بالمشفى بعد خروج إيلاف من مكتب جواد، وبالصدفة أثناء سيرها بممر المشفى تقابلت مع ناصف، الذي تبسم لها قائلاً: مساء الخير يا دكتورة، إنتِ نبطشية ليل ولا إيه. ردت إيلاف: لأ، أنا كنت همشي دلوقتي، بس كويس إني اتقابلت مع حضرتك. ابتسم ناصف قائلاً: فعلًا، كويس إننا اتقابلنا، أظن ده وقت كافي للتفكير ومحتاج آخد قرارك عشان أبلغ الدكاترة اللي معايا. ردت إيلاف بهدوء:
بصراحة، أنا فكرت وقررت إني أعتذر لأني مش هقدر أوفق بين الدوام هنا والممارسة في مستشفى حضرتك. الشغل هنا في المستشفى مرهق، وكمان بسبب اغترابي، يعني فات أكتر من شهر والمدة تكليف سنة، وبعدها أكيد مش هفضل هنا في الأقصر وهتنقل لمكان تاني، يعني وجودي هيبقى مؤقت. غير كمان أنا لسه دكتورة مبتدئة وأنتم محتاجين أطباء أكفاء يكون عندهم خبرة كويسة تفيد المستشفى بخبراتهم. أنا بعتذر منك.
لم يحاول ناصف الإلحاح على إيلاف وتبسم برياء قائلاً: براحتك طبعًا، مع إن كنت أتمنى تنضمي لأسطاف المستشفى كان هيفيدك خبرة أكتر. بس مقدرش أضغط عليكِ، في النهاية ده عمل فيه جزء كبير تطوعي ومحتاج لوقت. على العموم، أتمنالك التوفيق. ابتسمت إيلاف قائلة: متشكرة إنك قدرت موقفي، وبتمنى لكم التوفيق. أومأ ناصف رأسه ببسمة رياء ونظر لإيلاف وهي تسير بالممر بغيظ وهمس لنفسه:
واضح إن الدكتور جواد له تأثير على قرارك، أنا شايفك خارجة من مكتبه... آتى الطبيب الآخر إلى مكان وقوف ناصف، وقبل أن يسأل، جاوب ناصف: رفضت الشغل في المستشفى. زفر الطبيب الآخر نفسه بغضب قائلاً: أحسن إنها رفضت، هي مفكرة نفسها دكتورة عالمية، دي حتة دكتورة امتياز. رد ناصف: هي فعلًا دكتورة امتياز، بس عندها ميزة كان ممكن نستفاد منها مستقبلاً. استغرب الطبيب قائلاً باستخفاف: وأيه هي الميزة دي بقى؟ قصدك إعجاب أو مشاعر جواد.
رد ناصف: لأ، ميزة تانية أنا عرفتها بالصدفة، بعدين أقولك عليها. بس دلوقتي لازم نؤدي المطلوب مننا، جواد قافش في إدارة المستشفى، سمعت إنه عطي لكام ممرضة ومعاهم كام إداري في المستشفى لفت نظر، يعني مركز أوي. لازم نخليه يهدي أعصابه شوية، لراحته وراحة اللي بيشتغلوا في المستشفى. ابتسمت إيلاف حين خرجت من باب المشفى ورأت بليغ يقترب منها. كانت تسير بخطوات سريعة إلى أن وقفت أمامه قائلة:
مفاجأة حلوة إني أشوفك الليلة، بقالك فترة مشغول عني. ابتسم بليغ ومد يده لها بكيس ورقي صغير قائلاً: في ضغط شغل الفترة دي في المصانع. ابتسمت وهي تأخذ منه ذلك الكيس وفتحته قائلة: الفول السوداني الطازج، تعرف إن كان إحساسي من الصبح إنك هتجيب لي لما اتصلت عليا الضهر وقولتلك إني هفضل في المستشفى لحد المسا. ابتسم بليغ قائلاً: بصراحة، أنا اتأخرت وكنت متوقع ألاقي مشيتي، بس الفول السوداني كان من نصيبك. ابتسمت إيلاف قائلة:
فعلاً، أنا اتأخرت في المستشفى النهارده، بس كان في حالة بتابعها، غير عملت زي ما قولت لي أشاور الدكتور جواد في حكاية عرض الدكتور ناصف، والحمد لله أخدت القرار وأنا مرتاحة. ابتسم بليغ قائلاً: الجو بدأ يبرد شوية، خلاص الشتا على الأبواب. خلينا نتكلم وأنا بوصلك لدار المغتربات. أنهى بليغ قوله وهو يشير لإحدى سيارات الأجرة التي توقفت. ابتسمت إيلاف، وبليغ يفتح لها باب السيارة كي تصعد، ثم توجه للناحية الأخرى وصعد للسيارة. قائلة:
