تحميل رواية «شهد الحياه» PDF
بقلم زيزي محمد
الفصل 4 — رواية شهد الحياه الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، بمنزل مكون من عدة طوابق، توجد شقة. تقف بطلتنا أمام المرآة تتحدث مع نفسها. تدخل والدتها، السيدة سميحة، وتردف بعتاب: _ ليه كدا يا شهد، تردي على أبوكي بالطريقة دي، أنا ربيتك على كدا. تنظر شهد إلى صورة والدتها المنعكسة في المرآة وتتحدث بعصبية: _ دا مش أبويا، دا جوز أمي، في فرق الله يكرمك يا ماما. تزفر والدتها بقلة صبر وتردف: _ ارحميني يا بنتي، مش موال كل يوم، هو مش رباكي من صغرك وعلمك وكمان... تقاطعها شهد بحدة: _ ماما مين دا اللي رباني، مين دا اللي علمني. الشقة دي شق...
رواية شهد الحياه الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
كانت تقف بهمة ونشاط في المطبخ وتقطع الخضروات لإعداد السلطة. لقد علمت من خالتها مسبقًا أن رامي يعشق السلطة بجانب الطعام. شردت بذهنها إلى ليلى، أين ذهبت وما حل بها. لم تنتبه للسكين الحاد الذي بيديها، جرحت نفسها وأصدرت آه خفيفة إثر جرحها.
أسرعت نحو الماء وفتحت الصنبور، وحاولت تنظيف يديها. تنهدت بتعب واردفت بهمس: "جيب العواقب سليمة يارب، يارب احميها دي غلبانة وحزينة، وملهاش حد، يارب كون معاها وابعد عنها الشر."
انتبهت على صوت حمزة: "بابا الحق شهد عورت نفسها بالسكينة وفي دم بينزل منها."
هتفت سريعا: "لا يا حمزة أنا كويسة."
اندفع رامي لداخل المطبخ بقلق: "سكينة إيه اللي عورتي نفسك بيها، أوعي كدا إيدك."
سحبت شهد يديها بسرعة: "مفيش حاجة في إيدي، دي تعويرة بسيطة."
جذب رامي يديها بغضب وأدارها حيث الجرح وطلب من والدته علبة الإسعافات. قام بتنظيف إصبعها. تسربت الدماء إلى وجه شهد من فرط الإحراج. أنهى رامي عمله وقام بغسل يديه واردف بحدة: "مبتعرفيش تدخلي مطبخ، قولي، محدش غصبك تدخلي."
سرعان ما غضبت شهد من هجومه: "لا بعرف أدخل المطبخ، وشاطرة كمان."
نظر لها بتهكم وقال: "أمال حضرتك عورتي نفسك إزاي يا شاطرة."
تقلصت ملامح شهد بغضب واردفت: "انت بتكلمني كدا ليه، ماتهدى على نفسك شوية."
كان على وشك الرد ولكن فاجأه امتنع عن الرد وأمر حمزة بالخروج من المطبخ والذهاب إلى غرفته. وقفت صفاء على أتم الاستعداد لتدخل في الوقت الحاسم. انتظر رامي ثواني حتى خرج حمزة، ثم اندفع بغضب نحو شهد واردف بغيظ: "بقولك إيه أنا هنا ليا احترامي، اياكي ثم اياكي تفكري تقللي مني، هاديلك فوق دماغك، مش على آخر الزمن، هاتيجي انتي وتهزقيني قدام ابني وأسكتلك مثلا."
اقتربت شهد وقالت بتحدي: "طيب كويس إنك عارف إن هزقتك."
اصطبغ وجه رامي باللون الأحمر واتسعت عيناه من وقاحتها: "انتي واحدة....."
قاطعه حديثه صوت صفاء الحازم: "كفاية يا رامي، كفاية انتو الاتنين، إيه داخلين حرب، اعتذري يا شهد لرامي، مش رامي دا في مقام أخوكي الكبير بردوا." وقالت حديثها الأخير بغمزة خفيفة من عينيها، انتبهت لها شهد على الفور حاولت كتم ضحكتها.
