب دي والسهر مع الساقطات؟ ده انت خليت سمعتنا في الأرض وكله بيكلم ويقول شوف لؤي بيعمل إيه؟"
لؤي.
"سمعة إيه بس هو أنا بنت عشان يتكلموا عليا؟ أنا راجل وأعمل اللي أنا عايزه."
مؤمن.
"والله انت فاهم الرجولة غلط، الرجولة عقل وحكمة وأخلاق مش كده. بس العتب مش عليك، العتب على الست أمك اللي معرفتش تربيك عشان حضرتك برضه مشغولة بالأصحاب والنوادي وسبتك للشغالين، فاخدت أخلاقهم."
ثم سمع مؤمن طرقاً على الباب، فأذن له بالدخول.
فإذا بها شروق.
ولجت إليهم بابتسامتها المعهودة مردفة.
"صباح الخير يا عمو، أخبارك؟"
مؤمن ببشاشة.
"أهلاً يا بت الغالي."
شروق.
"بعد إذنك يا عمو، بابا محتاج إمضتك على أوراق الصفقة دي ضروري."
ثم وقعت عيناها على لؤي فدق قلبها بشدة واحمرت وجنتيها خجلاً، ولاحظ مؤمن خجلها فبادر بقوله.
"طيب اتفضلي اقعدي يا بنتي."
ثم أشار إلى لؤي.
"سلم يا ابني على شروق. إيه مالك مكسوف ولا إيه؟ ده انتوا ياما لعبتوا مع بعض وأنتم صغيرين."
لؤي بنفور.
"أهلاً يا شروق، عاملة إيه؟"
فركت شروق في أصابعها خجلاً مردفة.
"الحمد لله، وانت عامل إيه؟"
لؤي بعجرفة.
"عامل ماشي، عشان أسيبكم تكلموا براحتكم في الشغل."
ثم وقف واستعد للخروج ولكنها وقفت سريعاً، وقد اضطرب صوتها من الحرج فقالت بصوت منخفض.
"لا يا لؤي خليك وأنا هستأذن عشان أكمل شغلي."
ثم التفتت إلى مؤمن قائلة.
"حضرتك اطلع على الأوراق وامضيها وابعتها مع عم محمود الساعي لمكتب بابا لو سمحت يا عمو."
مؤمن وقد شعر بالإحراج من حديث لؤي لها.
"ما تقعدي يا بنتي، حتى نشرب فنجان قهوة سوا، عقبال ما أوقع على الورق."
شروق بحرج.
"معلش يا عمو، وقت تاني إن شاء الله."
ثم اختلست نظرة سريعة إلى لؤي الذي وجدته ينظر لها بازدراء وتهكم.
ثم أسرعت للخارج وقلبها يدق بعنف وعينيها تلمع من الدموع حتى وصلت إلى مكتبها ودفنت رأسها على مكتبها باكية محدثة نفسها.
"مش عارفة، انت ليه بتعمل كده يا لؤي كل ما أشوفني. زي ما تكون بتتعمد تهيني بكلامك الجاف ده ولا نظراتك ليا اللي بتشككني في نفسي. مع إني الحمد لله على قدر من الجمال ولبسي آه ساتر وفصفاض بس من أرقى الموديلات. بس أنا عارفة إنك مش بيعجبك غير البنات المسهوكة اللي بتعرفهم، وبيلبسوا لبس يفضح أكتر ما يستر. بس صدقني محدش فيهم هتقدر تحبك زي ما أنا بحبك. رغم كل مساوئك بس برضه بحبك من وإحنا أطفال صغيرين وحاولت ياما أقاووم حبك ده لكن للأسف مقدرتش وبتعذب بيه ليل نهار. وبدعي ربنا يصلح حالك وتكون ليا في يوم من الأيام."
عنف مؤمن ابنه لؤي.
"تصدق انت معندكش أي ذوق ولا احترام."
لؤي بغضب.
"ليه عملت إيه؟"
مؤمن.
"مش عارف عملت إيه؟ البنت دخلت ولا كأنك شايفها ولما قولتلك سلم عليها، سلمت عليها كده من طراطيف مناخيرك، ده غير نظراتك ليها من فوق لتحت وكأنك بتسخر منها. غير قلة الذوق، إنك عايز تمشي عشان هي موجودة، يعني بمعنى أصح، أنا مش طايق أقعد في مكان أنتِ موجودة فيه. مشفتش صراحة قلة ذوق أكتر من كده."
زفر لؤي بضيق قائلاً بسخرية.
"أعمل إيه يعني، مهي منظرها يضحك، وكنت ماسك نفسي."
مؤمن بإنفعال.
"إيه الهبل ده، ليه شايفها أرجوز قدامك؟"
لؤي.
"مش شايف حضرتك لابسة إيه؟ لابسة شوال كده واسع مش باينة فيه، غير البتاعة اللي حطاها فوق راسها دي، لفاها زي الجماعة الصعايدة اللي بنشوفهم في المسلسلات."
مؤمن بغضب.
"انت من كتر معرفتك بنات مش محترمة، بقى عندك الستر والحجاب غريب وبتستهزأ بيه. لكن اعرف كويس يا لؤي إن مفيش أي واحدة من اللي بتعرفهم تعرف تفتح بيت أو تصونك في شرفك ومالك. ويستحيل أنا أوافق تتجوز واحدة منهم، وعشان كده أنا خلاص اخترت لك شروق، هي الوحيدة اللي هتستحمل طبعك اللي محدش يستحمله ده والبنت حاسس إنها بتحبك من خجلها لما بتشوفك ورعشة إيديها."
لؤي بصدمة.
"انت بتقول إيه يا بابا!! ده مستحيل يحصل طبعاً، أنا أتزوج البتاعة دي! عشان تقلب البيت مسجد وقال الله وقال الرسول. لاااا طبعاً أنا عايز أعيش الحب والدلع مع واحدة تفهمني وأفهمها ونعيش بحرية من غير قيود."
مؤمن بإنفعال.
"مش بقولك إنسان تافه ومش فاهم أي حاجة في الدنيا غير الدلع وقلة القيمة ومش فاهم يعني إيه جواز واستقرار. عشان كده بأكد عليك تاني، هتجوز شروق يعني هتجوزها. ولو رفضت هحرمك من الميراث، وساعتها شوف بقى مين هتقبل بيك من الأشكال اللي بتعرفها وانت مفلس. ومحلتكش حاجة. وضف لده كمان مصيبة أكبر إنك عاطل ومقضيها سهر وشرب."
فوضع لؤي يده على وجهه حزناً ثم تذكر نورهان زميلته في الكلية الخاصة وحبيبته وهي فتاة من النوع الذي يفضله لؤي، مرحة وتحب الظهور بمظهر مختلف يوماً عن يوم، فترتدي كل ما تريده من ملابس ضيقة وقصيرة تظهر مفاتنها.
وهي محط اهتمام كل الدفعة ويظن لؤي إنه محظوظ لأنها تركت الجميع وأحبته هو.
لؤي محدثاً نفسه.
"يعني إيه معقول، أتزوج الشوال دي وأسيب الصاروخ نورهان اللي كله بيحسدني عليها. ده يستحيل يحصل. بس يا فكيك لو رفضت هطير الفلوس وهتطير معاها نورهان، هجوزها إزاي وكل الفلوس بإيد بابا. إيه الحل بس؟"
فوقف لؤي والحزن يسيطر على جوانحه قائلاً.
"طيب يا بابا ممكن حتى تديني فرصة أفكر."
مؤمن.
"تفكر في إيه وهي دي محتاجة تفكير. دي جوازة لقطة، بنت حسب ونسب وكمان بنت شريكي، يعني زيتنا في دقيقنا. بدل ما يجي واحد غريب منعرفهوش يشاركنا في شغلنا. فإحنا أولى."
حرك لؤي رأسه باستنكار مردفاً.
"قول كده بقا، الموضوع مش البنت أخلاق والشعارات الفارغة دي. الموضوع مصلحة الشغل."
مؤمن.
"وديه فيها إيه؟ بجانب أن البنت تستاهل كمان وخسارة في أي حد غريب."
ضم لؤي شفتيه ثم نطق.
"أنا مقدر ده كله بس قلبي مش معاها يا بابا افهمني وخايف فعلاً لما أتزوجها أظلمها لإني مش بحبها وبحب واحدة تانية."
مؤمن.
"آه قولتلي بتحب واحدة تانية. طيب وماله يا حبيبي، الشرع محلل لك تتجوز واحدة واتنين وتلاتة وأربعة كمان. بس عشان صورتنا قدام أبوها. اتجوز التانية من غير ماحد يعرف."
فضحك لؤي.
"يا حبيبي يا سيد الكل، طيب مش تقول كده من الأول. خلاص أنا موافق زي بعضه أجوز الشوال، قصدى شروق. وهعصر على نفسي لمونة، بس بعديها هحلى بالكريم شانتيه نورهان."
ابتسم مؤمن واقترب من لؤي وحاوطه بذراعيه قائلاً.
"مبروك يا لؤي وصدقني لو لقيت الدنيا كلها مش هتلاقي زي شروق، ده أنا مربيها على إيدي. وواثق إنك لما تتجوزها هتحبها وممكن كمان ترجع في كلامك ومتجوزش البنت اللي بتقول عليها دي."
لؤي.
"لااااا الا دي، دي حب سنين يا بابا."
مؤمن.
"طيب يا حبيبي انت. المهم دلوقتي، أنا هتصل بعمك باسم وهقوله عايزين نتعزم عندك على العشا النهاردة. وبعد العشا ومع فنجان قهوة كده متكيف تقوم تفاتحه في الجواز من بنته شروق."
لؤي.
"على طول كده يا بابا، من الدار للنار. ليه بس السرعة دي؟"
مؤمن.
"يا ابني البنت من جمالها ونشاطها وسمعتها الطيبة بيجيلها كتير قوي. فعايزين نلحقها قبل ما توافق على حد من اللي بيتقدملها دول."
فهمس لؤي.
"ياريت وأبقى خلصت من الجوازة دي."
مؤمن.
"بتقول حاجة يا لؤي."
لؤي بنفي.
"لاااا يا بابا بقول ربنا يتمم بخير."
مؤمن.
"ولو إني مش مرتحلك وخايف تقصر رقبتي مع الناس. بس هعمل نفسي مصدقك وهقول أمين. ودلوقتي يلا شوف طريقك وسبني أخلص شغل."
لؤي.
"تمام، سلام يا كبير."
مؤمن.
"الله يهديك يا ابني، سلام."
خرج لؤي وجاءه اتصال من نورهان.
دق قلبه وابتسم ثم أجابها بقوله.
"صباح الورد على حبيبي أنا."
نورهان بدلال مصطنع.
"لا متقولش حبيبي يا بكاش وبتاع. محدش بيحب حد ويستخسر فيه خاتم ألماس بسيط."
زفر لؤي بضيق.
"برضه كده أنا برضه أستخسر فيكي حاجة يا نورا، ده أنا لو أطول أديكِ عيوني هدية."
نورهان.
"يسلام وتفسر إيه إنك مجبتهوش ليا لغاية دلوقتي مع إنك وعدتني من أسبوع."
لؤي.
"غصباً عني والله، بابا ماسكها عليا اليومين دول شويتين. وآخر المتمة عايز يجوزني بنت شريكه عشان المصلحة ويضمنه معاه لباقي العمر وبيقول قال إيه زيت في دقيقنا وبتاع ولو موفقتش، هيحرمني من الميراث ومش هطول منه أي فلوس تاني."
فرددت نورهان بصدمة.
"إيه؟"
لؤي متداركاً قوله.
"لا يا حبيبتي يستحيل ده يحصل. مفيش في القلب غيرك ومش هجوز غيرك. ومش مشكلة الفلوس، المهم إحنا نكون لبعض."
نورهان بمكر.
"لا يا حبيبي، وأنا ما يرضيني تخسر كل حاجة، ده حقك ومالك."
لؤي.
"أعمل إيه بس، مهو مش معقول أبداً أتزوج البتاعة اللي عاملة زي الشوال دي وأسيب ملكة الجمال نورا."
فضحكت نورهان قائلة.
"بتحبني أوي كده يا لولو."
لؤي.
"بموت في التراب اللي بتمشي عليه يا عيون لولو."
نورهان.
"خلاص يا حبيبي، وأنا ميخلصنيش تخسر كل حاجة عشان خاطري، وعشان كده اتجوز البتاعة اللي بتقول عليها دي."
لؤي بإنفعال.
"انتِ إزاي تقولي كده، أنا مقدرش أبعد عنك؟"
نورهان.
"ومين قال لك بس هتبعد عني يا لولو، افهمني انت اتجوز البتاعة دي ولما تبقى مراتك نغنشها كده وخليها تعملك توكيل تصرف فيه براحتك في أملاكها، ده غير باباك اللي لازم تقوله شرط الجواز شيك ٢ مليون على الأقل أو حصة من الشركة تكون باسمك. وبعدين يا روحي إحنا نعيش حياتنا ونتجوز ونهنى من غير ما تخسر حاجة خالص. ولما تقشط مراتك اديها استمارة ستة، لأني يا حبيبي زي الفريك ما أحبش شريك."
فضحك لؤي قائلاً.
"يا بت الجنية، إيه التفكير الجهنمي ده. عُلم وجاري التنفيذ يا قمري."
وفي الليل حيث يسدل الستار عن متاعب الحياة لننال قسطاً من الراحة من أجل نشاط يوم جديد.
وجدت شروق وهي منغمسة في قراءة وردها اليومي قبل الخلود إلى النوم.
من يطرق عليها غرفتها مستأذناً.
"حبيبة بابا صاحية ولا نايمة."
فقامت شروق سريعاً نحو الباب واستقبلت أباها بابتسامتها المشرقة مردفة بحنو.
"بابا حبيبي، حتى لو نايمة أصحى ليك."
فقبلها باسم بين عينيها مردفاً.
"حبيبة قلبي يا شوشو. أنا مش هاخد من وقتك كتير عشان ترتاحي وأنا كمان أنام شوية عشان شغلنا بدري."
شروق.
"خير يا بابا فيه حاجة؟"
باسم.
"كل خير يا قلب بابا. تعالي بس نقعد."
فجلسا على الأريكة ثم حدثها.
"بنتي الحلوة كبرت وآن الأوان تبقا عروسة، مش عارف هستحمل بعدك إزاي يا روح قلب بابا بس أعمل إيه سنة الحياة."
افترشت شروق بنظرها الأرض خجلاً مردفة.
"لا يا بابا أنا مش هسيبك ومش عايزة أبداً أتزوج."
باسم.
"لا يا بنتي مفيش الكلام ده، دي سنة الحياة وأنا يهمني سعادتك ومش هطمن أبداً، إلا لما أشوفك في بيتك مع ابن الحلال اللي يسعدك."
شروق.
"لسه شوية يا بابا أنا مش مستعجلة وعايزة أحقق ذاتي في الشغل الأول."
باسم.
"متقلقيش مهو شغلنا هو شغلهم وهتحققوا ذاتكم سوا، بس ساعديه يخلص كليته عشان هو مهمل شوية وييجي الشركة يشتغل أنتِ وهو وتخففوا علينا الحمل شوية يا بنتي."
ضيقت شروق عينيها غير مدركة ما يلمح به والدها.
فتساءلت.
"انت تقصد مين يا بابا؟"
فابتسم باسم مردداً.
"أقصد لؤي ابن عمك مؤمن شريكي وصاحب عمري."
فجحظت عين شروق من المفاجأة غير مصدقة وأخذت تردد.
"لؤي طالب إيدي أنااااااااااا"
باسم.
"آه فيها إيه دي، وهو يطول ياخد القمر بتاعنا."
شروق.
"بس يا بابا؟"
رواية صغيرة بلال الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
تفاجئت شروق بطلب لؤي يدها، وامتزجت مشاعرها بين الفرحة والدهشة والخوف. فرحة لأنها سترتبط أخيرًا بحب عمرها، وخوفًا لأنها لم تشعر يومًا أنه يكن لها حبًا، لسوء معاملته لها وبرودة مشاعره وتجاهله. فكيف إذا، بين عشية وضحاها، يطلب يدها للزواج؟
"شروق... بس يا بابا؟"
"إيه مالك يا روح بابا؟ لو مش موافقة، أنا عمري ما هغصبك طبعًا، دي سعادتك وحياتك والقرار قرارك."
فركت شروق في يديها خجلًا وتوترًا، ثم همست: "لا، الأمر مش كده، بس يعني أنا اتفاجئت لأن لؤي عمري ما حسيت منه اهتمام، فإزاي فجأة يطلب إيدي؟"
"ممكن يكون محرج ومأجل الاهتمام لبعد الارتباط الرسمي."
"ممكن."
"ها نقول مبروك؟"
فاكتفت شروق بابتسامة خجولة، فقبلها باسم بين عينيها قائلًا: "ألف مبروك يا قلب بابا، ربنا يسعدكم ويتمم بخير." ثم قام من جلسته وتابع: "أسيبك دلوقتي تنامي عشان شغلنا بدري، تصبحي على خير."
"وأنت من أهله يا بابا."
وعندما خرج والداها، قفزت شروق في مكانها فرحًا، ثم وقفت أمام مرآتها تنظر لها بسعادة، وكأنها تحدثها بقولها: "أخيرًا أخد باله مني، أخيرًا حس بقلبي وهيكون نصيبي وقسمتي وحلالي." ثم سجدت لله شكرًا ودعت الله أن يتم لها أمرها على خير.
***
في منزل مؤمن، والد لؤي.
"انت بتقول إيه يا مؤمن؟ لؤي ابني يجوز البت دي! اللي منظرها بملابسها المهرول ده يكسف."
فنظر لها مؤمن بتهكم قائلًا: "أمال عايزاه يجوز وحدة من الأشكال اللي بتعرفيهم، آه شكلهم حلو من بره، بس من جوه فاضي ولا ليهم عقل ولا اهتمام إلا بالموضة والميكب، ومفيش وحدة فيهم تقدر تفتح بيت ولا تربي طفل كويس."
"إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده؟ ما عندك أهو أنا زوجة وأم، وفي نفس الوقت بحب الاهتمام بمظهري وحياتي ومش قافلة على نفسي زي الأشكال دي."
"لا واضح أنتِ هتقوليلى. أنتِ يا هانم عمرك ما قدرتي يعني إيه بيت أو زوج، حتى ابنك من صغره رمياه للمربيات لحد ما الولد أخلاقه باظت بسببك وبسببهم. قولي بس ياريت البنت توافق بيه وتقدر تعمل اللي أنتِ مقدرتيش تعمليه، تخليه إنسان يعتمد عليه، راجل صح بالفعل مش بالجنس بس. ذكر وهو لا شغلة ولا مشغلة إلا السهر والمرتعة مع البنات."
"مؤمن، أنا مسمحلكش تكلم معايا بالأسلوب ده. وابنك شاب ومن حقه يعمل اللي هو عايزه ويعيش حياته."
"تسمحي ولا متسمحيش، أنا غلطان إني قاعد بكلم معاكِ أصلًا. المهم الولد هيجوز البنت، وتبقى دي الحسنة الوحيدة اللي في حياته. سلام يا مدام."
***
في منزل بسيط في أحد المناطق الشعبية، وتحديدًا شقة الأستاذ محمد، الذي فقد زوجته عند ولادة ابنته بسمة. فرفض الزواج بعدها وفاءً لحبه لها، وآثر عدم مجيء زوجة أب تكيل الشر لأطفال بلال والصغيرة بسمة. وهو معلم في مدرسة ابتدائية، وأحيانًا كان يعطي بعض الدروس الخصوصية بأسعار منخفضة لأبناء جيرانه.
قام محمد على تربية أولاده على أكمل وجه، وحرص على تحفيظهم كتاب الله منذ نعومة أظافرهم، كما ألحقهم بالمعهد الأزهرى لينالوا قسطًا من العلوم الدنيوية والشرعية معًا لتكون حصنًا لهم من تقلبات الدهر. وكما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "من أراد الله به خيرًا يفقه في الدين".
كما كان يصحب ابنه بلال للصلاة في المسجد في الأوقات المختلفة، وكان ينظر له بفخر قائلًا: "ربنا يحقق فيك يا بلال يا حبيبي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، شاب نشأ في طاعة الله وقلبه معلق بالمساجد. وأرجو أن تكون منهم يا حبيب بابا."
فردد بلال ببراءة الطفولة: "وأنت كمان يا بابا منهم."
رجل ذكر الله ففاضت عيناه.
"وأنت على طول تذكر ربنا أو تقرأ قرآن عينك بتدمع."
فضمه محمد إلى صدره قائلًا: "ربنا يبارك فيك يا حبيبي أنت وبسمة." ثم ابتعد عنه قليلًا ونظر له نظرة مطولة، وكأنه يريد أن يشبع منه قبل الفراق الأبدي، بعد أن شعر باقتراب أجله.
فقال: "حبيبي يا بلال، أنت خلاص كبرت وبقيت عندك 12 سنة، بقيت راجل وقربت تختم القرآن كمان، ما شاء الله عليك يا حبيبي. فعايزك يا حبيبي تخلي بالك من اختك وتحطها في عينيك الاتنين، لحد ما تسلمها بإيدك لأيد عريسها. ومتنسونيش ديما في الدعاء، لا أنا ولا أمكم الله يرحمها. كانت ست جميلة شكلًا، وبرضه من جوه كانت جميلة وروحها حلوة أوي. وهي عملت فيكم حاجة كويسة أوي لما اتولدت أنت، وعملتها مع اختك برضه. إني عملت لكم دفتر توفير، فكان أي حاجة تزيد عن المرتب أحطه فيه ليك ولأختك. عشان الواحد ميعرفش الزمن هيعمل فينا إيه؟ ولازم الواحد يكون مستور. وأنا شايلهم في دولاب المرحومة أمك يا حبيبي، وأنا الواصي الأول عليهم، ومن بعدي خليت الست أم مصطفى جارتنا، دي أكتر وحدة كانت بتحب أمكم الله يرحمها وبتحبكم أنتم كمان أوي."
نظر بلال لأبيه بذعر واحتضنه قائلًا: "ليه بتقول كده يا بابا؟ ربنا يحفظك لينا، ودينا منور حياتنا، وأنا مش محتاج حاجة غير وجودك."
دمعت عين محمد ونظر للسماء قائلًا: "يارب، أنت أحن وأكرم. استودعتك إياهم." ثم نطق الشهادتين وفاضت روحه إلى بارئها، واختل توازنه وسقطت رأسه على صدر بلال.
فاندهش بلال ولم يستوعب ما حدث لأباه. فحركه قائلًا: "بابا، بابا، مالك؟ أنت تعبان، قوم يا بابا، قوم عشان خاطري. متخوفنيش أرجوك، قوم يا بابا. هزعل منك، أوعى تسبنا زي ماما ما سبتنا وراحت لربنا." ثم فاضت عيناه بالدموع صارخًا: "لا، أنت مموتش وطلعت روحك عند ربنا، أنت نايم صح وهتقوم."
ثم جاءت أخته الصغيرة بسمة: "مالك يا بلال بتعيط ليه؟ ومال بابا نايم ليه كده؟"
ضم بلال شفتيه بقهر وهو ينظر لتلك الصغيرة التي لم يتعد عمرها بعد خمس سنوات. ما سيفعل معها بمفرده، فهو ما زال صغيرًا على ذلك. ولكنه تذكر كلمات أبيه أن يكون لها سندًا بعد الله عز وجل. فأراح رأس والده على الأريكة ثم قبله ودموعه على وجنتيه، ثم اتجه نحو أخته التي لا تستوعب ما حدث. فربت عليها بحنو قائلًا: "متخفيش يا حبيبتي، أنا موجود معاكِ ومش هسيبك أبدًا."
"وبابا ماله، مش هيصحى تاني؟"
"بابا خلاص راح عند ربنا زي ماما."
"لااااا، أنا عايزة بابا." ثم اقتربت منه وأمسكت بذراعه تشده قائلة: "بابا قوم يلا، أنت قلت هتجبلي بيت سندريلا، قوم إلا أزعل منك."
ثم بكى الاثنان حتى وصل صوت بكاؤهم إلى جارتهم أم مصطفى، فأسرعت إليهم.
"افتحوا يا ولاد بتعيطوا ليه كده، حصل حاجة؟"
فأسرع لها بلال وفتح الباب، ولم يستطع أن ينطق، وإنما أشار إلى والده. فصعقت أم مصطفى من هيئته التي تدل على الموت، وصرخت وتجمع الجيران.
"لا حول ولا قوة إلا بالله، الراجل كمان مات في عز شبابه زي مراته وساب وردتين، إنا لله وإنا إليه راجعون."
ثم تكاتف أهل الحارة لعمل إجراءات الغسل والتكفين وتصريح الدفن. أما أم مصطفى فضمت الطفلين إلى صدرها، معاهدة لهم أنها لن تتركهم أبدًا، فهما بمثابة أطفالها.
