الفصل 21 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
25
كلمة
5,014
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كانت والدته مذهولة من صوته العالي، لأول مرة تراه متعصبًا وحادًا بهذا الشكل. نظرت إليه وتساءلت: "مالك، آسر؟ إيه اللي معصبك بالشكل ده." وقف أمامها وأشار بيده بغضب: "مالي… عايزة تعرفي ليه صوتي عالي ومتعصب، هقولك ليه. انتِ المفروض تجاوبيني… على سؤال عشت سنين أسأله لنفسي بعد ما شفتك في حضن عمي قاسم." تجمدت ملامحها للحظة، قبل أن ترد بسرعة ونفي محاولة السيطرة على الموقف: "آسر، أنت بتتكلم عن إيه؟ أكيد ده محصلش. انت…"

لكنه لم يتراجع، اقترب أكثر وصوته يزداد حدة: "إيه اللي محصلش إزاي يعني؟ أنا شفتك بعيني يا ماما، وسكت مش عارف كان ضعف مني ولا تخاذل." حاولت والدته الحفاظ على هدوئها، لكنها شعرت بثقل الموقف: "اسمعني، آسر… أكيد اللي شوفته مش زي ما أنت متخيل. أنا كنت…." قاطعتها وهو يهز رأسه بحدة:

"إيه اللي مكنتش متخيله، أنا شوفتك في حضنه بعنيا منسجمة معاه عالسرير، وسكتت معرفش ليه، يمكن عشان أنا متخاذل… فعلًا أنا كده، وانتِ السبب، ليه رخصتي نفسك ورخصتيني معاكِ لـ عمي." نظرت إليه بعيون ممتلئة بالدموع، وقالت بصوت هادئ لكنه متوتر: "أنا فاهمة غضبك، آسر. لكن بلاش تظلمني. عمك كان بيواسيني في لحظة ضعف… أنا كنت صغيرة وقت ما باباك اتوفى وأحيانًا الواحد بيحتاج حد يقف جنبه."

ظل آسر يحدق بها بصمت لبضع لحظات، ثم ضحك بإستهزاء موجع قائلًا بنبرة منخفضة لكنها حادة: "كنتِ صغيرة وكان بيواسيكِ وإنتِ نايمة فى حضنه عالسرير عريا…" نهضت والدته واقتربت منه بخطوات حاسمة، ثم قالت بنبرة مهزوزة: "آسر، أنا مامتك…" قاطعها بعصبية:

"للأسف، انتِ أمي اللي صنعت مني شخص معدوم القرار والشخصية، شخص عديم المسؤولية، يرضى دايمًا بغيره يرسم له حياته.. زي عمي… وبعده ميسون… ميسون اللي عمي فرضها عليا عشان هي بنت صديق قديم له، وكمان موظفة نشيطة وخدمته كتير." توقف للحظة، يبتلع غصات قلبه التي تكاد تخنقه، ثم عاود الحديث بنبرة حملت مزيجًا من الحيرة والغضب: "والله أعلم هي كمان كانت موظفة بس ولا إيه بالظبط!

. أنا حاسس إني ضايع، ضايع بجد، نفسي يبقى ليا قرار… نفسي أحس إن حياتي تخصني أنا، مش قراراتكم… نفسي أحس إني أستحق." نظر إليها بعينين تملؤهما الدموع، لكن نبرته تحولت فجأة إلى إصرار لم يعهده من قبل: "بس خلاص كفاية، مش هسمح لحد يتحكم في حياتي تاني… مش هفضل طول عمري ضعيف واسمع لغيري… وأنسى نفسي… من النهارده، حياتي قراري… حتى لو غلطت… حتى لو الدنيا كلها ضدي، المهم أحس إني عايش لنفسي مش ظل لغيري."

توجه نحو الباب بخطوات واثقة لأول مرة منذ سنوات، ثم التفت نحوها قائلاً بهدوء حاسم ونبرة لوم: "وأنتِ يا ماما… كان ممكن أكون حاجة أحسن… بس انتِ خلتيني نسخة مشوهة."

