الفصل 16 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
18
كلمة
4,337
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

"أنتي جميلة ، أجمل من أن يتشوَّه مزاجك لحديثٍ عابر يتسبَّب به كائن مُغفل ، لا يدرك كم أنتِ جميلة." "البدر" خطرت كلمات معاذ في ذهنها، وتمتمت بقلق: الحادثة كانت جامدة عليك و كمان مقصودة. "بتكلمي مع مين؟ جفلت حياة وتجمدت ملامحها بمجرد أن سمعت صوته خلفها حالما فتح الباب دون سابق إنذار. وربما الحب أيضًا اخترق حصونها دون أن تدري، مقتحمًا قلبها سهوًا.

لتنبس بإستنكار متوترًا بينما تضع إحدى خصلات شعرها المتمردة على جبينها خلف أذنها بعد أن استدارت بكامل جسدها إليه: "انت ايه اللي دخلك هنا!! رفع معاذ حاجبه مستاءًا من هجومها العدائي عليه، وسرعان ما أظلمت ملامحه، وانمحت الابتسامة المرسومة على محياه حتى يلطف الأجواء معها. ليدمدم بثقة: "انا ادخل المكان اللي يعجبني." تابعته حياة بعيون ضيقة، وهو يتقدم نحوها بخطوات ثابتة بطيئة. لتعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة بتعبير مقتضب:

"مفيش فايدة! انت مابتتغيرش!! مش شايف ان دي اوضة مريض في مستشفي ماينفعش تزعق كدا." ارتفع حاجب معاذ غضبًا على حديثها، ليسأل بصوت خشن: "ايه علاقتك بيه يا حياة؟ ومالك مهتمة بيه ليه وانتي مجرد جارته ودي اول مرة تشوفيه؟! أنهى معاذ كلامه بحدة، لتجيب حياة مباشرة بأكثر نبرة هادئة تمتلكها، على عكس الغضب الذي كانت تشعر به في نفسها: "مايخصكش."

زمجر معاذ بتهديد وصيغة أمر، حيث أنها تضغط على وتر حساس فيه. فأكثر ما يثير استفزازه ويخرجه عن طوره أن يتحداه أحد. "ماتكلمنيش بالطريقة دي." أكمل حديثه بصوت أهدأ قليلًا من ذي قبل، بينما يشد على قبضته بعنف محاولًا السيطرة على غضبه: "اسمعي انا صابر وماسك نفسي عنك بالعافية.. لولا اني انشغلت بالبني ادم اللي وراكي دا.. كنت جيت جبتك غصبن عنك من القاهرة."

حررت يديها المطويتين على صدرها لترفع سبابتها في وجهه، وتدمدم بغضب، بينما بداخلها ترتجف من التوتر العصبي الذي يرافقها بسبب الظروف التي أحاطت بها، خاصة مع اقتحام هذا المتغطرس نفسه في حياتها من جديد، ليجعل الأمور أسوأ بالنسبة لها: "اسمه بدر والزم حدودك يا معاذ.. انا مش مجرمة ولا متهمة في القسم قدامك عشان تعاملني بالهمجية وقلة الذوق دي.. وانت ماتقدرش تعملي حاجة فاهم."

اشتعل معاذ غيظًا من لسانها السليط، ونظرة الاستخفاف التي ترمقه بها، حتى اندلعت شرارات متطايرة من عينيه، محدقًا فيها وهو يصيح باستنكار: "اظاهر ان انتي اللي اتغيرتي في الكام يوم اللي قعدتيهم في القاهرة!! من اول شكلك وطريقة لبسك.. لحد صوتك العالي ولسانك الطويل."

صمت لحظات، بينما تتلألأ عيناه محركا اياها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها بوميض مختلف، تزامنًا مع إنهاء جملته بعاطفة قوية لم يكلف نفسه عناء إخفائها عنها أو ربما حدث ذلك لا شعوريًا منه. لكنها تجاهلت ذلك عندما سألها بعبث: "معقولة حالك يتشقلب في كام يوم بعدتيهم عني؟

امتعضت ملامحها من الغضب، وتسللت حمرة خفيفة إلى وجنتيها من نظرته الوقحة نحوها. وقبل أن تجيب عليه، استمع كلاهما إلى صوت الطبيب الذي جاء من عند باب الغرفة، حيث نظر إليهما باستنكار وقال بنبرة هادئة: "ايه يا جماعة!! انتو مش واخدين بالكو واقفين فين؟ تعالي معايا يا حضرت الظابط لو سمحت."