***
ولج مؤمن إلى غرفة ابنه لؤي قائلًا: "إيه يا عريس لسه مخلصتش لبس كل ده؟"
فزفر لؤي بضيق: "أهو يا بابا قربت أخلص أهو، هو حضرتك مستعجل ليه بس، وكمان مصمم نعمل كتب كتاب، ليه بس الاستعجال ده؟ مش لما ناخد على بعضنا الأول."
"عشان عارف كويس مين هي شروق، وهي مش هتقدر تاخد وتدي معاك غير لما تكون عاقد عليها. هي مش زي اللي بتعرفهم، بيتكلموا وبيضحكوا وعايشين حياتهم عادي."
"أوف بقى، أنا حاسس زي ما يكون رايح جامع مش بيت."
"ولد بطل وعايزك تعمل إنك مبسوط، وبعد العقد تحضنها وتحسسها إنك بتحبها مش متجوزها غصب."
"اه اه إن شاء الله."
"ودلوقتي هسيبك عشان تنجز، بس أرجوك متتأخرش، الناس في انتظارنا."
"حاضر حاضر."
ثم خرج مؤمن لتقابله زوجته بالعبوس.
"متفردي وشك ده شوية، أنا هلقيها منك ولا من ابنك. أنا حاسس إننا رايحين جنازة مش جوازة."
"انت بتقول فيها، هي كده فعلًا."
ضرب مؤمن كفيه بعضهما ببعض ولسان حاله يستغفر: "استغفر الله العظيم وأتوب إليه، ربنا يهدي."
***
اتصل لؤي قبل خروجه من الغرفة بنورهان: "إزيك يا قلبي أنا."
"قلبي أنت يا لولو. إزيك انت وايه يا عريس خلاص جهزت؟"
"أنتِ أكيد بتهزري صح. بس أنا مش فايق خالص، ومش عارف إزاي هتجوز وحدة أنا مبحبهاش ولا بطيق أشوفها."
"حب فلوسها اللي هتسعدنا إحنا مع بعض يا لولو، ومعلش يا سيدي اعصر على نفسك لمونة عشان تتقبلها. بس أنا بنبهك، مش عايزة حركات كده ولا كده معاها، ومش عايزة أسمع سيرتها كل ما تكلمني."
"بتغيري عليا يا نوري؟"
"اه طبعًا يا حبيبي."
"متقلقيش، أنا أصلًا مش طايق أبص في خلقتها، فإزاي يعني هقدر ألمسها. أنا عايزك أنتِ بس يا قلب لؤي."
"يلا طيب شد حيلك وانجز بسرعة عشان نقدر إحنا كمان نتجوز يا بيبى."
"مهو ده اللي مصبرني على الجوازة السودة دي."
***
سمعت شروق صوت طرقات سريعة على غرفتها.
"اتفضل يا بابا."
فوجدت صديقتها ندى أمامها. فتهلل وجهها وأسرعت إليها تحتضنها قائلة: "ندووش حبيبتي، وحشتيني. كنت خايفة أوي متجيش."
"إزاي مجيش في ليلة زي دي، متتصوريش أنا فرحانة أوي قد إيه؟ وأنتِ أخيرًا هترتبطى بالإنسان اللي طول عمرك بتحلمي بيه."
ابتسمت شروق بفتور ورددت: "الحمد لله."
"مالك يا بنتي؟ ده شكل عروسة يوم كتب كتابها على الإنسان اللي بتحبه."
"آه بحبه، لكن يا ترى هو بيحبني؟"
"أكيد، طالما طلب إيدك الجواز."
"مش عارفه، نفسي أطمن قلبي وأقنعه فعلًا بكده، بس للأسف مش حاسة. وخايفة يكون والده هو اللي غصبه على كده، عشان والده بيحبني زي بنته ودينا كان بيقول... نفسي لؤي ياخد وحدة بأخلاقك وأدبك دي يا بنتي."
"بقولك إيه متجلصيهاش كده. ومتفترضييش حاجة أنتِ مش متأكدة منها. وأنا متأكدة إنه لما يشوف البدر المنور ده النهاردة، في الفستان الوردي والطرحة الأوف وايت دي والميكب الهادي ده اللي مخليكي شبه الملائكة في سحرهم. هيقعد على ركبته وهو بيلبسك الخاتم ويقولك... تقبلي تتجوزيني يا شوشو؟ وبعدين يمطر بقى بكلمات الحب والشوق والهيام والحركات بتاعت كتب الكتاب الحلوة دي."
فابتسمت شروق مرددة: "ياريت نفسي قلبي يفرح أوي يا ندى."
"هتفرحي يا قلبي وتهيصي كده، بس حبيه شوية معاه."
"يعني إيه؟"
"يا بنتي افهمي، ده خلاص هيكون جوزك، فبلاش شغل جعفر ده، خليه شغل من الهيىء والميىء بتاع البنات المساهوكة. مع شوية دلع كده من فوق الوش، وهتشوف الواد هيتنح ومش هيمشي الليلة."
خجلت شروق واحمرت وجنتيها مرددة: "اسكتي يا ندووش متكسفنيش، وأنتِ عرفاني، مليش في السهلوكة دي، أنا أصلًا مش عارفة هقوله إيه لما نقعد لوحدنا."
"يا خيبتك القوية يا بنتي، والله الراجل ده صعبان عليا، يلا نصيبه بقى زي بعضه. وعلى العموم هو أكيد اللي هيكلم الأول، وأنتِ ابتسمي كده واشربي كوباية ينسون، عشان تعرفي تطلعي الكلام."
"موتيني ضحك، الله يسعدك."
"ويسعدك يا قمرى. هو كان يطول ياخد سكرة الشلة بتاعتنا، ده يا سعده ويا هناه."
"كان نفسي أوي ماما تكون معايا في اللحظة دي، اللي بتتمنى أي بنت."
ثم دمعت عيناها فاحتضنتها ندى بحب قائلة: "يا حبيبتي افتكري لها الرحمة وهي أكيد حاسة بيكي وبفرحتك. وأنا أهو يا ستي قدامك، اعتبريني ماما، بابا، أي حاجة تمشي."
فضحكت شروق مرددة: "صراحة مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه في اليوم ده؟"
"عدي بس الجمايل، عشان يوم فرحي على المتعوس كرملة كوكو ابن خالتي ماي هارتي، تيجي كده وتجبلي رغفين حواوشي في الكوافير أتقوى بيهم عشان الليلة هتبقى فل الفل."
"مفيش فايدة فيكِ همك على بطنك في كل حتة."
"طبعًا يا بنتي مفيش أهم من الكرش. المهم الليلة دي فيها شوية حلويات على شوية جوتوهات ولا ناشفة آخد بعضي وأمشي، أقضيها كشري."
"لا متقلقيش فيه، خير ربنا كتير الحمد لله."
"يدوم عزك ونبض قلبك. نسمع زغرودة بقى."
ثم أطلقت ندى الزغاريد، فولج والد شروق وعلى فمه ابتسامة تزين ثغره.
"بسم الله ما شاء الله، عروسة زي القمر."
ثم تقدم منها وقبلها بين عينيها قائلًا: "ربنا يسعدك يا حبيبة بابا. ويلا العريس جه والمأذون مستني."
خرجت شروق مع والداها تتمسك بذراعيه، وقلبها يرتجف من هذه اللحظة. لمحتها منار من بعيد فتمتمت بسخرية: "الشوال جت أهي يا آخرة صبري. حتى في ليلة زي دي البنات بتفرح وبتشيل الطرحة وتلبس حاجة تبين إنها قمر عشان تلفت النظر. لكن برضه البتاعة اللي اختارها أبوك مصممة إنها تغم نفسك، ربنا يصبرك يا حبيبي."
"اه والله ادعيلي يا ماما."
"استغفر الله العظيم، والله بنت جدعة إنها مشلتش الحجاب، يا ست منار الواحد منا ممكن يقابل ربنا في أي لحظة، وسمعنا كتير عرسان اتوفوا في ليلة الفرح، فليه يقابلوا ربنا على معصية."
فحركت منار شفتيها بتهكم: "نقطنا بسكاتك يا عم الشيخ وخلينا في مصيبتنا دي دلوقتي."
"انت قاعد ليه يا لؤي، اقف يا ابني استقبل عروستك."
"واقف ليه، ماهي جاية."
"انت اتعدم عندك الذوق للدرجاتي، اقف يا ابني وروح قولها أي كلمة، انتِ حلوة، مبروك. أي حاجة من اللي بتتقال في اليوم ده."
"مش كنت بتقول ربنا من شوية، عايزني أكدب دلوقتي وأقول حاجة مش شايفها."
"أقسم بالله لو مقومتش، لأقوم ضربك على راسك الناشفة دي وأحرجك قدام الناس."
"لا على إيه الطيب أحسن، وادي قومة."
فقام لؤي واستقبلها ببرود وابتسامة صفراء قائلًا: "مبروك يا شروق."
لاحظت شروق تجهمه، فتنهدت بمرارة قائلة: "الله يبارك فيك." ثم حدثت نفسها: "هو ده اللي كنت خايفة منه، قلبي حاسس إنها مغصوب على الجوازة دي. ومش شايفة في عينيه أي لهفة ولا حب. وكرامتي متسمحش بكده أبدًا."
"أهلاً يا حبيبة عمو، إيه الجمال ده كله!! ألف ألف مبروك. يلا اقعدي يا بنتي، ابدأ يلا يا سيدنا الشيخ."
توترت شروق وجلست. وعندما بدأ الشيخ في إلقاء الكلمات قبل العقد: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. ثم يقرأ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامََ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا".
ثم بدأ في تنفيذه، فوجدت شروق نفسها تبكي، ثم وقفت مرددة: "أنا آسفة وبعتذر، أنا مش موافقة على الجواز من أستاذ لؤي."
فلاحت بسمة على ثغر لؤي، أصابت قلبها في مقتل، ثم أسرعت باكية إلى غرفتها. مما أصاب الجميع بالذهول.
رواية صغيرة بلال الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
وجدت شروق نفسها بين عذابين
عذاب الحب من طرف واحد وعذاب كرامتها أمام لؤي الذي جاء مجبراً للزواج منها.
فاختارت عذاب الحب لا عذاب الزواج من رجل لا يحبها ولا يحترمها، فكرامتها فوق كل اعتبار.
ولكن هل سيسمح لها القدر بهذا؟
لا، لم يسمح.
حين تساءل مؤمن بعد رفضها الزواج من ابنه لؤي، صديقه باسم قائلاً:
"إيه الحكاية يا باسم، مال شروق؟"
باسم والحزن يملأ وجهه:
"مش عارف، أنا مش مصدق اللي عملته ده! دي كانت طايرة من الفرحة لسه من خمس دقايق."
فخرجت ندى عن شعورها قائلة بانفعال:
"مهو من الأستاذ ابن حضرتك يا عمو. قابلها بكل برود ومحستش بفرحته بيها زي أي عريس في اليوم ده."
ثم توجهت بسؤالها إلى لؤي:
"ممكن أعرف حضرتك فعلاً عايزها وبتحبها ولا مغصوب عليها؟ لأن ده فعلاً اللي حاسة بيه شروق. وقبل ما تجاوب عايزة أقولك إن شروق بتحبك فعلاً من زمان بس اللي عملته ده عشان كرامتها اتوجعت."
فرمق مؤمن لؤي بنظرة غاضبة وعنفه بقوله:
"شوفت يا عديم الإنسانية والرجولة عملت إيه في البنت؟"
لؤي بحرج:
"أنااااا يعني، كنت عادي ومش قاصد حاجة أبداً."
باسم:
"قول الحقيقة يا ابني، عايز تجوز بنتي ولا أبوك اللي جابك غصب عنك."
فنظر لؤي لوالده فعلم من نظرته أنه لن يخرج حياً أن تفوه بالحق، فآثر المجاملة بقوله:
"لا طبعاً يا عمي، أنا عايزها، ولو ضاعت من إيدي هندم باقي عمري."
تنهد باسم بارتياح:
"طمأنتني يا ابني."
ثم وقف قائلاً:
"طيب أنا داخل أفهمها ده وأراضيها."
استوقفه مؤمن بقوله:
"لو تأذن ممكن لؤي هو اللي يدخل يراضيها. أظن هو أولى واحد في الموقف ده."
باسم مبتسماً:
"آه طبعاً."
ثم همس مؤمن له:
"يا ابني الستات قلبهم في ودانهم، قولها كلمتين حلوين وإنك بتحبها حتى لو كذب مش حرام، خلي الليلة تعدي على خير."
لؤي بنفور:
"حاضر، هعديها."
ثم ذهب بتثاقل إليها وحاول رسم بسمة مصطنعة على وجهه. وطرق الباب قائلاً:
"شروق حبيبتي، ممكن أكلم معاكي كلمتين."
لم تصدق شروق ما سمعته أذنها، هل ينعتها حقاً حبيبتي؟ فجففت دموعها سريعاً وفتحت الباب وقابلته بابتسامة ساحرة، حتى أنه خجل من نفسه. ثم لاذت بالصمت تنتظره أن يحدثها بكلمات عذبة تثلج صدرها.
لؤي بحرج:
"شروق أنا مش عارف أبتدي منين ولا أقول إيه؟ بس صدقيني أنا مش هلاقِي أبداً زوجة زيك في أخلاقك واحترامك، ده طبعاً بجانب إنك جميلة قوي ولمستِ قلبي من فترة، بس كنت بحرج أظهر ده فعلاً وكنت مستني اليوم ده بفارغ الصبر. بس أنا فعلاً من الشخصيات اللي مش بتعرف تظهر مشاعرها، لكن من جوايا حاجة تانية."
ثم نظر لها في عينيها نظرة أذابت كل حصون قلبها مردفاً:
"تتجوزيني يا شروق."
فلمعت عيناها بالدموع ثم أومأت برأسها.
فحدث نفسه: مكنتش أعرف إنك واقعة قوي كده؟ كده هتسهلي عليا الموضوع وآخد منك اللي أنا عايزه وبعدين أضربك استمارة ستة وأجوز نور عيني نورى.
أشار لؤي إلى ذراعه ليخرجا معاً، تحيط ذراعها بذراعه. وما أن خرجا سوياً حتى تعالت زغاريد ندى وعمت البهجة والسعادة على الحضور. وتم عقد القران وعلى وعد في أقرب وقت سيتم الزفاف بإذن الله.
فما سيحدث لتلك المسكينة؟
طَرقت أم مصطفى الباب على الطفلين بلال وبسمة. ففتح لها بلال ببشاشة وجه، وهذا بعد مضي فترة من الزمن على وفاة والدهم، تولت فيها أم مصطفى رعايتهم.
بلال:
"أهلاً يا خالتي اتفضلي."
أم مصطفى:
"أهلاً بيك يا ابني، والله خالتي دي، طالعة من بقك زي السكر. أمال فين بسمة؟"
بلال:
"في الدرس عند أبلة فاطمة، بتديها تأسيس عشان هتدخل المدرسة السنة الجاية إن شاء الله."
أم مصطفى:
"والله عفارم عليك يا بلال، مهتم بأختك ولا كأنك أمها، ده أنت يا ضنايا، عايز اللي يهتم بيك. المسؤولية كبرتك بدري بدري يا عين أمك يا حبيبي."
بلال بثقة:
"أنا مش صغير، أنا راجل، بابا علمني إن الرجولة مش بالسن، الرجولة مواقف وأخلاق. ووصاني على بسمة وهي في عيوني لغاية ما أسلمها لعريسها بإذن الله زي ما قال."
أم مصطفى:
"والله حاسة إني واقفة صح قدام راجل مش عيل لسه، ربنا يرحمه أبوك صح، علمك اللي معلموش حد. ده أنا ابني شحط طويل وعريض، ومش بيرضى يشتريلي كيس ملح من تحت وأنت يا حبة عيني، طالع نازل توصل وتجيب اختك وتشتري طلبات البيت وتطبخلها كمان بإيدك."
بلال:
"طبعاً دي حتة مني وبخاف عليها أكتر من نفسي. وأنا خلاص نازل أهو أجيبها من الدرس، لو عايزة حاجة أجيبها وأنا راجع أجبهالك، عيوني ليكي يا خالتي."
أم مصطفى:
"تسلم عيونك يا حبيبي. عايزة سلامتك، كفاية عليك مطالبكوا واختك، ربنا يعينك يا حبيبي. والحمد لله أنا اطمنت عليكوا، هروح بقا أشقر على حلة المحشي ألا تتلسع من تحت وأعمل حسابك النهاردة متعملش أكل، أنا عارفة إنك بتحب المحشي أنت وبسمة، وعمله حسابكم في حلة صغيرة كده على قدكم."
بلال:
"تسلم إيدك، تعبناكِ معانا والله، كفاية سؤالك علينا. حضرتك أحن علينا من الغريب."
ثم لمعت عيناه بالدموع مسترسلاً:
"الكل جه ساعة العزا راسم على وشه الحزن ويطبطب علينا ويقول: متخافوش ولو احتجتوا أي حاجة أنا موجود. وهوب خلص العزا وكله روح بيته ولا كأن حد مات واندفن ونسوا إننا عايشين."
حركت أم مصطفى رأسها بآسف قائلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، معلش يا حبيبي، ربنا أحن من الكل. وأنت بسم الله ما شاء الله مش محتاج حد، وأنا معاكم يا ابني لغاية ربنا ما يسترد وديعته."
فانفعل بلال وبكى بنحيب قائلاً:
"لااااا متسبناش أنتِ كمان أرجوك."
فلمعت عين أم مصطفى قائلة:
"الأعمار بيد الله يا حبيبي. محدش بيختار أجله، المهم حسن الخاتمة."
ظنت شروق بعد العقد أن لؤي سيتقرب منها ويشبعها حباً كما ترى في صديقاتها مع أزواجهن بعد عقد القران، فهي أجمل مرحلة من العمر ومليئة بالأحاسيس والمشاعر الفياضة. ولكن للأسف كان يتهرب منها ولا يحدثها إلا في النادر.
فولجت لوالدها في غرفة مكتبه لعلها تجد عنده ما يثلج صدرها. فوجدته يجلس على كُرسي مكتبه وعيناه شاخصة. ففزعت واقتربت منه قائلة:
"بابا بابا، أنت كويس؟ حاسس بإيه؟"
ولكنه لم يتحدث، فقد فارق الحياة نتيجة لسكتة قلبية مفاجئة.
فصرخت شروق:
"لااااا بابا أرجوك رد عليا، متسبنيش في الدنيا دي لوحدي، أنا مليش غيرك يا بابا. هتسبني لمين بس؟ قوم يا بابا وكلمني وقول إنك معايا، أنا محتاجلك قوي، ده أنا كنت جاية أشتكيلك حالي وأقولك أعمل إيه في حياتي مع لؤي؟ تقوم تسبني ليه؟ محدش حنين عليا غيرك، بابا بابا."
سمعت أم علاء صراخها فأسرعت إليها، فوجدتها قد انهارت وسقطت مغشياً عليها.
أم علاء بصراخ:
"يادي المصيبة، الراجل مات والبت اغمى عليها من الصدمة. أعمل إيه دلوقتي؟ آه، مفيش غير أتصل بسي مؤمن وهو يتصرف."
فأسرعت للاتصال بمؤمن الذي حزن كثيراً على صديقه ورفيق دربه باسم المصري. واتصل بالإسعاف التي حضرت سريعاً لنقل شروق إلى المشفى. وقام على غسل باسم ودفنه واهتم بشروق حتى تحسنت حالتها بعض الشيء وخرجت من المستشفى.
وفي مساء اليوم التالي استدعى مؤمن ابنه لؤي إلى غرفة مكتبه في الفيلا القاطن بها.
لؤي:
"خير يا بابا، فيه حاجة؟"
مؤمن:
"آه فيه سيادتك، أنت إيه يا أخي معندكش أي ريحة دم؟ مراتك أبوها مات وملهاش أي حد في الدنيا غيرك دلوقتي، والمتوقع أن تقف جنبها في أزمة زي دي، تقوم تمشي على حل شعرك مع الأصناف اللي بتعرفها وتسيب البنت الغلبانة دي لوحدها كده وهي في أمس الحاجة ليك."
لؤي باستنكار:
"يعني أعملها إيه؟ هروح أطبطب عليها، وأقولها معلش."
مؤمن بغيظ:
"أقسم بالله أنت جبلة وطالع زي أمك بالظبط، فولة وانقسمت نصين للأسف. وأيوه يا محترم تتطبب وتدلع كمان، دي مراتك دلوقتي على سنة الله ورسوله. وتقولها أنا معاكِ ومش هسيبك وهكون ليكِ وأكتر من والدك الله يرحمه. أي كلام يا لؤي، البنت حالها يصعب على الكافر. حرام والله كده."
فزفر لؤي بنزق:
"حاضر يا بابا. هروح أكلمها عشان خاطرك."
مؤمن:
"تكلمها وتروح لها الفيلا."
لؤي:
"حاضر، أي أوامر تانية."
مؤمن:
"ربنا يهديك يا ابني يا آخرة صبري."
نورهان مع أحد الشباب في النادي (كريم).
كريم محدقاً النظر إليها بحب:
"ها يا نوري، عملتي إيه مع الخرونج ده اللي اسمه لؤي؟ أنا خلاص على آخري ومش مستحمل السهلوكة بتاعتك معاه."
فمدت يدها إلى وجهه ولمسته بحب مردفة:
"أنت بتغير يا حبيبي؟"
كريم بغيظ:
"آه طبعاً، ولما بشوفك معاه، بحس إني عايز أخلص عليه وأشرب من دمه."
فضحكت نورهان بدلال:
"أحبك وأنت حمش كده. بس معلش استحمل حبة كمان، عشان نحقق كل اللي بنحلم بيه يا روحي. خلاص هانت، يجوز بس البت دي اللي عاملة زي طاقة القدر وهتزود لنا المعلوم أكتر وأكتر وهنقب على وش الدنيا بعد سنين الضنك والتمثيل إني بنت ناس وكل يوم والتاني أشحت من البت ريري الراقصة جارتنا طقم أحضر بيه في الكلية عشان أبين إني متريشة وأنا أصلاً بنام من غير عشا."
ثم لمعت عيناها بالدموع.
كريم:
"وبعدين بقى، إحنا هنقلبها غم ولا إيه؟ معلش استحملي شوية كمان زي ما أنا مستحمل الزفت القطران ده لؤي وغلاسته. المهم بس في الآخر نكون لبعض يا عسلية. عشان خلاص مبقتش قادر على بعدك وبتمنى اليوم اللي هصحى فيه على وشك الجميل ده."
نورهان:
"ياريت يا حبيبي."
ولجت أم علاء إلى شروق في غرفتها التي تعتكف بها ولا تكاد تخرج منها حزناً على فراق والدها.
أم علاء:
"حبيبتي خطيبك برا وعايز يشوفك."
فحركت شروق رأسها بحزن مرددة:
"والله لسه فاكر حضرته يجي ويسأل عليا."
أم علاء:
"معلش يا بنتي، يمكن كان معذور ولا حاجة. كلميه وعاتبيه وشوفي هيرد عليكي بإيه؟ يمكن يطيب بخاطرك، والله أنتِ يا بنتي تستاهلي كل خير. وربنا يسعدكوا مع بعض ويتمم بخير."
شروق:
"يارب، طيب يا داداه روحي حضري له حاجة يشربها عقبال ما ألبس حاجة سريعة وأطلع له."
لتسمع صوته حيث ولج إليها بدون استئذان.
لؤي:
"وتلبسي ليه، هو أنا غريب يا شوشو. أنتِ نسيتي إني جوزك ولا إيه؟"
ثم نظر لها بإعجاب لأول مرة، عندما رآها بملابس النوم القصيرة وشعرها منسدل على ظهرها وتنساب بعض خصلاته على وجهها المفعم بالحمرة الطبيعية.
لؤي:
"إيه الجمال ده كله، مكنتش أعرف إنك حلوة قوي كده؟ ليه بس مخبية الحلاوة دي كلها تحت اللبس الواسع والحجاب."
شعرت شروق بالخجل من نظراته إليها بهذا الشكل، وإن كانت شعرت ببعض الفرحة لثنائه عليها، ولكن غلبها الحياء وحاولت ستر نفسها بالغطاء مرددة:
"الجمال ده مينفعش يكون لكل الناس يا لؤي. أنت لو قدامك حاجة حلوة مش متغلفة وحاجة حلوة تانية متغلفة، هتمد إيدك وتاخد إيه؟"
لؤي:
"المتغلفة طبعاً عشان هتكون نضيفة ومضمونة ومفيش حاجة جت عليها وهكلها وأنا مطمن."
فابتسمت شروق:
"واحنا كده، ربنا أمرنا بالستر عشان نحمي نفسنا من عيون الطامعين ونفضل نضيف على طول."
فصمت لؤي غير عابئ بما رددت، ولكنه اقترب منها بعض الشيء، محدقاً بشفتيها الكرزتين قائلاً برغبة:
"بس صراحة أنتِ طلعتي حاجة جامدة. وكده أنا مش هستحمل وإن شاء الله جوازنا هيكون الجمعة الجاية."
ابتعدت عنه شروق خجلاً مرددة:
"إيه الجمعة الجاية؟ لاااا إزاي يستحيل وبابا لسه مكملش شهر."