غادر، أغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا والدته غارقة في صمت يحمل مزيجًا من الذهول والندم. سالت دموعها سيلًا، الآن علمت سبب الفجوة التي كانت دائمًا تشعر بها بينها وبين ابنها الوحيد التي ضحت من أجله، وتهربه منها ورغبته الابتعاد عنها… أخطأت حين استسلمت لذلك الحقير قاسم، وشاركت في الفراش بعقد زواج عُرفي، بعدما استولى على أملاك زوجها بعقد تنازل من أخيه، ربما ضعفت وأعماها الطمع بمستوى رفاهية عالي، كان من السهل الاستغناء عن ذلك.. وتعيش مع آسر بعيدًا بمستوى رفاهية متوسط أو حتى دون رفاهية براتب معاش زوجها الراحل من مهنته كمهندس مدني.. لكن أغشتها المظاهر.

*** بشقة صهيب ابتسم لوالدته التى دلفت عليه بالغرفة قائلة بعتاب: "حضرت العشا عالسفره، إنت جاي أجازة ولا جاي تكمل شُغل هنا." ترك ما كان بيده على الطاولة ثم استدار لها مبتسمًا يقول بإرهاق: "الشُغل مش بيخلص يا ماما." قامت بترتيب تلك الأشياء فوق المكتب ومسكت يده تجذبه. نهض معها، سحبته نحو الفراش وجلس الاثنان. تنهدت والدته بحنو وهي تربت على كفه قائلة: "يا بني، أنا عارفة إنك مجتهد في شُغلك، بس ماينفعش تنسى نفسك بالشكل ده."

ابتسم لها بتعب قائلًا: "الشغل زايد شوية الفترة دي." ردت بنبرة أكثر عتابًا: "شوية؟! ده حتى وإنت هنا، بالك مشغول طول الوقت. أنا نفسي أشوفك مرتاح و…." فهم إلى ماذا ستلمح، فأسرع بتقبيل يدها. احتضنته بحنان وربتت على كتفه قائلة:

"ربنا يقويك يا حبيبي، ويهدي بالك… بس افتكر إن صحتك وسعادتك أهم من أي حاجة… والعُمر بيمر، وكفاية لازم تستقر حياتك مع زوجة حتى تاخدها معاك هناك، آخر اليوم تلاقي اللي تهون عليك تعبك، تشاركك همومك وأحلامك… الدنيا يا ابني ما بتكملش لوحدها، والبيت من غير شريكة حياة ملوش روح." تنهد بإستسلام: "عارف يا ماما، بس كل حاجة بتيجي بوقتها. يمكن لسه ما جاش النصيب وأقابل اللي أحس إنها هتتحمل إني أشركها في حياتي دي." تنهدت والدته

وأجابت بإصرار ممزوج بالحب: "النصيب ما بيجيش لوحده، لازم تدور عليه وتفتح قلبك… إنت مش صغير، ولا شغلك دايمًا هيكون عذر… فكّر، يا ما بنات تتمنى واحد زيك، وربنا بيكملها لما البني آدم ياخد خطوة." ضحك بخفة وهو ينهض: "حاضر يا ماما، وعد هفكر في كلامك." ردت بابتسامة مطمئنة وهي تشير نحو الباب: "طيب، يلا دلوقتي على السفرة… أكيد جعان."

سار خلفها مبتسمًا، يحمل كلماتها في ذهنه، لكنه يعلم أن الأمر ليس بتلك السهولة التي تبدو عليها في عيني والدته. بعد قليل كانت فرصة والدته بعدما استطاعت تلين جزء من عقله. تحدثت مباشرة: "صهيب إيه رأيك، أخت مرات أخوك أنا شايفه إنها مناسبة لك." رفع رأسه عن الطعام ونظر لها لثوانٍ صامتًا. ابتسمت وعادت تتحدث بنبرة إلحاح:

"بص إنت طول ما أنت كده مش متردد تاخد القرار هتفضل رافض، جرب ومش هتخسر في فترة خطوبة تقدر فيها تقيم أولوياتك، أنا هكلم والد مرات أخوك والمح له وإن لقيت استجابة نعمل خطوبة لفترة إيه رأيك."

ما زال صامتًا، عقله يفكر، ليس بشأن الخطوبة لكن بشأن تلك المشاعر غير المفهومة لديه بالفترة الأخيرة، مشاعر بطلتها "فايا" تلك التي يشعر بتناقض شخصيتها وأفعالها. نفض ذلك عن رأسه ونظر لبسمة والدته فأومأ برأسه، هو حقًا يشعر بالتشتت بالفترة الأخيرة، ربما ينتهي ذلك. انشرح قلب والدته وتفوهت بتأكيد: "هتصل على مرات أخوك الصبح وأخدها ونروح، يمكن نقرا الفاتحة قبل ما ترجع من الأجازة والأجازة الجاية تبقى الخطوبة."