نظرت له مردفة بحزن مصطنع: "صح أنا آسفة يا رامي يا أخويا."
***
"ما شاء الله جميلة زي ما وصفك ليا كريم بالظبط."
تسربت الدماء إلى وجه ليلى واخفضت بصرها على استحياء. لا تعرف شعورها بالإحراج من حديث والد كريم السيد "جمال"، أم محرجة من نظرات كريم لها. ساد الصمت في الغرفة. نظر جمال لكريم نظرة ماذا بها، حرك كريم شفتيه دون إصدار صوت (مكسوفة).
هتف جمال وقال: "بقولكو قومو ناموا، أنا أخدت دوا واتعشيت وخلاص هنام."
هتفت ليلى بتعجب: "بس لسه بدري."
ابتسم جمال بلطف: "لا أنا راجل كبير ودقة قديمة وبنام بدري."
نهض كريم من جلسته وذهب باتجاه ليلى وقام بمحاوطتها بيديه: "طيب يا بابا تصبح على خير."
أخذها كريم وخرج من الغرفة. وفور خروجهما ابتعدت ليلى بسرعة. نظر لها بضيق واردف: "لدرجادي مش طايقة لمستي يا ليلى."
تحدثت ليلى بصوت منخفض للغاية: "وانت لدرجادي مش حاسس أنا حاسة بإيه، انت دكتور، ومش دكتور عادي، دكتور نسا وتوليد، يعني انت عارف إحساسي كويس، ولو مكنتش عارفه، أحب أعرفهولك يا دكتور كريم، أنا بقيت كارهة أي راجل، وأي نظرة من راجل وأي لمسة، أو حتى أي همسة، سواء بقى الراجل دا انت أو غيرك، كلكم واحد."
نظر لها بغضب، ثم تجاهلها ودلف غرفته. حدقت هي في أثره وغمغمت: "يووه شكلي عكيتها ولا إيه، بس أنا صح لازم يعرف حدوده كويس."
***
في منزل رامي المالكي.
قهقهت صفاء بصوت عالي: "يالهوي عليكي يا شهد، والله دمك خفيف."
اتسعت ابتسامة شهد واردفت: "ماهي تستاهل يا خالتي، جاية تتنصح عليا، قمت مديها أم حسين الهبلة دي، فاكرة هاتضحك عليا، دا ولا هي ولا عشرة زيها."
ربتت صفاء على يد شهد: "بتفكريني بأبوكي، كان يحب الحق زيك."
تلاشت ابتسامتها، ثم ترقرق الدموع في عينيها وقالت: "حتى عم أحمد كان طيب وغلبان أوي يا خالتي، موته كسر حاجة جوايا، كان بيسمعني لما جوز أمي يجي عليا، كان بيقويني، يعز عليا إنه مات وفاكر إني فضحت بنته، أنا مش كدا يا خالتي، أنا لا يمكن أخون حد أكلت معاه في نفس الطبق."
صمتت صفاء عقب حديث شهد. أزالت شهد دموعها بطرف كم ثيابها ورفعت صينية الشاي واردفت بهدوء: "ننسى بقى الزعل، من وقت ما جيت وأنا منكدة عليكوا، هاروح أطلع الشاي لرامي."
قالت صفاء: "طيب روحي أوضته، وأنا هاكلم ميمي بنتي على النت."
وقفت شهد على عتبة باب غرفة رامي، وتنفست بهدوء وقالت لنفسها: "عامليه حلو يا شوشو، دا مهما كان أكبر منك وعيب، أي نعم هو رخم، ودمه تقيل بس هاعمل إيه، وعلى رأي المثل، إيه اللي رمك على المر اللي أمر منه."
طرقت الباب بهدوء، سمعت صوت رامي يأمرها بالدخول. دلفت بهدوء رأته يتحدث في الهاتف، أشار هو إلى المنضدة، لكي تضع الشاي عليها، ذهبت ثم وضعتها ولكنها لم ترى تلك الأقلام الموضوعة بعشوائية على المنضدة، تحركت الصينية ثم وقع الشاي على الأوراق. انتبه رامي إلى صوت كسر كوب الشاي، استدار بسرعة، جحظت عيناه، ألقى الهاتف من يده، ابتلعت شهد ريقها بخوف، وارتدت إلى الخلف.