لؤي بتصنع:
"بابا الله يرحمه أكيد هيفرح لفرحتك وإنك اتجوزتي واحد بيحبك وبيقدرك ومش مستحمل يشوفك زعلانة كده ولوحدك."
فجحظت عين شروق مرددة بتلعثم:
"أنت قولت إيه لؤي؟ أنا مش مصدقة وداني... بجد أنت بتحبني؟!"
فضحك لؤي على سذاجتها وطيبة قلبها مردداً بعد أن لمس يديها بتودد مصطنع:
"آه بحبك من زمان يا شوشو وعارف إنك بتزعلي مني إني مش بعرف أوضح ده. بس أنا شخصيتي كده كتوم شوية بس اللي في القلب في القلب يا عمري."
فابتسمت شروق فرحاً وحمدت الله في نفسها. وبالفعل وافقت على الزواج.
فهل سيكون هذا الزواج بداية لحياة سعيدة، أم ستنقلب حياتها رأساً على عقب؟
نعم، ستنقلب رأساً على عقب.
فبعد دخولها عش الزوجية، استطاع لؤي أن يحصل منها على توكيل عام بسبب طيبتها الزائدة متعللاً أنه يحبها ولا يريد أن يجعلها تعمل كما في السابق بسبب غيرته الشديدة عليها. وهي صدقته للأسف، ولكنه كان يضع لها السم في العسل، حتى يحصل على ما يريد منها. فكان ينقل باسمه كل أملاكها إليه شيئاً فشيئاً بدون أن تعلم.
وفي إحدى الليالي شعرت شروق ببعض الألم أثناء نومها بجانب لؤي فصاحت:
"إلحقني يا لؤي!"
لؤي بنعاس:
"عايزة إيه سبيني أنام؟"
شروق متألمة:
"مش قادرة عندي مغص جامد قوي ومش قادرة أستحمل."
لؤي:
"قومي ابلعي أي برشام مسكن وسبيني أنام، مش فايق أنا لدلعك ده دلوقتي."
تنهدت شروق بغصة مريرة متسائلة:
"أنا مش عارفة إيه اللي غيرك كده يا لؤي. بعد ما كنت كويس قوي معايا، فجأة رجعت لريمة لعادتها القديمة، وراح كل الحب فجأة كده مرة واحدة."
فصاح لؤي بغضب:
"بقولك إيه أنا زهقت من النغمة بتاعة كل يوم دي. اتخمدي بقا وخليني أنام."
فانسابت دموع شروق على وجنتيها قهراً، ثم أمسكت ببطنها ألماً وحاولت القيام لدخول دورة المياه. ولكنها عندما قامت وعند أول خطوة سمع لؤي صوت ارتطامها بالأرض.
فماذا حدث لها؟
رواية صغيرة بلال الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
انسابت دموع شروق على وجنتيها قهراً من سوء معاملة لؤي لها.
ثم أمسكت ببطنها من شدة الألم وحاولت القيام لدخول دورة المياه، ولكنها عندما قامت، خطت أول خطواتها، سمع لؤي صوت ارتطامها بالأرض.
فزع لؤي من نومه قائلاً:
"ايه حصل؟"
فنظر سرياً لها فوجدها مغشياً عليها أرضاً فتمتم:
"يارب تكون راحت فيها واخلص من زنها ده كل شوية. وأجوز روح قلبي نورا اللي تقلانة عليا اليومين دول بزيادة. لما أقوم أشوف إيه خلصت ولا لسه بتطلع في الروح."
فانحنى إليها واقترب من وجهها ولاحظ ضربات صدرها فوجدها ما زالت تتنفس.
فزفر بضيق:
"لسه بتتنفس يعني، أمال مالها؟ بس مينفعش أسيبها كده، إلا أروح في حديد إني أهملتها وأنا مش عايز مصايب، أنا عايز أدلع مع نورا."
فاتصل بطبيب العائلة وأخبره الأخير أنه سيكون خلال لحظات لديه.
حملها لؤي على الفراش ونثر على أنفها بعض العطر لعلها تستفيق.
وبالفعل استفاقت ولكن ما زال الألم يعتصر معدتها.
شروق:
"آه بطني."
لؤي:
"أوف خلاص، الدكتور جاي في السكة وانتِ أكيد تقلتي في الأكل، ما انتِ بتفتحيها على البحري ديما ودي تقريباً الحاجة الوحيدة اللي مش بتكسفي فيها."
شروق بألم:
"وده بسببك انت يا لؤي لأن فيه نوع كده من الناس لما بتزعل بيجي عليهم بشراهة في الأكل."
لؤي محدثاً نفسه:
"متزعلي ولا تتفلقي وأنا مالي، وخلاص هانت، أشطب على كل اللي بتملكيه وأديكِ استمارة ستة ومع الف سلامة يا ضي عينيه."
وبالكشف عليها من قبل الطبيب الذي جاء سريعاً كما قال ابتسم مباركاً:
"ألف مبروك، المدام حامل."
فابتسمت شروق فرحاً مرددة:
"الحمد لله، يمكن ده يكون العوض الجميل من ربنا."
ولكن لؤي تغيرت ملامح وجهه للعبوس وزفر بضيق:
"حااااامل؟ هي ناقصة."
ثم حدث الطبيب:
"طيب يا دكتور متشكرين لحضرتك جدا."
ثم أوصله الباب وعقله مشغول بهذا الجنين الذي سيعطل التخلص من شروق وأيضاً زواجه من حبيبة قلبه نورهان.
لؤي:
"مالك متلخبط كده، حامل ولا مش حامل، ولا همني، بس لازم أخلص منها قبل ما الحمل يظهر وبابا يعرف وميصدق حفيد والكلام الفارغ ده. بكرة انقل باقي الرصيد بتاعها وفيلا العمرانية بتاعة أبوها لحسابي عشان عجبتني صراحة وتليق بالأميرة نورهان أكتر منها."
ثم ولج إليها عابساً بوجهه فكسر الفرحة في قلبها مجدداً.
فانهمرت دموعها التي أصبحت جزء لا يتجزأ منها منذ زواجها بشخص لا يعرف الرحمة طريقه.
ثم مسحت على بطنها بباطن يديها مرددة:
"يارب يا ابني أو بنتي تاخدوا نصيب من الفرحة أكتر مني."
وفي اليوم التالي كان له ما أراد واتصل بنورهان يبشرها.
لؤي:
"ألووو صباح الخير على أحلى عيون."
نورهان:
"صباحك فل وياسمين."
لؤي:
"عندي لكِ أحلى خبر يا جميل."
نورهان:
"خير بشرني."
لؤي:
"خلاص أنا طلقت شروق ونقلت كل أملاكها لحسابي."
نورهان بفرحة:
"بجد؟ يا جمالو. مبروك علينا يا قلبي."
لؤي:
"مبروك عليكي انتِ يا نوري. أظن كده معندكيش حجة وأجي أطلبك من بابي ونكتب الكتاب ونعلي الجواب. خلاص مقدرش على بعدك أكتر من كده."
نورهان محدثة نفسها:
"بابي والله حلوة قوي، عم خليل مساح الجزم بقى بابي. والله هم يضحك وهم يبكي."
ثم حدثته بقولها:
"بس يا لولو إيش ضمني يعني لما نكتب الكتاب ونتجوز متغدرش بيه وتلوف على غيري لما تزهق مني؟"
لؤي:
"أنا أقدر برده يا نوري، أنتِ متتصوريش أنا بحبك قد إيه؟ وكل يوم بيزيد حبي عن اللي يوم اللي قبله. ويستحيل أعمل كده."
نورهان بدلال:
"لا أنا الكلام حاف كده مينفعنيش أنا عايزة دليل."
لؤي:
"شوفي يا ستي عايزة دليل إيه وأنا أنفذه في الحال."
نورهان:
"هي حاجة بسيطة خالص يا حبيبي."
لؤي:
"اؤمريني."
نورهان:
"أملاك البت اللي كنت مجوزها دي، تكتب باسمي قبل كتب الكتاب."
لؤي:
"بس ده مش كتير."
نورهان:
"كتير عليه يا لولو برده، اخص عليك. كنت فاكرة نفسي أغلى حاجة عندك بس إظاهر إني كنت غلطانة."
ثم تصنعت دموع التماسيح قائلة:
"ربنا يسامحك عشان كسرت بخاطر قلبي اللي بيحبك. مع السلامة يا حبيبي."
لؤي بصدمة:
"لا سلام إيه، لا ده أنا أموت من غيرك يا قلب لؤي. لا مفيش حاجة تكتر عليكي، دلوقتي أروح المحامي أعمل عقد بيع وشرا ولا تزعلي يا قلبي."
قفزت نورهان من الفرحة مرددة:
"بموت فيك يا لولو."
"واليوم اللي استلم فيه عقد البيع ليه، هنكتب فيه الكتاب."
لؤي:
"يااااه نفسي قوي."
نورهان:
"هانت أهيه يا حبيبي."
لم يعود لؤي للبيت في تلك الليلة فشعرت شروق بالقلق الشديد عليه، فهي ما زالت تكن له بعض الحب رغم سوء معاملتها لها.
فاتصلت به مراراً وتكراراً ولكنه لم يستجيب فحاولت كثيراً أيضاً حتى أجابها في النهاية بغضب:
"إيه مش بتبطلي زن إيه؟ عايزة مني إيه؟"
شروق بغصة مريرة:
"مش عايزة حاجة، أنا بس كنت بطمن عليك اتأخرت ليه كده؟"
لؤي:
"وأنتِ مالك؟ دخلك إيه بيه؟"
شروق:
"انت نسيت إني مراتك وده حقي عليك."
فضحك لؤي بسخرية:
"لا منا خلاص زهقت من القصة دي خلاص وورقتك يا هانم هتوصلك قريب. انتي طاااالق ومعدتيش تلزمني. ويا ريت تلمي هدومك وتمشي عشان أنا مش عايز أشوف وشك تاني."
شعرت شروق وكأن دلواً من الماء البارد سقط على رأسها، فصرخت من شدة الصدمة قائلة:
"انت بتقول إيه؟ لاااا أنا مش مصدقة وداني، أنا أكيد بحلم. مش معقول أنت الإنسان اللي حبيته، معقول تطلع بالبشاعة دي، تطلقني كده بدون سبب وكمان حامل في ابنك، لاااا حرام والله."
لؤي:
"أنا عمري ما حبيتك وكانت جوازة غصب من أبويا وأخيراً خلصت منك وهجوز اللي بحبها. ياريت أرجع ملقكيش في الشقة عشان مش عايز نفسي تسد وأنا لسه عريس جديد. وصح عشان خاطر ربنا بس هاتي فلوس من الدولاب أجري بيهم شقة في أي مكان تقعدي فيه."
فصاحت شروق:
"ليه أجر شقة وأنا عندي فيلا بابا الله يرحمه."
فضحك لؤي بسخرية:
"لاااا دي هديها هدية للعروسة الجديدة."
صرخت شروق:
"تديها هدية إزاي ودي ملكي؟ أنت إيه معندكش إحساس ولا دم؟"
لؤي:
"مش عيب يا إنسانة مؤدبة تشتمي كده؟ بس على العموم أنا هسامحك برده عشان خاطر ربنا. ولعلمك كل حاجة بتملكيها خلاص بح يا حلوة بالتوكيل اللي عملتيه. ومش هتقدري تشتكي لأن اللي عملتيه ده قانوني."
شروق بغصة مريرة من القهر:
"آه مش هقدر أشتكي للناس لكن هشتكي لرب الناس اللي أنت وأمثالك ما يعرفوه. حسبي الله ونعم الوكيل، فوضت أمري الذي لا يغفل ولا ينام. بس خلي بالك يا لؤي، ربنا مش بيسيب وأكيد هيجيلك يوم وقريب قوي هتندم بس بعد فوات الأوان."
لؤي بضحك:
"بس بقا شبعتيني دروس، كأني مجوز شيخة. خلاص خلصنا وكفاية كده عشان صدعتيني. يسلم يا عم الشيخة."
فأغلق في وجهها الخط، فانهارت من البكاء ولم تحتملها قدماها فجلست أرضاً تنتحب لمدة طويلة.
حتى عليها النوم فحلمت، أنها تحمل طفلة صغيرة جميلة ولكنها ستودعها وستبكي لفراقها ثم تقابل رجل يرتدي ملابس بيضاء وذو لحية طويلة بيضاء يقول لها بصوت عذب:
"متزعليش هتقبليها في الجنة."
ثم أشار لها إلى قصر كبير جميل ملون بألوان الطيف ومرصع بأثمن الجواهر.
شروق:
"الله إيه الجمال ده كله، بتاع مين القصر ده؟"
الرجل:
"ده قصرك في الجنة بدل الفيلا اللي خدها منك لؤي."
ثم اتبع:
"اصبري على البلاء حتى تحظي بنعيم الجنة الخالد."
لتستيقظ بعدها وهي تردد:
"هصبر، هصبر حتى يمل الصبر من صبري. اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم لك الحمد."
ثم ابتسمت ابتسامة رضا ووقفت ترتدي ملابسها، واتجهت نحو خزينة الملابس والتقطت شنطة وضعت بها ملابسها وأخذت مبلغ مالي لا يتعدى خمسة آلاف.
فضحكت بسخرية ألمتها:
"والله كتر خيرك يا لؤي أوي على المبلغ ده اللي مش عارفة هيكفي إيه ولا إيه؟ وربنا يسامحك يا عم مؤمن، ليه بس تغصبه عليا؟ أنا كان قلبي حاسس بس كنت بكذب نفسي."
ثم رددت بغصة مريرة:
"يارب الصبر من عندك."
ثم أغلقت حقيبتها واتجهت نحو الباب تجر أذيال الخيبة.
لا تعلم أين تتجه؟ فهذا المبلغ لن يكفيها إلا لمدة شهرين فقط.
شروق:
"مينفعش بالمبلغ ده أجر شقة في أي منطقة كويسة، أنا لازم أشوف أي منطقة شعبية، بس أنا معرفش حتة معينة."
فنظرت إلى السماء مرددة:
"يارب دبر لي أمري فإني لا أحسن التدبير."
ثم أخذت تجوب الطرقات، لا تعلم أين تتجه، حتى أعياها التعب وجلست على الرصيف تبكي من ألم رجليها.
وبينما هي على تلك الحالة، مرت من جانبها أم مصطفى أثناء ذهابها للسوق لتبتاع احتياجاتها.
فحدقت النظر بها فوجدتها تبكي، فاشفقت عليها وتقدمت منها متسائلة:
"مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه كده، متقولي يارب؟"
نظرت لها شروق بانكسار ورددت:
"يارب مليش غيره."
أم مصطفى:
"ونعم بالله يا بنتي."
ثم جلست بجانبها وربتت على ظهرها بحنو قائلة:
"احكي لي يا بنتي مالك يمكن أقدر أساعدك؟"
فابتسمت شروق قائلة:
"حضرتك شكلك طيبة أوي. أنا بس محتاجة دلوقتي أي مكان أقعد فيه بس يكون سعره بسيط الله يكرمك تعرفي؟ إن شاء الله يكون أوضة بس بمنافعها."
نظرت لها أم مصطفى بتعجب فهي فتاة جميلة وترتدي ملابس تدل أنها من طبقة عالية، فكيف ينحدر بها الحال لتطلب هذا الطلب فحدثت نفسها:
"شكلها يا عيني وراها حكاية؟ بس يا ترى هي إيه؟ بس شكلها صعبان عليا قوي. ولازم أقف جنبها وأساعدها عشان أنول الأجر من ربنا سبحانه وتعالى."
أم مصطفى:
"والله طلبك موجود في البيت اللي عايشة فيه، فيه أوضة كده وصالة بمنافعها في الدور الأرضي."
فابتسمت شروق مرددة:
"والله، ألف حمد وشكر ليك يارب. ممكن أروح معاكِ دلوقتي أشوفها؟"
أم مصطفى:
"آه طبعاً يا حبيبتي، اتفضلي، ده أنتِ هتكوني جارة الهنا بوشك المنور ده. يلا بينا نقوم."
فقامت شروق ولكنها أحست ببعض الدوار فأمسكت برأسها.
أم مصطفى بقلق:
"مالك يا حبيبتي؟ شكلك تعبان."
فابتسمت شروق بوهن قائلة:
"آه عشان حامل."
أم مصطفى بريبة:
"حامل!!!"
وكأن أحست شروق من نظراتها الشك فحدثتها سريعاً حتى لا ترتاب لها بقولها:
"آه حامل ولسه في أول شهر للأسف وربنا يسامحه جوزي طلقني ورماني في الشارع أهو."
ثم بكت شروق.
فضمتها أم مصطفى قائلة:
"يا عيني عليكِ يا بنتي، لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا ينتقم منه ومتخفيش خالص طول ما أنا معاكِ. يلا بينا عشان تستريحي شوية."
أمسكت شروق بحقيبتها ولكن أصرت أم مصطفى أن تحملها عنها.
أم مصطفى:
"عنيكي يا حبيبتي، عشان الحمل ومتتعبيش. ربنا يقومك بالف سلامة."
وبالفعل حملتها عنها أم مصطفى وذهبت بها إلى البيت وحدثت مالك العقار عنها فوافق على تأجير لها الطابق الأرضي.
شروق:
"طيب يا معلم، ممكن بعد إذنك أستلم دلوقتى."
معلم جابر:
"آه طبعاً، نورتي الحتة يا مدام."
شروق:
"شكراً جدا."
ولجت شروق وأم مصطفى لتلك الغرفة.
ولكن شروق عند رؤيتها لتلك الغرفة المتهالكة ومقتنياتها.
بكت بكاء مرير متسائلة:
"ماذا فعلت لأجني كل هذا؟ أيعقل أن تكون بنت المليونير باسم المصري، تسكن في تلك الحارة وتلك الغرفة التي ينبعث منها التراب والرائحة العفنة من كل اتجاه."
ثم جلست على الأريكة تبكي.
فأشفقت عليها أم مصطفى، فقد استشفت ما بها.
فجلست بجوارها وربتت على ظهرها بحنو قائلة:
"إيه يا ست الستات... من أولها كده بكى! لا شدي حيلك، إحنا لسه في أولها. وأنا فاهمة يا بنتي، من شكلك وأسلوبك أن المكان ده مش قيمتك بس نقول إيه غير الحمد لله. كل أمر ربنا خير يا بنتي، وهي الدنيا كده دار ابتلاء. والمؤمن مصاب، فاصبري يا حبة عيني وربنا هيكرمك بإذن الله."
تذكرت شروق الحلم فابتسمت ثم قالت:
"الحمد لله على كل حال، هصبر عشان نعيم الجنة."
أم مصطفى:
"ربنا يقويكِ يا بنتي."
شروق:
"متشكرة قوي يا."
أم مصطفى:
"قوليلي يا خالتي يا حبيبتي."
شروق بابتسامتها الجميلة:
"أحلى خالتو، والله ربنا كريم أوي عشان وقفِك في طريقي، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه؟"
أم مصطفى:
"هو المدبر يا حبيبتي وكله مقدر ومكتوب."
شروق:
"ونعم بالله."
أثناء ذلك كان بلال يستعد لتوصيل بسمة إلى درسها الخصوصي فرأى أم مصطفى مع تلك السيدة الغريبة.
فألقى عليهما السلام.
بلال:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
أم مصطفى وشروق:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
أم مصطفى:
"تعال يا حبيبي انت وبسومة سلموا على طنط شروق جارتنا الجديدة."
ابتسم بلال مرحباً:
"أهلاً بيكِ يا طنط."
بسمة:
"أنتِ حلوة قوي يا طنط."
فقربتها منها شروق وقبلتها قائلة:
"أنتِ اللي حلوة قوي يا روح طنط. ياريت اللي في بطني يكون بنت وتطلع شبهك كده عسلية."
ابتسمت بسمة مرددة:
"الله أنتِ في بطنك نونو، هيطلع إمتى عشان نلعب معاه."
شروق:
"شوية يا قمر لسه، وادعيلي أنتِ واخوكِ السمح ده، ربنا يحفظكم بحفظه."
بلال:
"ربنا يقومك بالسلامة. ولو احتجتي حاجة قوليلي أجبهالك يا طنط."
شروق:
"تسلم يا حبيبي."
ثم استأذن بلال منهم وخرج بأخته.
شروق:
"ما شاء الله تبارك عليهم."
أم مصطفى:
"آه والله، ربنا يبارك فيهم، دول أيتام يا حبة عيني لا أب ولا أم. واللي شيفاه ده، بمية راجل، طالع نازل بأخته وشايف البيت ومتحمل مسؤولية أكبر من سنه ولسه عيل مكملش اتناشر سنة."
شروق بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يخليهم لبعض."
تقابل لؤي مع نورهان في النادي.
لؤي بحب وشوق:
"وحشتيني قوي يا نور عيني."
نورهان:
"وأنت كمان يا لولو. ها عندك أخبار جديدة نفرح سوا."
لؤي:
"آه طبعاً يا ستي."
ثم أخرج لها عقد بيع باسمها لجميع ممتلكات شروق.
لؤي:
"اتفضلي يا جميل."
التقطته نورهان بفرحة غامرة مرددة:
"مش عارفة أقولك إيه يا لؤي يا حبيبي. ربنا يخليك ليا."
لؤي:
"ها امتى أقدر أجي أكلم بابا ونكتب الكتاب بقا عشان خالص مشتاق مشتاق يعني."
تلعثمت نورهان قائلة:
"ااااه اااااه قريب خالص."
لؤي:
"هو أنتِ قولتيلي ساكنة فين بالظبط؟ وهاتي رقم والدك أكلمه ولا تفاتحيه أنتِ الأول؟"
نورهان:
"آه آه أكلمه أنا الأول يا لولو."
لؤي:
"ماشي يا قلب لولو، بس النهاردة أكيد ها! يعني بكرة بالكتير أكون عندكم ونقرأ الفاتحة وبعدها بأسبوع بالظبط نعمل كتب كتاب وفرح في يوم واحد."
نورهان:
"بالسرعة دي؟"
لؤي:
"آه كفاية، أنا صبرت كتير قوي ومعدتش قادر على بعدك يا قلبي."
فابتسمت نورهان ابتسامة صفراء.
وكان يراقبها من بعيد كريم بغيظ مشيراً لها بعينيه أن لا تكثر الحديث معه.
رواية صغيرة بلال الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
كان كريم ينظر إلى نورهان من بعيد ونار الغيرة تحرق قلبه، فأشار لها أن تنجز الحديث مع لؤي.
فأدركت إشارته ووقفت.
لؤي متعجباً: إيه يا قلبي وقفتي ليه كده؟
نورهان بتوتر: معلش، الوقت اتأخر ولازم أروح يا لؤي.
لؤي: لسه بدري، أنا لسه مشبعتش منك.
نورهان محدثة نفسها: لكن أنا خلاص زهقت منك وكده بح، آخر مرة دي أشوف طلعتك البهية يا لولو.
نورهان بدلال مصطنع: معلش يا حبيبي، أصل أنا من عيلة محافظة والخروج والطلوع بمواعيد محددة، مقدرش أخالفها.
لؤي: معلش، أهي هانت ونتجوز يا حبيبتي وساعتها نطلع ونخرج براحتنا.
نورهان: إن شاء الله يا حبيبي.
ثم ودعته بحرارة وأسرعت في طريقها حيث كان ينتظرها بالخارج كريم.
كريم بإنفعال: كل ده حضرتك معاه قاعدة تكلمي وتهزري، إيه خلاص عجبك الموضوع وعايزة تكملي وتبعييني يا نورهان.
نورهان: أبيعك إيه بس يا كريم، أمال أنا بعمل ليه كده؟ مش عشان نتلم بقا في بيت واحد وننسى حياة الفقر وسنينها ونقف على وش الدنيا زي ما كنا بنحلم.
كريم: آه بس أنتِ زودتيها حبتين.
نورهان: معلش كان يستاهل بعد ما جاب لي الورقة دي يا حب الحب.
كريم: ورقة إيه دي؟
نورهان بفرحة غامرة: ورقة السعادة والغنى والراحة وأخيرًا هنودع الفقر ونعيش زي الناس يا كوكو. ورقة التنازل وبيع وشراء منه لي لكل أملاك السنيورة اللي طلقها.
فقفز فرحاً كريم والتقط الورقة منها ليتأكد مردداً: يااااه أخيرًا، الحمد لله.
ثم نظر لها بحب وشوق: كده الليلة كتب الكتاب يا قمرى. وبكرة الدخلة.
احمرت وجنتاها خجلاً مرددة: يوه على طول كده.
كريم: آه هنستنى إيه؟ ما خلاص اتمولنا من قفا لولو بتاعك يا نورهان.
نورهان بضحك: أحلى قفا ده ولا إيه؟ نفسي أشوف شكله لما يعرف إني ضحكت عليه واتجوزتك.
كريم بسخرية: يلا يعيش ويشرب غيرها.
في مقابلة بين لؤي ووالده مؤمن.
لؤي عابثاً بشعره وبصوت يكاد يخرج منه بخفوت: بابا أنا خلاص هجوز البنت اللي بحبها.