كاد يعترض لكن فرحة والدته وتصميمها جعله يصمت مُرغمًا. *** بالمزرعة كانت الفرحة كأنها لحظات مسروقة من الزمن، لم تدوم بدخول سماح التي لاحظت مظاهر خاصة تشبه حفلات عقد القران البسيطة. شعرت بحقد، وتفوهت بإستهجان قوي ومبالغ: "إنتم عندكم فرح، ويا ترى فرح مين ونسيتوا تدعوا عمتكم." تباينت نظرات عينيها لهم جميعًا بعدما اختفت البسمة على وجوههم وأصبحوا ينظرون لبعضهم، فاستطردت حديثها بإستهجان:

"آه صحيح، أنا عارفة إن أنا مابقاليش مكان وسطكم، بعد موت أخويا بس على الأقل كان واجب تقولوا لي، ولا خلاص بقت العيلة، من باب صلة الرحم، ولا حتى باقي معرفة.. يا ترى بقى الفرحة دي تخص مين؟ فايا ولا فراس." صمت من الجميع، بينما سماح لفت نظرها مسكة يد خليل لـ جنات. اسودت عينيها وتهكمت قائلة: "إيه الحنية دي، هو بقى الفجر علني كده."

كانت نظرتها مسلطة على جنات التي شعرت بارتباك وحاولت سحب يدها من يد خليل لكن خليل تمسك بيدها. رفعت جنات وجهها تنظر لـ خليل الذي نظر لها نظرة دعم، ثم نظر إلى سماح وكاد يتحدث لكن هي سبقته بوقاحة تدعي الذهول: "لاء… مستحيل… الحفلة دي عشان جواز خليل وجنات…" توقفت للحظة. أصبح الجو مشحونًا بالانفعالات، ولم يعرف أحد كيف ينهي هذه المواجهة التي بدت وكأنها انفجار مكبوت منذ سنوات. ثم صوتها حادًا كالسيف، يشق الصمت:

"مش معقول المفاجأة دي، إزاي قدرتي تعملي كده، بالسرعة دي نسيتي فريد؟ فريد اللي دايب فيكِ." توقفت مرة أخرى ونظرت نحو فايا وتاج. نظرت لهن بإستهزاء قائلة: "وأنتم نسيتوا فريد اللي أنتم من دمه وصُلبه، ولا إنت يا فراس فين نخوتك، إزاي…" كادت تزيد في وقاحتها لكن تاج لم تتحمل واقتربت منها بغضب قائلة:

"آخر واحدة تتكلم عن بابا هو إنتِ. أوعي تفكري آننا تايهين. إنتِ عملتي إيه في بابا لما غدرتي بيه وخنتي الأمانة وبعتي جزء كبير من أملاكه لـ قاسم، بس ربنا مش بيبارك في الحرام، حتى خد الحلال معاه. مامي حرة في حياتها تتجوز أو لأ. إنتِ مالكيش دخل. أوعي تفكري عشان إننا بنتعامل معاكِ بذوق يبقى مش عارفين حقيقتك البشعة والجشعة والمستغلة." ببجاحة ردت سماح:

"مستغلة… استغليت إيه بس هقول إيه طبعًا إنتِ لازم تدافعي عنها وتحرضيها. بس بقى يا ترى هتنام مع خليل في نفس الأوضة اللي كانت بتنام فيها مع فريد؟ هتعمل زيك ما إنتِ مجربة، وهيفرق معاكِ ليه ما إنتِ من حضن راجل لراجل تاني."

صدمة. لوهلة صمتت تاج تشعر بسهام تخترق قلبها، يئن بقسوة داخلها… ربما تلجم لسانها في هذا الوقت لكن شعرت فايا بغضب عارم. بلحظة رفعت يدها وكادت تصفع سماح لكن قبل أن تهبط يدها أمسك فراس معصمها الذي بداخله شعور بالغضب أقوى، لكن يعلم استفزاز عمته تود فقط إشعال فتيل نزاع… نظرت فايا إليه بحدة وكأنها تنتظر دعمه، لكن فراس ثبت نظره عليها بثبات، كأنه يقول دون كلمات: "لا تجعليها تنتصر عليك."