لكل هذا حدث أمام أعين بدر الذي يدعى البرود، وهو بداخله يحترق من الغضب بسبب كلام معاذ. لينظر إلى جسده الساكن بعيون حمراء من القهر، وكأنه يقول له انهض من سباتك حتى تلقنه درسًا لن ينساه، لكن لا حياة لمن تناديها، أيها البدر. "حياة" نطق اسمها بهدوء بارد، على عكس الفوضى التي تشكلت بداخله بعد أن غادر معاذ الغرفة. بينما كانت حياة واقفة تنظر إلى الباب بجمود، والآخر غير مدرك بما تفسر تعابيرها وهي مولية ظهرها له.

همست حياة بصوت خفيض مرتجف، وكأنها تخاطب نفسها ويبدو أنها على وشك الانهيار: "دي كانت غلطتي من الاول لما وافقت اتخطبلو.. من يومها وهو بيتصرف بالطريقة دي معايا زعيق و شخط و تحكم فيا كأنه اشتراني.. مش عايزني اعمل اي حاجة الا بأمره وعلي مزاجه وانا ماليش رأي.. وفي الأخر لما اشوفه قاعد واخد راحته و بيهزر مع وحدة ويحط ايده عليها بكل بجاحة في مكان عام واحاول الومه واعاتبه...

أنهت كلامها، تزامناً مع استدارها إليه، تطلعت إليه بنظرة احتوت في طياتها الغضب والحسرة، بينما عيناها انهمرت منها الدموع واحدة تلو الأخرى بغزارة مثل غيمة ممتلئة بالمطر لفترة طويلة، وظلت تؤجل موعد الهطول بدافع الكبرياء، لتنهار الآن وتغرق الكون بأثره. ابتلعت حياة غصة متوقفة بمرارة في حلقها، لتكمل بصوت ضعيف بعد أن سارت ببطء، لتجلس على الأريكة أمام سرير بدر بعد أن شعرت أن قدميها أصبحتا كالهلام، لم يعد بإمكانها

السيطرة عليهما أكثر: "عارف كان رد فعله ايه؟! اقترب منها بدر بثبات ظاهري ليجلس بجانبها، وينظر إليها بصمت، كما لو أنه يحثها على استكمال حديثها. لتغمغم بخفوت: "ببجاحة قالي دي حاجة عابرة بس انتي اللي هتكوني مراتي." رفع بدر حاجبه سخطًا على حديثها، الذي جعل الدم يفور بداخله، لكنه ظل صامتًا حتى يجعلها تخرج كل الشحنة المليئة بالدموع والقهر الكامن في صدرها، والذي كبته أيام طويلة في أعماقها.

قضمت حياة شفتيها بقوة دون وعي منها بسبب تزايد قلقها واحتياجها لمتنفس، وتذكرت بوضوح كلماته القاسية غير مهتم بمشاعرها، بينما يتمعن في ملامحها المصدومة بجمود تام.

منذ ذلك اليوم لم تستطع البوح لأي شخص بما تشعر به، ولا حتى أعطت نفسها مهلة للتفكير في الأمر، لتخرج ما تخفيه في أعماقها الآن أمام شخص كان حينها الأبعد عن تفكيرها بل أنه آخر ما يمكن أن يخطر ببالها، لكن هذا الانفجار ربما يكون مفيدًا لها الآن حتى تغلق هذه الصفحة إلى الأبد. فلا يوجد ثراء أعظم من عزة النفس، ولن تقبل إهانة مشاعرها مرة أخرى، وستمزق تلك الصفحة إلى الأبد من حياتها.

جال الصمت بينهما طويلًا، لم يقطعه شيء سوى شهقاتها الخافتة، مختبئة وجهها المحمر خلف ستار كفيها. ثم بعد أن سيطرت على نفسها قليلًا وتجمعت شتات حروفها، رفعت أهدابها الرطبة إليه حتى التقت أعينهما. طرح عليها عقلها سؤال غريب، أي منهما يستمد القوة من الآخر. لتكمل بصوت مبحوح: "حتي بعد ما رميت له دبلته شايف بيتعامل معايا ازاي!!