تعرف إنك لما وصلّتني يوم فرح أخو جواد لقدام باب دار المغتربات، قولت المديرة المرة دي هتطردني رسمي. هي حذرتني قبل كده لما جواد وصلني، رغم إنها يومها شافتك بس مقالتش حاجة. ابتسم بليغ قائلاً: أنا راجل كبير مش شاب زي جواد، يعني إنتِ بنتي. شعرت إيلاف بغصة قوية في قلبها وصمتت للحظات قبل أن يقول بليغ بمودة:
قصدي زي بنتي، وكمان ملامحي اتبدلت وشاب عليها الزمن، وكمان راجل بسيط مفيش فيا ميزة تلفت النظر. إنما الدكتور جواد ربنا يحميه شباب ووسامة وواضح إنه مطمع... ربنا يرزقك على قد نيته الطيبة. أنا أعرفه من وهو عمره عشر سنين أو أزيد شوية، ومن أول ما شوفته وهو نفسه يبقى دكتور، وربنا حقق له أمنيته. استغربت إيلاف لأول مرة تتفاجئ وتساءلت: هو حضرتك مش من الأقصر ولا إيه؟ تنهد بليغ بدمعة تلألأت في عينيه قائلاً:
لاه، مش من الأقصر. كلنا يا بت القدر بيودينا مكان ما يشاء... لو الحياة ماشية حسب مشيئتنا مكنش حد اتغرب عن مكان أحبابه، واختار يبعد عنهم. استغربت إيلاف تلك الدمعة الواضحة في عيني بليغ، شعرت بغصة لا تعلم سببها، لكن سألته: أنا مش فاهمة قصدك إيه يا عم بليغ. ابتلع بليغ تلك الدمعة التي في عينيه وتنهد وهو يضع يده فوق كتف إيلاف قائلاً: مفيش يا بتي، السكة خلصت بسرعة، خلاص وصلنا قدام دار المغتربات.
ابتسمت إيلاف بداخلها تود البقاء أكثر مع بليغ وسؤاله عن تلك الدمعة التي رأتها بعينيه، يبدو أن خلفها قصة. لكن أجلت السؤال بعد أن قال لها: أنا هسافر حوالي يومين أو أكتر في بضاعة تبع المصنع وأنا اللي هسافر أشرف عليها في أسوان. هبقى أتصل أطمّن عليكي. أومأت إيلاف رأسها له قائلة: ترجع بالسلامة... تصبح على خير.
ترجلت إيلاف من سيارة الأجرة وتوجهت نحو باب دار المغتربات بفكر شارد. قبل أن تدخل من باب الدار، نظرت خلفها رأت سيارة الأجرة ما زالت تقف، حتى أشار لها بليغ بيده ثم انطلقت السيارة. تنهدت إيلاف ودخلت إلى الدار. تفاجأت بمديرة الدار تقترب منها وتبتسم لها قائلة: أهلاً يا دكتورة، كويس لحقتك قبل ما تنامي، كان في أمر هام محتاجة أتحدت فيه وياكِ. تساءلت إيلاف باعتقاد أن مديرة الدار ربما قد تحذرها أو تقوم بطردها:
وأيه الأمر الهام ده. ابتسمت مديرة الدار لها قائلة: شكلك مرهقة دلوقتي، ادخلي خدي لك حمام دافي وبكرة نتكلم تكوني فايقة أكتر. خاب ظن إيلاف، ربما لبعض الوقت هكذا ما زال الظن برأسها. دخلت إلى غرفتها، وضعت حقيبة يدها على الفراش واستلقت بجسدها فوق الفراش. تنهدت بحيرة، لا تعلم لما غص قلبها بهذا الشكل من تلك الدموع التي رأتها بعيني بليغ. بليغ... بليغ... ما سر تلك المشاعر التي تشعر بها نحوه؟
حين تراه ينشرح قلبها وتشعر بخفقانه يزداد. لم تشعر بهذا الشعور سابقًا، لما ودت أن ترفع يديها وتمسح دموعه، وأرادت ضمه للحظة. تنهدت إيلاف تحسم أمرها بأسف: حيرة ملهاش تفسير غير إن بليغ استحوذ على قلبك يا إيلاف، وهو قالها لك إنتِ زي بنتهُ. بمنزل صلاح نظرت سلوان لجاويد قائلة: إيه اللي طرقع ده. رد جاويد: معرفش، ده صوت طرقعة إزاز جاي من ناحية العربية.