كان يدرك أن غضب فايا مفهوم، ولكن الرد بعنف سيمنح سماح ما تبحث عنه إثباتًا على ضعفهم أمام استفزازها… وها هو يثبت أنه امتداد دبلوماسية والده. نظر نحو سماح بسحق، نظرة تخلو من الود لكنها مشحونة بالرسائل. تنفس بعمق، متجنبًا الوقوع في الفخ الذي نصبته سماح بدهاء ببرود مصطنع قائلًا: "وجودك هنا غير مرغوب فيه، تحبي أنادي حد من الخدم يوصلك لباب المزرعة ولا إنتِ عارفة طريق الباب و…"

نظرت له بنظرة غضب تنزلق مثل سكاكين لو بيدها لغرستها في قلوب هؤلاء الثلاث. صمتها للحظة. ضجر منه فراس، لكن كانت تلك الصفعة على وجه فراس هي الرد من سماح. كادت فايا أن ترفع يدها لكن فراس جذبها خلفه ثم نظر لـ سماح بغضب مكبوت قائلًا: "الزيارة انتهت. وجودك أصبح غير مرغوب فيه. أنا لغاية دلوقتي باقي بس عشان صلة القرابة اللي إنتِ عمرك ما عملتِ حسابها." قال ذلك ثم نادى على إحدى الخادمات ثم نظر لـ سماح وتفوه للخادمة قائلًا:

"مع مدام سماح لحد بوابة المزرعة." غضب… كره… احتقار… حقد دفين يغلي بقلبها وهي تغادر تشعر بالدونية، بينما اقتربت تاج وفايا من فراس الذي ضمهن بين يديه.

بكت جنات، للحظات ندمت على زواجها من خليل الذي تسبب بذلك الألم الظاهر بعين تاج. سماح أهانتها وأوجعتها بضراوة، أمام جاسر بذكرها زيجتيها السابقتين، لكن شعرت بسعادة وفراس يدافع عن أختيه وبالنهاية يضمهن، حتى وإن رحل فريد لكن ظل خِصاله وحنانه بقلب فراس، الأخ الوحيد والاصغر لهن.. لكن الحامي الأول لهن.

بعد قليل هدأ التوتر، لكن تاج حايدت النظر لـ جاسر عمدًا، ربما ما زال حديث سماح مؤثرًا بها. لاحظت جنات ذلك، غص قلبها حتى أنها اعترضت على الذهاب مع خليل إلى شقته الخاصة، لكن فايا وتاج أقنعاها أن كل شيء بخير وعليها الذهاب معه وعدم التفكير بما عكر صفو الليلة. ….. بعد وقت

دخلت تاج إلى غرفة النوم دون جاسر الذي جاءه اتصال هاتفي. شعرت تاج بدوخة ووجع منبعه قلبها. كانت تخطط لليلة بأن تخبر جاسر عن حملها وتعلم رد فعله، لكن بعد ما حدث أصبحت غير قادرة على المجازفة وإخباره الليلة. كل ما توده الآن هو أن تحاول الاسترخاء واستجماع قواها لتفكر جيدًا في الخطوة التالية.. جلست تاج على حافة الفراش تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارعة، وأخذت نفسًا عميقًا تحبس دموعها..

دخل جاسر إلى الغرفة، كانت ملامحه مشدودة هو الآخر. لاحظ وجهها الشاحب… اقترب منها بسرعة وسألها بصوت يحمل قلقًا حقيقيًا: "تاج، إنتِ كويسة؟ وشك شاحب كده ليه؟ حاولت تاج أن تبدو طبيعية، لكنها لم تستطع منع نفسها من التراجع خطوة للخلف والجلوس بارتباك.. نظرت إليه بعينيها الممتلئتين بالحيرة وقالت بصوت خافت: "أنا بخير… بس يمكن تعبت شوية من اليوم كان طويل."

وضع جاسر يده بيدها يشعر أنها تحايد النظر له منذ حديث سماح الجاحف، لكن هو لم يهتم بحديثها واراد إخبار تاج بأن حديث سماح مجرد كلام لا قيمة له… وكذاك تاج. ترددت للحظة وكادت تخبره بحملها لكن طرق على باب الغرفة جعلها تصمت. نهض جاسر وذهب نحو باب الغرفة، فتحه سُرعان ما تبسم لـ رجاء التي مدت يدها بصنية صغيرة قائلة: "كوباية اللبن دي لـ تاج عشان تهدي أعصابها. عارفة إن كلام سماح مؤثر فيها. يلا تصبحوا على خير."