مؤمن بصدمة: إزاي؟ أنت لسه مبقلكش تلت شهور متجوز، طيب اصبر شوية، عشان شروق متتصدمش كده.
لؤي بلامبالاة: شروق مين؟ أنا خلاص نسيتها وصراحة طلقتها. وإذا كان على الشركة متخافش أنا خدت نصيبها بيع وشرا بالتوكيل اللي معايا. فحقك في الجوازة المهببة دي انتهت خلاص.
جحظت عين مؤمن وهتف بحدة: بتقول إيه يا جاحد يا عديم التربية يا قليل الأصل. طلقت بنت صديق عمري وضحكت عليها وبعتها نصيبها. وجاي فرحان أوي وعايز تتجوز. أنت إيه يا أخي شيطان مش إنسان أبدًا. مفكرتش إن فيه ربنا وفيه حساب على ظلمك لبنات الناس ده.
لؤي: لا أنت اللي ظلمتني لما أجبرتني أجوز واحدة مبحبهاش وأنا خلاص طلقتها وخلصت وهجوز اللي بحبها ومحدش ليه عندي حاجة.
مؤمن: أقسم بالله يا لؤي لو مرجعتش مراتك ورجعت ليها نصيبها تاني، لا أنت ابني ولا أعرفك. وهحرمك تمامًا من الميراث.
لؤي: لا ده كان زمان التهديد ده، أنا ممكن أرفع عليك قضية، حجر عشان شكلك كبرت وخرفت.
وقع قول لؤي على والده بالصدمة وحاول الحديث ولكنه لم يستطع وتخشب جسده ثم سقط على الأرض. بعد أن أصيب بالشلل.
لؤي بنزق: لااا أنا مش فاضي للحركات دي ورايا جواز. بس برده أنت مهما كان أبويا هطلب لك الإسعاف. رغم إن اللي كنت عايز تعمله معايا بس أنا برده أحسن منك.
فطلب له الإسعاف التي ذهبت به إلى المستشفى وشخص الأطباء ما حدث له بجلطة أصابت قدميه غير الصدمة العصبية التي أثرت على قدرته على الكلام.
وعندما علمت زوجته رقية ذهبت إليه ولكنها لم تمكث كثيراً قائلة ببرود: معلش يا مؤمن هضطر أمشي عشان عندي مواعيد مهمة. يلا باي وهاجي تاني أزورك.
فانسابت دموع مؤمن على وجنتيه من تلك الزوجة الذي ابتلاه الله بها وذلك الابن العاق.
اتصل لؤي بنورهان ليطمئن عليها ويعلم ماذا فعلت مع والدها ولكن وجد هاتفه مغلق، فكرر مرارًا وتكرارًا الأمر ولم يتلقى أي استجابة فكاد من غضبه أن يقوم بكسر هاتفه مردداً: يا ترى قافلة ليه الموبيل، مش عادتها يعني؟ ممكن يكون اتسرق منها؟ ولا فاصل شحن؟ وبعدين في الحيرة دي، أوصلها إزاي دلوقتي؟
ها وقد حطمت نورهان الخط الذي كان يتصل عليه لؤي وأبدلته بخط جديد حتى لا يصل إليها. حتى إنها لم تذهب للكلية الخاصة بعد أن حققت مرادها منه، فهو من كان يدفع لها أيضاً المصاريف.
وبالفعل تزوجت من كريم وعاشت معه في فيلا شروق تتمتع بكل ما تمتع به شروق من قبل ولكن الفرق بينهم كبير، فشروق تمتع بالحلال فهو مال أبيها، ولكن نورهان بالحرام.
أوشك لؤي على الجنون عندما مر يومين ولا يعلم عن نورهان شيئًا. فأدمن السهر والشرب حتى يستطيع نسيانها بعض الشيء ولكن لم يستطع وساءت حالته كثيراً.
مجدي صديقه: وبعدين معاك يا لؤي، متعملش في نفسك كده، أنت كده بتهلك نفسك.
لؤي بغصة مريرة: سيبني يا مجدي، ياريت أموت بجد أنا مش قادر فعلاً أعيش من غير نورهان ومش عارف راحت فين ولا عارف أوصلها، هتجنن، هتجنن.
مجدي: يا عم انساها وهي يعني اللي خلقتها مخلقش غيرها وإن كانت جميلة فهتلاقي الأحلى منها.
لؤي: لا هي مكنتش جميلة بس، كان فيها حاجة مختلفة عن كل البنات، بتشدني ليها ومش متخيل حياتي من غيرها.
ثم رن هاتفه برقم حارس فيلا شروق.
لؤي بنفور: ده عايز إيه دلوقتي ده، أنا مش فيقه.
مجدي: معلش رد عليه عشان ميفضلش يزن عليك بالاتصال كل شوية.
فرد لؤي بنزق: عايز إيه انت راخر؟
الحارس: يا لؤي بيه، يعني ينفع كده؟ بعد ما كان ساكن في الفيلا البيه باسم وابنته اللي تتحط على الجرح يطيب بأخلاقها وطيبتها ومكنش حد بيسمعلهم حس ولا بيشتكي منهم. دلوقتي تيجي وحدة زي الست نورهان دي معرفش جايه من انهو زريبة هي وجوزها وتقول الفيلا بتاعتها وعمالة تشتم وتهزأ في الشغالين وكأنهم مش بني آدميين زيها. ده غير الناس اللي داخلة وطالعة عندهم وسهرات كده استغفر الله العظيم وموسيقى عالية سمع الحي كله. والناس كل شوية تشتكي منهم.
اتسعت عينين لؤي قائلاً بصدمة: نورهان وجوزها إزاي ده؟ أنت متأكد من كلامك ده، ولا شكلك كبرت وخرفت؟
الحارس: ربنا يسامحك يا بيه، وتعال بنفسك اتأكد لو مش مصدقني.
لؤي والشر يتطاير من عينيه: جاي، جاي طبعًا.
حمدي: إيه حصل إيه؟
لؤي: تصور بيقول نورهان وجوزها في الفيلا، إزاي ده واتجوزت امتى وازاي؟ طيب وأناااا إيه؟ وازاي تعمل كده؟
مجدي: هدى نفسك وتعال نروح ونتأكد يمكن فيه حاجة غلط. بس لو طلعت هي عايزك تهدى وتمسك أعصابك، لأنك ممكن تعمل لك محضر تعدى. لأنه مش من حقك وخصوصًا إنك بعت لها الفيلا. وده تصرف غلط وأنت اتسرعت فيه يا صاحبي، كنت حتى صبرت لما تجوزها الأول مش كده.
تنهد لؤي بغصة مريرة: مكنتش شاكك في حبها ووعدها ليا ولو للحظة واحدة. يااااه لو طلعت هي، هكون أخدت أكبر مقلب في حياتي كلها بس وديني ما هسيبها تتمتع فيه.
ثم قام ومعه مجدي واستقل سيارته سريعًا حتى وصل إلى الفيلا وسمع صوت موسيقى صاخبة. ورآه الحارس فأسرع إليه: سمعت بنفسك يا باشا. فين بس أيام باسم بيه الله يرحمه. وليه بس ست شروق تبيع الفيلا للناس الأوباش دول؟
لم يعيره لؤي انتباه ولكن ولج سريعاً للداخل حيث كان الباب مفتوح، وجد شباب وبنات ملابسهم فاضحة ويتراقصون على أنغام الموسيقى الصاخبة ثم وجد بالفعل بينهم نورهان ترقص وتضحك مع كريم.
فصرخ بصوت جهوري عالٍ: نورهاااااااااان.
فانتبهت نورهان للصوت وارتجفت لإنها تعلم جيدًا من هو صاحب ذلك الصوت جيدًا.
أمسك كريم بيديها هامساً لها: اثبتي متخافيش. هو ملهوش عندك أي حاجة ولو تطاول هبلغ البوليس حالاً.
اقترب منها لؤي والغضب يملأ تعابير وجهه وبصوت أجوف مصدوم: نورهان.. أنا صراحة مفيش كلام قادر أقوله لكِ، يقدر يعبر عن صدمتي فيكِ. أنتِ إزاي قدرتي تخدعيني بالشكل ده؟ كل الحب والمشاعر والكلام اللي كان بينا كان معقول تمثيل عشان تاخدي كل اللي عايزاه مني وتمشي وتتجوزي كمان واحد تاني؟ ياااااه للدرجاتي أنتِ إنسانة بشعة، خاينة، ملكيش أصل.
ضحكت نورهان بسخرية: ها عندك حاجة تقوليها كمان ولا خلصت كده؟ بس هرد عليك برده عشان نخلص من الليلة دي. أيوه كل اللي قولته صح عشان أريحك، ولو خلصت خلاص كلامك اتفضل من غير مطرود. بس عايزة أعرفك حاجة الأول، لو أنا زي ما بتقول أنت أوحش مني أضعاف. وعملت أكتر من كده في الست اللي اتجوزتها. فمتمثلش دور البراءة وأنت جواك شيطان. ومعلش تعيش وتاخد غيرها وأنت قدامك البنات كتير وعندك عز أبوك. فسبني أنا كمان أتهنى في العز ده شوية ولا أنا مليش نفس زييكم. واتفضل من غير مطرود وياريت مشفش طلعتك البهية دي تاني.
صفعها لؤي بكل قوته على وجهها حتى صرخت: أنت اتجننتى، بتطرديني أنا لؤي مؤمن.
فأمسك يده كريم قائلاً بحدة: لو إيدك اترفت تاني على مراتي مش هتخرج من هنا إلا على نقالة. أنت فاهم.
نظر له لؤي بغل قائلاً: والله راجل أوي وكنت فين وهي بتقعد تحب وتكلم معايا، ده غير الحاجات التانية اللي كانت بتحصل بينا.
فسدد كريم النظر بغضب إلى نورهان قائلاً: حاجات إيه يا ست هانم كمان غير الكلام.
نورهان ببكاء: متصدقهوش ده كداب، وأنت كنت عارف كويس وبتشوف بعينيك اللي كان بيحصل.
كريم: أيوه، أنت كداب واطلع برا.
ولكن لؤي تشابك معه بالإيدي وسدد له لكمات عديدة أدمت وجهه. حتى سقط كريم مغشياً عليه.
حاول حمدي إبعاده عنه ولكن لؤي دفعه: سيبني مش همشي من هنا غير لما أجيب أجلهم.
حاولت نورهان الهرب ولمحها لؤي فترك كريم وأسرع إليها ليفتك بها وأمسكها من شعرها فصرخت. حتى أوقعها أرضاً ثم حاوط عنقها بيده حتى كادت تختنق بين يديه.
حمدي بفزع شديد نهره قائلاً: هتموتها وهتروح في داهية يا لؤي، ارجوك سيبها.
لؤي وقد تغلب عليه الشيطان: أنا خلاص انتهيت ولازم هي كمان تنتهي معايا ومش هسيبها.
فخاف حمدي من المسؤولية كما خاف المدعوين ولم يحاول أحد إنقاذها كما هو حال كثير من الناس هذه الأيام في اللامبالاة والخوف من المسؤولية. فتركوهم سريعاً وغادروا.
وأطبق لؤي يده على عنقها حتى فاضت روحها إلى بارئها. فخسرت دنياها واخرتها من أجل المال الفاني. ورزق ربك خير وأبقى.
أما لؤي فصدق به القول: كما تدين تدان والظلم ظلمات يوم القيامة وقد تجرع من نفس الكأس الذي أذاقه لشروق بل أكثر وأصعب. وسيندم طيلة حياته على هذا، فها هو سيقضي ريعان شبابه الذي تكبر به في السجن المؤبد. وما نفعه اسمه ولا سلطته ولا نفوذه في إخراجه من هذا المأزق. وتم الحكم عليه بالسجن المؤبد.
أما شروق فقد عوضها الله بحنان كحنان الأم من الست أم مصطفى، التي كانت يومياً تقوم بالسؤال عليها وكثيراً ما كانت تطعمها من طعام بيتها. وأيضاً بلال كان يقضي لها كل طلباتها وبسمة كانت تؤنس وحدتها وأحببتها كأنها ابنتها كثيراً. وكانت تراجع لها دروسها بطريقة سلسة بسيطة، استوعبتها بسمة، حتى إنها مع الوقت استغنت عن درس التأسيس الذي كانت تأخذه. لذا أحياناً كان يشتري لها بلال بعض طلباتها ولا يأخذ منها المال جزءاً لمساعدة بسمة في دروسها.
شروق بإمتنان: تصوري يا خالتي أم مصطفى، أنا أول مرة أحس بالحب وأنا قاعدة بينكم. حاسة إن حياتي كلها اتغيرت، صراحة كنت الأول مضايقة عشان الفارق بين حياتي الأول في العز والفيلا والكلام ده، لكن مكنش بالي مرتاح وكنت حاسة بالنقص جوايا، ديماً كان بالي مشغول بحب لؤي ربنا يسامحه ومكنش عندي أصدقاء كتير غير صديقة واحدة ربنا يكرمها بس مكنتش بشوفها كتير عشان كانت مشغولة برده بحياتها. وأه كنت بنزل الشغل مع بابا بس برده جوايا كان فيه فراغ. لكن لما جيت هنا حسيت فعلاً بحب الناس والونس والكل ماشاء الله عايز يساعد. ده غير الاحترام مفيش راجل يقابلني من أهل الحارة إلا ويقولي يا ست شروق محتاجة حاجة. محدش بيقولي يا شروق كده بس حتى لو راجل كبير.
ابتسمت أم مصطفى: يا حبيبتي هو كده ربنا سبحانه وتعالى بيقسمها، الرزق مش كله فلوس وبيت فخم وحاجات من اللي هي. ممكن يكون وش حلو تتصبيحي بيه، ممكن يكون بركة في العمر والصحة، ممكن يكون ناس قلبهم عليكي. وأنتِ كمان رزق لينا بوشك السمح ده. كفاية إنك من ساعة ما جيتي وأنتِ بتعلمينا كتاب الله بالتجويد بعد ما كنت بقراه كده زي الجرنال. بقا ليه طعم تاني وقلب تاني. ربنا يبارك لك يا بنتي ويجعله في ميزان حسناتك. بس يا بنتي أنتِ كده داخلة على الشهر الرابع ولسه مرحتيش كشفتي ولا اطمنتي على حالك وحتى تشوفي ولد ولا بنت؟
شروق بحرج: يعني مش مهم، كل اللي يجيبه ربنا كويس.
فشعرت أم مصطفى بما تعانيه شروق فقررت أن تأخذها وتقوم هي بالدفع ولكن بدون أن تحرجها فقالت: يا حبيبتي الدكتورة نادية اللي على الناصية بتعمل كل يوم اتنين كشف مجاني وسبحان الله النهاردة الاتنين، قومي ألبسي ده انتِ حظك فل النهاردة. وكمان عندي ليكِ عشا وتنفع فطار كمان هتخلي خدودك البهتانة دي تورد من تاني عشان كلها حديد وخلي النونو يتغذى.
فضحكت شروق: هي إيه الأكلة الجبارة دي؟
أم مصطفى: الحلبة المعقودة... أكلة كده بتتعمل بالعسل الأسود والحلبة الصفرا وريحتها بتجيب لآخر الشارع. وأنا يا ستي ريسة الحارة فيها وكله بياكلها من إيديه. فتلاقيني أعمل بتاع خمسة كيلو وأكون محوشة علب زبادي فاضية وأحط وأوزع على حبايب ربنا.
شروق: أنتِ جميلة وطيبة أوي يا خالتي.
أم مصطفى: والله أنتِ اللي طيبة، روحي يلا ألبسي. عشان نروح الدكتورة.
وبالفعل ذهبوا لها وبالكشف تبين أن الجنين أنثى، فدمعت عين شروق من الفرحة قائلة الحمد لله ويارب تطلع زي بسمة قمر.
أم مصطفى: هتطلع زي أمها قمرين. وإيه رأيك في اسم أشرقت حلو أوي وجاي على اسمك عشان هتكون حتة منك.
فابتسمت شروق: جميل يارب تكون حظها في الدنيا أحسن من حظي وتلاقي اللي يسعدها.
أم مصطفى: قومي يلا يا أم أشرقت ربنا يكملك على خير يا بنتي.
ومضت الأيام بحلوها ومرها على أبطالنا. وتعافى مؤمن مما أصابه، وكان أول شيء فعله بعد أن تعافى هو أن طلق زوجته فهي من كانت السبب في انحراف ابنه الوحيد لؤي وزاره بالسجن عدة مرات.
لؤي ببكاء ونحيب: سامحني يا بابا، أنت ياما نصحتني وأنا كنت غلطان وبقاوح ومش عارف مصلحتي. وأديني بدفع أهو تمن اللي عملته.
مؤمن بدموع حارقة: يا ابني مش مهم أنا أسامح لأني أنت ابني ومهما عملت مش هقدر أغضب عليك عشان أنت حتة مني، المهم ربنا يسامحك. ده أهم عشان متبقاش خسرت دنيا وآخرة.
لؤي: بس إزاي بعد كل اللي عملته؟ ظلمت إنسانة بريئة كان كل ذنبها إنها حبت واحد زيي ميستاهلش ومعرفتش قيمتها غير لما حصل اللي حصل. ويا عالم راحت فين دلوقتي؟ ويا ترى ابني عامل إيه وهتربيه إزاي؟
صعق مؤمن من قوله قائلاً بإندهاش: ابنك!!! هي كانت حامل؟
فنكس لؤي رأسه بخزي مؤكداً: أيوه.
ودلوقتي زمانها على ولادة أو ولدت.
توقف مؤمن وقبض على يديه بغضب: مش عارف أقولك إيه صراحة. طيب أنت مكنتش بتحبها ومش عايزها، إيه ذنب ابنك. إزاي هان عليك ابنك كمان. ده كان جزء منك، حرام عليك تحرم نفسك وتحرمني منه. وده اليوم اللي كنت بتمناه يا لؤي.
فانهمرت دموع لؤي: كان الشيطان سرقني ومكنتش بفكر غير في نورهان وبس.
وسهو لا حصل شروق ولا نورهان. مخصلش غير الذل والإهانة وغضب ربنا.
وكانت بالفعل تصرخ شروق في تلك اللحظة فقد فاجأها آلام المخاض حتى سمعت صراخها أم مصطفى فأسرعت إليها.
ولكن فجأة قد توقف صوتها؟
فما حدث؟ وهل سيجد مؤمن شروق؟
رواية صغيرة بلال الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
أصابت الآلام المخاض شروق على بغتة من أمرها، فتألمت كثيراً وأخذت تصرخ وتستغيث.
فسمعت صوت استغاثتها أم مصطفى، فأسرعت إليها.
ولكن فجأة توقف صوت شروق، فانقبض قلب أم مصطفى وهي في الطريق إليها.
وأخذت تطرق الباب عليها، ولكنها لم تستجب، فقد أُغشي عليها من فرط الألم.
استعانت أم مصطفى بأحد الجيران سريعا لكسر الباب لتستطيع الدخول.
فولجت عليها فوجدتها قد أُغشي عليها في الأرض ودماء المخاض تتدفق منها.
أم مصطفى: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قامت بالنداء على بلال، الذي استجاب على الفور عندما قالت:
إجرِ يا بلال، هات الدكتورة بسرعة اللي أول الشارع.
وأنتِ يا أم محمود، ساعديني يا حبيبتي ننقلها السرير ونطلع لها غيار نضيف، استرها يارب وعديها على خير.
أسرع بلال بقلب ينتفض لإحضار الطبيبة، فلبت ندائه على الفور وذهبت إليها.
ولكن وجدت نبضات قلبها ضعيفة، فشعرت بالقلق واستدعت الإسعاف سريعا.
بكت بسمة، فاحتضنتها أم مصطفى قائلة:
متخافيش يا حبيبتي، ادعيلها بس وقولي ربنا يقومها بالسلامة.
بسمة: يارب تقوم بالسلامة وأشيل النونو والعب معاها.
أما بلال فظل صامتاً، ولكنه كان جزعاً، فلم يعد قلبه الصغير يتحمل الفراق، فكفى ما ألم به.
الطبيبة لأم مصطفى:
دلوقتي هنعمل لها ولادة قيصرية بسرعة عشان نحاول ننقذها بسرعة هي والجنين.
دعواتكم بس عشان حالتها صعبة جداً.
فوضعت أم مصطفى يدها على قلبها ونظرت للسماء داعية:
استرها يارب، دي غلبانة وقومها بالسلامة عشان بنتها.
أما بلال فاكتفى بتلاوة آيات من الذكر الحكيم حتى يطمئن قلبه بعض الشيء.
فصدق الله عز وجل حين قال: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
وبعد ساعة في غرفة العمليات، خرجت الطبيبة، فأسرع إليها بلال وأم مصطفى.
الطبيبة:
الحمد لله قامت بالسلامة والبنت كويسة جداً، لكن الأم للأسف حالتها غير مستقرة وهنضطر ننقلها العناية المركزة.
أم مصطفى وقد اكتسى الحزن ملامح وجهها:
يارب لطفك بيها، أنت القادر على كل شيء.
وبالفعل انتقلت شروق للعناية المركزة.
وعندما استفاقت، طلبت رؤية صغيرتها أشرقت.
أم مصطفى:
متقلقيش يا حبيبتي، البنت حلوة وزي القمر وهي في الحضانة بيهتموا بيها ويرضعوها عقبال بس ما تقومي بالسلامة، بس شدي حيلك أنتِ شوية.
قومي كده عشان أنا محضرة لك فرختين بلدي شمورت كده والله يستاهلوا بوقك وهيخلوكِ زي الحصان.
شروق بخفوت شديد وألم:
أنا خلاص حاسة إني هقابل وجه كريم، بس نفسي أشوف بنتي قبل ما أموت وأضمها وأشم ريحتها.
أرجوكي يا خالتي، خليهم يجبهالي.
فدمعت عين أم مصطفى بالدموع وأسرعت للحضانة وأخبرت الممرضة بأن تأتي بالرضيعة.
وبالفعل أتت بها إليها، فوضعتها على صدرها.
فبكت شروق وحاوطتها بذراعيها واستنشقت عبيرها.
شروق بضعف:
سامحيني يا بنتي، في الأول اخترت ليكِ أب غلط وأم كمان هتسيبك في الدنيا دي لوحدك، بس أنا هسيبك لربنا، هو أحن وأرحم.
وموعدنا الجنة يا حبيبتي.
ثم نظرت لأم مصطفى:
خالتي ربنا يعلم أنا حبيتك قد إيه وكنتِ أحن عليا من أمي.
وعشان كده بوصيكي ببنتي، هي أكيد حمل عليكِ، بس أنا مليش غيرك في الدنيا بعد ربنا.
انسابت دموع أم مصطفى على وجنتيها قائلة بغصة مريرة:
متقوليش كده، دي في عينيه بس محدش هيربيها غيرك يا بنتي، أنتِ هتخفي وتقومي بالسلامة.
شروق: نفذ الأمر.
ثم ابتسمت كأنها ترى مقعدها من الجنة وقصرها الذي بشرت به.
ثم نطقت الشهادتين:
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ثم فاضت روحها إلى بارئها.
فبكت الرضيعة وكأنها شعرت بأن أغلى إنسانة لها قد فارقت الحياة.
وبكت بمرارة أم مصطفى وحملت الرضيعة على صدرها وضمتها بحب قائلة:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
لكِ الله يا بنتي وأنتِ أمانة ربنا يقدرني عليها.
وربنا يرحمك يا بنتي ويعوض شبابك في الجنة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
قبلت أم مصطفى شروق بحب وقهر لما حدث لها قائلة:
في أمان الله يا بنتي، هتوحشيني أوي، ربنا يصبرني على فراقك، بس اللي مهونها إنك روحتي عند الجبار اللي هيعوضك عن كل اللي تعبتي فيه في الدنيا.
ثم ألقت نظرة أخيرة عليها وخرجت حاملة الرضيعة بين يديها ودموعها لا تكاد تتوقف.
رآها بلال، فأيقن ما كان يخافه، وكأن أصاب قلبه اللعنة، كلما أحب أحد فارقه بالموت.
فأقسم ألا يدخل قلبه أحد آخر حتى لا يفارقه، وهذا لأنه مازال طفلاً ولا يعي أن الأقدار مكتوبة ولا دخل هذا بالحب.
وألجم الصدمة فاه، فلم يتحدث، ولكنه أقدم إلى أم مصطفى مشيراً إليها بذراعه الممتدة ليحمل الرضيعة ودموعه قد انسابت كالشلال على وجنتيه.
فأيقنت أم مصطفى أنه أدرك ما حدث، فناولته الرضيعة.
وعندما رأى وجهها، لامس قلبه شعور غريب، ولكنه أزاحه سريعاً قائلاً:
لاااا، مش هتعلق بيكِ أو أحبك عشان متموتيش.
ثم ردها سريعاً إلى أم مصطفى.
بسمة: أنا عايزة أبوس النونو، هي اسمها إيه يا خالتي؟
أم مصطفى: اسمها أشرقت يا حبيبتي.
بسمة: الله، اسم حلو أوي.