انا سيبت اسكندرية عشان كنت عارفة ان اختي هتضغط عليا عشان ارجعلو.. بس انا جيت من اسكندرية وانا مقررة اني هعيش حياتي بالطريقة اللي تريحني مش هاجي علي نفسي تاني." مرهق بشدة العيش مع أشخاص يعتبرون أنفسهم دائمًا على صواب مهما ارتكبوا من أخطاء؟ في حديقة المستشفى وقف معاذ يمسك سيجارة بين أصابعه وينفث دخانها بغضب بارد، وبنظرة ثاقبة كالصقر الذي يقيم فريسته قبل أن ينقض عليها، يشمل مازن الذي كان واقفًا أمامه بتملل، قائلاً

باستجواب: "يعني ماتعرفش اي حاجة عن يوم الحادثة؟ هز مازن رأسه نافيًا، ليقول موضحًا بينما كلتا يديه داخل بنطاله بدلته ذات اللون الكحلي: "لا زي ما قولتلك يا معاذ باشا.. احنا جينا نطمن علي بدر.. لكن مانعرفش اي تفاصيل عن الحادثة." حدق معاذ بعيناه التي بدت نظرتها مخيفة تركزان على عيني مازن الخضر، وهو يرمقه بنظرة حادة ليتمتم: "انتو؟!

ازدرد مازن لعابه بتوتر زلزل دواخله للحظة، وزعزع استقرار نبضه بسبب النظرات الحادة الموجهة إليه من قبل الآخر، لكنه أجاب بلا تردد بصلابة يتخللها الإصرار: "ايوه.. انا وحياة." "ماشي." أطلق معاذ هسهسة بجفاء، وهو يحدق فيه بنظرات غامقة ومريبة، قبل أن يردف بصوت بارد: "بس لازم حد من اهله يكونو موجودين.. وجودك انت وهي مش كفاية."

سعل مازن بخفة لأن أكثر ما يزعجه هو دخان السجائر، وهذا الأحمق عن عمد ينفثه بوجهه الذي احتقن باختناق. لقد صمد أمام وقاحته طويلًا، ليهز رأسه قائلاً بعبوس: "تمام.. عن اذنك." نظر إليه معاذ، وهو يبتعد بعد أن أشار إليه بالمغادرة في صمت، مبعثراً شعره بغضب، ورمى السيجارة، وداس عليها بقدمه، تزامنًا مع إخراج هاتفه من جيب بنطاله، ثم أجرى مكالمة صوتية على رقم معين، وبعدها وضع الهاتف على أذنه، في انتظار الرد: "ايوه.. ايه الاخبار!!

انا كويس.." سرعان ما أردف بدون مقدمات: "حياة هنا." زفر أنفاسه الحارة، ليقول بصوت أهدأ: "لما تيجي هقولك علي التفاصيل." سكت معاذ لحظة، يستمع للطرف الآخر، ثم أضاف بصوت أجش: "ماشي ماتتأخروش.. باي." في غرفة بدر اخترق صوت رنين هاتفها، هالة الهدوء التي أحاطت بالمكان بعد أن أفرغت شحنة الغضب والاضطراب الذي أثار أعصابها، معلنًا عن وصول مكالمة.

فركت محجر عينها وهي تنفخ خدها الذي بدأ يعود إلى لونه الطبيعي، وفهمت ما فعله معاذ، ففصلت المكالمة سريعًا وألقت الهاتف على الأريكة التي تجلس عليها دون اهتمام. لم يستطع بدر كبح السؤال اللامع في عينيه، معبرًا عنه فورًا من غيرته المفرطة، لكنه كافح ليجعل صوته باردًا: "دا معاذ؟! ازدردت حياة لعابها لترد بصوت خافت مبحوح نتيجة بكائها: "ميساء.. اكيد ماكدبش خبر وقالها كل حاجة." ارتفع حاجب بدر تلقائيًا في سخط، وأدار عينيه للهاتف

بشفاه مشدودة ثم تساءل: "وهتعملي ايه؟ أطلقت حياة تنهيدة طويلة، في محاولة للتخلص من كل مشاعرها السلبية معها، لتفرك جبينها بخفة بعيون مغلقة وحواجب معقودة قبل أن تقول بتعب طفيف: "انا حاسة بصداع ومش عايزة افكر في حاجة دلوقتي." تكأ بدر بمرفقه على حافة الكنبة متعمداً النظر إليها، ليقول بهدوء مشوبًا عتابًا لطيفًا يطوفه الاهتمام: "بقالي يوم كامل مانمتيش فيه غير ساعتين وكمان مافطرتيش."