أومأ جاسر لها بابتسامة قائلًا: "وإنتِ من أهل الخير." أخذ الصينية وضعها على طاولة جوار الفراش ونظر نحو تاج التي ما زالت تحايد النظر له. كاد يقترب منها مرة أخرى لكن نهضت قائلة: "أنا مرهقة هأخد شاور وبعدها هنام."

وافق جاسر على مضض، لكنه ظل يراقبها حتى أغلقت باب الحمام. تنهد بأسف ربما اراد صفع سماح على كلامها السِم في طياته. ولو لم يحتوي فراس الموقف ربما كان له رد فعل آخر مع سماح الذي يكرهها منذ اول لقاء له معها. دائمًا كانت قاسية حقودة بوضوح. بعد قليل خرجت تاج من الحمام، توجهت نحو الفراش مباشرةً. نظر لها جاسر وهي تُزيح الدثار، تفوه بسؤال: "مش هتنشفي شعرك." أومأت تاج رأسها بـ لا ثم تمددت فوق الفراش قائلة:

"من فضلك إطفي نور الأوضة." فعل جاسر ذلك وأطفأ الضوء إلا من ضوء خافت… بينما تاج.

كل ما أرادته في هذه اللحظة هو أن تغمض عينيها، تهرب من صخب الحياة إلى غفوة تنفض عنها عبء الذكريات التي عاودت تضرب رأسها… ذكريات أثقلتها كالأغلال، مزقت قلبها بسهام حادة، انكمشت على نفسها كطفلة تبحث عن الأمان، ودموعها الحارقة تسيل كجمر ينهش عينيها، تسأل الصمت أن يبتلعها، أن ينسيها كل ما كان، تود لو تتلاشى، لو تذوب في العدم، بعيدًا عن كل هذا الألم. نبضات قلبها كانت مضطربة. شعرت بهبوط الفراش جوارها واقتراب جاسر الذي ضمها بيديه. شعر بنبضات قلبها العالية، رجف قلبه ضمها أقوى يقبل عنقها هامسًا:

"تاج الياسمين." أغمضت عينيها ولم تبالي. بداخلها شعور مختلط بين الأمان والخوف، بين الرغبة في الانهيار بين ذراعيه والهروب بعيدًا حيث لا تجدها آلامها. رددت في داخلها بصوت خافت متهكم: "تاج الياسمين"… واضح إن الياسمين ضعيف قصاد سهام الغدر. شعرت بأنفاسه الدافئة تعانق بشرتها، ويديه تشدها إليه كأنه يخشى أن تفلت منه.. همست أخيرًا، بصوت مبحوح كأن الكلمات تخرج من أعماق روحها المكسورة: "جاسر… أنا محتاجة أنام."

ضمها جاسر متحدثًا بنبرة دافئة. كلماته اخترقت حصونها المتهاوية، لكنها لم تستطع الرد.. فقط اكتفت بأن تستكين بين ذراعيه، تبحث في دفئه، كأنه ضماد لحظي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور يومين بشقة بمنطقة راقية

على فراش وثير، حيث امتزجت أنفاسهما في ظلال خافتة، كان ذلك الوغد يتأوه باسم "فايا"، يخرج الصوت من أعماق روحه وكأنه يستدعي شبحًا من ماضيه لم يمت بعد… وتلك الفتاة التي معه كأنها مغيبة العقل، تعيش اللحظة الجسدية فقط دون أن تعي مغزى كلماته… كان كل شيء يدور حول اللذة المؤقتة، لم تدرك أن اسمًا آخر يتردد في ذهنه وينطقه، وهي تتصرف بمجون.

يضمها أكثر، ولكن عقله شارد، يود لو يرى وجه "فايا"، ضحكتها التي طالما أشعلت روحه، ونظرتها التي لم تتركه أبدًا حتى عندما حاول الهروب منها… ليته نالها ذلك اليوم لكن تحكم سوء حظه.

أما الفتاة، فقد كانت تجهل المعركة التي يخوضها ذلك الحقير، ولم تكن ترى سوى اللحظة العابرة… تصرفاتها كانت مجرد انعكاس لرغبة غريزية، خالية من أي معنى عاطفي… كل كلمة، كل لمسة منه كانت تتخللها مسافة شاسعة بين أجسادهما..، توقف فجأة بعدما شعر بالإرهاق يلتقط أنفاسه، عينيه تنظران إلى تلك الفتاة بإشمئزاز بعدما كانت تغوص في عالم اللذة، دفعها بعيدًا عنه حتى أنها وقعت من فوق الفراش لكن ما زالت هائمة بما حدث، بينما هو نهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة ذهب إلى غرفة أخرى فتح جهاز حاسوب ونظر إليه لحظات حتى بدأ العرض. شعر بانشراح وهو يرى محتوى ذلك العرض.