وفين طنط شروق؟ عايزة أقولها أنا اللي هشيل أشرقت وهغيرلها هدومها وأرضعها من الببرونة وهتكون أختي وصحبتي.
أم مصطفى بدموع حارقة:
أنتِ فعلاً هتعملي كده يا حبيبتي، لأن أشرقت مبقاش ليها غيرنا بعد ربنا.
طنط شروق خلاص راحت عند ربنا، قولي ربنا يرحمها يا بسمة، ادعيلها كتير أنتِ وبلال.
فبكت بسمة متسائلة:
هو ليه كل الناس الحلوة اللي بنحبها بتروح عند ربنا؟ ليه ربنا بياخدهم عنده؟
أم مصطفى:
عشان هما حلوين بزيادة يا بنتي وربنا عايز يدخلهم الجنة ومش عايزهم يتعبوا في الدنيا الوحشة دي.
بلال بصوت مبحوح من البكاء:
اللهم لا اعتراض، ربنا يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناته.
وأنا هربيها زي ما بربي بسمة، بس مش هتعلق بيها عشان ما تموتش.
أم مصطفى: الأعمار بيد الله يا حبيبي.
...................
مؤمن بإنفعال أثناء زيارة لؤي في السجن:
يعني أعمل إيه دلوقتي فيك يا لؤي؟ أجيبها منين وإزاي؟ في مصر الواسعة دي؟
لؤي: اعمل إعلان في كل مكان وفي وسائل الاتصال، الفيس بوك وكده، وإن شاء الله تلاقيها.
ياريت يا بابا تلاقيها عشان تخليها تسامحني بدل ما ضميري معذبني ومش قادر أنام الليل.
مؤمن بسخرية:
دلوقتي ضميرك بيعذبك!! كان فينه زمان، ياما نصحتك وقولتلك دي بنت نادرة ومش هتلاقي زيها.
لؤي: اللي حصل وكان غصب عني، قلبي مش ملكي.
مؤمن: فاهم ده، بس على الأقل مكنتش تظلمها كده وتسرقها، كنت عملتها بما يرضي الله، الحب مش أساس الحياة.
أساس الحياة المودة والرحمة.
لؤي بغصة مريرة:
متربتش على كده ومعرفش يعني إيه مودة ورحمة، طول عمري شايفك أنت وماما بتتنقروا مع بعض.
صوتكم ديما كان عالي بيوصل حتى وأنا في أوضتي، ومشفتش حب بينكم ولا طبطبة من حد فيكم.
أنت على طول كنت بتدي أوامر من غير كلمة حلوة أو تشجيع وسايبني لماما اللي أصلاً سايباني للدادة وهي مشغولة بأصحابها والنادي والناس أكتر مني.
فأعرف منين المودة والرحمة اللي حضرتك بتتكلم عليهم دول.
فنكس مؤمن رأسه، فهو حقاً مسؤول عن ما وصل إليه ابنه وليست والدته فقط.
مؤمن بندم:
عندك حق يا ابني، أنا كمان مسؤول مش أنت بس عن اللي حصل وندمان زيك بالظبط.
ياريت تسامحني.
ثم مد ذراعه له فعانقه لؤي وأجهش الاثنان بالبكاء.
لؤي: ادعيلي يا بابا ربنا يسامحني وزي ما قولتلك دور على شروق وابني، نفسي فعلاً أشوفهم عشان خايف أموت وأنا في السجن.
مؤمن: بعد الشر عليك، إن شاء الله أزمة وتعدي وتاخد مدتك وتطلع للدنيا.
لؤي: أطلع بعد 25 سنة، يعلم بس هيكون خلاص راح عمري هدر.
مؤمن: أنا هحاول أشوف لك محامي واتنين وتلاتة يحاولوا ينقصوا المدة بقدر الإمكان.
لؤي: لا يا بابا، أنا أستاهل الإعدام كمان، مش عشان نورهان دي غارت في داهية، لكن عشان اللي عملته في مراتى وابني.
خليني هنا بين أربع حيطان لغاية ما أقابل وجه كريم يمكن يغفر لي.
...............
وبالفعل حاول مؤمن البحث عن شروق بكل الطرق، ولكن للأسف لم يتوصل لها حتى يئس مع الوقت وأهمل في البحث مرة أخرى.
..................
تولت أم مصطفى رعاية أشرقت الصغيرة بعد وفاة شروق بمساعدة بلال وبسمة، فكانت أختاً لهم ثالثة.
وأحبتها أم مصطفى كثيراً وأغدقت عليها بحبها وحنانها كأنها ابنتها بل أكثر، فترعرعت أشرقت بين يديها بالحب الذي عوضها عن فقد والدتها، ولكن الحياة لا تدوم للأبد.
ومع توالي الأعوام، انتقلت أشرقت من رعاية أم مصطفى التي توفاها الله إلى رعاية بلال وبسمة.
حزنت أشرقت كثيراً بعد وفاة أم مصطفى التي كانت بمثابة والدتها التي أغمرتها بحنانها، كما حزن عليها أهل الحارة جميعاً، فقد كانت خدومة ومحبة للجميع وستظل ذكراها الطيبة في محياهم إلى الأبد.
فالإنسان يذهب ويبقى الأثر حقاً.
وصل عمر أشرقت بعد مرور تلك الفترة إلى عشرة أعوام، وبسمة خمسة عشر سنة، وبلال اثنان وعشرون عاماً، وكان في السنة الأخيرة من كلية الشريعة والقانون.
وكان الأول على دفعته كل عام وينتظر بعد انتهاء هذه السنة أن يُعين معيداً في الجامعة.
كما كان له صيت وحب من أهل الحارة كبير بسبب أخلاقه العالية وتدينه والتزامه، كما أنه تولى إمامة مسجد الحارة، فكان يخطب يوم الجمعة ويصلي بالناس إماماً.
هذا كله بجانب عمله كمحفظ للقرآن في نفس الغرفة التي كانت تعيش بها شروق.
حيث استأجرها من أجل أن يجعلها داراً لتحفيظ القرآن الكريم بأجر زهيد.
ولجت أشرقت إلى بسمة في غرفتها والدموع في عينيها.
جزعت بسمة من هيئتها تلك، فتساءلت بمداعبة:
حبيب أختو الصغنن ماله بس زعلان كده واللؤلؤ بيلمع في عينيه؟
أشرقت بنحيب:
أبيه بلال، مش عارفة بيعاملني ليه كده دوناً عن كل الناس، وكمان بيعامل البنات اللي تشك في عينيهم بأسلوب حلو أوي، لكن أنا تقول لي إيه؟ بت البطة السودة.
بسمة بضحك:
ليه بيعملك إزاي؟ يا صغننة أنتِ أخر العنقود واللي مدلعة وكل طلباتك مجابة، وأنا راحت عليا خالص وبقيتِ أنتِ الكل في الكل.
أخرجت أشرقت لسانها بسخرية قائلة:
يا سلام يختي، مش مدلعة أوي، ده كل ما يشوفني يهب في وشي ولا كأني عاملة عملة.
ويقول:
أشرقت صليتي؟
أشرقت حفظتي؟
أشرقت أنتِ كبرتي متكلميش مع أولاد.
أشرقت متلبسيش قصير.
أشرقت متلعبيش في الشارع.
أشرقت أشرقت وديما مصدر الوش الخشن يا أختي.
أما مع البنات المسهوكة يفضل يدلع ويطبطب ويقول لهم يا حبيبتي احفظي عشان تبقي شطورة، صلي عشان ربنا يحبك ويكلم والإبتسامة دي من هنا لهنا.
ثم أشارت لنفسها بيديها:
لكن العبدة لله، ناقص يحط السيخ المحمى في طرطور ودني.
فضحكت بسمة حتى دمعت عينيها وضحكت أشرقت.
وولج عليهما بلال وسمع صوت ضحكاتهم العالية، فتغير وجهه.
وحدق أشرقت بنظرة غاضبة، فكتمت ضحكاتها خوفاً من غضبه وقفت متخشبة في مكانها.
بلال بحدة:
أشرقت، إيه صوت الضحك العالي ده!! مش قولتلك قبل كده أنتِ كبرتي ومينفعش تضحكي بصوت عالى كده.
نظرت له أشرقت بحب وهمست بصوت منخفض:
والله حتى وأنت متنرفز حتة عسل ومز كده بلحيتك اللي هتاكل منك حتة.
بس أمري لله، لازم أشغل دور المسكنة عشان أطلع من الموقف المهبب ده.
فاصطنعت البكاء قائلة:
معلش يا أبيه، آخر مرة، متزعلش مني.
ثم اقتربت منه قائلة:
أهوّن عليك تزعل مني يا أبيه.
فابتعد بلال عنها قائلاً بحدة:
لما تكلمي تقفي عدل ومتقربيش كده من حد، أنتِ فاهمة.
فقطبت أشرقت جبينها قائلة:
يوووه بقا، أنت أوووف أوي معايا أنا بس، لكن فالح بس تضحك وتهزر مع البنات تحت، هو أنا بت البطة السودة ولا إيه؟
فتلون وجه بلال وقد اقترب على الانفجار، فكتمت ضحكاتها ثم أسرعت من أمامه لغرفتها قبل أن ينفجر لها.
بلال: طيب كده يا أشرقت، أما أوريكِ.
أما بسمة فكانت تضحك بلا توقف.
فغضب بلال قائلاً:
يعني كل اللي حصل ده وحضرتك بتضحكي؟ إيه جبلة مش بتحسي!!
بسمة: إيه يا شيخ بلال، أنت هتطلعهم عليا أنا كمان ولا إيه؟ مش كفاية البت الغلبانة دي؟ أنا صراحة مش عارفة بتعملها كده ليه؟ مع إني حاسة إنك بتحبها أوي.
بلال بعصبية شديدة:
لا أنا مبحبهاش أبدا، أنا مش بستظرفها ولا بطيق حركاتها.
أنا بس عامل بوصية خالتي أم مصطفى، إني أراعيها لغاية ما توصل لبر الأمان.
بس عقبال ما توصل هتكون غلبتني وطلعت عينيه الاتنين بحركاتها دي.
غير إنها خلاص مفروض تلبس الحجاب.
بسمة: حجاب إيه بس دلوقتي يا بلال؟ دي لسه طفلة.
بلال: طفلة بس حلوة بزيادة وبتلفت النظر طول ما هي ماشية في الحارة بشعرها البني الطويل اللي نازل على ضهرها كله ده.
بسمة: لاااا، أنت شوية كده كمان تقول هتلبسها النقاب كمان عشان محدش يشوفها.
بلال: وفيها إيه؟ كمان سنتين تلاتة هتكون بلغت سن الرشد وتلبسه.
فنظرت بسمة لعينيه التي تأبى الفصح عن غيرته على صغيرته التي قام بتربيتها، ولكنها لم تشأ أن تحرجه بقولها، فهي تعلم تماماً أنه كتوم للغاية ولا يحب أن يعترف بمشاعره حتى بينه وبين نفسه.
فاكتفت بقولها:
يا بلال، خف على البنت شوية، مش كده. كده هتزهق منك وتكرهك مع الوقت.
بلال بصدمة: تكرهني ليه؟
بسمة: بلال، أنت الناس كلها بتحبك ليه؟ عشان روحك الحلوة في الدعوة لله وابتسامتك ديما على وشك فبترغبهم في الدين ويحبوه.
لكن مش عارفة بتيجي قدام أشرقت وهي مفروض أولى بده لأنها لسه طفلة، بتقلب وتعمل العكس.
وهي حاسة بكده وده مؤثر فيها فعلاً وكانت لسه بتشتكي من كده.
فحاول تعملها بطريقة أحسن شوية عشان حتى تستجيب الحاجات اللي انت عايزها بنفس راضية مش بغصب.
تراجع بلال عن حدته قليلاً قائلاً:
هحاول، بس هي السبب، حركاتها وكلامها بتستفزني.
فهميها إنها كبرت مش لسه الطفلة اللي كنت بشيلها وب ألعب معاها زمان.
بسمة: والله هي لسه برده طفلة وممكن تشيلها وتلعب معاها برده.
فانتفض بلال:
لاااا لاااا، هي آه لسه عشر سنين، لكن ما شاء الله جسمها زي ما تكون آنسة كبيرة.
بسمة: دي حاجة بتاعة ربنا، لكن هي عقلها طفلة مش مدركة حاجة.
بلال بتهكم:
دي مش مدركة حاجة!! دي سابقة سنها يا ماما. دي عليها ألفاظ وكلام يتفوتلها بلاد والله.
بصي يا بسمة، أنتِ أكبر وأعقل وأطيب، حاولي تكلمي معاها وتفهميها شوية عشان خاطري.
بسمة بنفاذ صبر: حاضر، ماشي.
ثم سمعوا رنين الباب، فأسرعت أشرقت لفتحه فوجدت لمياء بنت جارتهم، فتاة في الثامنة عشر من عمرها، ملامحها جميلة هادئة، تحمل في يديها طبق هريسة شهي.
داعبت أشرقت بقولها:
أهلاً ياشوشو يا قمر. عاملة إيه وفين بلال، قصدي الشيخ بلال وبسمة؟ عشان عملت الهريسة دي بإيدي والله فقولت لازم يدوقوا منها.
وضعت أشرقت يديها الاثنين على خصرها وبنظرات لها من مخمص قدميها لرأسها:
والله أنتِ اللي عاملاها ولا خالتي يا كدابة. وأنتِ شمولة أوي كده يعني، وجاية بنفسك ليه؟ ليه مبعتيش أخوكِ الصغير؟ لا زم يعني تيجي بنفسك.
تغير لون لمياء وشعرت بالحرج وكادت أن تفترسها لولا تدخل بلال الذي جاء قائلاً:
رواية صغيرة بلال الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
أشرقت بإنفعال سببه الغيرة:
"وأنتِ شملولة اوى كده يعنى، وجاية بنفسك ليه؟ ليه مبعتيش اخوكِ الصغير؟ لازم يعنى تيجى بنفسك؟"
تغير لون لمياء وشعرت بالحرج وكادت أن تفترسها لولا تدخل بلال الذي جاء هاتفا بصوت حاد:
"أشرقت وبعدين."
ثم ابتسم لـ لمياء وهو يأخذ منها الطبق قائلا بلطف:
"تسلم ايدك يا لميا، انا متأكد انها أكيد حلوة بدل أنتِ اللى عملاها."
فنظرت لمياء إلى أشرقت بإنتصار، فضربت أشرقت الأرض بغيظ بقدميها ثم أسرعت إلى غرفتها. تضرب كفا بكف قائلة:
"ماشي يا لميا يا أم قصة باينة من الحجاب، أنتِ بتكذيني أنا أشرقت. شوفي أنا صحيح صغيرة بس هشوف أنا ولا أنتِ."
من موقف أشرقت تأكدت بسمة مما تخشاه أن بالفعل أشرقت تشعر بالغيرة من لمياء التي تتصيد أي شيء لتأتي لهم لتنعم برؤية بلال. فـ لمياء تعشق بلال وكثيرا ما تفعل أشياء كثيرة لتلفت انتباهه إليها كعمل حلوة أو شرح لها شيء لا تفهمه من آيات الذكر الحكيم.
ولكن الجدير بالذكر أنه يكاد لا يراها فهو يغض بصره عنها ويكتفي بالابتسامة فقط عندما تحدثه، تلك الابتسامة التي آثرت قلبها.
لمياء بحرج:
"طيب أنا نازلة لأمي. أتعوّقني، هتعوزي حاجة مني يا بسمة؟"
بسمة:
"شكرا يا حبيبتي وتسلم ايدك."
لمياء لـ بلال:
"وانت يا شيخ مش عايز حاجة؟"
فاندفعت أشرقت من الداخل قائلة:
"يعني هيعوز إيه منك يا حيلتها، يلا روحي عشان أمك بتنادي عليكِ."
فنظرت لها بغل لمياء والتفتت مغادرة سريعًا. ثم وقفت تقلد حركات بلال وقوله لها:
"تسلم ايدك بدل أنتِ اللي عملاها. حيلك حيلك يا شيخنا."
لم يستطع بلال هذه المرة أن يكتم ضحكاته، فضحك على تقليدها له. ولكن توقف عندما رآها تسلط النظر عليه فسألها:
"مالك كده واقفة سرحانة؟ وليه عاملة نقرك من نقرها. وعلى فكرة عيب كده، دي أكبر منك ولازم تحترميها."
أشرقت:
"مهو انت لو تبطل ضحكتك دي قدام اللي يسوى وما يسواش مكنتش الست لميا دي ساقت فيها كده."
فغضب بلال:
"أشرقت عيب كده ولمي لسانك ده شوية."
وضعت أشرقت يدها على فمها مردفة:
"اديني لميت يا أبيه، بعد إذنك أنا داخلة أنام."
ثم التفت لتغادر ولكنها تراجعت وامسكت بطبق الهريسة. والتهمته عن آخره بسرعة وشراهة.
بسمة بضحك:
"يا بت المسروعة، ما براحة يا بنتي، بتاكلي في آخر زادك ولا إيه؟ وكمان كلتيها كلها يا مفترية؟ مش تسبيلى حتة أنا وبلال! ولّي يشوفك وأنتِ بتخلصيها كده، ميشوفش عملتي فيها إيه؟ وبحسبك مكنتيش هتقربلها عشان مش بتحبي لميا."
أشرقت وهى تقوم بمسح فمها من أثر الطعام:
"لا أكلتها أنا كلها عشان ما ياكلش أبيه من عمايل ايديها الحلوة على رأيه. وعلى فكرة يا أبيه طعمها مكنش حلو، بس أهو أكلتها استخسار بس بدل ما تترمى. ولو بتحب الهريسة أعملك أنا، من إيديا حلوة برده."
بسمة:
"طبعًا يا صغنن، انتِ الحلاوة كلها. ويلا ادخلي اغسلي سنانك الأول من الهريسة دي وبعدين نامي عشان المدرسة بدري يلا."
وعندما ولجت للداخل. سأل بلال بسمة:
"مش عارف مالها أشرقت اليومين دول مش عاجباني وكلامها غريب."
ضحكت بسمة:
"مدقش يا أخويا، دي عيلة لسه."
بلال:
"مش عارف، ربنا يهديها. أنا داخل أصلي ركعتين قبل ما أنام."
بسمة:
"تقبل الله يا حبيبي ودعواتك."
بلال:
"ربنا يسعدك يا حبيبة أخوكي، انتِ والبلوة الصغيرة دي أشرقت."
ولجت لمياء على والدتها والغضب يملأ وجهها.
أم لمياء:
"مالك يا بنتي كنت نازلة وشك فرحان وطالعة زعلانة ليه كدا؟"
لمياء:
"البت اللي متسمي أم نص لسان دي أشرقت."
أم لمياء:
"مالها بس يا بنتي؟ مش قولتلك متعمليش عقلك بعقل عيلة صغيرة. وخليكي في الشيخ، وخلي عينك عليه، عشان ميلفش على غيرك، ده كل بنات الحتة عينهم عليه. فانتِ أولى بيه يا ضنايا."
لمياء:
"هو أنا برده اللي عملت عقلي بعقلها، دي هي يا ماما اللي حطاني في دماغها معرفش ليه ومش بطقني. وبحسها بتغير على بلال. متكونش المفعوصة دي بتحبه كمان يا ماما."
فضحكت والدتها قائلة:
"بس يا بت، إيه اللي بتقوليه ده؟ هي بس متعلقة بيه وببسمة عشان هما اللي مربينها. وهو عمره ما هيشوفها غير أخته وبس يا عبيطة. ده طبعًا غير فارق السن، فمينفعش أبدًا. سيبك بس أنتِ منها لغاية ما تربطي بلال وتضمنيه وبعدين ابقي اعملي حدود بينك وبينها متتخطاهاش."
لمياء وهى ترفع حجابها:
"آه بس آخد قلبه وبعدين هوريها الشبر ونص دي."
بعد مرور فترة من الوقت وانتهاء الامتحانات، انتظر بلال بفارغ الصبر ظهور النتيجة. فكان متوترا بعض الشيء يفرك في أصابعه وشارد في انتظار مكالمة من صديقه يبشره بالنجاح والتفوق كعادته.
وبينما هو كذلك شعر بيد صغيرة تربت على كتفه فاهتز جسده فانظر إليها فوجدها تنظر له بعين لامعة تشع حبا لامس قلبه ولكنه تبدل في ثانية فقد أقسم منذ صغره ألا يحب أحد حتى لا يفقده وخصوصا تلك الصغيرة التي رباها. فنعم هي تشغل عليه عقله ولكن لاااا لن يتركها تتأذى إذا دخلت قلبه وعليه أن يصرفها عنه تمامًا.
فهب واقفا سريعا قائلا بحدة:
"أشرقت أنا مش قولت مية مرة أنتِ خلاص كبرتي ومينفعش تعملي الحركات دي ولا تلمسيني بأي شكل من الأشكال."
ارتبكت أشرقت ولمعت في عينيها الدموع وقالت:
"فيه إيه مالك؟ أنت محسسني إني اتحرشت بيك ولا حاجة. أنا يدوبك شوفتك قلقان عشان النتيجة فقولت أطمنك وأقولك أنا جنبك وواثقة زي كل مرة إنك هتطلع الأول وهتتعين معيد زي ما انت عايز. انت ليه بتعمل كده معايا، ليه بتكرهني؟"
ثم أجهشت بالبكاء قائلة بنحيب:
"ياريت كنت أعرف ليا أهل كنت عشت معاهم ولو حتى خدامة بدل العيشة معاك وانت مش طايقني كده."
قالت كلمتها تلك وانشق قلب بلال عليها، فهو لم يتخيل أبدا أن معاملته لها سببت لها كل تلك المعاناة لدرجة أنها لا تريد العيش معه. لااا هو لا يتخيل أيضا أن تبتعد عنه يوما، هو يعاملها بجفاء لأنه يخشى عليها ولكن للأسف لا يفهمه أحد.
تدارك بلال قوله:
"أشرقت ابدااا مين قال كده؟ أنتِ عبيطة يا بت، أنتِ أختي الصغيرة ويستحيل أسيبك تعيشي بعيد عني حتى لو ظهر لكِ قرايب."
ابتسمت أشرقت قائلة:
"طيب خلاص بحبّحِبها شوية يا عم الشيخ متقفلهاش كده عشان ما أطفش منك."
ضحك بلال قائلا:
"مجنونة."
ثم جاءه اتصال من صديقه مروان يبشره.
بلال:
"ها إيه الأخبار؟"
مروان:
"إيه يا عم أنت قلقان بجد ولا إيه زي الناس؟ مفروض تحط في بطنك بطيخة صيفي عشان أنت متأكد من نفسك."
بلال:
"انت هتغني متقول من الآخر؟"
مروان بضحك:
"من الآخر أنت البريمو بسم الله ما شاء الله يعني. الأول يا صاحبي والكلية هتنور بمعيدها بلال محمد."
فقفز بلال من السعادة ثم سجد لله حمدًا وشكرًا على سائر نعمه ثم بكى قائلا:
"كان نفسي أوي بابا يكون عايش عشان يشوف اللحظة دي."
داعبته أشرقت بقولها:
"وبعدين بقا يا سيادة الدكتور متقلبهاش نكد في يوم زي ده، ويلا اطلع بحلاوة النجاح."
أما بسمة فجاءت من الداخل مطلقة الزغاريد عندما سمعت صوته من الداخل يحمد الله عز وجل.
بلال بفرحة:
"خلاص ليكِ عندي خروجة النهاردة الملاهي أنتِ وبسمة بس مش عايز لبس ضيق أو قصير. وشعرك ده تلميه كحكة عقبال ما ربنا يهديكي وتلبسي الحجاب وتريحيني."
فتدللت أشرقت أمامه بشعرها حتى سحرته فنهرها قائلا:
"امشي من قدامي دلوقتي يا أشرقت أحسنلك وإلا والله أرجع في كلامي ومفيش ملاهي."
أشرقت:
"خلاص خلاص، داخلة أهو."
وعندما خطت خطواتها نحو الداخل سمعت صوت على الباب زغاريد وطرق شديد على الباب. فأسرعت لفتحه فوجدت أم لمياء تحمل صينية شربات وتطلق الزغاريد ومن ورائها لمياء تبتسم ابتسامة واسعة.
أم لمياء:
"انا أول ما سمعت الزغاريد قولت أكيد نجحت يا ابني، روحت بلّيت الشربات بسرعة وجيت عشان أكون أنا أول واحدة أهنّي. ألف ألف مبروك، كده الشهادة خلاص ومفضلش غير العروسة طبعًا، صح ولا إيه يا لميا."
ثم دفعتها أمامه. شعرت لمياء بالخرج فقالت:
"آه يا ماما، بلال يستاهل كل خير. ويستاهل واحدة تحطه في عينيها الاتنين."
فوضعت أشرقت إحدى يديها في جنبيها قائلة بغيظ شديد:
"والوحدة دي اسمها لميا ها. آه يا بجاحة، ده أنتِ ناقص تقوليها أنتِ وأمك بالمفتشر كده، اتجوزني. إيه مفيش حيا ولا خجل خالص."