ترك جاويد سلوان وذهب نحو السيارة، لكن سلوان ذهبت خلفه بفضول منها. وقف جاويد مذهولاً، كذلك سلوان التي تساءلت: إيه اللي حصل لإزاز العربية؟ إزاي إزاز الكبوت كله اتكسر بالشكل ده. رد جاويد باستغراب: معرفش. استغربت سلوان قائلة: بس غريبة، الإزاز مشروخ ومع ذلك متماسك في بعضه. مد جاويد يده وضعها فوق زجاج السيارة المشروخ، بمجرد أن لمس إصبعه الزجاج، تناثر فوق مقدمة السيارة وبداخلها. لكن سلوان بلهفة منها قبل أن يصل إصبع
جاويد للزجاج تحدثت بنهي: أوعى تلمس الإزاز يا جاويد.. لا تتعوّر. لكن رغم تنبيه سلوان، بنفس اللحظة الذي وضع جاويد إصبعه على الزجاج، انشق إصبعه بجرح صغير وتناثر الزجاج. تراجع جاويد للخلف خطوة وجذب سلوان التي لامت عليه: قولت لك بلاش تلمس إزاز الكبوت، أهو صباعك اتعور.
أنهت سلوان قولها وجذبت يد جاويد المصابة وقامت بشد ذاك الوشاح من فوق كتفيها ووضعته على إصبعه بلهفة. نظر لها جاويد وشعر بخفقان في قلبه وشق بسمة شفاه وهو يرى لهفة سلوان عليه بسبب جرح صغير لا يذكر، قائلاً: ده خدش بسيط. لامت عليه سلوان قائلة: إنت شايف إنه خدش بسيط، بس كان ممكن يكون أكبر لو الإزاز اتملك من بقية إيدك.
ابتسم جاويد وهو ينظر لسلوان التي ما زالت تلومه، لكن قطع تلك النظرة صوت طرقعة بقية قطع الزجاج التي تتناثر فوق مقدمة السيارة. نظر الاثنان لذلك الزجاج باندهاش من صغر حجم قطع الزجاج التي تشبه قطع السكر. قطع ذلك الاندهاش نسمة هواء باردة شعر بها الاثنان. تبسم جاويد لسلوان التي ما زالت تضع الوشاح حول يد جاويد وتضغط على إصبعه المصاب حتى لا ينزف، بينما قال جاويد: الجو بدأ يبرد، خلينا ندخل للدار.
ابتسمت سلوان وهي تسير جوار جاويد وما زال يترك يده لها، يشعر بسعادة من لهفة سلوان على مكروه لا يذكر أصابه. ليلًا
بعد منتصف الليل، استيقظ جاويد بعد قسط من النوم. ظن أن الصباح قد أتى. أشعل ضوء خافت بالغرفة وجذب هاتفه كي يعلم ما الوقت. تفاجأ أن الساعة بحوالي الواحدة صباحًا، رغم شعوره أنه نعس لفترة طويلة. نظر ناحية سلوان وأخذ يتأمل ملامحها الرقيقة، يشعر بهدوء نفسي. ليست فقط ملامحها رقيقة، بل هي أيضًا رقيقة وعفوية. تنهد جاويد مبتسمًا قائلاً: بس العند والدلال أسوأ صفاتها.
أنحنى يقبل وجنتها ثم نهض من فوق الفراش وارتدى زي منزلي وخرج من الغرفة بهدوء صاعدًا إلى تلك الغرفة الموجودة بأعلى المنزل. جلس خلف تلك المنضدة يقوم بممارسة هواية صناعة الفخار. بدأ بصناعة شكل مبهم كأنه يلعب بالطمي، عقله وقلبه مشغول بـ سلوان الرقيقة العنيدة. لم يدري بالوقت، إلا حين سمع فتح باب الغرفة. تبسم بتلقائية لجواد الذي قال باندهاش وإيحاء مرح: لسه مكملتش شهر جواز وسايب العروسة وجاي هنا... أوعى تكون مش رافع راسنا...
أخوك دكتور وممكن ينفعك ويتستر عليك. ضحك جاويد وألقى قطعة طمي صغيرة على جواد قائلاً: لأ، أخوك رجولة مش محتاج لسترك عليا، بس إيه عرفك إني هنا. أنحنى جواد وجذب قطعة الطمي ودخل إلى الغرفة قائلاً: شفت نور الأوضة وأنا بركن عربيتي، استغربت قولت يمكن حد نسي نور الأوضة، وجابني الفضول. بس بصراحة مكنتش متوقع إنك تكون هنا، في الوقت ده...