على فراش وثير، حيث امتزجت أنفاسهما في ظلال خافتة، كان يتأوه باسم "فايا"، الصوت خرج من أعماق روحه وكأنه يستدعي شبحاً من ماضيه لم يمت بعد. الفتاة معه بدت وكأنها مغيبة العقل، تعيش اللحظة الجسدية فقط دون أن تعي مغزى كلماته. كان كل شيء يدور حول اللذة المؤقتة، لم تدرك أن اسمًا آخر يتردد في ذهنه وقلبه.

اقترب منها أكثر، ولكن نظرته كانت شاردة، تحمل أسئلة وألم دفين. في عقله، كان يرى وجه "فايا"، ضحكتها التي طالما أشعلت روحه، ونظرتها التي لم تتركه أبدًا حتى عندما حاول الهروب منها.

أما الفتاة، فقد كانت تجهل المعركة التي يخوضها قلبه، ولم تكن ترى سوى اللحظة العابرة. تصرفاتها كانت مجرد انعكاس لرغبة غريزية، خالية من أي معنى عاطفي. كل كلمة، كل لمسة منه كانت يقطع مسافة شاسعة بين أجسادهما. توقف فجأة. ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه، يشعر بإرهاق. نظر إلى تلك الفتاة بإشمئزاز، ثم قام بدفعها بعيدًا عنه حتى أنها سقطت من فوق الفراش وما زالت هائمة باللذة، نهض من فوق الفراش ذهب إلى غرفة أخرى جذب حاسوب وقام بفتحه وانتظر لحظات حتى بدأ العرض أمامه، شعر ببهجة.

تلك الفتاة التي كانت معه كانت اختيار موفق منه، فتاة بنفس حجم جسد فايا حتى لون وطول شعر، والتسجيل صورها من ظهرها وهو يتفوه باسم "فايا" والفتاة لا تعترض بل تتفوه بإمتزاج…

تنهد ظافر ولمعت عينيه مثل الثعلب وهو يعتقد بأن ذلك التسجيل المرئي قد يكون مفتاحًا ذهبيًا لقلب المعركة القادمة معه كسلاح قوي يهددها به… ابتسامة ظفر لم تكن عادية، بل تحمل في طياتها نصرًا خفيًا يعد له بعناية… كان يعلم أن تشابه الفتاة مع فايا ليس مصادفة، بل كان مخططًا دقيقًا لإثارة الغموض والشكوك. الفيديو الذي يحمل اسمها وصورتها، وإن لم يكن وجهها ظاهرًا، قد يصبح فتيل أزمة، وسلاحًا يتلاعب به لإضعافها.

بمكره المعتاد، يدرك أن الأمر ليس مجرد تهديد بصري، بل لعبة نفسية متقنة. *** منزل والدة جاسر تهكمت هالة على شأن زواج والدة تاج قائلة: "بدل ما تقعد مع ولادها، راحت اتجوزت، طبعًا لازم تشبع احتياجاتها الشخصية." نظر لها جاسر قائلًا: "كل واحد حر في حياته يا هالة والموضوع ميخصنيش." تهكمت ضاحكة:

"ميخصكش ليه مش حماتك الغالية، ولا بتقول كده عشان تكسب الرضا من تاج هانم، بس هقول إيه، واضح إن ده طبع ستات العيلة دي، الأم وبنتها، لأ قصدي البنت ومامتها… تاج هي اللي اتجوزت تلات مرات…" نهض جاسر واقفًا بغضب يقول: "دايمًا بتثبتِ إنك بتكرهي تاج ومش عارف سبب لده وهقولك معلومة يمكن تريحك… أنا الراجل الوحيد في حياة تاج يا هالة." في البداية لم تفهم أو استغبت لكن سرعان ما ضحكت بإستهزاء سائلة بتوضيح: "قصدك إيه بالراجل الوحيد…"

توقفت للحظة ثم قالت بمكر: "قصدك إنها حرمت نفسها على الاتنين اللي كانوا قبلك… طب اتجوزتهم ليه، أكيد ده كدبة وإنت صدقتها طبعًا مغفل." غضب جاسر بشدة قائلًا: "لاء مش مغفل يا هالة، وأنا الراجل الوحيد وزي ما فهمتي تاج متحوزتش غيري." ضحكت هالة بإستهزاء قائلة بتصميم: "لاء مغفل… هي الحكاية دي صعبة، سهل تروح لأي دكتور ويعمل لها عملية يرجعها عذراء، أكيد لهدف بدماغها إنها تحسسك إنها صانت العهد القديم.."

