الفصل 23 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
30
كلمة
4,928
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

دلفت جنات إلى غرفة النوم تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها طعام. تنهدت بضجر حين رأت تاج جالسة على الفراش تتكئ على بعض الوسائد خلف ظهرها وتضع يدها المجبرة على وسادة والحاسوب على وسادة أخرى. تفوهت بنبرة ممتزجة بين الحنان والتوبيخ: "تاج… مش كفاية. لازم تراعي صحتك، مش طول الوقت قدام الكمبيوتر." رفعت تاج عينيها المتعبتين نحو والدتها، تحاول أن ترسم ابتسامة واهنة لتخفف من حدة الموقف.

"مامي، فيه شغل متراكم لازم أخلصه النهارده. ما ينفعش يتأجل أكتر من كده." وضعت جنات الصينية على الطاولة بجانب السرير بحركة حازمة، أغلقت الحاسوب قبل أن تتحدث بصرامة ناعمة. "الشغل مش هيطير، لكن صحتك لو راحت مش هترجعيها. كفاية كده." تنهدت تاج، مدركة أن النقاش لن يجدي نفعًا، واستسلمت لرغبة جنات. "عارفة يا مامي، بس ظروف الشغل صعبة الفترة دي." جلست جنات بجوارها وأغلقت الحاسوب دون أن تنتظر إذنًا.

"تاكلي الأول، وبعد كده لو فضل شغل ترجعي له… وأخواتك قايمين بالشغل كويس، بلاش تجهدي نفسك أكتر من اللازم." أدركت تاج أنها لا مجال للجدال، فضحكت وبدأت في تتناول الطعام بيدها السليمة، وهي تتمتم باستسلام. "ماشي هاكل يا مامى… بس بلاش تزعلي مني." تبسمت جنات بحنان، رغم غصة قلبها وهي تنظر إلى يد تاج المجبرة. استعاد عقلها ما سمعته صدفة في المستشفى قبل أيام حين توقفت بممر صغير ملحق بغرفة تاج. لم ينتبه عليها جاسر ولا تاج.

[بالعودة ليوم مواجهة جاسر لـ تاج بالمستشفى] كبرياء تاج منعها من الدفاع عن نفسها وتصحيح ما حدث له وأنها لم تكن تُخفي حملها لهدف الإجهاض. رغم صمتها للحظات، تبتلع كلماته كأنها تتجرع مرارة الحقيقة، حتى انتهى جاسر من حديثه. كان قلبها يعتصر ألمًا يفوق ما يشعر به جسدها من وهن، لكنها أبت أن تُظهر ضعفها. تمسكت بشجاعة بدت وكأنها تستنزف ما تبقى من قوتها، ورفعت رأسها قليلاً لتواجهه بصوت حمل بين طياته مزيجًا من الحدة والوجع.

"واضح إنك ما تعرفنيش كويس… نسيت أنا مين. يمكن وجع قلبي دلوقتي أقوى من أي ألم جسدي، لكن ده مش معناه إني هسمحلك تتكلم معايا بالشكل ده… طالما عندك شك إني اتعمدت أخبي عليك إني كنت حامل عشان كنت ناوية أجهض، يبقى ليه نكمل مع بعض… سهل ننهي اللي بينا." صُدم جاسر من كلماتها التي كانت كالسهام، حادة ومباشرة، لكنها أيضًا كانت مرآة لجرح عميق في داخلها. ترددت للحظة، تتصارع بين رغبتها في التحدث وبين الخوف من أن تنهار أمامه.

"أنا مش لعبة بين إيديك يا جاسر وهخرج من هنا عالمزرعة." ارتعشت يدها قليلاً وهي تحاول أن تسيطر على نفسها، بينما عيناها تلمعان بدموع حبستها بشق الأنفس. كل حرف تنطقه يعبر عن وجع لا يوصف، لكنها قررت أن تتمسك بكرامتها مهما كان الثمن. "واضح إننا مكنش لازم نرتبط ببعض لأن واضح إن مشاعرك انتهت من ناحيتي، كانت مجرد لحظات متعة كدابة زي ما قولت من شوية… طلقني يا جاسر."

صدمة أخرى أذهلت جاسر الذي شعر كأنه تجمد في مكانه، كأن الكلمة الأخيرة سهم مسموم ضربه في مقتل. نظراته تعلقت بـ تاج، وعيناه امتلأت بمزيج من الصدمة والإنكار. ظلت عيناه مثبتة على وجهها كأنه يبحث فيه عن أي إشارة للتراجع أو الندم، لكن ملامحها بهتت تمامًا، كأنها قررت تمحي كل أثر في حياتها معه. بينما الحقيقة عكس ذلك، تتألم روحها بشدة، وهي تنتظر رد فعل جاسر الذي تعلم أنه سيكون صعبًا.

"تعرفي يا تاج… لو بنت تانية مكانك، كانت حكايتي معاها انتهت منه من زمان… لكن إنتِ." "إنتِ دايمًا بتختاري الطريق الأصعب، بتختاري تتحديني وأنا أكتر حد ممكن يستفزه التحدي." "الفرصة دي آخر فرصة لينا مع بعض، هعتبر إني مسمعتش كلامك، هروح أخلص إجراءات خروجك من المستشفى."