بس لاحظت حاجة وأنا بركن عربيتي جنب عربيتك، إزاز الكبوت كله مكسور. بصراحة قلقت عليك، بس قولت بلاش أزعج العروسة. تنهد جاويد قائلاً: معرفش، فجأة بعد ما ركنت العربية سمعت تكسير الإزاز. رد جواد: عادي، بتحصل أوقات من تسلط الشمس مدة كبيرة الإزاز بيسرطن، أو يمكن كان في شرخ وكمل. المهم إنك بخير، بس إيه اللزق الطبي اللي على صباعك ده.
نظر جاويد إلى ذاك اللاصق الطبي الذي تلوث من الطمي وتذكر لهفة وإصرار سلوان على تضميد ذاك الجرح الصغير بنفسها، حتى هي من وضعت ذاك اللاصق. تنهد مبتسمًا يقول: جرح صغير، عادي. اقعد نتكلم شوية، ولا إنت مرهق وعاوز تنام. جلس جواد جوار جاويد يتنهد بإرهاق قائلاً: هو من ناحية مرهق، فأنا مشطب، وعاوز أنام. بس عمليًا النوم اتخلى عني من فترة، زيك كده بالظبط. رغم إن سلوان نايمة جنبك بس برضه النوم هجرك. ابتسم جاويد قائلاً:
برضه الدكتورة مش واخدة بالها منك، يمكن محتاجة اقتحام مفاجئ زي ما أنا عملت مع سلوان. زفر جواد نفسه قائلاً: اقتحام! وخدت إيه من الاقتحام؟
إنت أهو سهران بعيد عنها، وكمان إيلاف مختلفة عن سلوان. على الأقل سلوان كان عندها شوية قبول لك، إنما إيلاف غامضة وقافلة على نفسها. حاسس إنها عايشة في قوقعة، كل حياتها هي الطب وبس. حتى كلامها معايا عن الطب، رغم إني حاولت أفتح معاها كذا مرة مواضيع مختلفة، كانت بتقفل على الكلام. مش عارف مش لاقي طريقة اقتحام زي ما بتقول إنت كده. ضحك جاويد قائلاً بمزح: بلاش اقتحام، اسحر لها على ورق المحبة.
نظر جواد لـ جاويد وقام بقذفه بقطعة الطمي قائلاً: بتتريق عليا؟ تصدق حلال فيك اللي بتعمله سلوان، اللي واضح إن لغاية دلوقتي إنها لسه آنسة سلوان. ضحك جاويد قائلاً: هو البيت كله عارف ولا إيه. ضحك جواد قائلاً: يا فضيحتك لو عمك صالح عرف هو كمان. لاء، ولا عمتك صفية هتشمت وتتشفي فيك وتقول الحمد لله ربنا بيحب بنتي بدل ما كانت تتجوز من راجل معیوب. ضحك جاويد وقذف جواد بقطعة الطمي قائلاً:
معيوب في عينها تفقعها، أنا الحمد لله تمام. غايته سايب سلوان تتعود عليا بالراحة مش بالاقتحام... إنما إنت الدكتورة قدامك، لا عارف تتعامل معاها بالراحة ولا بالاقتحام. أقولك قوم نام واحلم بالدكتورة. ابتسم جواد قائلاً: وإنت لسه هتسهر تفكر في سلوان. نهض جاويد قائلاً: لأ، هنزل أنام جنب سلوان. أهو نص العمى ولا العمى كله، أنا أرحم من غيري. ضحك الاثنان على حظهم مع النساء الذي هوى لهن قلبهما......
بينما بغرفة جاويد قبل لحظات، شعرت سلوان كأن الفراش يدور بها في فضاء أسود خالي ثم توقف وهبط بحفرة سحيقة. كانت ليست ضيقة وباب مغلق، وفجأة انفتح. رأت خلف ذاك الباب نيران، سرعان ما خرج منها شعلة ضخمة تشكلت على هيئة مارد يقترب من الفراش الذي فجأة تحول وأصبح مثل توابيت الموتى وهي بداخله. أقشعر جسدها بالهلع، وحاولت رفع يديها، لكن شعرت كأنها مقيدة بجانبي التابوت. حاولت الصراخ، لكن شعرت بسيلان دافئ حول رقبتها، وأقترب المارد ووضع يديه المشتعلة حول طرفي التابوت وكاد ينحني عليها، لكن...
