الفصل 22 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
21
كلمة
2,834
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

أنت جميلة كقطرة يغوص من أجلها الماء ليعرف أين وقع قلبه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابتسمت لها ريم واستدارت نحو الباب لتغادر بخطوات هادئة. : كارت وورد جواه أبيض وأسود جدا. قال بدر بسخرية تامة خلفها عندما تحركت لتضع الورود على الطاولة، ثم أردف عندما لم يتلق رداً منها، بينما كانت نظرته مثبتة على الورقة بين أصابعها: افتحي الكارت يا حياة.

شعرت بشكل غريزي أن ما ورد في هذه الورقة لن يرضيه على الإطلاق، فهزت رأسها رافضة، وقالت بابتسامة مرتبكة، حيث استدارت تنظر إليه بحذر: أكيد هفتحه بس... مش دلوقتي. رفع حاجبيه وشد صدغيه قائلاً بدهشة وتلاعب مزيفين: ليه؟ حابب أعرف الدكتور المنحنح بعتلك إيه؟ رتل بصوت هادئ يخفي خلفه الغيرة المتوهجة في عينه: افتحي الكارت وخليني أقرأه بنفسي.

الغريب أن هذا الشعور يكتسح أعماقه في أقل من ثانية، يفرض سيطرته عليه، ويعيق تفكيره العقلاني، ويفقده السيطرة على تعابيره وأفعاله. عبست حياة بلطافة، ثم نظرت إليه من زاوية عينها، وسألت بإمتعاض تدعي القوة: وانت مالك؟ دي حاجة تخصني. حدجها بدر بنظرات محتدمة، وهو يحاول السيطرة على هدوئه أمامها، ثم هتف في سخط: وتخصني كمان! نسيتي إنك هنا بصفتك حبيبتي ومرتبطة بيا؟

شعرت أن قلبها يرقص بفرح بين ضلوعها من قوله تلك الجملة الصريحة التي بها الكثير من الغضب والإنفعال، ولكنها في مقابل ذلك تحتوي على معاني أخرى. انهمكت بأفكارها الوردية شاردة في نقطة واهية بحماقة شديدة لدرجة أنها نسيت للحظة أنه يقف أمامها منتظراً بملل رداً، مجبراً إياها على العودة إلى الواقع حينما أضاف تحذيراً خشنًا: يلا يا حياة، ماتضطرنيش أخليكي توريهولي بالعافية.

نظرت مرة أخرى إلى ملامحه الحانقة بنوع من الحيرة، علاوة على ذلك، متوجسة من رد فعله، حتى لو كان شبحًا غير مؤذٍ، لكنه بدا مرعبًا في غضبه. زفرت حياة، قائلة بإستسلام لتصميمه الغريب، وهي تفتح الورقة بأصابعها المرتجفة: ماشي. قال ساخراً، موزّعاً نظراته بين وجه حياة والورقة: ماشاء الله، ماشاء الله... حضرته بيطلب من سيادتك توافقي تخرجي تتغدوا برا انهاردة.

على الرغم من ظهور علامات استغراب واضحة على وجهها، إلا أنه سرعان ما ظهرت ابتسامة ملتوية على فمها، وامتلأت عيناها بالشقاوة، راغبة في رد له صاعاً بصاع بسبب ما حدث من دقائق، قائلة بإعجاب: قد إيه هو دكتور ذوق بجد!! أكيد صعبت عليه من قعدتي هنا، ففكر يغيرلي الجو شوية. ظل ينظر إليها بحاجبين معقدين في سخط، ثم تحدث باستهزاء: لا والله... هو على أي أساس وبصفته إيه يعمل كدا معاكي؟

أنهى كلماته بسؤال جاد لتشعر حياة بجفاف في حلقها من التوتر وحرارة تزحف ببطء إلى وجنتيها، لا تعلم حقاً بماذا ترد، لتهز كتفيها متمتمة: معرفش... يعني... عادي. استفزته كلماتها جداً، حيث لم يكن هذا الجواب الذي ينتظره، ليهدر بعيون واسعة من الغضب: عادي!!! إنهي راجل كاجول هيوافق بكدا؟ تراجعت خطوة للوراء عندما اقترب منها في فورة صراخه، فازدرت لعابها وتساءلت بقلق: إيه المشكلة؟ الموضوع على فكرة مش مستاهل كل العصبية دي يا بدر.