خرج من الغرفة بخطوات ثابتة، تاركًا تاج تغرق في صراعها الداخلي، وروحها تتألم أكثر من كلماته التي أثقلتها باللوم والوجع. كبتت وجعها بقلبها وامتثلت لرغبته ليس ضعفًا منها لقراره الذي شعرت أنه كان نابعًا من غضبه، لا من رغبة حقيقية. سمعت صوت إغلاق الباب الذي تردد صداه بقوة، تتمنى لو كان لديها القوة لتصرخ بما يعتمل في صدرها، أن تشرح له ما لم تستطع البوح به، ولكن الكلمات خانتها كما تخونها دومًا أمامه. عيناها تتأرجحان بين

الحزن والكبرياء، وقلبها يئن تحت وطأة مشاعر متشابكة. لم تكن تريد أن يصل بينهما الحديث إلى صراع، ربما يشعر بضعفها الذي تخفيه خلف جدران القوة التي شيدتها حول نفسها. مدت يدها إلى جبيرتها، وكأنها تلوم نفسها على السبب الذي دفعه للغضب، ولكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك. أصبحت تعلم أن ما بينهما أكبر من مجرد خلاف، هنالك فجوة تتسع مع كل كلمة ينطقان بها.

[عودة]

على صوت أنين خرج من فم تاج، عادت جنات تنظر لـ تاج، التي تظن أنها غافلة عن وجع قلبها الذي تُخفيه عن الجميع. وحتى إن أخفته عن الجميع، هي أكثر من يشعر بها، لا تزال طفلتها الأولى التي عايشت معها أول شعور بالأمومة. كانت تاج، برغم ملامحها القوية، تبقى في عينيها تلك الصغيرة الهشة التي تمسكت بيدها لأول خطوة، فرحة يومها الأول في الدراسة، وتلك التي احتضنتها بخوف حين وقعت أول مرة عن حصانها. لكن لا تملك سوى الصمت، تراقب بحنان مخلوط بحزن وهي ترى ابنتها تُصارع آلامًا لا تعرف كيف تُخففها عنها. كانت تعلم أن ما سمعته في ذلك الممر لم يكن سوى شعور بالخذلان يتسلل إلى قلب تاج. كلمات جاسر القاسية كافية لتفهم أن هناك جرحًا عميقًا بقلبها لم تلتئم أطرافه بعد.

مدت يدها برفق ولمست كتف تاج بحنان، محاولة أن تنقل لها شعور الأمان الذي كانت دائمًا تمنحها إياه. *** بـ ڤيلا آسر جلست تضع ساق فوق أخرى بتعالي وغرور ونبرة شماتة تحدثت بها. "مش عارفة تاج دايمًا بتحكم غرورها ودايمًا بتخسر، حتى حملها خسرته بسبب غرورها إنها تبين إنها متمكنة من ركوب الخيل، أهو كويس إنها جت على قد إجهاضها، وشوية كسور."

نظر لها آسر كأنه يكتشف حقيقة كان معميًا عنها. شعر بغضب مكتوم، وجهه يشوبه ازدراء واضح وهو يحاول كبح انفعاله. حدق في ميسون للحظات، ثم تنفس بعمق خافت قائلًا محملًا بحدة. "تفتكري الكلام ده هيزودك حاجة؟ ولا بس بتحبي تشمتي وإنتي بتشوفي تاج بتتوجع؟ نفسى أعرف سبب كرهك لـ تاج الواضح، رغم إنها مش حطاكِ في دماغها وعمرها ما أذتك."

توترت ميسون وصمتت للحظات قبل أن تنهض تظن أن دلالها الكاذب سيكون له تأثير كما تظن أن ذلك كان سابقًا يجعله يستسلم لإغرائها، لكن اليوم كان باردًا. وهي تضع يدها تعبث بأزرار قميصه قائلة بكذب وإدعاء. "أنا مش بكرهها بس كمان مش ناسيه الفترة بتاعة السنة اللي طنت متحوزها فيها، كنت بشوفها تحاول تستقطبك لها، كنت ببقى خايفة تقع في براثنها وتميلك لها."

تهكم آسر ببسمة ساخطة موجعة. فليت تاج كانت حقًا فعلت ذلك، ربما تبدلت حياته للأفضل، لكن تاج حتى لم تتركه يقترب منها إنشًا واحدًا. فهم الآن لماذا من نظرة عينيها لـ جاسر كم تعشقه. ليتها نظرت له نظرة واحدة بقبول فقط، بل كانت دائمًا ما يرى بعينيها له نظرة استقلال شأن. كانت مُحقة بتلك النظرة الدونية.

"ميسون بلاش أوهام في دماغك وبس، تاج عمرها ما حاولت حتى تلفت نظري لها. إنتِ دايمًا متحاملة عليها، ومش عارف ليه حاسس إن في سبب تاني لكرهك لها وميفرقش معايا أعرف أو لأ، لكن أنا خلاص مليت من أسلوبك ده دايمًا أي نقاش بينا لازم سيرة تاج فيه."