تنهدت حياة بعمق، واستقامت بجسدها حينها شعرت بألم ظهرها المتشنج من طريقة جلوسها الخاطئة، لتتحرك ببطء نحو سرير بدر. أطالت النظر إليه حيث عادت رباطة الجأش إليها، لتشعر بالهدوء وانتظام دقات قلبها، ثم بررت ذلك بنبرة خافتة: "مابعرفش اكل وانا قلقانة يا بدر.. بس شوية كدا وننزل الكافيتريا."

مررت بأهدابها الطويلة قبل أن ترفع أطراف أصابعها بشكل عفوي، لتمريرها بخفة على لحيته النامية على عظام فكه، بعد أن انحنت قليلاً بجسدها تجاهه، قائلةً بتذمر طفولي: "شعر ذقنك طول جامد." استرسلت الحديث لا شعوريًا، مشيرة بإصبعها إليه، بعد أن رفعت عينيها إلى طيف بدر، الذي وقف بجوار جسده المستلقي بسكون على السرير من الناحية الأخرى، غافلة كليًا عن نظراته المبهمة التي اخترقتها بصمت:

"ذقنك دي مظبوطة و احلي.. لما تفوق لازم تخفها زي دي." أنهت حياة جملتها، بالتزامن مع إزالة أصابعها عن وجه بدر الذي قال بغموض: "اعملي كدا تاني." رمشت حياة بدهشة، وقالت ببراءة: "اعمل ايه؟! حدق بها بدر لبضع ثوان، ثم أشار إليها وأجابها: "حطي ايدك علي ذقني." حسنًا، لقد أدركت للتو ما فعلته، أنها لمسته دون وعي منها. اتسعت مقل عينيها بتفاجئ، وتشبعت وجنتيها بحمرة الخجل من نفسها رغماً عنها، لتبدو كثمرة الطماطم الناضجة.

تنحنحت بإرتباك لتقول بعدم فهم لحديثه: "ايه دا.. اشمعنا؟! فرك بدر جبهته بضجر وصاح متذمرًا: "اسمعي الكلام لو مرة واحدة من غير لماضة." نفذت حياة ما طلب منها، لتعاود النظر إليه، وتتساءل بتوجس بانتظار إجابته: "اهو.. في ايه؟ سلط بدر نظراته عليها بعد أن كان مخفضًا بصره نحو جسده لينطق بكلماته ببطء، مدققًا في ارتباكها، واستكمل حديثه: "انا حاسس بلمسة صوابعك علي وشي." نظرت إليه حياة بإنشداه، لتغمغم بذهول: "بجد.. دا معناه ايه؟!

حدق بدر بها، وهناك بريق جذاب في عينيه، ليجيب عليها بعد ثوان من الصمت: "ممكن روحي وجسمي لسه بينهم تواصل ببعض وجايز في امل أفوق." ارتفع صوتها من المفاجأة، قائلة بابتسامة مشرقة بعد أن استقامت بجسدها: "يارب يا بدر تفوق." سرعان ما تبددت تلك السعادة وحلت مكانها مشاعر أخرى بين الصدمة والغضب بمجرد أن سمعوا أحدهم يقول: "امين يارب."

استدارت حياة نحو الباب بإنشداه، حيث مصدر الصوت الأنثوي الذي اخترق المكان ليقطع حديثهما، والتي لم تسمع منه إلا الجملة الأخيرة من حياة، لتردد أميرة بصوت ناعم الدعاء خلفها. أصبح وجه بدر محتقنًا عندما سقطت عيناه عليها، ليشتعل داخلهما لهيب حارق، حيث أن حياة رأت بوضوح الغضب والكراهية يبرزان من عينيه ولم تحزر السبب كثيرًا، فقد فهمت إحساسه جيدًا ومن يستطيع أن يلومه.