***
في منزل كريم.
بدل كريم ثيابه بثياب مريحة، ثم وضع الغطاء على الأريكة، وخرج من الغرفة. في نفس وقت خروجه، خرجت ليلى من المرحاض. لاحظت الغطاء الموضوع على الأريكة، ذهبت باتجاهها وجلست عليها حتى دلف كريم مرة أخرى بصحن من السندوتشات ووضعه أمامها وقال: "كلي، انتي تقريبًا طول اليوم مأكلتيش حاجة."
نظرت للاكل، ثم رفعت بصرها لكريم واردفت بصوت هادئ: "هو انت زعلان مني يا دكتور، أنا حقيقي مقصدتش الكلام دا، بس، بس أنا....."
اقترب كريم أكثر من ليلى وابتسم: "أنا حاسس بيكي وبإحساسك، ليلى أنا معاكي لآخر نفس فيا، هاخليكي تحبيني، زي ما أنا بحبك."
دق قلبها بعنف وتوترت وقالت: "طب ممكن أنام."
همس كريم وقال: "طيب كلي الأول، وبعدين روحي نامي على السرير، أنا هنام على الكنبة."
هرب الكلام من على شفتيها وابتعدت ببصرها عنه، أنفاسه الساخنة لفحت وجهها، أدت إلى توترها. سحقًا للأيام، سحقًا للظروف، من هي ليلى؟ مجرد فتاة، تعمل كممرضة في المشفى، فتاة فقدت أعز ما تملك في ثوانٍ، ومن أمامها أوسم رجل، وأحن رجل، ولكن تلك الحادثة تركت أثرًا في نفسها، تركت الضعف، وعدم الأمان، والخوف. خسرت نفسها، خسرت أباها، خسرت بيتها، خسرت كل شيء. ذاك هو شعورها، شعور صعب التغلب عليه.
***
"ما خلاص بقى، مكنش شوية ورق وقع عليه شاي."
تقلصت ملامحه بغضب عقب جملتها: "تعرفي أنا نفسي أعمل فيكي إيه، نفسي أموتك، انتي ضيعتيني."
رفعت حاجبيها ببرود وقالت: "تموتيني عشان شوية ورق."
فتح رامي باب الغرفة، ثم صاح بصوت عالي: "مامااا."
دلت صفاء على أثر صوته: "في إيه يا رامي."
أشار لها رامي بغضب على الورق وقال: "شفتي ست الحسن والجمال هببت إيه، كبت الشاي على الورق بتاع المشروع."
زمت صفاء شفتيها بضيق: "معلش يا رامي، أكيد غصب عنها."
زفر رامي بضيق واردف: "بصي خليها ملهاش دعوة بيا ولا تكلمني ولا كأننا شايفين بعض من الأساس."
رمقته باندهاش عقب جملته: "يالهوي دا العقل زينة والله، مكلمكش عشان شوية ورق ممكن يتكتب تاني."
ضحك رامي بسخرية: "ماهو أنا أقولك إيه وإنتي واحدة جاهلة مش فاهمة، دا ورق مشروعي اللي عندي أهم من واحدة زيك."
رمقته بغضب، ثم تركت الغرفة دون كلمة واحدة.
رفع رامي حاجبيه ببرود وقال: "مالها دي، اتقمصت مرة واحدة ليه؟"
هتفت صفاء بعتاب: "ينفع يا رامي تقولها جاهلة، دي كلمة تقولها."
اتسعت عيني رامي باندهاش: "هو انتي إيه يا ماما، يعني كبت الشاي على الورق اللي بقالي شهور بعمل فيه وإنتي تقوليلي، بتقولها كدا ليه."
جلست صفاء بهدوء: "اقعد يا رامي، عاوزة أتكلم معاك."
جلس رامي أمامها وقال: "خير."