فجأة فتحت سلوان عينيها ونهضت من غفوتها ترتعش، وهي تشعر بيدين يضمان جسدها. في البداية حاولت دفع تلك اليدين عنها، لكن حين سمعت همس جاويد ببعض الآيات القرآنية ثم قال: سلوان اصحي، إنتِ في كابوس.
هدأ ارتجاف جسد سلوان قليلاً لكن تشبثت بعناق جاويد لها كأنها تحتمي به من تلك الأطياف المخيفة. لوهلة أغمضت عينيها، عاد ذاك المارد أمامها، ولأول مرة تحققت من شيء مميز به، أن هذا المارد أعور بعين واحدة. فتحت عينيها سريعًا وازدادت في عناق جاويد لدقائق، حتى عادت تشعر بالهدوء النفسي. لاحظت ذاك العناق الصامت، قامت بفك يديها بخجل وحاولت الابتعاد عن جاويد، لكن جاويد ما زال يأسر جسدها. لكن عاد برأسه للخلف، ينظر لذاك الخجل التي
تحاول سلوان إخفاءه وهي تبتعد عنه. لكن جاويد رفع إحدى يديه ونحى تلك الخصلات عن عيني سلوان، وقام بتقبيل جبهتها، ثم نظر لعينيها التي تخفضها، ورفع ذقنها قليلاً ورأى شفاهها اللتان تلعقهما بلسانها. شعر برغبة قوية بتقبيل شفاها، رغم أنه يعلم أن سلوان الآن بغفوة، ولحقًا حين تفيق ستعود لعنادها الواهي أمامه، لكن لن يهتم بما سيحدث لاحقًا، الأهم الآن لن يتوانى عن تذوق شفاه سلوان. بالفعل، اقترب بشفاه من شفاها وقبلها، في البداية
قبلات ناعمة تزداد تلهف وشوق للمزيد. كذلك غفى عقل سلوان وهي تستمتع بتلك القبلات. لكن قطع سيل القبلات صدوح صوت آذان الفجر الأول. انتهت غفوة عقل سلوان ودفعت جاويد بيديها حتى ترك شفاها، ونظر لها مبتسمًا، بينما خجلت سلوان وحاولت عدم النظر لـ جاويد، تشعر بخزي صامت. لكن قطع الصمت استغرابها حين رأت جاويد يرتدي ملابس منزلية. هو كان شبه عارٍ حين استلقى جوارها بأول الليل. ازدردت
ريقها قائلة بعدم انتباه: إنت إمتى لبست هدومك. ضحك جاويد قائلاً بغمز: عادي، هقوم أقلعها تاني. شعرت سلوان بالبلاهة والخجل وتعلثمت قائلة: إنت فسرت سؤالي غلط على هواك، أنا بس بسأل سؤال عادي، إنت أكيد كنت طلعت بره الجناح وأنا نايمة. رد جاويد بمكر: أبدًا، أنا نايم جنبك طول الليل وصحيت مفزوع بسبب كوابيسك. قولت لك بلاش تتقلي في العشا، أهو حلمتي بكابوس. نظرت له سلوان باستخفاف قائلة:
بس أنا متقلتش في العشا على فكرة، بالعكس قمت جعانة بسبب...
صمتت سلوان، حتى لا تقول له أن السبب في عدم أكلها هو تلقيح حفصة وذكرها الحديث عن مسك والمدح بها بتعمد منها كثيرًا أمام سلوان، رغم أنها لا تشعر بأي مشاعر تجاه مسك، لكن على يقين أن مسك تكرهها منذ أن رأتها كان دون أسباب، أو أصبحت تعلم سبب من الأسباب، هو جاويد الذي تهواه مسك وتظن أنها خطفته منها. كذلك حفصة دائمًا تحاول التلميح بأحقية مسك بجاويد. لا تنكر شعورها بالغيرة، وذالك ما جعلها لا تكمل عشائها ونهضت بحجة أن والدها سيتصل عليها الآن. هو أخبرها بذلك سابقًا، وكان ذالك كذبًا منها. هي فقط أرادت عدم سماع تلميح حفصة. رغم أنها سمعت جاويد يحذرها سابقًا، كذلك يسريَّه حذرت حفصة. لكن حفصة لا تهتم.
لم يستغرب جاويد صمت سلوان وكان يعلم أن سبب عدم إكمالها للعشاء هو حفصة الذي حذرها مرارًا ولا تهتم. لكن أراد مشاغبة سلوان: وأيه اللي خلاكِ مكملتيش عشا؟ كنت عاوزاني أعزمك على العشا في المطعم اللي كنا بنتقابل فيه. تنهدت سلوان قائلة: لأ طبعًا، بس كنت بكلم بابا على الموبايل. خلاص، أنا بقيت كويسة، كابوس وعدى. هكمل نوم تاني. ابتسم جاويد وحاوط جسد سلوان قائلاً: يعني مش هرجع أصحي على صريخك تاني...