فهتف بلال بحدة:
"أشرقت، إيه اللي بتقوليه ده؟"
فتصنعت لمياء الدموع قائلة بنحيب:
"لااا لحد كده وكفاية يا أشرقت، أنا كنت بسكت عشان بقول عيلة ومعملش عقلي بعقلك، لكن هي حصلت تكلمي كده عليا أنا وبلال يبقى لازم تقفي عند حدك. وأنا خلاص مش هوهب نحو شقتكم تاني. يلا يا ماما."
والدة لمياء بإنفعال:
"كده يا شيخ بلال نتهزأ من عيلة زي دي قدامك. وأنا بتي مش بيرة والف مين يتمناها، بس العشم كان واخدنا بس عشان جيران. يلا ربنا يسامحكم كسرتم بخاطر البنت. يلا يا بتي معلش، إحنا غلطانين."
فالتفتوا مغادرين، فأخرجت لسانها أشرقت. فحدث نفسه بلال:
"لااا كده البنت داخلة في منعطف مش حلو ودماغها بايظة ولازم أوقفها عند حدها."
فهتف بلال:
"استني يا خالتي أم لمياء."
فابتسموا الاثنين لبعضهما البعض. والتفتوا منتظرين بلال يتحدث.
بلال:
"والله مش عارف أقول إيه؟ أنا بتأسف بالنيابة عن أشرقت لأن هي فعلا لسه صغيرة ومش مدركة هي بتقول إيه؟"
أشرقت:
"ليه شايفني مجنونة ولا بمص في صباعي."
فأشارت لها بسمة لتصمت حتى لا يغضب بلال أكثر من هذا. رمقها بلال بنظرة صارمة ثم أكمل حديثه.
بلال:
"خالتي أم لمياء، صراحة لمياء بنت طيبة وتستاهل واحد أحسن مني كمان، بس أنا يدوبك في أول المشوار ولسه ورايا أختين عايز أطمن عليهم وأشار إلى بسمة وأشرقت. وعشان كده مش عايز أعطلها وتقعد جنبي كتير والعمر بيجري عشان متندمش."
اندفعت لمياء بقولها:
"أنا أستناك العمر كله يا بلال بس لو انت عايزني بجد."
شعر بلال بالحرج ولم يشأ أن يكسر بخاطرها، وهو يرى صدق محبتها له في عينيها. تعلق نظر أشرقت بـ بلال، منتظرة منه أن يرد بالرفض كي يريح قلبها البريء. ولكن صدمت بعد ما نطق، مضطرا لإحساسه بالحرج:
"آه طبعًا بس أنا كان قلبي عليكِ."
فنظرت لمياء لوالدتها بفرحة غامرة قائلة:
"زغرطي ياما. وبقيت خطيبة الشيخ بلال بجلالة قدره زينة شباب الحتة."
فقامت أم لمياء بإطلاق الزغاريد بفرحة غامرة قائلة:
"لا كده هنوزع الشربات على الحارة كلها."
ثم نظرت لأشرقت التي لمعت عيناها بالدموع، مستكملة قولها:
"ونكيد الأعادي."
فأسرعت أشرقت لغرفتها باكية ونظرت بسمة لـ بلال بعتاب فأدار وجهه حرجا. ثم أسرعت بسمة وراء أشرقت لتطيب بخاطرها.
جلست بسمة بجانبها على طرف الفراش ومسحت على شعرها بحنو:
"ماله الجميل زعلان؟ مفروض نفرح ونرقص لما أخونا الكبير هيخطب، مش كده ولا إيه؟"
فرمقتها أشرقت بنظرة عتاب بدون كلام فهمت منها بسمة ما تعانيه. ولكنها تعجبت أيعقل لطفلة مثلها أن تتعلق به بهذا الشكل. لا أظن أنه حب حقيقي، قد يكون مثل حب الأب الذي تغير عليه حتى من والدتها.
بسمة:
"وبعدين يلا فوقي كده، عشان عايزين نفكر هنلبس إيه في الخطوبة، عايزين نلبس أنا وأنتِ فساتين شبه بعض."
أشرقت ببكاء:
"كفاية حرام عليكي، لو سمحتي سبيني لوحدي أرجوكِ دلوقتي."
بسمة:
"أشرقت أنا مش فاهمة صراحة مالك؟ قد كده مش بتحبي لمياء، البنت مش وحشة للدرجاتي وكفاية إنها بتحب بلال، وهتقدر تسعده."
أشرقت:
"طيب وأنا؟"
بسمة بمكر:
"أنتِ إيه؟ أنتِ بكرة تكبري وتجوزي."
أشرقت:
"يستحيل أنا أكون غير لـ بلا...؟"
ولم تستكمل اسمه واكتفت بالصمت. ثم رددت:
"لو سمحتي أنا عايزة أنام دلوقتي."
بسمة:
"كده يا شوشو، ماشي يا ستي هسيبك تنامي."
ثم خرجت إلى بلال الذي عندما لمحها قال:
"فين أشرقت؟ وعاملة إيه دلوقتي؟"
نظرت له بسمة بعتاب ولم تجاوبه.
بلال:
"أنا مش بكلمك، ليه مش بتردي؟ ومالك بتبصيلي كده؟ بحسبك هتكوني فرحانة عشان خطبت."
فسألته سؤال هز كيانه:
"أنت فرحان يا بلال؟"
فوضع بلال يده على رأسه والتفت حتى لا ترى عينيه الكاذبتين:
"آه فرحان، لمياء بنت كويسة وبتحبني وبنت ناس طيبين فليه مفرحش."
بسمه:
"طيب عيني في عينك كده."
بلال:
"وبعدين معاكِ، أنا خلاص خطبت وانتهى الأمر ويستحيل أنا الشيخ بلال أرجع في كلامي وليه أرجع أصلًا؟"
بسمة:
"عشان أشرقت."
كتم بلال غصة مريرة في قلبه ناطقا بصعوبة:
"كلها أشرقت، بكرة تكبر ويجيلها نصيبها وأنا مش هجوز قبل ما أطمن عليها هي وأنتِ."
بسمة:
"يا سلام وهتستناك ست لمياء ده كله؟"
بلال:
"مش عارف، بس أنا قولت قصادها وهي حرة بقا."
بسمة:
"طيب، ربنا يكتب اللي فيه الخير."
بلال:
"وهي أشرقت جوا بتعمل إيه؟"
بسمة:
"بتقول هتنام."
بلال:
"دلوقتي، هو ده معاد نوم!!"
بسمة:
"أهو هي قالت كده. بس انت شغال نفسك ليه بيها، خليك في عروستك لميا المسهوكة على رأي أشرقت."
فنظر لها بلال بغيظ:
"كده يا بسمة أنتِ كمان. طيب.. أنا نازل أتفق معاهم على الشبكة ولزي منه."
بسمة:
"لا انت دماغك ناشفة أوي."
بلال:
"آه.. وبلغي الهانم أشرفت إن خلاص هتم 12 سنة يعني سن التكليف. يعني تلبس الحجاب ومش عايز أشوفها من غيره قصادي أو قصاد أي حد."
فضحكت بسمة محدثة نفسها:
"بلال ده اللي بسببه طلع المثل اللي بيقولوا عليه.. عيني فيه وبقول أخيه. هيجنونوني والله الاتنين. لما أشوف آخرتها معاهم الاتنين."
وبالفعل تمت أشرقت اثني عشر عاما وظهرت معالم أنوثة خفيفة على جسدها وفي حفلة صغيرة فاجأها بها بلال قدم لها عدة ألوان مختلفة من الحجاب مع فساتين طويلة ساترة تتناسب معها مع تورتة صغيرة نقش عليها اسمها. ودعى للحفلة لمياء ووالدتها التي جلست والعيد يخرج من عينيها قائلة لوالدتها:
"شوفتي يا ماما بيهتم بالبت دي إزاي؟ دي بيهتم بيها أكتر من أخته بسمة. آه يا ناري منها. والمشكلة إن البت كل ما بتكبر بتحلو وقولت الحجاب هيغطي شعرها اللي فرحانة بيه في الريحة والجاية ده. طلع الحجاب هياكل من وشها حتة وبقت زي القمر أكتر. ولا جسمها عامل زي ما يكون جسم واحدة تمنتاشر سنة مش لسه اتناشر سنة."
والدة لمياء:
"وطي صوتك إلا أسمعك، عشان حاسة إنها مطأطأة ودانها معانا وشوفي البت بتبصلك إزاي؟"
لمياء:
"آه يا ماما والله حاسة زي ما يكون ضرتي. إمتى بس أخلص من البت دي؟ حساها واقفة بيني وبين بلال. وهو ماخر الجواز عشان خاطرهم."
أم لمياء:
"ليه هيربطك جنبه ده كله؟ لااا ادلعى عليه يا بنتي وشنكليه هيموت فيك وهيّسرع في الجواز واهو بقا معيد في الكلية وليه مركزه. ولو قالك أخواتي خليكِ أنتِ ذكية وقوليله فوق راسي. نجوز معاهم في الشقة وأخدمهم بعيني. ولما تتمكني من الشقة، تبدأي بقا تتطفشيهم منها. وخصوصا البت السوسة دي."
لمياء وقد اتسعت عينها بمكر:
"آه يا ماما وحياتك ده اللي هيحصل."
رواية صغيرة بلال الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
الغيرة في الحب كالماء للوردة، قليله ينعش وكثيره يقتل.
....................
أضمرت لمياء العداوة لأشرقت بسبب الغيرة الشديدة من اهتمام بلال بها.
لمياء بتحدي: لما أشوف أنا ولا أنتِ يا نص ربعة أنتِ! بس أتلم عليه بس وأدخل شقتكم، ومدام دخلت يبقى أنا جوه وأنتِ برا يا نوغة.
مرت عدة أشهر على خطوبة بلال ولمياء، لم ينفرد بها يومًا بمفردهما أو يخرج معها بدون والدتها أو أحدًا من أخواتها.
وفي أحد المرات همست له لمياء: وبعدين معاك يا بلال؟ أنت ليه مش حاسس بالنار اللي جوه قلبي؟
بلال بتجهم: إيه مالك يا لمياء؟ أنتِ تعبانة ولا حاجة أوديكِ لدكتور؟
لمياء: آه تعبانة بيك يا بلال، نفسي أحس زي أي بنت مخطوبة بحب خطيبها ليها، نسهر نكلم للفجر وتسمعني كلام حلو ولا تغنيلي. ونفسي نخرج سوا أنا وأنت بس لوحدينا، ونفسي مرة تحاول تلمس إيدي، ولا حتى أشوف في عينيك رغبة. ده أنت غريب أوي، ده أنا بتستخسر تبصلي حتى. هو أنا مش عاجباك ولا إيه؟
تعرّق بلال وشعر بالحرج من همساتها تلك ولكنه تماسك وحاول أن يكون رزينًا في التعامل معها وحدثها بقوله: لمياء افهمي الكلام اللي هقوله ده كويس أوي. بصي يا ستي الخطوبة معناها وعد بالزواج يعني مش زواج لسه وأنا لا أحل لكِ.
فتحت لمياء فمها ببلاهة قائلة: مش فاهمة يعني إيه؟
بلال: أفهمك، يعني إحنا بدال لسه ما عملناش كتب كتاب، فمينفعش نكلم سوا لوحدينا أو نتجاوز في الكلمات وطبعًا مينفعش ألمسك ولا حتى أبص ليكِ كتير، لا يجوز. وطبعًا مينفعش نخرج إلا في وجود حد معاكِ. فهماني يا لمياء ولا أقول تاني؟
لمياء بنزق: ياه كل ده، وأنا اللي كنت بحلم بالخطوبة عشان أعيش معاك قصة حب ملهاش أول ولا آخر، طلعت خطوبة ناشفة أوي. طيب إحنا فيها يا شيخ نطريها ونعمل كتب كتاب،
ثم غمزته قائلة: عشان أسمع منك كلمتين حلوين يهونوا بعدك عني لغاية ما نتلم تحت سقف واحد عشان أنت واحشني أوي.
حمحم بلال حرجًا ثم وقف خجلًا قائلًا: آه إن شاء الله بس الظروف تسمح شوية عشان زي ما أنتِ شايفة السنة دي بسمة ثانوي ومحتاجة دروس كتير وكمان أشرقت إعدادي ومحتاجة برضه دروس.
فتجهم وجه لمياء: طيب بسمة وأختك، لكن أشرقت تتعب نفسك عليها دروس كمان مش كفاية عليها مصاريف المدرسة؟ تتنيل تذاكر لوحدها وتخلي في عينيها حصوة ملح.
فغضب بلال بشدة ولأول مرة تسمعه ينفعل عليها بهذه الطريقة: بقولك إيه يا لمياء، لو عايزنا فعلًا نكمل مع بعض، ما أسمعكيش مرة تكلمي على أشرقت بالطريقة دي. أشرقت ما تفرقش عن بسمة حاجة خالص، بل ومكانتها أكبر كمان عشان دي وصية وأمانة في رقبتي وهفضل كده معاها لغاية ما أسلمها لجوزها بإيديه.
شعرت لمياء بالغيظ الشديد من أشرقت ولكنها لم تشأ أن تفسد العلاقة بينها وبين بلال بسبب تلك الشقية. فابتسمت ابتسامة صفراء قائلة: خلاص طيب يا بلال، واقعد كده واقف ليه؟ أنت لازم تتغدى معانا النهاردة، عمَلالك حلة محشي ورق عنب تاكل صوابعك وراها.
بلال مبتسمًا: تسلم إيدك بس مينفعش أسيب البنات تاكل لوحدها.
ففكرت لمياء أن تثير غيظ أشرقت وتأتي بحلة المحشي وتطلع معه لتتناول معهم الغذاء وتقوم بتدليله أمامها.
لمياء بمكر: بس كده؟ طيب إيه رأيك أجيب الحلة وأطلع معاك ناكل سوا؟
فابتسم بلال محدثًا نفسه: ربنا يهديهم لبعض.
ثم قال: ماشي الكلام، يلا بينا.
فتح بلال الباب فأسرعت أشرقت إليه عندما سمعت صوته وعلى وجهها تلك الابتسامة التي تعذب قلب بلال كلما رآها.
وعندما نطقت أشرقت: بلال حمد لله على السلامة.
حمحم بلال قائلًا: تعالي يا لمياء البيت بيتك، وحضري السفرة يا أشرقت عشان هناكل محشي ورق العنب اللي أنتِ بتحبيه من إيد لمياء.
تجهم وجه أشرقت قائلة: والله هي هتشرف معانا النهاردة!
لمياء بحدة: إيه يا مش هتقولي اتفضلي؟ ده أنا ما هانش عليا آكل من غيركوا.
فابتسمت أشرقت بفتور مرددة: لا فيكِ الخير اتفضلي اتفضلي.
بسمة: أهلًا يا لمياء، ليه التعب ده بس!
لمياء: مفيش تعب ولا حاجة. يلا بسم الله.
أصرت أشرقت أن تجلس لمياء على كرسي السفرة الذي بدأ خشبه في التآكل وينذر بالوقوع في أي وقت. وجلست أشرقت بجانب بلال تسدد لها نظرات نارية.
لمياء محدثة نفسها: آه يا ناري، نفسي أجيبها من شعرها السهونة دي.
ثم قالت: كُل يا بلال يا حبيبي، ألف هنا وشفا مطرح ما يسري يملي.
فضمت أشرقت على شفتيها بغيظ وأرادت النيل منها فأخذت واحدة من ورق العنب وأطعمت بلال في فمه.
تفاجأ بلال بما فعلت وشعر بالحرج حتى أن الطعام وقف في حلقه وأصدر صوتًا. فقامت على الفور أشرقت قائلة: هجيبلك مية يا عين أختك، شكلك زورّت وحد باصصلك في الأكل.
بلال: لا مفيش داعي، بس اقعدي كُلي وأنتِ ساكتة ومتكرريش ده تاني.
تحرك الكرسي تحت لمياء من ثقلها عليه حتى فجأة سقط بها في الأرض. فتعالت ضحكات أشرقت قائلة: يا لهوي عليكِ، قولتلك خسي شوية بدل ما أنتِ عاملة زي شوال البطاطا كده. وآهو من كتر أكل المحشي، الكرسي ما استحملش وقع بيكِ.
لمياء بغضب: تصوري أنتِ ما عندكيش دم وأنا اللي غلطانة إني جيت.
ثم نظرت لبلال الذي يحاول كتم ضحكاته هو الآخر قائلة: ما تمد إيدك يا شيخ وتقومني ولا عجبك اللي حصل ده؟
أشرقت: الشيخ مش بيمد إيده على حريم. ناوليني إيدك يا أختي، أنا هقومك ومعلش تعيشي وتاخدي غيرها.
ناولتها لمياء يدها وشدتها أشرقت بقوة ولكنها عن عمد أفلتتها مرة أخرى قبل أن تقف فسقطت على ظهرها صارخة: آآآآه.
ثم انفعلت بحدة بقولها: كده يا بنت اللذين آمنوا، والله ما هسيبك.
فأسرعت أشرقت للداخل خوفًا من بطش بلال التي كانت عينيْه تنذر بالشر. ثم ساعدت بسمة لمياء على الوقوف قائلة: معلش يا حبيبتي دي مش قصدها، هي عيلة برضه وما استحملتش تشدك.
لمياء: بقى كده؟ ماشي يا ست بسمة أنتِ كمان وشكرًا لحسن الضيافة.
ثم اقتربت من بلال بقوة حتى ابتعد حرجًا هامسة: فكر يا بلال في موضوع كتب الكتاب قريب عشان لما أقع تاني تشدني وما أعتمدش على العيال تاني.
حمحم بلال: آه إن شاء الله، ومعلش ما تزعليش حصل خير.
لمياء بدلال: لا مش زعلانة طول ما أنت معايا وفي حياتي يا بلال.
بلال: وبعدين يا لمياء قولنا إيه؟
لمياء: خلاص يا شيخ، وقولت عجّل بكتب الكتاب قبل ما أسيح أكتر من كده وتزعل.
فضحك بلال قائلًا: ربنا يهديكِ.
ثم أوصلها إلى الباب مودعًا لها وعندما خرجت عاتبته بسمة.
بسمة: كتب كتاب إيه وزفت إيه من البت دي، اللي اتعدت الحدود وما بقتش مكسوفة من نفسها وعمايلها. دي مش حلمك خالص يا بلال. دي هتتعبك، أنا ما شفتهاش بتصلي وعلى طول شعرها باين من الطرحة زي حسونة صاحب بكار.
فضحك بلال قائلًا: عليكِ تشبيهات. أنا فعلًا مضايق من كده وكنت هنبّه عليها قبل كتب الكتاب الحاجات دي. بس فعلًا مش قادر أكسر بخاطرها.
عاتبته بسمة بقولها: اشمعنى هي اللي مش قادر تكسر بخاطرها بس ديما كاسر بخاطر أشرقت اللي بتسمع كلامك في كل كلمة ومش بتفوت فرض في معاده ولبست الحجاب الساتر وهي لسه عيلة وقربت تختم القرآن كمان. ومستعدة تعمل كل اللي أنت عايزه بس ترضى عنها. وبرضه مش بتعاملها كويس، مالك بس يا شيخ بلال؟
تأثر بلال بكلماتها ودمعت عينه وولّاها ظهره حتى لا ترى دموعه، فكيف يقول لها ما لا يقوله بينه وبين نفسه؟ أنها يحبها منذ أن كانت طفلة رضيعة وحبه ليها يكبر يومًا عن يوم ولكنها اللعنة التي حلت على قلبه منذ الصغر ولا يستطيع أن يصرفها عن عقله. أنه إذا أحب شيئًا أكثر من اللازم فقده، لذا يخشى فقدانها رغم أنه مسلم الأمر لله ولكن هذا الشيء ما زال يؤثر عليه. هذا بجانب العاقبة الكبرى فرق السن بينه وبينها، فهو لا يريد أن يستغل حبها الطفولي من أجله بل يتركها لعلها تجد حبها الحقيقي عندما تنضج وتظهر لها الأمور على حقيقتها.
بسمة: ما ردتش يعني عليا ولا مش عايز تتكلم ولسه قافل على قلبك من سنين. ومش عايز تعترف إنك بتحب...
قاطعها بلال بحدة قائلًا: ما تتكلميش لو سمحتي التهيوئات بتاعتك دي. أنا قلبي ما عرفش حاجة اسمها حب وأنا هتجوز لمياء وهتعمل برضه كل اللي أنا عايزه. ده آخر الكلام ومش عايز نقاش فيه لو سمحتي.
زفرت بسمة بضيق محدثة نفسها: غبي هيضيّع نفسه ويضيّعها من بين إيديه عشان وسواس في عقله. ربنا ينور بصيرته للحق. ويخيبك يا لمياء يا لزقة أنتِ، صراحة عندها حق أشرقت مش بتطيقك، أنتِ مش بتنزليلي من الزور.
....
وبعد مرور سنة أخرى أتمت فيها أشرقت ثلاثة عشر عامًا. وتحت ضغط أم لمياء من أجل عقد القران، بالفعل حدث عقد القران. ودخلت أشرقت في اكتئاب، وذهبت ضحكاتها المشرقة وأبدلتها بالدموع ولم تجتمع مع بلال على طعام واحد بعد ذلك واعتكفت في غرفتها وانشغلت في إتمام حفظ كتاب الله ومذاكرتها.
بلال وقد اكتسى الحزن وجهه: إيه مش راضية برضه تخرج تاكل معانا؟
بسمة: لاااا، وأظن أنت خلاص تبطل سؤال عليها، أنت اخترت حياتك وهي برضه اختارت حياتها بعيدة عنك عشان ترتاح وتعيش حياتك. وأخبار السنيورة إيه بعد كتب الكتاب؟ سمعت الكلام ولا لسه؟ عشان لسه الحال على ما هو الحال، لبسها ودلعها.
زفر بلال بضيق: كلمتها مليون مرة ومرة تستجيب وترجع تاني ومش عارف فعلًا أعمل إيه؟ وهددتها إني هسيبها لو ما استجابتش بتفضل تعيط وتقول ما تسيبنيش لو سبتني هموت نفسي وهسمع الكلام. وهكذا.
بسمة بحدة:
انتم حرين في بعض، واشرب نتيجة اختيارك.
ثم قامت فأمسك بيديها قائلًا: استنى أنا عايزك في موضوع.
فجلست بسمة تنصت له باهتمام.
ابتسم بلال رغم حزنه قائلًا: بصي أنا عارف إنك لسه يا دوبك 18 سنة، بس عروسة وزي القمر، والخطاب يا ستي بقوا على الباب بالطوابير.
تلون وجه بسمة بالحمرة مرددة بخجل: لا أنا مش بفكر في الموضوع ده خالص، أنا عايزة بعد الكلية أعمل دراسات عليا، وأكون دكتورة في كلية الدراسات الإسلامية بإذن الله، ده حلمي بجد.
ولو انشغلت بالجواز بدري مش هعرف أنجح وأتفوق.
وكمان أنا لسه سنة أولى جامعة ولسه المشوار طويل.
بلال: عارف يا ست البنات، بس العريس مش مستعجل على الجواز، هو عايز كلمة بس وقراية فاتحة كده على الضيق، ولما تخلصي كلية تتجوزوا، أما موضوع الدراسات العليا ده فهو أول واحد هيشجعك ويقف جنبك.
بسمة: هو فيه حد بيشجع مراته تذاكر وتتعب بعد الجواز؟
بلال: آه، لما يكون هو كمان بيحلم نفس الحلم وغلبان زي حالاتي كده، وطالع عينه شغل وتحضير ماجستير.
ففتحت بسمة فمها ببلاهة ناطقة: ده مين ده؟
ابتسم بلال: ده يا ستي جلال معيد معايا في الكلية، شاف حضرتك مرة معايا.
ومن ساعتها مش مبطل زن على وداني، ونفسي ينزل من على وداني عشان صدعت صراحة.
خجلت بسمة عند ذكر جلال، فهي من رؤيته أول مرة انجذبت إليه، ولكنها حاولت طرد هذه الفكرة عن مخيلتها؛ لأنها تحلم بمستقبل باهر والزواج سيعطلها، ولكن عندما علمت أنه سيقف بجوارها حتى تحقق ما تريد، لامس قلبها ذكر اسمه من جديد، إذا فليسعد القلب والعقل معًا.
وما أجمل من أن تجد شخصًا يدفعك للأمام ويخرج منك أجمل ما بك.
بلال: ها، قلتي إيه يا بسومة؟
أدارت بسمة وجهها بخجل قائلة: اللي تشوفه يا بلال، وأنا مش عايزاه يصدعك.
فضحك بلال حتى لمعت عينيه قائلًا: مش عايزاه يصدعني! لا قلبك عليا يا بسمة، يعني موافقة.
على بركة الله، وزي ما قلنا قراية فاتحة بس كده، ربط كلام، وممكن على سنة تالتة نعمل خطوبة وكتب كتاب عشان تاخدوا على بعض شوية قبل التخرج والجواز.
ثم كتم أنفاسه قائلًا: عقبال أشرقت كمان عشان يرتاح قلبي.