تحدثت أميرة بنبرة هادئة بعد أن كانت تنتظر حياة تبدأ بالحديث، لكنها ظلت تنظر إليها من دون رد فعل: "ازيك يا حياة.. مش كدا!! شوفتي لسه فاكرة اسمك ازاي." ابتلعت حياة لعابها في محاولة للحفاظ على ثباتها الانفعالي لتقول على مضض: "اهلا." ابتلعت بقية حديثها داخل جوفها عندما رأت دخول الطبيب المسمى علاء، وبجانبه شخص غريب وغير مألوف لها. تقدمت أميرة إلى منتصف الغرفة، لتقف راسمًة على وجهها الحزن، وتقول بنبرة ناعمة ممتلئة بالقلق:

"ماصدقتش نفسي لما اتصلو بيا من مصر وقالولي ان بدر في المستشفي.. جيت على طول انا وكريم ابن خالتي." أنهت كلامها، مشيرة إلى كريم الذي كان واقفًا أمام علاء، ليسأله بهدوء: "هو زي ما قولتلي يا دكتور ان حالته مش بتتحسن." قال له علاء جدياً: "استجابة المخ بطيئة.. لكن كل شئ في إيد ربنا سبحانه وتعالى." جذبت حياة نفسها بالقوة من صدمتها، بينما كانت عيناها تشاهدان ما يحدث بفضول انطلق كالسهم مغادرًا شفتيها الوردية

على هيئة سؤال موجه لأميرة: "معلش.. ممكن اعرف مين بلغك بوجوده هنا؟! انتقلت كل الأنظار إليها، لكن ما أثار شكوك بدر وأستفزه، تلك النظرة الغامضة التي رمقها كريم بها بعسليته الماكرة. استمر الصمت لمدة ثوانٍ، ورفرفت الأفكار في أذهان كل من في الغرفة، حتى جاءت الإجابة بصوت رجولي وجذاب أجش قادم من عتبة باب غرفة بدر: "انا يا حياة.. المدام مراته وهتفيدنا كتير في اننا نعرف الحادثة حصلت ازاي!!

اتجه الانتباه إلى معاذ الذي كان واقفًا محاطًا بهالة من الثقة والبرود، تثير التوتر في نفوس الحاضرين دون أدنى جهد منه. بعد دقيقة من الصمت، ردت أميرة بنبرة متوترة إلى حد ما: "الحقيقة انا معرفش بالظبط!! كنت في الفيلا وهو كان مشغول طول اليوم ومعرفتش اوصلو لان تليفونه فضل مقفول." أمالت برأسها قليلاً بينما كانت تفرك كفيها معًا واردفت: "سوري انا متوترة شوية واعصابي بايظة من اللي بيحصل ولو ممكن تأجل التحقيق لوقت تاني."

شملها معاذ بنظرته الثاقبة، ليتمتم ببرود: "تمام." تحدث كريم بلهجة هادئة بعد أن كان يتابع الموقف أمامه بصمت، أو بالأحرى كان محدقًا في ملامح حياة الواجمة بشكل غريب دون أن يلاحظه أحد من الواقفين بإستثناء واحد: "دكتور حالته تسمح اننا ننقله لمستشفي.. بالقاهرة." انتفضت حياة في مكانها تزامناً مع انتفاضة بدر الذي فهم ما ينوي فعله، فتبادلا النظرات بين بعضهما، ليقول بدر بصوت مخنوق:

"لا يا حياة دي مستشفي كريم.. يعني اذا روحت هناك هيخلصو مني بسهولة." ابتلعت حياة كلماتها قبل أن تقولها حين سبقها معاذ، ونظر إلى كريم ووجه له كلماته بحزم: "خلينا نأجل القرار دا لحد ما نشوف رأي الدكتور المعالج و لحد الوقت دا هحتاج منك الاجابة علي كام سؤال." "ياريت الكل يطلع برا عشان هنفحص المريض دلوقتي التجمع دا ماينفعش."