قالت صفاء بحذر من ردة فعله: "ميمي أختك كلمتني، والدكتورة حددت معاد ولادتها كمان شهر، ويعني قالتلي طه جوزها ها يحجزلي عشان أسافر لها."
عقد رامي حاجبيه واردف: "تسافريلها ليه؟"
تنهدت صفاء وقالت: "عشان يا ابني أكون معاها وقت الولادة وكمان بعد الولادة وأرعى بناتها، انت عارف كويس ظروف طه الأيام دي والشركة بتنزلهم على غلطة، وهو محتاج يركز عشان يثبت نفسه كويس، ولو نزلها محتاج فلوس كتير أوي ليها ولبناتها."
قال رامي بضيق: "طيب وأنا يا ماما ومشروعي وحمزة محتاج اللي يراعيه، هاتسيبنا إزاي."
ردت صفاء سريعًا: "ماهي شهد أهي ما شاء الله عليها هاتأخذ بالها منكم."
هتف رامي بذهول: "انتي عاوزة تسيبنا مع شهد دي لوحدنا، لا يا أمي مينفعش وبعدين تاخد إيه، دي بقالها يوم واحد، وبتعمل كوارث في البيت."
أردفت صفاء بعتاب: "اخص عليك يا رامي، أمال نرميها في الشارع، وهي ملهاش مكان، وبعدين يا ابني دي ظروف غصب عني، أول بس ما ميمي تشم نفسها وتشد حيلها هاتلاقيني جاية، بص يا رامي أنا هاسافر السعودية لأختك، بس هاحملك أمانة في رقبتك ليوم الدين وهي شهد، أمها سمعت كلام جوزها حسني الكلب وطردوها من بيت أبوها، هي آه هبلة وتبان شعنونة بس من جواها غلبانة وضعيفة، وبعدين يا رامي إحنا واجبنا نحافظ على لحمنا ودمنا، عاملها زي ميمي أختك."
كان على وشك الرد لولا طرق الباب ودخول شهد وفي يديها حقيبتها. نظرت له بضيق، ثم حولت بصرها لخالتها واردفت: "خالتي أنا هامشي بقى، شكراً على حسن ضيافتكم ليا."
هتف رامي سريعًا: "تمشي تروحي فين؟"
تجاهلته شهد ووجهت حديثها لصفاء وقالت: "بلاد الله واسعة يا خالتي، ها أدور على مكان أقعد فيه ومتهنش فيه."
انتفض رامي من جلسته وهتف بحدة: "بقولك يا شهد بصيلي وأنا بكلمك، أنا موتي وسمي اللي يتجاهلني."
نظرت له بتحدي واردفت: "كان في حد عزيز على قلبي علمني حكمة، قالي اللي يهينك يا شهد مترديش عليه الإهانة، اتجاهليه وده أقوى رد له."
اقترب رامي واردف بتحدي مماثل: "طب كويس إنك عارفة إني هنتك."
هتفت شهد سريعًا بذهول: "انت بتردهالي!"
غمز لها رامي بخفة وابتسم: "روحي ارجعي على أوضتك وبطلي جنان، تروحي فين يا عسل، بصي من اليوم اللي دبت رجلك فيه في البيت ده، مش هاتطلعي إلا على بيت جوزك."
ابتسمت صفاء بلطف: "خلاص بقى يا شوشو، وبعدين مين هاياخد باله من رامي وحمزة وأنا مسافرة."
هتف شهد سريعًا بفضول: "ليه هو انتي هاتروحي فين يا خالتي؟"
دفعهم رامي خارج الغرفة وقال: "لا اتكلموا برا براحتكم، أنا ورايا شغل كتير ولازم أخلصه."
***
تقلبت ليلى في الفراش يمينًا ويسارًا، عيناها لم تذق طعم النوم لمدة يومين، حتى النوم يجافيها. تنهدت بصعوبة. نظرت لكريم وجدته مستغرقًا في نومه. قامت بهدوء من الفراش وخرجت بهدوء من الغرفة. نظرت في أرجاء المنزل الضخم، ابتسمت بسخرية. سألت نفسها هل هذا تعويض عن ما حدث لها، أم أنها سوف تعيش خسارة ثانية. سمعت صوتًا يتحدث بهدوء، تحركت نحو مصدر الصوت، اكتشفت أنه خارج من غرفة والد كريم السيد "جمال".