نفث الهواء الساخن من فمه حينما لاحظ حالته، ليفرك مؤخرة رأسه، متهرباً من نظراتها، ثم أجاب بوجه مقتضب: مش متعصب... بس مستغرب من جراءته إزاي يعزمك بقلب جامد!! سكت لوهلة ليعاود النظر إليها ببطء، متسائلاً بترقب: إلا إذا كان شايف منك قبول سمحلو يتصرف كدا؟ هزت حياة رأسها نفياً بسرعة، موضحة له بكلمات متفرقة وهي تحرك يديها بشكل عشوائي أمامه: اااا إيه اللي بتقوله دا!! لا طبعاً قبول إيه وأنا مالي بيه...

أنا ماليش ذنب. كل الحكاية إنه كان بيساعدنا... هو اللي من نفسه عمل كدا... أنا ماليش دعوة. مسح جبهته براحة يده والشعور بالغضب يتفاقم بداخله من هذا النقاش المثير للأعصاب، لكنه تنفس بعمق وقال بصبر: يبقى اسمعي اللي هقولك عليه... هتتصلي بيه حالا يا حياة وتنادي على الممرضة ترجع له الورد دا و... اتسعت عيناها بدهشة من حديثه لذا فتحت فاهها تتفوه بإعتراض: بس دا...

ضغطت بأسنانها على شفتها بقهر، من مقاطعته لإكمال كلامها حتى النهاية حينما صاح قائلاً بنبرة لا تسمح لها بالجدال أو الاحتجاج، بينما عيناه تفيضان اشتعالاً ويده على خصره: بإختصار... هتقوليلو إنك مش هتروحي معاه في أي حتة وأنا شخصياً مش عايز منه حاجة... لأني أنا مش كبري عشان يتواصل معاكي على قفايا. نطق كلماته الأخيرة بانزعاج، مجعداً حاجبيه، لتحاول إقناعه بالهدوء، وكأنها تتحدث إلى طفل صغير: إنت ليه مكبر القصة؟

ليه نعمل مشكلة معاه على حاجة مش مستاهلة!! هو أكيد عمل كدا بحسن نية على فكرة... والورد ذنبه إيه نرجعه؟ دا حتى ذوقه خطير!! زمجر بها محذراً حالما لاحظ تغير نبرتها، وابتسامتها المضمومة بكلماتها الأخيرة، وكأنها تحاول استفزازه: حياة!! رمشت جفنيها ببراءة وهي تحدق فيه، وهناك ابتسامة عريضة في نفسها لتلك الفراشات التي ترفرف بسعادة حول قلبها، والذي انتعشت دقاته بسبب غضبه من سيرة مازن.

لقد أنقشع الضباب الذي كان يغطي عينيها عن كل ردود أفعاله الغريبة السابقة تجاهها، منذ أن اكتشفت حبها له. أومأت له حياة بالموافقة، مرددة بضجر، على مضض، محاولة عدم ترك ابتسامتها تفلت أمامه: خلاص ماشي... هبقى أرجع له الورد... أصلاً لعلمك أنا مش حابة أروح معاه أي حتة يعني مش عشان انت قلت... تمام كدا؟

بدأت ابتسامة راضية بالظهور تدريجياً على وجهه حيث لانت ملامحه العابسة، بينما صمتت حياة لالتقاط أنفاسها، ثم استدارت نحو النافذة، ووقفت أمامها مبتسمة بخفة عندما شعرت بنفحة من الهواء البارد، تطايرت أثره بعض خصلات شعرها البرتقالي المجعد على ظهرها وحول وجهها الجميل. *** مرت عدة دقائق، ساد الصمت في جميع أنحاء الغرفة، لم يقطعه سوى أصوات الرياح.

وقف بدر مستقيماً ووضع يديه في جيوبه، يراقب تلك التي آسرته دون أدنى جهد منها، حيث تمنى بعمق أن يأتي ذات يوم ويغمر أصابعه بين تلك الخصلات النارية ويشعر بدفئها ويستمتع بمداعبتها. تبددت كل أفكاره، وعادت تعابير وجهه متجهمة مرة أخرى، بالأحرى احتدت عيناه حين أدار وجهه إلى الجانب الآخر على ذلك الفظ الذي دخل الغرفة دون أن يطرق الباب كالمعتاد.