نظر لها جاسر بذهول قائلًا: "واضح إن حقدك من تاج بقى هوس المفروض تتعالجي منه، أنا ماشي ولآخر مرة بقولك لو باقية على الأخوة بينا طلعي تاج من دماغك، تاج عمرها ما أذتك بقصد منها." غادر جاسر، بينما ما زالت هالة تشعر بحقد وغضب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باليوم التالي صباحًا

فتحت تاج عينيها نظرت لجوارها كان الفراش خاليًا، استغربت ذلك، هي غفت بالأمس قبل عودة جاسر، ويبدو أنها استيقظت قبله، أزاحت الدثار ونهضت عازمة قرارها اليوم ستخبر جاسر بحملها ولن تظل بتلك الحيرة… ظنت أن جاسر بالحمام، لكن كان الباب مواربًا فتحته تفاجئت بالحمام خاويًا، أنعشت جسدها بحمام دافئ وبدلت ثيابها ثم جذبت هاتفها وقامت بالاتصال على جاسر… الذي أجابها بعد أكثر من اتصال… تنهدت قائلة: "بتصل عليك ليه مش بترد إنت فين؟

أجابها ببساطة: "أنا في إسطبل الخيل بتاعي، وشبكة الموبايل كانت بتقطع." ابتسمت قائلة بدلال: "تمام، أنا قررت النهارده آخد أجازة وأجي الإسطبل بتاعك أشوف الخيول اللي فيه." ابتسم قائلًا: "وأنا في انتظارك…"

بعد وقت قليل ترجلت تاج من سيارتها بداخل ذلك الإسطبل الكبير كان في استقبالها جاسر الذي استقبلها بحفاوة… ترجل معها قليلًا بالمزرعة التي أعجبتها كثيرًا، لكن سئم وجهها حين تقابلت مع هالة التي غبن وجهها، لكن خفف التوتر جمال قائلًا: "جاسر الصغير أصر عليا يجي النهارده للإسطبل كمان هالة قالت تغير جو." أومأت تاج ببسمة.

بعد قليل استأذن جاسر وجمال وذهبا معًا، بينما هالة جلست تحت أحد المظلات بالإسطبل تراقب طفلها لكن غفلت عنه ولم تنتبه أنه أحل سرج إحدى المهرات وكاد تدهسه لولا رؤية تاج لذلك، واقتربت سريعًا من الحصان أمسكت اللجام لكن وصرخت في الصغير أن يبتعد عن مجرى الحصان، ابتعد فعلًا، بينما انتبهت هالة لذلك زاد غضبها، وبتلقائية منها ذمت تاج ليس ذلك فقط بل استغلت ذلك مع انعكاس أشعة الشمس قامت بتسليط انعكاس ضوء مرآة صغيرة على عين الحصان

مما أربكه وجعله يتصرف بشراسة فائقة بسبب تأثير الضوء المفاجئ على حواس الحيوان الحساسة. الحصان، الذي يملك رؤية حادة ويستجيب بسرعة للأشياء المحيطة به، شعر بالتهديد والتشويش نتيجة للضوء الساطع الذي أثر على رؤيته بشكل مفاجئ، ما دفعه إلى الارتباك والتهور في تصرفاته. وقد بدأ يركض بسرعة داخل المكان، يضرب الأرض بحوافره بقوة، في محاولة للتخلص من هذا الشعور الغريب والمزعج. كانت قوته المندفعة في كل اتجاه تزيد من خطر الموقف، مما

جعل كل من حوله يتراجعون بسرعة لتجنب الأذى… كذلك، تاج التي تركت لجام الحصان بسبب ارتباكها وخوفها من ردود فعل الحصان العنيفة، لكن بسبب قوة الحصان المفاجئة، انتفضت بعيدًا…. شعرت بتوازنها يختل وهي ترتطم بظهرها على الأرض بقوة.

يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...