بس إيه الكوابيس اللي بتشوفيها كتير دي؟ أنا بقول تخليكِ في حضني احتياطي. دفعت سلوان جاويد بيدها قائلة: لأ، اطمني مش هصرخ، وإبعد عني. وبعدين الكوابيس دي أنا حاسة إن إنت السبب فيها، نومك جنبي على السرير. ضحك جاويد قائلاً: يعني نومي جنبك بيجيب لك كوابيس. ردت سلوان بتسرع ونرفزة وهي تحاول خلاص جسدها من بين يدي جاويد: أيوا، قبل كده مكنتش بحلم بكوابيس، وإبعد إيديك عني بقى.
ابتسم جاويد وضمها أكثر وتسطح على الفراش وجذبها معه للنوم، ثم قام بجذب دثار الفراش عليها، ضاحكًا بسبب حركة سلوان التي تحاول التخلص من أسر جاويد، الذي تنهد قائلاً: أنا بقول تنامي يا سلوان، كفاية إني هستحمل أنام بالبيجامة مع إني سهل أقلعها وهي والبيجامة دي. أنهى جاويد، وهو يضع يده فوق أزرار منامة سلوان، التي وضعت يدها فوق يده تدفعها قائلة باستهجان: بطل قلة أدب لو سمحت. ضحك جاويد قائلاً:
نامي يا سلوان، لأعرفك قلة الأدب على حق، أنا صابر وساكت بمزاجي. ردت سلوان: محدش قالك اصبر، ومتفكرش إنك.... قطع حديث سلوان قبلة جاويد المفاجئة لها، ثم ترك شفاها. أربكت القبلة عقلها وصمتت، ولم تتحدث وأغمضت عينيها وذهبت للنوم تشعر بسكينة... كذلك جاويد عاود النوم هانئًا فقط بها بين يديه. باليوم التالي صباحًا بمنزل والد حسني
استغربت حسني زيارة يسريَّه مرة أخرى لهم، لكن لم تهتم، فقط قامت بضيافتها وأدخلتها إلى غرفة الضيوف حتى أتت زوجة أبيها ورحبت بها بحفاوة تستغرب منها حسني، فزوجة أبيها لا تمتلك تلك الحفاوة بمعاملة أي أحد. تحدثت يسريَّه: اقعدي يا حسني، الكلام اللي هقوله يخصك. جلست حسني باستغراب. ابتسمت يسريَّه قائلة: يمكن ثريا مقالتش ليكِ أنا مين، أنا الحجة يسريَّه وأبقى مرات عم زاهر الأشرف. فتحت حسني فمها مثل البلهاء، قائلة بتسرع:
أنا قولت لك حقيقة اللي حصل. ابتسمت يسريَّه قائلة: وأنا مصدقاكِ يا حسني، وعشان كده جيت النهارده عشان أطلب يده للجواز من زاهر. صُعقت حسني من حديث يسريَّه وشكت أنها سمعت خطأ، لكن زغاريد زوجة أبيها جعلتها تفيق ونهضت واقفة تقول برفض: ده شيء مستحيل، لاء، أول المستحيلات. أنا اتعاملت مع اللي اسمه زاهر كم مرة، مفيش مرة اتحدت فيها وياي بطريقة حلوة، ده شخص ما يتعاشرش. بالمشفى مساءً
تقابل جواد مع إيلاف بأحد ممرات المشفى. تبسم لها ووقف، رغم أنه يعلم، لكن تسأل بفضول: إنتِ نبطشية ليل الليلة ولا إيه. ردت إيلاف: أيوا، كويس إني اتقابلت معاك، كنت عاوزة منك خدمة خاصة ليا. استغرب جواد قائلاً بمزح: خدمة خاصة؟ بس أحب أقولك معنديش وسايط. ابتسمت إيلاف قائلة: لأ، متخافش، دي مش وسايط، تقدر تقول خدمة إنسانية. تساءل جواد بفضول: وأيه هي الخدمة الإنسانية دي. قبل أن ترد إيلاف، أتت إلى مكان وقوفهم
إحدى العاملات قائلة بلهفة: الحق يا دكتور جواد، في مشكلة في غرفة الاستقبال بتاع المستشفى. هرول جواد نحو غرفة الاستقبال، كذلك إيلاف بفضول منها. دخل جواد إلى غرفة الاستقبال قائلاً بحدة: فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا. رد أحد الموجودين: الست دي معاها تحويل طبي وحالتها تستلزم حجزها في المستشفى. رد جواد بهدوء: تمام، وأيه المشكلة في كده؟ لازمته إيه الزعيق ده؟ وممكن تديني جواب تحويل الدكتور اللي معاك.