عقد ما بين حاجبيه أكثر حين ظل الآخر متصنماً على عتبة الباب، بصمت، عيناه تراقبها بهدوء، بينما حياة غافلة تماماً ولم تشعر به يقف خلفها، يتابعها لثوانٍ طويلة بعيون لامعة. هتف بدر قائلاً بنبرة صارمة: بصي وراكي. استفاقت حياة من إلهاءها على صوته، فالتفتت بعفوية لتتفاجأ بأن معاذ يقف خلفها، الذي خرج من أفكاره بسرعة عندما استدارت نحوه، محاولاً تدارك نفسه، وتمتم متحكماً في ثبات صوته: ازيك يا حياة؟

رمقت بدر بنظرة خاطفة قبل أن تنقل بصرها مرة أخرى نحو معاذ قائلة بابتسامة: الله يسلمك يا معاذ... إيه أخبارك انت؟ حدق في ابتسامتها الحلوة لبضع ثوان بعينيه التي طغى عليها بريق غريب، قبل أن يبادلها الابتسامة مجيباً بتريث: كويس... كنت عايزك برا في موضوع... هستناكي في الكافيتريا تحت. حركت رأسها بالموافقة رداً على ذلك، محاولة كبت الشعور بالقلق الذي هاجمها، ثم غمغمت بهدوء: ماشي جاية وراك.

تفاجأت عندما وقف بدر أمامها في غمضة عين، وعينيه مفعمة باستهجان غير مفهوم، وازدادت ملامحه تعقيداً، وزأر بحدة وبنبرة منفعلة: اللي بيجرى دا كتير أوي... اشمعنا مانجا... كلو باصص فيها... ماعندهم موز وفراولة وتفاح ولا حتى بطيخ؟ هذا السؤال الغريب هرب من شفتيه بغير إرادته، وكأن لسانه قد أصبحت لديه إرادة منفردة، بينما تركزت نظراتها في عينيه كأنها تحثه على الإكمال.

صمت بدر قليلا ينظر إلى ملامحها التي تغيرت من الدهشة إلى الاهتمام لترتخي تعابيره ببطء وهو يستوعب أخيرا ما قاله بإندفاع. ظل يتأمل في عينيها بصمت قبل أن يستدير إلى الباب المفتوح ليغادر دون أن يقول أي شيء آخر. عضت خدها من الداخل بتعجب وجعدت حاجبيها بعدم فهم وهي تصفع راحة يدها على الأخرى لتقول بصوت مسموع مليء بالدهشة: مانجة إيه وبطيخ إيه!

إيه سوق العبور اللي بيخرف بيه المجنون دا.. كل مرة يرميلي لغز أحار فيه بعدها يسيبني ويمشي كدا. أطلقت تنهيدة من أعماق قلبها وابتسامة عذبة سعيدة زينت شفتيها ثم أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وانجرفت شلالات الفرح من عسليتها حينما أنارت تلك الفكرة عقلها لتخاطب نفسها مرة أخرى: بس شكله غيران والله شكلك غيران يا أبو الهول. هزت رأسها بقلة حيلة بسبب برودة قهوتها التي قد نسيت أمرها تماما ثم تبعته بنفس الابتسامة التي تزين وجهها.

*** جلسوا جميعهم حول طاولة كبيرة في كافيتيريا المستشفى لمناقشة تفاصيل الحادث. عقدت حواجبها بانزعاج من الألم تشعر بقرع طبول داخل جمجمتها حيث يوجد صداع قوي في رأسها نتيجة قلة ساعات النوم وأيضا لأن تلك الجلسة مرت عليها أكثر من ساعتين وظهرها تصلب من الكرسي.

رفعت راحة يدها ودلكت رأسها بخفة وهي تسترق النظر إليه بين الحين والآخر وهو يقف خلف كرسي جاسر الذي يجلس أمامها من الجانب الآخر وتجاورها شذى على يمينها ومعاذ بالجهة اليسرى. تساءلت حياة أخيرا بحيرة من كثرة التفكير دون أن تتمكن الوصول إلى أي شيء مفيد منه: لم بدر كلم أميرة بعد ما كلمك يا جاسر قبل الحادثة.. راح فين بعد كدا ومين اللي فك فرامل عربيته؟ رفع جاسر منكبيه للأعلى وعقب قائلا وهو

يعقد كلتا يديه إلى صدره: هو كلمني يومها بليل وقال لي إنه معه أوراق تودي كريم في داهية وهيطلع بيها على النائب العام.. دي كانت آخر مرة اتكلمنا فيها ومعرفش حصل إيه بعدها.