طرقت الباب بهدوء ودلفت، وجدته ينظر لصورة في يديه والدموع تسيل من عينيه. شعرت ليلى بالإحراج لدخولها فهتفت: "آسفة يا عمو، بس سمعت صوتك، كنت بحسب محتاج حاجة."
أشار لها أن تأتي دون أن يزيل دموعه. تقدمت نحوه ووقفت على مقربة منه. أشار لها مرة ثانية أن تجلس بجانبه. شعرت بالتوتر ثم جلست. رفعت بصرها نحو تلك الصورة التي في يديه، وجدت امرأة غاية في الجمال، ممسكة بطفل صغير يضحك بسعادة. انتبهت على صوته قائلًا: "دي أم كريم، ناني، وده كريم وهو صغير."
نظرت له ليلى باستغراب واردفت: "اسمها ناني كدا على طول."
ابتسم جمال بحب: "آه كان اسمها الحقيقي، كانت تحب اسمها أوي، لدرجة هنا في سلاسل باسمها بأشكال دهب وفضة، ووصتني أشيلهم لبنت كريم، ووصتني كريم لما يتجوز ويخلف بنت، أخليه يسميها ناني، ويديها السلاسل دي ليها."
حركت ليلى أصابعها على وجه ناني والدة كريم واردفت: "شكلها كانت طيبة."
هز جمال رأسه مؤكدًا: "طيبة أوي، طب أقولك كانت أختي كريمة تضايقها بالكلام وكانت تضحك في وشها ولا تزعل ولا تشتكيلي، تعرفي ماتت وكريم عمره ١٠ سنين، عاش عمره من غير أم، دايما يشوفها في الصور، تعرفي وهو صغير كان بيجي ياخد صورها ويقعد في أوضته يتكلم معاها، بس لما كبر، بطل يعمل كدا، معرفش نسيها ولا زهق."
ترقرق الدموع في عينيها: "مفيش حد بينسى أبوه وأمه، بس تلاقيه مشغول بالحياة، بس هاتلاقيها جواه، محفورة جوه قلبه."
هتف جمال بأسف: "أنا آسف يا بنتي، نسيت أعزيكي، البقاء لله."
اندفعت ليلى نحو حضن جمال وبكت واردفت بصوت متقطع: "أنا، تعبانة أوي، أبويا، مات، سندي، مات."
ربت جمال على رأسها وحدثها: "اهدي يا بنتي، ده قضاء ربنا، إحنا مش في إيدينا حاجة، مسيرنا هنموت ونشوف كل اللي بنحبهم، وبعدين ربنا بيقطع من هنا وبيوصل من هنا، ربنا أخد منك أبوكي، وعوضك بكريم، كريم ابني حنين أوي وبيحبك أوي يا ليلى، كان بيجي يحكيلي عنك وعن جمالك وأدبك، بس دايما كان حزين عشان خطوبتك الأولى، بعدها جه وقالي إن خطيبك فسخ خطوبته معاكي."
تلعثمت ليلى وقالت: "آه، ماهو بعد موت بابا، محدش من أهله جه عزاني ودايما أمه بتعاملني وحش أوي، وهو مكنتش مهتم لموت والدي وكدا، وبعدين كريم لقيته بيقولي أتزوجني الصراحة استغربته أوي، لأنه والدي كان لسه متوفي."
هتف جمال موضحًا: "ماهو حكالي عنك، وأنا قلتله لو بتحبها اتجوزها متسبهاش لوحدها يا كريم، هاتها هنا وهي هاتحبك واحدة واحدة."
أردفت ليلى كاذبة: "آه ماهو طردوني من الشقة وأنا وافقت لأني كنت عارفة إن كريم بيحبني."
وضع جمال كفيه على وجنتيها: "مالك يابنتي وشك بقى كله أحمر ليه."