نظر الشاب نحو المرأة بتوتر، ثم أخرج ورقة من جيبه وتردد أن يعطيها لجواد قائلاً: الدكتور ناصف هو اللي حولنا لهنا، حتى قال إنه هيسبقنا على هنا عشان يتابع حالة أمي بنفسه. رد جواد بهدوء: تمام، ممكن أشوف التحويل؟ يمكن أنا اللي أتابع حالة المريضة بنفسي. أعطى الشاب جواب التحويل الطبي لجواد على مضض. قرأه جواد قائلاً: تمام، يا ريت كل اللي في الأوضة يطلعوا بره، أنا اللي هكشف على المريضة بنفسي وأشخص حالتها. توترت المريضة،
كذلك ابنها الذي قال: زمان الدكتور ناصف هيوصل وهو اللي متابع حالة أمي. رد جواد بحدة: أنا مدير المستشفى، وقولت الكل يطلع بره، مش عاوز في الأوضة غير المريضة، وإلا هرفض استقبالها وهنادي للأمن يخرجك إنت وهي بره المستشفى. ارتبك الشاب قائلاً: تمام يا دكتور. خرج جميع من بالغرفة عدا المريضة. إيلاف ظلت واقفة بفضول. تنهد جواد قائلاً: لو سمحتِ يا دكتورة، ممكن تتفضلي تسيبني مع المريضة. شعرت إيلاف بالحرج قائلة: تمام.
بعد قليل، خرج جواد من غرفة الاستقبال قائلاً للشاب: حالة مامتك كويسة، ميلزمهاش حجز المستشفى، دي كانت كارشة نفس وخلاص راحت. تقدر تاخدها وتخرج دلوقتي. تعصب الشاب وبدأ في الصياح والاتهام لجواد، بأنه يخل بعمله حسب هواه. بينما مثلت المريضة أنها تختنق. لكن جواد لم يرفق بهم وقام بطلب أمن المشفى لهم. استغربت إيلاف ذالك وصدقت كذبة الشاب ووالدته التي ما زالت تدعي المرض وبلا شعور منها تعصبت على جواد قائلة:
ليه رفضت تستقبل الست تتعالج في المستشفى؟ ده يعتبر تعسف منك. نظر لها جواد وقبل أن يدافع عن نفسه، أتى ناصف الذي أشعل فتيل الغضب قائلاً: فعلاً، ده تعسف منك يا دكتور. أنا متابع حالة الست من فترة وهي محتاجة تتعالج، وإمكانياتها بسيطة. نظر له جواد وقبل أن يتحدث، اندفعت إيلاف نحو تلك السيدة التي مثلت المرض الشديد بخبرة منها، وأنها كادت تسقط أرضًا، لكن لحقتها إيلاف وسندتها ونظرت نحو جواد بحدة قائلة باستخفاف:
ليه رافض إن الست تدخل للمستشفى. رد ناصف بكذب: عشان خاطر أنا اللي محولها للعلاج هنا، عاوز يعمل نفسه إنه الوحيد اللي بيعمل خير، وبيساعد المرضى المحتاجين. تعصبت إيلاف وصدقت كذبة ناصف قائلة: فعلاً، ده تعسف منك، الست مش قادرة تقف على رجليها. زفر جواد نفسه بغضب قائلاً: تمام، أنا هاأذن بدخول الست للمستشفى بس مش قبل ما يتم عليها الكشف من دكتور تاني، وإنتِ اللي هتبقي المسؤولة عنها.
قال جواد هذا وغادر المكان بعصبية مفرطة، بينما ارتبك ناصف قائلاً: خليني أنا أكشف على المريضة، أنا عارف تشخيص حالتها كويس. ردت إيلاف بتحدي: لأ، أنا اللي هكشف عليها وهقدم التقرير اللازم بحالتها. بمنزل صلاح بجناح جاويد خرج من الحمام، نظر باستغراب لتلك المفارش الموضوعة على أرض الغرفة جوار الفراش، كذلك بعض الوسائد... تساءل جاويد باستغراب: إيه المفارش المفروشة عالأرض دي. تسطحت سلوان على تلك المفارش قائلة:
أنا هنام عليها، عشان لما بنام جنبك بحلم بكوابيس. ضحك جاويد قائلاً: تعرفي إني وأنا نايم بتقلّب كتير عالسرير وأنا نايم وممكن أقع من عالسرير. لم تبالِ سلوان بحديث جاويد وجذبت دثار فوقها وأغمضت عينيها قائلة: اطفي نور الأوضة. ابتسم جاويد بمكر وخفض إضاءة الغرفة، ثم تسطح على الفراش. تنهدت سلوان قائلة: ليه سايب نور في الأوضة. رد جاويد بمكر: سايبه عشان لما تحلمي بكوابيس.