فاستدارت له بسمة قائلة بوهن: يا سلام، هيستريح قلبك لما تجوزها لغيرك؟
وقف بلال قائلًا: وبعدين معك! دي طفلة وأنا أكبر منها بكتير، وأكيد هتحتاج واحد من سنها يفهمها وتفهمه.
ونسيتي كمان إني مرتبط.
بسمة: السن عمره ما هيكون حاجز بين اتنين بيحبوا ويفهموا بعض وحافظين طباع بعض.
بلال بحدة: قلت لك مفيش حاجة اسمها حب بالنسبة لي وقفلِي على الموضوع ده خالص.
خلينا في موضوعك، حددي ميعاد جلال يجي تقعدوا مع بعض شوية وتتكلموا، وبعدين تصلي صلاة استخارة كده، وعلى بركة الله لو ارتحتي وكله تمام، المرة اللي بعديها نقرا الفاتحة.
بسمة: تمام، هو مفيش غير بكرة الجمعة إن شاء الله.
بلال: تمام، هتصل بيه، وأنتِ ظبطي البيت أنتِ وأشرقت؛ عشان هيجيب أهله معاه.
فقامت بسمة وولجت إلى أشرقت التي كانت تتم وردها اليومي من مراجعة ما حفظت.
فاقتربت منها وقبلتها بسعادة على وجنتيها.
ابتسمت أشرقت بوهن قائلة: إيه شكلك وراكِ حاجة.
قولي قولي فرحيني.
بسمة: قلبك دايماً حاسس بيَّ يا قلب أختك.
بس اسكتي مش جالي عريس يا أختاه، وأخيرًا حد بص في خلقتي وهيبتدي شغل الإهيء والميهيء.
فاحتضنتها أشرقت بحب مرددة: ألف ألف مبروك يا عيون أختك.
ثم لمعت عين أشرقت بالدموع فاندهشت بسمة متسائلة: إيه ماله الصغنن بتاعي؟
أشرقت بحزن: الصغنن هيكبر ومش هيلاقيكِ جنبي وهتتجوزي وهتسيبيني لمين؟
أنا يستحيل أقعد مع العقربة لمياء في بيت واحد.
فهروح لمين؟ ثم أجهشت بالبكاء.
بسمة: يا حبيبتي يا شوشو، أنا عمري ما هسيبك أبدًا.
وده أول شرط لما يجي جلال إني هاخدك تعيشي معايا؛ عشان عارفة إنك مش هتقدري تعيشي مع لمياء.
ولو ما وافقش جلال خلاص مع ألف سلامة، إن شاء الله ما اتجوزت خالص، أو لما أطمن عليكِ أنتِ الأول.
أنتِ زي القمر أصلاً وممكن تعمليها أنتِ قبليه كمان.
وأنا كمان بتلكك على الجواز أصلاً، أنا عايزة أكون دكتورة وأطلع في التلفزيون كده زي دكتورة عبلة الكحلاوي والناس يقولوا ست الدكتورة راحت، ست الدكتورة جت.
ضحكت أشرقت قائلة: طيب يا ست الدكتورة، ممكن تتنزلي وتنضفي البيت عشان عريسك القمر لما يجي، يقولوا والله يا واد وعرفت تنقي حلاوة ونضافة وفوقيهم دكتورة كمان.
بسمة: يلا زي بعضه، هنضف لله.
أشرقت: يختي جماله حلو، يختي سكر، الإيد الناعمة دي هتشيل التراب.
بسمة بضحك: أخلجتم تواضعنا يا شوشو.
ثم احتضنتها مرة أخرى بحب وحنو.
.......
أخبر بلال لمياء أن اليوم سيأتي عريس إلى بسمة ففرحت، وحدثت نفسها: يلا أول عقبة هتسيبنا، عقبال المصيبة الكبيرة أشرقت.
لمياء: والله ألف ألف مبروك، عقبال أشرقت يا رب.
عشان ترتاح يا حبيبي وبالك يهدى.
فحدث نفسه بلال: أنا صراحة مش عارف إزاي هسلمها بإيدي لواحد تاني، خايف بجد من اليوم ده ومش متصوره.
وفي المساء حضر جلال وعائلته، وتهيأت بسمة بفستان أبيض مزين بالورود ذات اللون البنفسجي وطرحة لنفس اللون.
أما أشرقت فقد أشرقت هي الأخرى بفستان من اللون الأزرق وطرحة بيضاء بها نقوش زرقاء تعكس لون عينيها فكانت كالبدر.
خرجت هي في بادئ الأمر لتؤدي التحية.
نظر لها بلال فدخلت الغيرة في قلبه من شدة جمالها، وود لو أخفاها عن العيون.
ولكنه تماسك وقدمها لهم: أشرقت أختي الصغيرة.
أم جلال: بسم الله ما شاء الله.
غمز جاسر والدته هامسًا: احجزي لي القمر دي يا ماما، عقبال ما أخلص الكلية تكون هي كبرت شوية.
تطرق إلى أذن بلال ما قاله جاسر فاستشاط غضبًا.
وقال بحدة: أشرقت فين العصير؟
أشرقت بصوت ناعم أثار غيرته أكثر: حالًا يا أبيه.
جاسر: الله، صوتها زي شكلها كمان.
ولجت أشرقت للمطبخ فأسرع وراءها بلال فشعرت بأنفاسه الحارة وراءها فزادت غضبه، وأخذت تندندن:
عايزة ألملم قلبي وأحضن نفسي وأمشي بعيد، عايزة أطيب جرحي أيوه هطيب جرحي أكيد، عايزة حبك يبعد عني، عايزة جرحك يخرج مني، لازم أعلم قلبي أنا يقسى ولازم ينسى ولازم أعيش.
بلال حدث نفسه: ياااه، لا يا أشرقت كفاية، بأعلم قلبي ينسى ويقسى، بلاش أنتِ، ده أنا أموت، محدش حاسس باللي بيه.
ثم هتف بحدة: أنتِ يا هانم اللي بتقوليه ده؟
أشرقت بدلال: إيه، بسلي نفسي وأنا باحط العصير مفهاش حاجة.
بلال: بتسلي نفسك بأغاني حب ومسخرة، سلى نفسك بذكر الله تاخدي عليه أجر وثواب.
أشرقت: أهو ساعة لقلبك وأنا بأسمع نفسي، ولا أنت شايفني ماسكة ميكروفون وعاملة نفسي شيرين.
بلال: أستغفر الله العظيم يا رب.
طول عمرك بلسانين، أقول لك كلمة تقولي لي عشرة.
أشرقت: طيب وسع أدخل بالعصير للناس.
بلال: لا، حضرتك هاتيه أنا أدخله، وأنتِ جري على أوضتك ما تخرجيش منها أبدًا لغاية ما يمشوا الناس دول.
أشرقت: وده يعني ليه إن شاء الله؟
لا هأقعد وأفرح بأختي ومش هأسيبها في يوم زي ده.
بلال: تفرحي لأختك ولا فرحانة باللي عينيه عليكِ ده.
أنا قلت كلمة واحدة، تدخلي وما أشوفش خيالك بره.
ابتسمت أشرقت فقد شعرت بغيرته عليها أخيرًا.
إذا فهي في قلبه، فلما هذا العذاب؟ وإلى متى؟
وبالفعل نفذت ما قال، وظلت عين جاسر تجوب يمينًا ويسارًا لعلها تخرج ويراها مرة أخرى.
أما بسمة فقد جلست لبعض الوقت مع جلال، ولكن كان الحرج مسيطرًا عليها ولم تستطع أن تتحدث.
فكيف سيزيل عنها جلال الحرج؟
وهل سيظل بلال يعذب كثيرًا بحب أشرقت؟
رواية صغيرة بلال الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
استمعت أشرقت لبلال ونفذت ما قال، وولجت لغرفتها. ظلت عين جاسر تجوب يميناً ويساراً، لعلها تخرج ويرىها مرة أخرى.
أم بسمة فقد جلست لبعض الوقت مع جلال. فركت بسمة في أصابعها بتوتر، وافترشت بنظرها الأرض، ولم ترفع بصرها إليه من شدة الخجل.
جلال مبتسماً: "صراحة مش قادر أقولك اتفضلي الشوز عشان حاسس إنها عجباكِ أوي من ساعة ما قعدنا وأنتِ بصالها. هي صراحة متغلاش عليكِ، بس للأسف هتغرقي فيها، لأن مقاسك صغنون بالنسبة لمقاسي العملاق ده وكأني لابس مركب."
فضحكت بسمة. فقال جلال: "أيوة كده خلي الدنيا تنور بضحكتك دي، زي ما هتنوري دنيتي أنا يا بسمة. متتصوريش أول ما بلال كلمني إنك موافقة إني أتقدم فرحت قد إيه، وسجدت لله شكر وحمد على طول، لأني من ساعة ما شوفتك واتمنيت تكوني حلالي."
صمتت بسمة واكتفت بالابتسامة.
جلال: "إيه، هفضل أنا أكلم كتير؟ أنا عايز أسمعك."
بسمة: "هقول إيه بس؟"
جلال: "اسألي أي حاجة وأنا أجاوب."
بسمة: "أنا معنديش أسئلة، وكل اللي يهمني إنك تعمل بوصية رسول الله حين قال: استوصوا بالنساء خيرا."
فابتسم جلال: "يا وصية رسول الله، فيه أي حاجة تانية تأمريني بيها؟"
بسمة: "الأمر لله، بس هو حاجة واحدة لو وفقت بيها، هتلاقيني خير زوجة بإذن الله."
جلال: "أنا موافق يا زوجتي المستقبلية."
بسمة: "مش لما تسمعي الأول."
جلال: "سمعيني، كلي آذان صاغية."
بسمة: "أشرقت."
جلال: "مرات أخويا؟ ملها؟"
ضحكت بسمة: "إيه مرات أخوك دي؟"
جلال: "جاسر من ساعة ما شافها وهو هاري ودان ماما. زي ما أنا هريت ودان أخوكي بالظبط. عجبته جداً، وأنا عارف جاسر كويس لما يشبط في حاجة."
ثم أتبع جلال: "بس هي لسه صغيرة، فيدوبك عقبال ما يخلص الكلية تلات سنين كده، تكون كبرت وبقت عروسة حلوة زي أختها الكبيرة."
بسمة محدثة نفسها: "آه يا وجع قلبي يا بلال، بس تستاهل عشان تبطل عند."
ثم حدثته: "إن شاء الله لما ربنا يكرم وندخل بيت الزوجية، هاخد بعد إذنك أختي معايا. لأني مش هقدر أسيبها مع مرات أخويا تضايقها، وده أكيد حاجة مؤقتة لغاية ما تاخد نصيبها هي كمان."
ابتسم جلال قائلاً: "طبعاً موافق مفهاش كلام دي، وأي حاجة تطلبيها مجابة بإذن الله. طول ما ربنا ميسرها وكله بفضل الله."
ابتسمت بسمة بخجل مرددة: "ربنا يكرمك يا زوجي المستقبلي."
فهتف جلال بسعادة: "يا دين النبي! أحلى كلمة دي ولا إيه؟ آه يا ني لو مكنتيش لسه بتدرسي وأنا لسه هظبط شقتي، كنت خليتها زوجي الحاضري حالا."
فخجلت بسمة وقامت وأسرعت للداخل. فضحك جلال واقترب بلال منه قائلاً: "قولت إيه؟ البنت طفشت منك؟ منا عارفك لسانك متبري منك."
جلال: "خليك محضر خير يا مولانا، وقولي إمتى هنكتب كتاب الكتاب."
بلال وهو يصك على أسنانه: "دكتور جلال، إيه؟ هتلم الدور ولا نأجل الموضوع خالص لبعد التخرج."
جلال: "لا يا مولانا هلم وأطبق كمان، أنا أقدر، إنت حبيبي يا مولانا."
بلال: "أيوه كده، ناس تخاف متختشيش."
جلال: "طيب أجي بكرة نقرأ الفاتحة."
بلال: "لا يا خفيف، الجمعة الجاية إن شاء الله."
جلال: "بس اعمل حسابك يا مولانا.. ممكن يكون زيادة الخير خيرين، وتبقى بالصلاة على النبي كده فتحتين."
بلال: "بتقول إيه يا دكتور؟ مش فاهم."
جلال: "يعني شروة واحدة كده بالمرة، عشان تظبط حالك مع مدام المستقبل يا عمنا. وناخد آخر العنقود لآخر العنقود اللي عندنا برضه ويبقى زيتنا في دقيقنا."
فكشر بلال عن أنيابه قائلاً بحدة: "بقولك إيه يا دكتور. مع السلامة يا خويا والقلب داعيلك عشان أنا عندي مرارة واحدة بس. أقولك أنا معنديش أخوات أصلاً للجواز، شوف يلا نصيبك أنت والمحروس أخوك برا. البنات كتير." ثم دفعه أمامه: "يلا طريق السلامة يا خويا."
ضحك جلال: "بس بس، متزوقش طيب. أنا كنت برضه بقول خلينا وحدة وحدة، أتمكن أنا الأول وبعدين نشوف النصيب."
مر الزمان كما هو حال الدنيا سريع. وصل سن أشرقت 16 عاماً في الثانوية الأزهرية، أما بسمة فكانت في آخر سنة في الكلية. أما بلال فحصل بعد الماجستير على مركز مدرس مساعد في جامعته.
أم لمياء حدثت ابنتها بقولها: "وبعدهالك يا لمياء، قعدتي تقولي هجيب رجله ونجوز والسنين بتعدي يا بنتي وأنتِ حالك واقف ولا منك مجوزة ولا منك حرة تشوفي حالك. وكده مينفعش، محدش هيبص في خلقتك. ده غير سنك اللي بيزيد سنة ورا سنة وكل البنات في الحتة اللي في سنك جه عدلهم وأنتِ قاعدة مستنية سيادة الدكتور لما يحن عليكِ."
لمياء بحزن: "أعمل إيه بس؟ كل ما أكلمه، يقولي هانت خلاص أهي وأخته هتتخرج وتتجوز وبعدين هو هيعملها. وخايفة أصلاً بعد ما تتجوز الكبيرة، يقول نستنى الست هانم أشرقت كمان."
والدة لمياء: "لاااا طبعاً، كفاية كده. وهي كانت من بقيت عيلته، وبسمة قالت هتخدها معاها ونخلص منها وتشوفي حالك أنتِ."
لمياء: "آه يا ياما ياريت. أنا النهاردة لازم آخد وأدي معاه ومش هسيبه غير لما يحدد معاد الفرح."
وعندما تقابلت معه حدثته: "بقولك إيه يا بلال، مش ملاحظ إننا قربنا نخلل أنا وأنت؟ كام سنة مخطوبين والناس بقت تكلم علينا في الريحة والجاية وشكلي بقا وحش أوي قصدهم وأنا حالي واقف كده ولا مننا متجوزين ولا مني مستنية نصيبي."
بلال بنزق: "قصدك إيه مش فاهم، وأنا مضحكتش عليكي من البداية وقولتلك هنطول وأنتِ وفقتي على كده. ولو يعني عايزة تفركشي بس محرجة تقولي، مفيش مانع من غير لف ودوران ملهوش فايدة."
فوقفت لمياء مردفة بصوت عالٍ: "نفركش؟ وقدرت أقولها يا يا عم الشيخ؟ إزاي بعد أربع سنين؟ مفكرتش الناس هتقول عليا إيه؟ ومين هيفكر يا بص في خلقتي تاني؟ لا كده حرام عليك والله وأنت بتقول قال الله وقال الرسول."
بلال: "استغفر الله العظيم، أنتِ هتقوليني حاجة أنا مقولتهاش، أنا بقول أنتِ مش أنا."
لمياء: "وأنا مش عايزة نفركش، أنا عايزة نتجوز. وكفاية كده سنين ضاعت من عمرنا."
بلال: "بس إزاي ولسه أخواتي متجوزوش؟"
لمياء بمكر: "وإيه يعني يا حبيبي؟ نتجوز معاهم وأكون أختهم التالتة وأنا اللي أشاورهم بنفسي كمان وأخدمهم بعنيه."
أغمض بلال عينيه وحدث نفسه: "أشرب يا معلم، أنت اللي جبت ده لنفسك ورضيت من الأول ترتبط بإنسانة مفيش بينك وبينها أي توافق، وهتندم ندم عمرك لو اتجوزتها وهتضيع أجمل حاجة في حياتك أشرقت، بس أعمل إيه؟ غصب عني؟ لو رفضت أتجوزها ضميري هيأنبني عشان علقتها معايا كتير وأنا فاهم كلام الناس كويس ومش هقدر أتحمل ذنبها. ها يا شيخ بلال هتعمل إيه في الوقعة دي؟ أنا بين نارين كده، هراضي نفسي اللي يوم عن يوم بتتعلق بـ أشرقت بس الخوف عليها من الحب ده. ولا أراضي لمياء عشان ملهاش ذنب في اللي حصل؟ لااااا يستحيل أتحمل ذنب لمياء وأشرقت لها الله وبكرة تحب وتتجوز وتنساني أصلاً."
بلال: "تمام، شوفي المعاد اللي يناسبك ونتجوز بس شرط هتلبسي الخمار ومفيش مكياج يتحط وأنتِ خارجة، أنا صبرت عليكِ كتير في الحاجات اللي بتعمليها بس مكنتش عايز أغصب عليكِ مادام مش في بيتي. لكن بدال رضيتي تكوني مراتى وهتعيشي معايا تحت سقف واحد وعايزانا نعيش بدون مشاكل. يبقا تنفذي كل اللي بقول عليه عشان نبتدي حياتنا على طاعة الله."
قامت لمياء بإطلاق زغرودة ثم قالت: "حاضر يا حبيبي كل اللي عايزه هعمله."
ثم حدثت نفسها: "أمي علمتني كلمة حاضر بتريح برده وبعدين أعمل كل اللي أنا عايزاه."
لمياء: "خلاص بعد أسبوعين بإذن الله نتجوز. ومن بكرة ننزل نجيب العفش وأمي تتفق مع المنجد يخلص، نطلع نفرش على طول. ياه إمتى يعدوا الأسبوعين دول كمان ويجي اليوم اللي بحلم بيه، ده هيكون أسعد يوم في حياتي يا حبيبي."
عاد بلال إلى شقته وكأنه يحمل فوق رأسه جبال من الهم، بعد أن أوقع نفسه في هذا الزواج. فولج للداخل وجلس على المقعد وأسند رأسه على الحائط. مرت بسمة بجانبه ورأت هيئته على ذلك الوضع فأصاب قلبها الألم، فأقتربت منه قائلة: "بلال يا حبيبي، مالك يا قلب أختك؟"
تنهد بلال بغصة مريرة قائلاً: "مفيش، وعايزك بكرة تحضري حالك عشان هتنزل نشتري العفش بكرة بمشيئة الله عشان فرحي على لميا بعد أسبوعين."
ضربت بسمة على صدرها مرددة: "إيه؟ أسبوعين!! أنت بتكلم جد؟ لاااا مش معقول، أنا كل يوم والتاني كان عندي أمل إنك خلاص هتسبها وخصوصاً بعد ما خلاص أشرقت بقت عروسة قدامك واديك شايف كل يوم والتاني بيجيلها عريس وهي بترفض عشان عايشة برده على أمل إنك تسيب المسهوكة دي وترتبط بيها."
زفر بلال بغصة مريرة قائلاً: "قولتلك كذا مرة إحنا مش لبعض والناس كلها عارفة إنها أختي الصغيرة اللي مربيها على إيدي. إزاي أقولهم إني هسيب خطيبتي اللي بقالي أربع سنين معاها عشان آخد أشرقت. هيقولوا طمعت فيها لما كبرت وعايزها لنفسي وإني كبرت وخرفت عشان أبص لعيلة زيها."
بسمة: "كلام الناس لا بيقدم ولا بيأخر وحرام تعيش تعيس عشانهم وهما مش هيحسوا بيك. هتظلم نفسك وتظلم أشرقت ولمياء كمان عشان قلبك مش هيكون معاها."
بلال بعناد: "أنا قلبي مش مع حد."
بسمة: "كذاب يا مولانا."
بلال وقد عرفت الدموع عينيه: "كفاية حرام عليكي أنا بتعذب وكفاية عليا تعذيب نفسي أنا بس، مش هعذبها لمجرد ميل طفولي مش متأكدة منه ومش عارفة تفرق بين الحب الحقيقي والحب الأخوي. وكمان أعذب لمياء لما أخلف وعدي ليها بعد السنين دي كلها."
ثم نظر لأخته بعين منكسرة قائلاً: "بعد إذنك أنا داخل أنام."
تركته بسمة ثم همست: "يا عيني عليك يا أخويا."
ثم ولجت لغرفتها فوجدت أشرقت ترتب السرير استعداداً للنوم. فجلست ولم تحدثها بشيء كعادتها في ملاطفتها في الكلام.
أشرقت: "إيه يا جميل؟ داخلة كده ولا أحم ولا دستور، إيه واكلة سد الحنك!!"
ولكن بسمة لم تجبها واكتفت بالعبوس.
فصاحت أشرقت بمداعبة: "لا أظن أن الأمر فيه جلل. جلال يعني ماله؟ مرنش عليكِ النهاردة؟ معقول!!"
تنهدت بسمة هامسة: "يارب رحمتك."
ثم اصطنعت البهجة قائلة: "معلش كنت بفكر في مشوار بكرة ومش مركزة معاكِ."
أشرقت: "مشوار إيه اللي وخدك عن الدنيا كده؟ هتروحي تشتروا الشبكة أنتِ وجلال عشان الخطوبة والعقد."
بسمة: "لا..." ثم صمتت لحظة وابتلعت ريقها بمرارة قائلة: "لا هنشتري عفش بلال عشان دخلته بعد أسبوعين."
قالت كلمتها الأخيرة ونظرت إلى أشرقت بحزن، التي كأن دلواً من الماء البارد في ليلة شديدة البرودة صب فوق رأسها فتجمدت مكانها وتصلبت مكانها ولم يسمع منها صوت جراء الصدمة ولم يرى منها سوى دموع انهالت كالفيضان فجأة.
وفجأة سقطت مكانها مغشياً عليها، فصرخت بسمة: "أشرقت!!"
ثم أسرعت إلى بلال: "الحقني يا بلال، أشرقت أغمي عليها."
بلال بذعر: "إيه؟" ثم أسرع إليها واقترب منها بلهفة: "أشرقت مالك يا حبيبتي؟ إزاي حصل ده يا بسمة؟"
بسمة: "عرفت أن حضرتك هتتجوز فطبت ساكتة كده. اشرب بقا عشان لو جرالها حاجة هتكون أنت السبب."
بلال: "حرام عليكي مش وقته ويلا لبسيها أي حاجة بسرعة عشان أنزلها المستشفى نشوف مالها."
وبالفعل سترتها بالحجاب وأخذوها إلى طوارئ المستشفى.
الموظفة: "اسم المريضة."
بلال: "أشرقت لؤي مؤمن."
تطرقت إلى مؤمن الذي كان يجلس بمرافقة صديق له احتاج لضعف بنيته إمداده ببعض المحاليل. فجحظت عيناه عند سماعه الاسم أشرقت لؤي مؤمن. فوقف وراقبها بصمت مع من معها حتى ولجوا بها إلى حجرة الكشف.
استطاع الطبيب أن يعيدها إلى وعيها عن طريق الحقن ولكنه نبه عليهم بمراعاة حالتها النفسية جيداً حتى لا تتعرض لمثل هذا مرة أخرى. فنظرت بسمة إلى بلال بعتاب ولكنه أدار وجهه حرجا. حاول بلال إسنادها مرة أخرى ولكنها رفضت واتكأت على بسمة وتجاهلته تماماً.
بلال بغصة مريرة محدثا نفسه: "لاااا اعملي أي حاجة إلا إنك تتجاهليني كده يا أشرقت، اتكلمي، اصرخي لكن سكوتك ودموعك دي بتموتني."
وبينما هم في الطريق إلى الخارج وجد من يستوقفهم بالنداء على أشرقت. فتوقفوا وولوا وجوههم نحوه. وتحدث بلال: "أيوة حضرتك فيه حاجة؟"
تجاهل مؤمن بلال وحدق النظر في أشرقت التي كانت صورة طبق الأصل من والدتها شروق بل وأكثر جمالاً بسبب لون عينيها التي أخذتها من والدها لؤي.
مؤمن: "شروق."
تلعثمت أشرقت قائلة: "حضرتك تعرف اسم ماما منين؟"
فتهلل وجه مؤمن قائلاً: "معقولة أنتِ يا حبيبتي، وطلعتي بنت مش ولد." وهم أن يأخذها بين أحضانه.
ولكن استوقفه بلال بغلظة: "إيه يا حضرة، اللي بتعمله ده؟ وأنت مين وعايز إيه؟"
مؤمن بنزق: "وأنت مين كمان؟"
بلال: "أنا أخوها."
تعجب مؤمن: "أخوها إزاي؟ وأنت أكبر. واسمك إيه؟"
بلال بنزق: "الله أم طولك يا روح، سيادتي بلال محمد."
مؤمن: "يبقى أخوها إزاي؟"
بلال: "مش أخوها لازم، ولكن زي أختي عشان إحنا اللي مربينها بعد ما والدتها ماتت."