رمشت بأهدابها بفهم لكلماته ما لبث أن تحولت نظرتها إلى الأسفل عاقدة حاجبيها بتوتر حينما شعرت بلمسات أصابع خفيفة جدا قد مرت على ظهرها مما تسبب في رجفة خوف سرت في جسدها بينما عقلها يدور بسرعة كبيرة وتفكر لمن هذه اللمسة فلا أحد بجانبها إلا معاذ لترمقه من زاوية عينها بانشداه عندما رأت يديه متكئتين على الطاولة. تمتم لها بدر كإجابة لسؤالها الداخلي ليستطرد كلماته بعد أن دنا إلى جانب أذنها حيث أنه اقترب منها في لجة أفكارها

المتضاربة وهي غافلة تماما: أنا ما حستش بلمسة الممرضة ليا الصبح.. هي واحدة بس اللي لمستها ليا بتحسسني بالحياة. أنهى كلماته بابتسامة جانبية ثم ابتعد واقفاً في مكانه السابق بأعصاب هادئة تتناقض مع دقات قلبها التي كانت تقرع مثل أبواق القطارات من دهشتها المفرطة. حاولت الخروج من قوقعة الصدمة للتركيز على ما يقولون وللاستماع لمعاذ الذي قام بتوجيه سؤال لجاسر بجدية: انت ماشوفتش اللي جوا الورق دا؟ هز جاسر رأسه نفيا وقال كلماته

مملوءة بالحزن وقلة الحيلة: لا رفض يجيبوا على المكتب. دوى صوت خشن من الجالس بجوار كرسي معاذ بالجهة الأخرى يخاطب جاسر متسائلا بجدية: تفتكر ليه ليلة الحادثة كان رايح إسكندرية.. مع إنك لسه قايل إنه كان هيروح للنائب العام ومعه الورق دا وتأكدنا من كدا فعلا. عرجت الأنظار إلى طارق الضابط المسؤول عن التحقيق في حادثة بدر ليرد معاذ

بدلا من جاسر بنبرة حائرة: الغريبة إنه لما جه المستشفى ما كانش معاه أي أوراق ولا حتى في العربية لما فتشناها يا طارق باشا. تدحرج بصر حياة على بدر الذي رفع يده إلى صدره من فوق القميص وكأنه يبحث عن شيء ثم تحركت عينيه نحوها وقال بنبرة هادئة: ما كانش معايا ورق كانت فلاشة في جيبي. ظلت حياة تتطلع إليه بذهول لعدة لحظات لتردد كلماته متعجبة بعفوية: فلاشة!

رفع معاذ رأسه إليها حينما سمع صوتها الهامس وهي جالسة على مسافة صغيرة جدا منه مجعدا حاجبيه بتساؤل من كيفية معرفتها عن ذلك ليقول بتوتر خفي: أيوه كان في فلاشة. واصل معاذ حديثه بعد أن أدار وجهه بعيدا عنهم حين تحولت الأنظار إليه بتعجب: الدكتور قال إن بدر لما اتنقل للمستشفى في إسكندرية كانت في جيبه فلاشة وحطوها في الأمانات وموظفة الاستقبال سلمتها لمدام أميرة لأنها مراته ومن حقها تستلم حاجته.

فغرت حياة فاهها بصدمة وغضب مما قاله خلال ذلك جحظت عينا جاسر بإحمرار هادرا في انفعال بعد أن هب من مقعده محاولا أن ينقض عليه من غضبه المفرط الذي أعماه في لحظة مزعزعا ثباته الانفعالي: بتقول إيه.. يعني إيه! الفلاشة دي الدليل الوحيد على الكلاب اللي حاولوا يقتلوا أخويا بسببه.. تقوم تضيعه مننا بالسهولة دي وكمان يقع في إيد الفاسدين دول؟

تحركت قدميه وأخذه إليها دون وعي ليقف بجانبها في طرفة عين بينما كانت حياة جامدة بقلق بمكانها تراقب ما يحدث لتسمعه يقول بنبرة واثقة: لا مش الوحيد.. قوليلهم يا حياة إن الورق أنا طبعته على الفلاشة بس النسخة الورقية لسه موجودة. اندفع طارق يحول بين معاذ الذي يقف ببرود يشوبه ارتباك داخلي وجاسر بوجهه المحتقن قائلا بصوت عال محذرا بخشونة محاولا إقناع الأخير