نظرت له بغضب واستهجان صامت. أدارت ظهرها له وأغمضت عينيها لدقائق قبل أن يتخابث جاويد وهو ينظر ناحية سلوان وجدها مغمضة العين. انتهز الفرصة، وألقى بجسده من فوق الفراش فوق جسدها. تأوهت بألم تشعر بوقوعه من على الفراش المتعمد منه، شعرت بثقل جسده فوق جسدها بألم قائلة: آي. دفن جاويد رأسه بين حنايا عنقها يخفي بسمته الماكرة، بينما هي زمّت شفتيها ما زالت تشعر بألم بسبب سقوطه عليها قائلة بتهجم:
أنا سيبت لك السرير تنام عليه لوحدك. رفع رأسه عن عنقها يحاول إخفاء بسمته قائلاً ببرود: وأنا حذرتك وقولت لك إني بتقلّب كتير وأنا نايم وممكن أقع من فوق السرير عالأرض. تنهدت بتذمر، تزم شفاها تحاول دفع جسده عنها قائلة باستهجان وأمر: تقع عالأرض مش تقع فوقي، بعدين قوم من فوقي، أنا متأكدة إنك قاصد تقع فوقي.
لم يستطع إخفاء بسمته أكثر من ذالك، بالأخص حين حاولت دفع جسده بيديها. أمسك يديها ورفعهم فوق رأسها يضمهما بقبضة يد واحدة واليد الأخرى بدأ بسبابته رسم ملامح وجهها إلى أن وصل أسفل ذقنها، ورفعه قليلاً، ثم تركزت عيناه بعينيها. ابتسم على حركتها الزائدة وزمها لشفاها تحاول سحب يديها من قبضة يدهُ، لكن فشلت قائلة باستهجان: سيب إيديا وقوم من فوقي ومتفكرش مهما تعمل حركاتك مفضوحة وعمرك ما هتوصل للهدف اللي في دماغك.
ضيّق عينيه بمكر واقترب بأنفه من أنفها عن قصد منه، حك أنفه بأنفه، ثم رفع وجهه قليلاً تمركزت عيناه على شفاها، ثم عاود حك أنفه بأنفها مرة أخرى يتنفس من أنفاسها المضطربة، يشعر بخفقات قلبها العالية أسفل جسده، هو مثلها تزداد خفقات قلبه بصخب. شعرت هي بتشتت بسبب أنفاسه الساخنة التي تشعر بها فوق شفاها. تمركزت عينيها على شفاه، تاه عقلها، هو يجيد المكر. أجفلت عينيها للحظة تنتظر منه أن يقبلها. لكن شعر بزهو حين أغمضت عينيها
واقترب بأنفاسه أكثر فوق شفاها. لكن بلحظة غفلة منها، نهض واقفًا وجذبها من عضديها تقف بين يديه. زادت تلك الغفلة التي كانت بها بخضة أفقدتها الباقي من إحساسها، كأنها لا تشعر بجسدها ولا بأي عصب متماسك به، تشعر بانصهار جسدها. لولا أنه يضمها لكانت عادت هوت أرضًا تائهة الوجدان، حتى أنها لم تشعر بإنسدال الجزء العلوي من منامتها وخلفه بعض من ملابسها الداخلية أرضًا، وأنها بين يديه نصف عارية. ثم حملها ووضعها فوق الفراش وجثى
بجسدها فوقها.
شعرت سلوان بقشعريرة في جسدها لكن عادت من تلك الغفلة وشعرت بالحياء وحاولت دفع جسده عنها بغيظ، لكن أمسك جاويد يديها قائلاً: أنا سهل عليا آخد جسمك يا سلوان وهيبقى برضاكِ، بس أنا عاوز ده قبل ده. وضع جاويد كف يده فوق قلب سلوان، بعدها أشار بيده الأخرى على جسدها. تهكمت سلوان باستهزاء قائلة بقصد: "موهوم طماع يا... يا جلال".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!