وضعت الطعام على الطاولة وجلست معهم ينتظرون جميعًا قدومه حتى يبدأوا تناول الطعام.
ولكنه عندما أتى أحرجها أمامهم جميعًا وطردها من على المائدة.
دخلت إلى المطبخ وعيناها ممتلئة بالدموع بسبب جرحه لها أمامهم.
نظرت خلفها بغيظ للغرفة التي يتناولون فيها الطعام، هاتفة:
_ بني آدم رخـم والله يا رب تزور وأنت بتاكل!
أما على المائدة، بدأ الجميع يتناولون الطعام وكان عمر أول من أطلق تعليقًا، هاتـفًا:
_ يعععع هي البسلة دي طعمها عامل كده ليه.
_ والشوربة برضه زفرة أوووي مش قادرة أحطها في بقي!
هكذا ردت عليه هدى، بينما عقبت آيه بمرح، فهي لم تقصد الأذى لنجمة بل كانت تتحدث بفكاهة:
_ والرُز شكله معجن آخر حاجة.
شعرت زينة بالغضب من تعليقاتهم، فنجمة قد أفسدت طعام العشاء الكثير هذا بغبائها.
وضعت بعض البازلاء على الأرز ورفعت الملعقة إلى فمها، لكن لم تستطع مضغها بسبب سوء طعمها.
بصقتها سريعًا داخل منديل وهي تهتف بغضب:
_ إيه القرف ده.. البت دي بوظت الأكل بالعند فيا ولا إيه؟
نظر لهم أيهم بصمت قبل أن ينظر للطعام أمامه. شكله لا يبشر، ولكن ربما الجميع يظلمها.
قرر تذوق الطعام ورفع الملعقة ببعض الأرز والبازلاء إلى فمه.
وما إن تذوقه حتى شعر بالتقزز من طعمه وأسرع يبصقه في منديل، هاتـفًا:
_ إيه داا.. إيه القرف اللي هي عاملـاه ده؟
_ قولـتلك بتعاندني علشان مرضتش أساعدها في الأكل الصبح.
قالتها زينة بغضب، بينما دافعت آيه عنها، هاتفة:
_ متظلميهاش يا عمتو، ممكن تكون مبتعرفش تطبخ برضه، هي جاية من عيلة مبسوطة.
_ لأ هي أكيد عاندت مامي.. هي شكلها مش سالكة أصلًا!!
قالتها هدى بغيظ وغضب، بعد أن رأت عينا أيهم تسود بغضب، وأرادت أن تزيد من غضبه وتجعله يعاقب نجمة أكثر.
بينما نظر لهم أيهم بغضب وهو يفكر أنها خربت الطعام فعلًا من أجل أن تعانده هو وعمته التي رفضت مساعدتها.
لذا صرخ بغضب يناديها:
_ نجممممممممممممة.. أنتِ ياااا زفتة.. إيه القرف اللي أنتي عاااملاااه ده؟؟
_ أنتِ يا زفتتتتته... ياااا نجمممة!!!
أتت مهرولة بسرعة تشعر بالغضب من ندائه الغاضب والعالي هذا.
أتت تنظر له بخوف وتساؤل.
أما هو فنظر لها بغضب يسألها:
_ إيه القرف اللي أنتي عاملاه ده؟
_ حرام تقول كده ع النعمة.. ماله الأكل؟
أخبرته بضيق، بينما تسأله بعدم فهم.
فنظر لها بغضب قبل أن يسألها:
_ والله مش عاارفة؟.. تعالي دووقيه.
التفت نحو الطاولة وذهبت ناحيته.
وقفت بجواره تمد يدها ناحية صحن الأرز تتذوق الطعام.
وضعت الطعام في فمها فشعرت بسوء مذاقه.
لم تستطع مضغه وأرادت منديلًا لكي تبصقه، ولكنـه أمسك يدها قبل أن تسحب منديلًا، هاتـفًا لها بتجمد:
_ ابلعيه!
نظرت له بصدمة وعيناها تتسعان بعدم تصديق.
فنظر لها ببرود قبل أن يهتف لها بتبلد وجمود:
_ قولتلك ابلعيه! .. مش ده العك اللي أنتي عاملاه علشان ناكله؟ فكرانا هناكل أي حاجة تحطهالنا زي الحيوانات ولا إيه؟ .. اتفضلي ابلعيه وكلي العك اللي أنتي عاملاه!!
لم تستطع التحدث لتدافع عن نفسها ولم يكن أمامها سوى أن تدفع بالطعام إلى حلقها، تبتلعه مرغمة بتقزز.
نظر لها بسخرية وشر قبل أن ينهض من مكانه يمسك بذراعها يزجها لتجلس على المقعد الذي كان يجلس عليه.
أمسك بصحن البازلاء يسكبه فوق صحن الأرز الذي كان أمامه قبل أن يهتف لها بابتسامة باردة:
_ الطبق ده تاكليه كله دلوقتي!