بالسيطرة على ثورة غضبه: اهدا يا أستاذ جاسر مش هنوصل لحاجة بالطريقة دي.. إحنا تحرياتنا شغالة وانت متابع بنفسك. تكلمت شذى بنبرة هادئة مملوءة باللين رغم خوفها وهي تسعى لتهدئة جاسر وتلف أصابعها حول ذراعه وتضغط عليه برفق لكى تجذب انتباهه لها: لو سمحت يا جاسر اهدا. أطلق زفيرا بحرارة محاولا قمع غضبه محدقا في معاذ بعيون متصلبة وفم مفتوح بينما حياة أشاحت وجهها بعيدا عن معاذ بانزعاج واضح قائلة بصوت هامس حينما أدركت

أن الانتباه مسلط عليهم: خلاص يا جماعة اقعدوا إحنا في مستشفى والناس بتبص علينا.. مش وقت خناق. امتثل الجميع لكلماتها الصحيحة ثم أضافت بعد أن جلسوا مرة أخرى: جاسر.. انت قلت إن بدر قالك معه ورق مستندات ورقية مش فلاشة صح؟ أومأ معاذ برأسه بالإيجاب بينما ارتفع صدره وهبط في سخط. أضاء عقل طارق فجأة بشيء ما وسرعان ما هتف وضرب بقبضته على سطح الطاولة: مش الفلاشة الدليل الوحيد الورق كمان موجود.. بس يفضل السؤال فين مكان الورق دا؟

أنهى جملته بسؤال وهو يفرك ذقنه بتفكير. رفعت حياة عينيها نحو بدر الذي قرأ السؤال بعينيها دون أن تضطر إلى النطق به لكنه هز رأسه محبطا أي أنه لا يعرف. ظل معاذ يراقب ما يقولون بجمود بينما طارق يستأنف الحديث باستفهام: لازم نعرف بدر بعد ما كلمك يا جاسر راح على فين بالورق دا قبل ما يسافر إسكندرية. أغمض بدر عينيه وشتم نفسه داخليا هناك أشياء كثيرة لا يعرفها شقيقه بسبب كبريائه الذي أجبره على الكتمان.

كيف يمكن أن يحاسبهم على ذلك الآن؟ مسح جاسر شفتيه بأصابعه وهو يفكر بصوت عالٍ: طالما ما جاش علي المكتب ولا راح الفيلا عند أميرة، ممكن جدا يكون راح العمارة. أومأت شذى برأسها قائلة داعمة إياه: احتمال كبير. ومضت عسليتها التي تشبه شهد العسل الصافي بفكرة، بينما نهضت بسرعة على قدميها وأخذت هاتفها من على الطاولة قائلة باختصار: أنا هتصل بعم حمزة أسأله.

أنهت كلماتها بالضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنها، وفي غضون ثوانٍ تلقت ردًّا من الطرف الآخر. *** بعد مرور بضع ساعات. داخل شقة بدر عز الدين. هناك العديد من رجال الشرطة يبحثون في أماكن مختلفة، بينما وقف طارق بهيبة تليق به، موجهًا حديثه نحو الرجل العجوز بلهجة رسمية: متأكد من اللي قولته يا عم حمزة؟ رد حمزة بنبرة صادقة، وهو يشعر

بالرهبة من خطورة الموقف: أيوه طبعًا يا سعادة الباشا متأكد، أستاذ بدر جه في اليوم ده قرب الساعة ٩ تقريبًا وركن عربيته قدام العمارة وطلع شقته دغري. تفحصه طارق بأعين ثاقبة، وهو يضع إحدى يديه في جيب بنطاله ليقول مستفسرًا: وقعد قد إيه فوق يا عم حمزة؟ رفع حمزة كتفيه علامة على جهله بالإجابة، ثم قال معللًا بتبرير: معرفش يا بيه والله، يومها أنا نمت بدري كان ضغطي واطي، واللي فضل قاعد مكاني ابني كرم.