صمت الجميع يستمعون لكلام الممرضة التي جاءت مع أحد الأطباء بخطوات متوازنة، تمامًا مثل صوتها، لتزم أميرة شفتيها لبعضها البعض بقوة عندما لاحظت نظرات كريم إلى حياة، ثم أرختها بتجاهل للأمر بالكامل، ونطقت بهدوء: "بس انا مالحقتش اشوفه ممكن افضل معاه كام دقيقة على انفراد يا دكتور." في ممر المستشفى بعد غضون دقائق

ابتعدت حياة عن الجميع لتكون بمفردها في الزاوية، وأخرجت هاتفها وأجرت مكالمة ثم وضعت الهاتف على أذنها، منتظرة بفارغ الصبر الرد، ليأتي فعليًا بعد عدة رنات، لتقول على الفور: "الو.. انت فين يا جاسر مابتردش من امبارح عليا؟! جاء صوت جاسر الهادئ إليها: "معلش يا حياة ابو شذي تعب فجأة بليل وكنت معاهم في المستشفي." لم تهتم بما قاله كثيرًا بسبب توترها، وبالكاد استطاعت نطق تلك الكلمات بصعوبة:

"لازم تيجي حالا يا جاسر انا مش عارفة اتصرف لوحدي وبدر... قطب جاسر جبينه ليقول باهتمام: "كلمي بشويش عشان افهمك مالو بدر.. حصل ايه؟! اتسع بؤبؤ عين جاسر، وهو ينصت باهتمام لما تقوله حياة. أنهت حياة من مكالمتها مع جاسر عندما سمعت صوت امرأة تنادي باسمها، وعرفت على الفور لمن يكون هذا الصوت. استدارت بوجه مقتضب تجاهها، وسخرت قائلة: "لحقتي تسيبي اللي وراكي وتيجي يا ميساء بعد ما معاذ نقلك الاخبار." وبختها ميساء بتعبير عابس:

"دا وش تقبلي اختك بيه وكأنك بايته في حضنها.. مش غايبة عنها اكتر من اسبوع و ماشوفتيهاش يا حياة." تنهدت حياة بإستسلام يتخلله الحرج من أسلوبها الفظ معها، لتقبلها بلطف على خدها، وتقول بصوت رقيق: "تعالي نقعد." جلس الاثنان بجانب بعضهما البعض، لتطرح ميساء سؤالاً: "ادينا قعدنا.. ممكن اعرف انتي بتعملي ايه هنا؟ لفت حياة عينيها بملل، لتقول ساخرة: "يعني معاذ ماقالكيش؟ هزت ميساء رأسها نافية، وأجابت على الفور:

"قالي انك هنا وبس.. جيت على طول انا وحازم بس هو راح يشوف معاذ." خفضت حياة جفونها، وعقدت ذراعيها على صدرها وقالت بخفوت: "بدر عامل حادثة وموجود هنا في المستشفي دي." اتسعت حدقتى ميساء بتفاجئ، وهمست بلا استيعاب وقد ألجمتها الصدمة ثوانٍ: "بدر عز الدين؟! رفعت حياة رموشها الكثيفة، ونظرت إليها للحظة، ثم أجابت بحزن: "اه في غيبوبة هنا من اسبوعين ومحدش كان عارف مكانه." تساءلت ميساء بتوجس ملئ بالحذر:

"وانتي ايه علاقتك ببدر.. مش فاهمة..؟ قاطعت حياة كلامها قائلة بيأس: "ولا هتفهمني يا ميساء." بعد فترة من الصمت، سألت ميساء بإلحاح: "لازم تقوليلي جيتي لحد هنا عشان بدر ليه؟! تجاهلت حياة سؤالها، لتقول بنبرة خافتة مليئة بالانزعاج دون النظر إليها: "مش قادرة اتكلم دلوقتي يا ميساء كفاياكي أسئلة وتحقيق معايا.. انتي عرفتي اني هنا خلاص ارتاحي." تنهدت ميساء بخفة، وتمتمت بابتسامة محاولة تلطيف الجو بينهما:

"مش هستريح الا لما تروحي معانا البيت." هزت حياة رأسها احتجاجًا، وقالت بإصرار: "انا مش همشي من هنا يا ميساء.. انا جاية عشان بدر وهفضل معاه." عقدت ميساء حاجبيها مستنكرة ما قالته، وهتفت بحدة: "لا كدا انتي اتجننتي وعايزة تجننيني معاكي.. تعرفي بدر دا منين اصلا وعلاقتك بيه ايه؟ ظلت حياة تحدق بها بصمت، وتفكر بما ستجيب لكن الصمت طال، ولم تقل شيئًا فلم يكن لديها جواب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...