نظرت له بصدمة قبل أن تهتف باعتراض:
_ إيه؟.. بس ده طعمه وحش أوي.
_ مش أنتي اللي عاملاه يبقى أنتي اللي تاكليه.
قالها ببرود.
بينما دفعت هي الصحن بعيدًا وهي تخبره باعتراض:
_ لأ لأ مش هقدر.. أنا مش هاكل العك ده!
في لحظة كان شعرها بين يديه، يشده بعنف وهو ينحني ليكون في مستوى جلستها.
اقترب بفمه من أذنها يخبرها بفحيح وغضب وشر:
_ الطبق اللي قدامك ده لو متاكلش كله دلوقتي.. هتضربي هنا وأدامهم كلهم.. فايه رأيك بقى تاكلي ولا أخلي إيدي تعلم ع وشك!!!
رفعت عيناها تنظر لهم جميعًا وهم ينظرون إليها، ما بين آيه وعمر القلقين عليها والمتألمين لما يحدث معها، وزينة وابنتها الحاقدتين والمستمتعتين بما يحدث.
نظرت له مجددًا بينما تومئ بخوف وعيناها تبدأ بذرف الدموع:
_ حاضر.
ترك شعرها بابتسامة ساخرة قبل أن يخبرها:
_ برافو.. يلا الطبق يخلص حالا.
أومأت عدة مرات قبل أن تنحني تدفن وجهها في الصحن، تنظر له تحاول الضغط على نفسها وتناوله.
رفعت عدة معالق إلى فمها تمضغها مرغمة وهي تبتلعها بتقزز وتتمنى لو ينتهي هذا الصحن المقزز وينتهي معه عذابها.
تناولت بعضًا من الصحن وشعرت أنها ستتقيأ ما في جوفها، فطعمه سيئ جدًا.
تمنت لو ينتهي الأمر فبدأت تسرع ببلع الطعام دون تذوقه أو مضغه.
شعرت آيه بالشفقة تجاهها، فأسـرعت تنهض عن مكانها تتجه ناحية أخيها تهمس باسمه هاتفة:
_ أيهم كفاية بالله عليك هترجع!
_ شششش اسكتي يا آيه لو سمحتي.
شعرت آيه بالغضب، فهي لأول مرة ترى أيهم غاضبًا هكذا، بل بتلك القسوة أيضًا.
لطالما كان رمزًا للحنان والعاطفة بالنسبة لها، لماذا يفعل هذا مع نجمة وأمام عمتهم وابنتها المتشفيتين؟
أسـرعت تمسك يده باستعطاف وهي تخبره مجددًا:
_ علشان خاطري أنا كفاية.. شايف شكلها عامل إزاي، كفاية يا أيهم.
زمجر أيهم بغضب وكاد يرفض طلب شقيقته للمرة الثانية حين وجد نجمة تنتفض واقفة حين انتهت من ذلك الصحن بشق الأنفس، تضع يدها على فمها تشعر بالتقزز والرغبة في التقيؤ.
وبالفعل ما هي إلا ثوانٍ حتى أسرعت تركض ناحية المرحاض تتقيأ ما تناولته بتقزز.
أسرعت خلفها آيه تطمئن عليها، بينما تنظر لشقيقها بغضب ولوم.
استقام عمر من مقعده ينظر لأيهم بغضب، بينما يسأله:
_ ليه عملت كده وأنت عارف إنها مش هتعرف تاكله وطعمه وحش.
_ علشان هي غبية ولازم تفهم إننا مش هناكل القرف اللي هي بتعمله.. ولو فكرت تعك في الأكل تاني تبقي عارفة إن محدش هياكله غيرها.
_ أنت غبي يا أيهم.. غبي وهتندم طول عمرك على اللي بتعمله دلوقتي ده.. خليك فاكر.
_ إيه يا عمر ما تتكلم مع أخوك عدل، أنت نسيت نفسك ولا إيه.
قالتها زينة بتوبيخ، بينما ابتسم أيهم بسخرية وهو يخبرها:
_ لأ سيبيه يقول اللي عايزه يا عمتو.. أنا مش هأندم يا عمر علشان أنا مقتنع إن البنت دي متستاهلش.. عن إذنكم.
قالها وانصرف غاضبًا من مكانه، يليه عمر الذي نظر إلى زينة بغضب، فزينة من تقوي أيهم وتزيد ما يفعله بتلك المسكينة.
وأيهم يحبها بشدة لأنها من تكفلت بهم بعد وفاة والديهم وهو يسير خلف كلامها.
في طريقه للصعود إلى غرفته بعد أن ترك الغرفة لشقيقه وعمته، شعر بالنغز في صدره لا يعلم لماذا.
قول عمر له أنه سيندم أيقظ حاسة الشفقة بداخله.
كانت في المرحاض تتقيأ ما في معدتها وهي تبكي بشدة، وجوارها آيه تربت على كتفها.
انتهت فجعلتها آيه تستقيم وتغسل وجهها بالماء.