صدم مؤمن ولمعت الدموع في عينيه قائلاً: "شروق بنت الغالي باسم ماتت إزاي وإمتى؟"
أشرقت: "حضرتك مين فهمني وتعرف ده كله منين؟"
مؤمن: "أنا جدو يا حبيبتي. أبو والدك."
مؤمن: "وأنتِ أشرقت لؤي مؤمن. وماما الله يرحمها شروق بنت أعز أصدقائي، باسم المصري."
ظهرت تعابير الفرح على وجه أشرقت مردفة: "معقول أخيراً ظهر لي أهل."
ولكنها تبدل حالها في ثوانٍ معدودة وقطبت جبينها متسائلة بحزن: "بس حضرتك كنت فين السنين اللي فاتت دي كلها؟ وليه سبتوا أمي لوحدها ومحدش سأل فيها لغاية ما ماتت بحسرتها. وبابا فين من ده كله؟ وأنا ذنبي إيه إن يحرموني منه؟ مش كفاية اتحرمت من ماما؟ كمان حرمني منه؟"
مؤمن بدموع: "يا بنتي أبوكي أصلاً هيموت من زمان ويعرف مكانك بس مكانش نعرف عن ماما وعنك أي حاجة وياما دورنا وسألنا ومتوصلناش لحاجة. وسبحان الله ربنا جمعنا بعد السنين دي كلها في صدفة. تعالي يا بنتي لحضن جدو حبيبك وبعدين نتكلم ونتعاتب وتعرفي كل حاجة."
فألقت أشرقت نفسها في حضن جدها مؤمن وانهمرت في البكاء مرة أخرى.
ود بلال لو شق صدره ووضعها بداخله، ليخبئها منه خشية مما هو آت. ثم صعق عندما جال في خاطره أيعقل مازالت اللعنة تحيط به حقاً. هل ستفترق عنه أشرقت لأنه أحبها بعد أن تعرفت على ذلك الجد المزعوم. لااااا لن يستطيع قلبه التحمل، وكادت الأرض أن تتحرك من بين أقدامه حين سمع قول مؤمن.
"يلا يا بنتي تعالي فيلا جدو وبابا. وتعيشي معايا وتعوضينا عن كل اللي الحرمان اللي شفتيه بسبب اللي حصل وأعوضك برضه عن كل لحظة فراق عشتيها بعيد عني. يلا يا بنتي."
فصرخ بلال: "لاااااااا."
رواية صغيرة بلال الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
مؤمن: برجاء.....يلا يا بنتي تعالي لفيلا جدو وبابا. هتعيشي معايا وتعوضينا عن كل الحرمان اللي شفته بسبب اللي حصل، وأعوضك برضه عن كل لحظة فراق عيشتيها بعيد عني. يلا يا بنتي.....؟؟
صرخ بلال: لاااااااا! إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟ إزاي يعني لسه عرفينك من دقيقة وتقولها تعالي عيشي معايا وتسيب الناس اللي مربياها بالساهل كده. وكمان لسه لما نتأكد من الكلام اللي بتقوله ده، يمكن تشابه أسماء وهي مش حفيدة حضرتك ولا حاجة، وارد وبيحصل كتير.
مؤمن: لا أنا قلبي وإحساسي ميغلطش أبدا، وهي فعلاً بنت ابني وهاخدها معايا وأبقى أتأكد براحتك بعدين. وأنا مش عايش لوحدي، البيت فيه خدامين كتير.
أشرقت: وبابا موجود معاك؟
نكس مؤمن رأسه بخزي قائلاً: لا بابا تعبان شوية.
صُدمت أشرقت فتسائلت بحزن: يعني فين؟ في المستشفى؟ طيب فين مكانها وأنا أروحله، نفسي أشوفه؟
لم يستطع مؤمن أن يحدثها بالحقيقة فاضطر للكذب قائلاً: لا بيتعالج برا. تعالي بس يا بنتي مش هنفضل واقفين كتير كده. أنا تعبت وعايز أروح أستريح.
بلال: لا حضرتك روح استريح، وأوعدك هجيبها لحد عندك تشوفها زيارة، لكن إقامة كاملة يستحيل.
مؤمن بحدة: أنت مين عشان تقول لي كده؟
بلال منفعلاً هو الآخر: أنا اللي شلت وربيت وكبرت وتعبت، وحضرتك عايز تاخدها على الجاهز كده وده يستحيل.
مؤمن: أنا مستعد أدفع لك تمن تعبك ده وبزيادة كمان.
بلال: ولا كنوز الدنيا تكفينا. ثم هتف: يلا بينا يا أشرقت، يلا يا بسمة نروح بيتنا.
ولكن تعلق نظر أشرقت بمؤمن ورأت به سبيل النجاة من عذاب القلب في حب ليس لها نهاية مع بلال، فاختارت أن تبعد عنه. فنزل قولها على قلبه بالصاعقة:
أشرقت: أنا هروح مع جدو يا أبيه. وأظن كفاية تعبك لحد كده، وآآن الأوان تستريح مني ومن مسؤوليتي وتشوف حياتك مع الإنسانة اللي اخترتها.
بلال بصدمة: إيه؟ لا أنا مش مصدق وداني، بتقول لي أنا الكلام ده يا أشرقت؟ استريح؟ من امتى أنتِ تعبت عشان أستريح منه؟ ولا أنتِ اللي صدقتي لقيتي أهل متربيين وعايزة تودعي الحارة بلي فيها وتبعينا بسرعة!!
نظرت أشرقت له بإنكسار مردفة: أظن أنت عارف مين اللي باع الأول؟ ثم عانقت بسمة والدموع في عينيها:
أشرقت: هتوحشيني يا أغلى من روحي. وأول ما تحددي فرحك هكون معاكِ خطوة بخطوة زي عادتنا بإذن الله.
بكت بسمة قائلة: لا يا أشرقت مش هستحمل بعدك عني، احنا روح واحدة إزاي تبعدي عننا فجأة كده، مينفعش؟
أشرقت: معلش، تعالي زوريني في أي وقت. واحنا أه روح واحدة وهنفضل طول عمرنا كده ومش المكان اللي هيجمعنا. واللي حصل خير، عشان تاخدي حريتك في بيت جوزك بإذن الله، بدل ما كنت هكبس على أنفاسكم. ثم ضحكت ضحكة من وراء قلبها قائلة: يا شيخة ده هيحمد ربنا الصبح وبالليل لما يعرف.
ثم غمزتها بمكر: وكمان ده أنا كده كده لزقالك، مش هنكون سلايف في المستقبل.
بسمة: قصدك جاسر!!
أشرقت: ولا مش قصدي. يلا يا جدو.
تخشب بلال في مكانه وتوقفت الكلمات في جوفه. وراها تتحرك أمامه، وود لو أن صرخ وأسرع إليها ليضمها قائلاً: لاااا يستحيل تبعدي عن حضني، أنتِ ليا أنا وبس. ولكن خانته الظروف واستسلم للأمر الواقع. ولم يستطع فعل شيء. ولكن استوقفها قائلاً:
بلال: أشرقت.
فالتفتت لعلها تجد آخر بريق أمل منه، ويحدثها عن حبه وأنه سيترك لمياء ولكن لا تتركه. ولكنها ذهب آخر أمل حين نطق بـ:
بلال: طيب على الأقل نيجي نوصلك ونطمن عليكِ في مكانك الجديد، عشان لو تسمحي لنا نزورك فيه ولا مش هنكون قد المقام؟
فتنهدت أشرقت بغصة مريرة قائلة: لا طبعاً، اتفضلوا في أي وقت. ولا حضرتك عندك مانع يا جدو؟
مؤمن: لا أبداً، كتر خيرهم برضه، يشرفوا في أي وقت. اتفضلوا معانا عشان كمان تتطمنوا عليها.
وبالفعل توجهوا بسيارته نحو فيلا مؤمن. وعندما توقفت السيارة أمام الفيلا شعر بلال أنه فقد أشرقت للأبد. فقد انتقلت من عشية وضحاها لمستوى آخر من المعيشة مختلف تماماً عن ما عاشته معهم. وحتى لو كان أصغر سناً أو غير مرتبط، فيستحيل الارتباط بها بسبب الفارق الاجتماعي بينهم.
بسمة بضحك: والله بضتيلك في القفص يا شوشو، بسم الله ما شاء الله! إيه الجمال ده!! فيلا جامدة بجنينة وبسين وخدم وحشم وعز. صراحة لو نسيتي حتى اسمي إيه بعد كده هيكون عندك حق. اللي يعيش في المكان ده ممكن ينسى اسمه حتى.
ابتسمت أشرقت بوهن حيث لم يبهرها حقاً ذلك المبنى المسمى الفيلا بحديقته ومسبحه وما به. ولو كان بيديها لتنازلت عنه مقابل كلمة واحدة من بلال أنه يريدها حلالاً طيباً له زوجة وسكناً وحباً. يااااه، كل مال الدنيا لا يعادل لحظة واحدة مع من تحب.
لمست أشرقت يد بسمة بحنو قائلة: لو هنسى الدنيا كلها مش هنساكِ أنتِ يا بسومة.
ابتسمت بسمة: قلبي أختك يا شوشو. ربنا يسعدك في حياتك الجديدة، أنتِ فعلاً تستاهلي كل خير.
مؤمن: يلا بينا جوه يا أشرقت، واتفضلي يا آنسة، اتفضل يا حضرة.
وبالفعل ولجوا للداخل وأصر مؤمن أن تدخل غرفة أبيها أول شيء ليطمئن قلبها هي ومن معها. وبالفعل ولجت إلى الغرفة وأول شيء وقع نظره عليها هي صورة والدتها مع والدها في ليلة الزفاف. فاهتز قلبها وأسرعت إليها والتقطتها بيديها المرتعشة وحدثت النظر بها طويلاً مردفة بصوت مهزوز:
أشرقت: أمي حبيبتي، كان نفسي تكوني معايا، أنا فعلاً محتاجالك أوووي أوووي.
ثم نظرت لوالدها فاختلط شعورها بين الفرح لرؤيته وبين الحزن لبعده عنها وتركها. فاكتفت بقولها:
أشرقت: وأنت يا بابا ربنا يسامحك عن كل السنين اللي عدت دي وأنت مش جنبي.
وهنا تحطم آخر أمل لدى بلال، ففعلاً هي ابنتهم وليس له الحق في استردادها منهم. فأمسك بلال يد أخته قائلاً:
بلال: يلا بينا يا بسمة. خلاص كده، أظن الحكاية انتهت ومبقاش لينا مكان في حياتها.
التفتت له أشرقت لتهاجمه بقولها:
أشرقت: اتفضل امشي، ما أنا عارفة إن الاستسلام شعارك ومش مستعد تقاوم أبداً ولا تتمسك بحد.
نظر لها بلال بإنكسار وقاوم دموعه التي يحتجزها بين مقلة عينيه. ثم فر هارباً من أمامه واتبعته بسمة بعد أن احتضنت أشرقت سريعاً وهمست في أذنها:
بسمة: مش عارفه أعمل إيه بينكم انتوا الاتنين، تعبتوني بجد. بس اللي أقدر أقوله، حاولي تستمتعي بحياتك الجديدة وبس، سلام.
ثم تركتها واتبعت بلال الذي ترك لعينيه العنان وذرف الدموع في الطريق. فوقفت أمامه بسمة تمسح عنه دموعه قائلة:
بسمة: ليه عذبت نفسك كده يا أخويا ليه؟
بلال بكسرة نفس: أديكِ شايفة لعنة الحب، فعلاً اتحققت وبعدت عني. فلو كان الأول فيه بصيص أمل واحد دلوقتي انتهى. انتهى كل حاجة وأنا كمان لازم أنسى وهي ربنا يهنيها بحياتها الجديدة وأنا أشوف حياتي مع لمياء.
بسمة بحدة: صراحة من غير زعل يا بلال. أنت إنسان سلبي وأنا جبت آخري منك. واتفضل قدامي لأني تعبت معاكلام ومفيش فايدة فيك.
تعجب بلال من قسوة المفاجئة لبسمة التي زادت من ألمه ولكنه اكتفى بالصمت الذي يحرق قلبه. فلا أحد حقاً يشعر بما في داخله.
طلب مؤمن زيارة سريعة إلى لؤي الذي تغير حاله كثيراً بعد تلك السنوات الطويلة التي قضاها في السجن. وسبحان الله بين طيات المحنة منح، فقد ندم كثيراً على ما فعل وبكى مراراً على ظلمه لشروق ودعا الله أن يجمعه بها هي وابنه ليطلب منها العفو، غير مدرك أنها قابلت العفو نفسه. وقد أطلق مؤمن لحيته والتزم الصلاة وحفظ القرآن خلال فترته التي قضاها بالسجن. ولحسن سيره وسلوكه وأخلاقه، وضع المسؤول عنه في السجن اسمه في قائمة المعفو عنهم بمناسبة الاحتفال بانتصارات أكتوبر المجيدة.
وفي الزيارة وجد لؤي وجه أبيه مختلف عن كل مرة، وفي عينيه بريق الأمل والفرح. فشعر لؤي أن هناك أمراً ما قد حدث، فقال:
لؤي: بابا فيه حاجة حصلت صح؟ يارب يكون اللي في بالي، يارب. أنا مش ببطل دعاء كل يوم إنك تلاقيهم. لقيت يا بابا شروق وابني؟
مؤمن: بنتك يا لؤي، وإيه حتة من القمر ووخدة لون عينيك الأزرق وملامح شروق الله يرحمها.
فوقف لؤي وتجمدت ملامحه ولم يشعر بدموعه الساخنة على وجنتيه هاتفا بحزن:
لؤي: ماتت إزاي وليه؟ وإزاي تموت قبل ما تسامحني؟ يعني كده ذنبها هيفضل معايا لحد ما أموت وربنا مش هيسامحني لأني العفو مقترن بمسامحة العبد وهي ماتت، أعمل إيه دلوقتي؟ ياريتني كنت مت قبل ما أعمل فيها كده.
ثم أجهش بالبكاء فأشفق عليه والده بقوله من كتاب الله عز وجل:
۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
فنظر لؤي للسماء مرددا:
لؤي: ياااااااارب.
ثم ابتسم رغماً عنه:
لؤي: طيب فين بنتي؟ معاك بره؟ طيب نادها يا بابا أخدها في حضني، نفسي من زمان في اليوم ده.
نكس رأسه مؤمن قائلاً بخفوت:
مؤمن: مقدرتش يا ابني أقولها إنك في السجن. كفاية اللي حصل زمان، كمان أقولها إنك في السجن عشان قتلت؟ دي لسه وردة صغيرة، كتير عليها كده أوي.
لؤي بإنكسار: أمال قلتلها أنا فين؟ قلتلها إني مت أنا كمان ولا إيه؟
مؤمن: لا يا ابني ربنا يديك العمر. قلتلها إنك بتتعالج برا، فترة وهترجع. وإن شاء الله مع العفو الرئاسي اللي جاي هتخرج الدنيا وتشوفها وتاخدها في حضنك زي ما أنت عايز وتعوضها عن كل السنين اللي راحت منها وهي بعيدة عنك.
لؤي: ياريت يا بابا ياريت.
في اليوم التالي انتظرت لمياء بلال لشراء الأثاث الجديد، فلحق بها مع بسمة.
لمياء بمكر: أمال فين أشرقت؟ مجتش يعني تفرح معانا وتشوف العفش؟
بسمة: لا خلاص انسى حاجة اسمها أشرقت.
ابتسمت لمياء بمكر: إيه مالها؟ هتجوز هي كمان ولا إيه؟ قولي وفرحيني؟
بسمة: تجوز إيه دي ثانوية عامة. لا يا ستي هي خلاص اتوصلت لأهلها وطلعوا ناس هاي هاي وفوق أوي وخدوها تعيش معاهم في الفيلا.
جحظت عين لمياء: إيه فيلا مرة واحدة!! ثم حدثت نفسها: يا بت اللعيبة، حظك حلو في كل حاجة كده، وكمان طلعتي بنت ناس! لا أنا لازم ينوبني من الحب جانب.
لمياء: يا حبيبتي يا أشرقت والله هتوحشيني. دي كانت عزيزة عليا أوي ولا أختي صراحة.
ابتسمت بسمة: لا واضح أوي.
لمياء: أنتِ لازم تاخديني نزورها قريب، أقولك بكرة إن شاء الله ماشي.
بسمة: يا عيني على الحب المفاجئ ده. إن شاء الله ماشي.
وبالفعل ترجلوا لشراء الأثاث واختارت لمياء منه كل ما هو غالٍ.
لمياء: يوه يا بسمة، هو أنا هجوز كل يوم؟ ما تسبيني أفرح بحاجتي. ما تشوف اختك يا بلال.
لم ينتبه بلال لحديثهم فقد كان مغيباً عن الوعي. واكتفى بإيماءة رأسه.
لمياء: اهو أخوكِ موافق، فنقطينا بسكاتك أنتِ.
ولكن صُدم بلال في النهاية بثمن الأثاث، الذي لا يملك مجرد نصف ثمنه.
بلال: لا ده كتير أوي. وكمان احنا كنا متفقين على أوضة نوم بس وركنة صغيرة كده. مش سفرة وصالون ليه كل ده؟
لمياء بدموع التماسيح: أنت عايز تدخلني على عفش أمي القديم ولا إيه؟ ما أنا لازم أفرح زي أي عروسة بعفش جديد.
بلال: بس أنا مقدرش ولسه كمان جهاز بسمة.
لمياء: يعني تجهز أختك بالجديد وأنا لأ؟
ثم أجهشت بالبكاء، فتدخل البائع:
البائع: متزعلش العروسة يا عريس وهتلها اللي هي عايزاه.
بلال: منين بس ده كله؟
البائع: عندنا نظام تقسيط. يعني أدفع عربون وأقسط براحتك وعلى مهلك.
بسمة: وليه يتبهدل في الأقساط؟ هيدفع قسط ولا يعرف يصرف على بيته وهو مرتبه على القد هيكفي إيه ولا إيه؟
لمياء: وبعدين معاكِ يا بسمة، هو أنتِ هتدفعي حاجة من جيبك لا مؤخذة. أنا معايا راجل وقد كلمته.
شعر بلال بالإحراج ووقع في فخها كالعادة واشترى كل ما تريد وكتب على نفسه وصلات أمانة التقسيط، فكانت دين في عنقه.
بسمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يسدد ما عليك يا أخويا، كان الله في عونك.
وفي منزل لمياء:
لمياء: خليته يامه يشرب كل اللي أعمله فيا زمان، ودفع حق قلبه وادين كمان. خليك أحسن يستاهل عشان ميعرفش يفلفص من تحت إيدي.
أم لمياء: جدعة يا بت بطني، عشان كمان تشرفي قدام صحابك وبنات خالتك ميبقوش أحسن منك وهو راجل ويجيب الفلوس من تحت الأرض. المهم أنتِ تتهني يا حبيبتي.
لمياء بغيظ وغيرة: بس اسكتي يامه من ساعة عرفت أن المفعوصة دي أشرقت بقت في العز ده كله اتقهرت على نفسي، إني هعيش في الحارة دي وفي الضيقة دي.
أم لمياء: خليكِ ناصحة واعملي حبيبتها وقلبيها كل وقت والتاني.
لمياء: آه هعمل كده. ودلوقتي هتصل بيها أعزمها على الفرح.
فاتصلت بها لمياء. رأت أشرقت اسمها على شاشة هاتفها فانكسر قلبها وذكرتها بما تريد نسيانه وفضلت عدم الرد عليها، ولكن باغتتها بإتصال آخر.
أشرقت محدثة نفسها بكسرة نفس: عايزة مني إيه دي؟ مش خلاص كله واحد بقا في حاله واديني سبتلها الدنيا كلها ومشيت.
ثم تابعت: لما أرد أشوف عايزة إيه؟
أشرقت: السلام عليكم.
لمياء: حبيبتي وعليكم السلام. وحشاني والله، بس اللي مصبرني على بعدك كده فجأة، إنك متهنية مع جدك. ألف ألف مبروك يا حبيبتي إنك لقيتي حبايبك.
أشرقت بنفور: الله يبارك فيكِ.
لمياء: بس أوعدي تنسينا، وأوعي متحضريش فرحي أنا وبلال أزعل منك دي أنتِ أختنا الصغيرة.
احتبست أشرقت دموعها وجاهدت في إخراج كلماتها:
أشرقت: آه بإذن الله هاجي، مبروك.
لمياء: الله يبارك فيكِ يا حبيبتي، عقبالك كده. بس تاخدي دلوقتي باشا يليق بيكِ.
أشرقت بلا مبالاة: إن شاء الله.
ومرت الأيام ثقيلة على أشرقت وبلال. وانتظرت أن يهاتفها ويقول لها أنه لن يكون سوى لها، ولكن للأسف حدث ما لم يكن في الحسبان وبالفعل تزوج بلال لمياء. وحضرت أشرقت الزفاف. وعندما رآها بلال لم يتحمل أن ينظر إليها، فغض بصره عنها كي لا ترى عينيه وترى فيها الندم على ما فعله بحق نفسه ونفسها.
وأحضرت أشرقت للعروس خاتم ذهبي، فلمعت عين لمياء من الفرحة. أما بلال فأعطته شهادة بإجازتها في حفظ القرآن كاملاً. مع كرت صغير تشكره على ما فعله معها في الصغر وحرصه على تحفيظها القرآن الكريم. وكان هذا أحسن شيء قدمه لها. مع ظرف آخر به مبلغ من المال، رفض أن يأخذه بلال، ولكن التقطته لمياء قائلة:
لمياء: شكراً يا حبيبتي، أنا عنده، هو مكسوف بس شوية.
أشرقت: بعد إذنكم أنا همشي عشان جدو مستنيني تحت بالعربية.
بسمة: لسه بدري يا حبيبتي، ملحقتيش تقعدي.
أشرقت: معلش في فرحك أنتِ إن شاء الله هاجي وأبات معاكِ كمان.
ثم أسرعت هاربة فهي لا تستطيع التماسك أكثر من هذا. وما أن وصلت إلى السلم حتى انهارت في البكاء. ولم يوقفها سوى صوت شعرت أنها قد سمعته من قبل يقول:
جاسر: آنسة أشرقت، آنسة أشرقت تسمحي لي بكلمة.
أمسكت دموعها سريعاً والتفتت إليه فوجدته جاسر أخو جلال.
جاسر: أنا آسف إني وقفتك بس أنا مصدقت شفتك. أناااااا معجب بيكِ من زمان وعايز أتقدملك بس كنت مستني أخلص الكلية ودلوقتي أنا خلصت، فلو معندكيش مانع أطلبك من جدك.
ابتلعت أشرقت ريقها بمرارة وتسائلت بماذا تجيبه، كيف تتزوج من رجل وقلبها مع آخر. لا لن تستطيع أن تفعلها وستظل هكذا إلى آخر العمر بدون زواج.
أشرقت بحرج: أستاذ جاسر، أنا مقدرة أكيد مشاعرك بس صدقني موضوع الجواز مش بفكر فيه خالص. وأنا عندي أهداف لازم أحققها الأول.
جاسر: مش يمكن أساعدك فيها ونحققها سوا.
أشرقت: آسفة، صدقني مش هينفع. بعتذر لحضرتك وفرصة سعيدة.
أصاب قلب جاسر الحزن مردداً:
جاسر: اتفضلي، بس برضه مش هيأس.
بكت أشرقت بين يدي الله على سجادتها وطلبت من الله أن يعينها على نسيان بلال وأن يكلل جهدها في الثانوية الأزهرية بالنجاح والتوفيق. وما أن رفعت رأسها حتى جاءها اتصال من زميلة لها.
بشرى: أشرقت ألف ألف مبروك يا حبيبتي، حالا جبت النتيجة من الكنترول وما شاء الله يا قلبي 99% يعني رسمي الدكتورة أشرقت.
أشرقت بفرحة غامرة: بجد يا بشرى والله أنتِ اسم على مسمى، ربنا يبشرك بالخير.
ثم سجدت لله حمداً وشكراً على هذا الخبر الذي للحظة أخرجها من حزنها. وأسرعت تجدها تبشره بالخبر فاحتضنها فرحاً قائلاً:
مؤمن: ألف ألف مبروك يا حبيبتي. وعندي ليكي خبر حلو أوي أوي كمان.
أشرقت: خير يا جدو.
مؤمن: بكرة بإذن الله بابا هيرجع بالسلامة.
أغمضت أشرقت عينيها غير متخيلة كيف سيكون اللقاء بعد كل تلك السنوات وهل ستسامحه على تركه لوالدتها ولها؟ وكيف ستستمر بها الحياة؟ وهل هكذا انتهت الصلة بين أشرقت وبلال بزواجه؟ وهل ستطيب العلاقة الزوجية بين لمياء وبلال؟ ويتناسى مع الوقت أشرقت؟ هل ستظل أشرقت بدون زواج أم للقدر رأي آخر؟ هذا ما سنعرفه قريباً بإذن الله عندما تتحول النوفيلا إلى رواية كاملة.