أردفت ليلى بتوتر: "مش عارفة، أنا هاقوم أغسل وشي وأنام."
ابتسم لها جمال: "طيب تصبحي على خير."
هتفت ليلى وهي تغلق باب الغرفة: "وانت من أهله."
وقفت خارج الغرفة تنظم أنفاسها المضطربة أثر كذبها المتواصل على والد كريم. هتفت لنفسها: "بدأتي تكذبي يا ليلى وكل ده خوف من فضيحتك."
***
حاول رامي النوم ولكنه لم يستطع. فتح نور الأباجورة الموضوعة بجانبه، وجلس نصف جلسة، وتنهد بضيق ثم هتف: "اطلعي من دماغي بقى يا شهد، ياريتك ما جيتي ولا شوفتك تاني."
(فلاش باااااك)
أوقف رامي سيارته جنبًا وترجل منها وتحدث في الهاتف: "خلاص يا ماما فهمت، لو جوزها شفته مكلموش، يالا اقفلي بقى عشان أنا داخل على العمارة."
أغلق رامي مع والدته، ثم دخل العمارة وصعد أول الدرج، ونظر في هاتفه، وجد كثير من الاتصالات، وكانت من زوجته أميرة، ثم شعر رامي باصطدام جسد صغير به. رفع بصره وجدها فتاة، سبحان من صورها، ملامحها رقيقة، أنفها صغير، فمها مكتنز، وخصلاتها السوداء المتمردة من حجابها، خمرية البشرة. انتبه أخيرًا على صوتها.
"انت يا أخينا هاتقعد كتير تتأمل فيا."
حمحم بحرج وقال: "احم، معلش، اعذريني كنت باصص في التليفون."
"لأ عادي، بس ابقى ركز بعد كدا."
ولمرة أخرى شرد رامي في ملامحها حتى انتبه لصوت ضحكتها مع فتاة أخرى.
"دايمًا كدا يا شهد متأخرة."
ضحكت شهد: "آه التأخير مرض فيا."
حدق في أثرها وغمغم: "شهد."
رفع أبصاره للطابق العلوي، ثم صعد الدرج المتبقي وطرق الباب. مرت ثوانٍ، وكانت سميحة تفتح الباب. دلفت رامي وبعد السلامات والمحادثات البسيطة والسؤال عن حالها، والاطمئنان عليها، تفاجئ بنفسه يسألها: "هي مين شهد يا طنط."
ضحكت سميحة: "يووه، انت شوفتها."
ضيق رامي عينيه بتركيز وقال: "آه تحت، كانت بتضحك ونازلة من هنا."
هتفت سميحة موضحة: "آه أصلها رايحة المكتبة لعم أحمد، بتشتغل شغلانة خفيفة كدا عشان متحتكش بحسني جوزي، أصلها ولا بطيقه وهو ولا بطيقها."
ثم تابعت: "هي كلمتك على السلم."
هز رامي رأسه نفيًا واردف بحرج: "أصل خبطت فيا على السلم وبعدها جت صاحبتها وضحكت معاها ومشيت."
ابتسمت سميحة: "آه ملحقتش يعني تتعرف عليها، شهد دي شعلة نشاط وحركة، متعرفش تقعد هادية كدا ومطيعة، على طول بتناغشك، هي من صغرها كدا." ثم استطردت بحزن: "انت عارف أبوها كان دايما يقولي شهد دي المفروض كنت اسميها في شهادة الميلاد شهد الحياة."
باااااااااااك
عاد رامي من ذكرياته، ثم أبعد الغطاء وقام، ذهب نحو مكتبه وفتح درجه، ثم أخرج مجموعة أوراق، مكتوب بها بالخط العربي. بحث كثيرًا حتى رآها، أخيرًا، الورقة التي كان قد كتب فيها اسمها. نظر لها وابتسم واردف بحب: "شهد الحياة، وأي حياة، الورقة دي كتبتها يوم ما روحت وشوفتك وكان وقتها من ٨ سنين، عمرك ما روحتي من بالي ولا ملامحك فارقتني ولا اسمك فارقني."