نظرت لها نجمة وهي تبكي بشدة، هاتفة لها ببكاء:
_ والله مكنش قصدي.. أنا مش بعرف أطبخ والله.. كنت عايزة تساعديني بس أنتِ مكنتيش موجودة.. وطنط مرضيتش تساعدني.
ضمتها آيه بألم وهي تخبرها بحزن، بينما تربت على شعرها:
_ ششش بس خلاص معلش حقك عليا.. أنا هساعدك والله وهعلمك كل حاجة.
ظلت تربت على كتفها وشعرها حتى تهدأ.
أما من بعيد، كان أيهم واقفًا يتابع ما حدث وهو يشعر بشعور غريب.
فهو غاضب لأنه ظلمها، لم تكن تعاند عمته كما قالت هي.
زفر بضيق قبل أن يشد شعره بغضب ويذهب إلى جناحه لينام.
***
أخذت آيه نجمة معها إلى غرفتها.
أشعلت هاتفها المحمول على فيديوهات الطبخ وجعلتها تشاهد كيف تصنع الإفطار، حين أخبرتها نجمة أنها لا تمتلك هاتفًا محمولًا.
بسبب زوجة عمها التي كانت ترفض أن تشتريه لها.
أعطت نجمة الهاتف لآيه بعد أن انتهت وهي تخبرها بشكر:
_ شكرًا جدًا يا آيه.
_ إن شاء الله بكرة هستناكي بعد ما أيهم يروح شغله ونقعد نتفرج على فيديوهات ونعمل العشاء سوا.
أومأت لها نجمة برضا قبل أن تتركها وتتجه إلى جناح أيهم، وهي تشعر بالخوف أن تدخل وتجده غاضبًا منها لسبب جديد لا تعرفه.
وهي حتى الآن لا تعلم لماذا هو قاسٍ هكذا ويتعامل معها هكذا.
ولكنها خمنت أن هذا طبعه لأنها لم تسبب له أي شيء.
تعتقده مريضًا نفسيًا.
كان يجلس في مدخل الجناح ينتظرها وهو يدخن سجائره.
نظر لها بسخرية ما إن دخلت، يخبرها بسخرية:
_ ما لسه بدري يا هانم!!
شعرت بالرعب وهي تنظر له، تخبره بخوف وتقطيع:
_ والله آيه اللي كانت عاوزاني.. أنا آسفة.
شعر بالرضا لمنظرها المرعب، وكاد يستقيم متجهًا إليها ليرعبها أكثر، ولكن شيئًا بداخله منعه.
واكتفى بأن يخبرها بغضب:
_ طب اتفضلي خشي اتخمدي علشان أنا لو صحيت الصبح ملاقيتش فطار قدامي هتزعلي مني.. وياريت متكرريش عك النهاردة تاني علشان أنتي عارفة إن مفيش غيرك اللي هياكله!
ثم تركها متجهًا إلى غرفته، وقبل أن يدخل غرفة النوم أخبرها بسخرية:
_ صحيح متنسيش إن مكانك المطبخ!!
_ طب ممكن تديني مخدة أنام عليها.
قالتها ببؤس شديد وهي تشعر بالانكسار.
لم يذلها أحد هكذا من قبل، ولكن ماذا تفعل؟ هذا قدرها وما كتب لها.
نظر لها بطرف عينه أعلى كتفه، وجدها تنكس رأسها أرضًا، بينما تبدو كما لو أنها تبكي.
لـوهلة شعر بالشفقة عليها، ثم دخل إلى غرفته وأغلق في وجهها الباب بقوة دون أن يكترث لها.
نظرت إلى بابه الذي أغلقه في وجهها قبل أن تتساقط دمعاتها بألم وحزن شديدين.
جرت قدمها ناحية المطبخ بانكسار، لا تعلم كيف ستعيش باقي حياتها في هذا المنزل وهي تلقى الويلات من أول يومين!!
تمددت على الأرضية تتكئ برأسها على ذراعها تحاول النوم.
ولكنها تفاجأت بوسادة تلقى أمامها.
أخذتها سريعًا ونهضت تشكره عليها، ولكنـه لم يكن موجودًا.
فوضعت رأسها عليها وغاصت في النوم بإرهاق.
في غرفة هدى، كانت تتحدث مع أحد في الهاتف، بينما تخبره:
_ طبعًا يا حبيبي أنت وحشتني وهاجي أشوفك.. بس أنت لازم تشوفلي حل في الموضوع اللي قولـتلك عليه ده.. عايزة أخلص من اللي اسمها نجمة دي في أقرب وقت ممكن.
رد الطرف الآخر.
ابتسمت بحالمية وهي تخبره:
_ خلاص يا روحي حاضر.. أنت كمان وحشتني بس خلصني من البت دي وأنا أديك كل اللي أنت عايزه.
..................
_ خلاص متفقين!!
ثم جلست تحدثه وهي لا تشعر بأي ندم، بل تخطط وتمكر في الهاتف وتشعر أنها تريد التخلص من نجمة بأي شكل ممكن ليصبح أيهم لها وحدها.