تمتم له طارق بملامح جامدة لا تعبر عن شيء، حيث لا يستطيع الناظر له أن يفهم ما يجري في عقله: تمام، انزل انت. امتثل حمزة لأمره، ثم استدار ليغادر مسرعًا في صمت، ليتوجه طارق بخطوات سريعة نحو جاسر وحياة الواقفين بجانب شذى أمام باب المنزل المفتوح على مصراعيه، بينما كانت تتحدث معها لتصمت وهي تراه يقترب منهم قائلًا بهدوء: الورق مالوش أي أثر هنا. هزت حياة كتفيها مزلقة شعرها

خلف ظهرها وتكلمت بشرود: يمكن محطش الورق في شقته أصلًا. همست شذى بحيرة، وهي تفرك رقبتها بإصبعها، وبدأ الإرهاق يسيطر عليها: أومال هتكون فين الأوراق دي لو مش في شقة بدر؟ أدار بدر رأسه، ناظرًا بعينيه اللامعتين في وهج غريب نحو باب شقة حياة، التي لاحظت حركته وهتفت تسرع بعد أن فهمت ما يفكر فيه: في شقتي. *** أسدل الليل سدوله سريعًا. داخل مديرية الأمن. وقف ويداه في جيوب سرواله ناظرًا لها بارتياب،

ليقول بشك: بقول لك إيه يا حياة، فيه حاجة غلط في الموضوع؟ حادت حياة عينيها بقلق، ونظرت في اتجاه آخر قائلة بهدوء ساخر: وإيه هي يا سيادة الرائد؟ حدجها مقوسًا شفتيه بتهكم حينما هربت بنظراتها عنه، ليتساءل بغرابة: منين عرفتي إن الورق في شقتك انتي؟ ظلت صامتة لبعض الوقت لتفكر في إجابة مقنعة، لكنها سئمت حقًّا من هذا الموقف المجهد لجسدها وأعصابها، لتقول بتوتر، وهي تلامس خدها بكف يدها: هتصدقني لو قولتلك إن بدر هو اللي قالي.

جعلت عينيه تتوهج من الغضب، بمجرد أن تلظت بهذا الهراء أمامه، حيث اقترب منها خطوة واحدة، صائحًا بضيق: هو بدر دا طلعلنا منين!! إمتى دخل حياتنا وليه متعلقة بيه بالمنظر ده ومصممة تفضلي جنبه؟ زمت حياة شفتيها بعبوس بعد أن رفعت عينيها إليه، وشعرت أنها قد أسأت الظن به عندما تخيلت أنه تغير معها، لكن ما تراه منه يتعارض مع ذلك، لتجد نفسها تجيب عليه بتصميم غاضب تمكن أن يميزه بسهولة، رغم نبرة صوتها المنخفضة بسبب

وجودهم داخل مديرية الأمن: قولتلك إني أنا بحبه، بس واضح إنك كنت واخدني على قد عقلي. تلاشت عقدة حاجبي معاذ، ونسي للحظة من هو وأين يقف، وقرب وجهه إليها قليلًا هامسًا بصوت مليء بالفكر والعذاب: حبتيه إمتى يا حياة.. إمتى ريحيني وقوليلي؟ خفضت حياة عينيها عن نظراته، وحركت رأسها إلى اليسار واليمين عدة مرات

متتالية قائلة بصوت أه: معرفش.. معنديش إجابة تريحك، كل اللي أعرفه إني عايزة أكون معاه وبس.. مش عايزة حاجة غير إنه يفوق ويكون كويس. كان على وشك التحدث، لكن صوتًا نادى به من الخلف قائلًا: معاذ باشا. التفت لينظر إلى الوراء مبتعدًا عن حياة قبل أن يرد عليها بتهور من شدة حنقه، وأطلق تنهيدة حارة قبل أن يقترب من مجموعة الضباط المجتمعين يتحدثون بهمس.

تنهدت حياة بصوت مسموع، وهي تغلق عينيها من الألم والتعب، لتفتحهما مرة أخرى عندما سمعت خطى تقترب منها، لتهتف بلهفة: حصل إيه يا جاسر؟ وجهت عينيها نحو طارق، حيث تكلم معه جاسر باحترام: طارق باشا هيقولنا. أومأ طارق ردًّا، وعقد ذراعيه أمام خصره ليقول بنبرة عملية جادة: الورق اللي لقيناه بيدين ناس كتير جدًا، وأولهم طبعًا أميرة وأمها وكريم، وطلع قرار من النيابة العامة بالقبض عليهم، وحاليًا بيتنفذ.

ارتسمت معالم الارتياح على وجهها قبل أن تقول بابتسامة واهنة: الحمد لله، أنا هرجع لبدر في المستشفى، سيبنا لوحده كتير. بمجرد انتهاء كلامها همت بالتحرك، ولكن صوت جاسر منعها عندما هتف من ورائها، ليجعلها تستدير إليه برقبتها: استني، لسه فيه حاجة كمان حصلت من شوية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...