توترت ميسون وشعرت بالضيق لكن ظنت ببعض العنجهية أنها قد تنجح في استعادة تأثيرها عليه، لكن انتفض ورجع للخلف خطوات بعيدًا عنها. حاول جمع شظايا كرامته التي بعثرها هو بخضوعه لرغبات غيره. شعرت ميسون بضيق من ذلك. حاولت وتغاضت عن تلك النظرة التي في عيني آسر. حاولت أن تستعيد السيطرة على الموقف، لكنها لم تدرك أن الكلمات التي أطلقها آسر كانت كالرصاص الذي أصاب روحها.

"بصراحة بخاف من غدر تاج. إنت عارف إنها قبل وفاة المرحوم عمك كانت سابت المزرعة ورجعت عاشت مع مامتها وإخواتها، أكيد عملت كده كنوع من الضغط عليه يكتب لها جزء كبير من ثروته و…." "وإنتِ ليه عمي كتب لك عشرة في المية من الميراث؟ عالأقل تاج كانت مراته، إنتِ كنتِ مجرد خطيبتي." ارتبكت ميسون وتعلثمت بالرد. "أكيد عشان عارف إنك بتحبني وأنا كمان بحبك وإننا هنبقي شركاء في المستقبل و…" "شركاء؟ في إيه؟ في الخيبة؟

ولا في الصفقات اللي بتصب دايمًا لصالحك؟ ولا حتى في تاج اللي طول الوقت كنتِ بتلعبي بيها عليا كأنها ورقة ضغط؟ ظلت ميسون متجمدة في مكانها، لا تعرف ماذا تقول. أما هو، فقد تابع وهو يشير بيده وكأنه يحاول طردها من مساحته. "خلاص يا ميسون، كفاية! أنا مش لعبتك، ولا هبقى لعبة حد تاني…"

قبل أن يستكمل حديثه، صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر له. سرعان ما خفق قلبه بشدة. رفع بصره نظر نحو ميسون الذي اعتلى الفضول رأسها بمعرفة هوية المتصل، لكن آسر قطع فضولها حين قام بالرد بهدوء. "مساء الخير يا أمينة." توترت أمينة للحظات ثم حاولت الهدوء.

"آسر أنا في الشقة بتاعة مامتك، طنط حسّت بهبوط مفاجئ واتصلت على ماما، وإحنا دخلنا الشقة بعد ما أخدنا المفتاح من البواب، وجبنا لها دكتور وهي دلوقتي نايمة بعد ما الدكتور اداها حقنة مهدئة." استغرب آسر ذلك. "مش فاهم إيه اللي حصل. أنا جاي فورًا."

أغلق آسر الهاتف ولم يهتم بسؤال ميسون وغادر. رغم فضول ميسون، لكن تنهدت براحة حين غادر آسر. جلست على أحد المقاعد تشعر بارتياح كأنها تخلصت من حمل ثقيل. آسر بالفترة أصبح يعارضها، كذلك تشعر أن هناك أمر آخر سبب في ذلك. غيابه الكثير بالفترة الأخيرة، لا تعلم أين يذهب، حتى إن سألته لا يجيب. عليها معرفة أين يذهب بأوقات غيابه. تشعر بريبة أن تكون هناك أخرى. بالفعل أعادت قول اسم "أمينة".

"لازم ألحق أتصرف بسرعة قبل ما تفلت الأمور من إيدي." وقفت ميسون بتوتر، وهي تحاول التفكير بخطة محكمة تكشف بها حقيقة آسر وأسباب تغيبه المستمر. شعرت أن ذكر اسم "أمينة" لم يكن مجرد هاجس عابر، بل ربما هو طرف الخيط الذي قد يقودها إلى كشف المستور. "واضح إني انشغلت عنك يا آسر، بس ملحوقة." لم تفكر كثير وقررت الاتصال بصديق قديم يعمل في مجال التحريات الخاصة، فقد تكون هذه هي الطريقة الأسرع لمراقبة آسر ومعرفة أسراره.

اغلقت الهاتف وتنهدت بعمق، محاولة تهدئة أعصابها التي بدأت بالاشتعال. ***

باستراحة المرفقة بإسطبل الخيل، تمدد جاسر على ذلك الفراش البسيط، يشعر بإرهاق بدني ونفسي يجثم على صدره. أغمض عينيه محاولًا الهروب من دوامة الأفكار التي لا تهدأ. صوت الخيول تصهل بالخارج ذكّره بماضيه، بالأيام التي كان فيها كل شيء يبدو أبسط، وأحلامه أقل تعقيدًا. لكنه الآن غارق في مسؤولياته وأعبائه، وفي مشاعر لم يكن يومًا يعتقد أنها مثل الرماح الطائرة بلا هدف. فتح عينيه حين سمع صوت يتسلل لأذنيه.

"جاسر إنت هتنام هنا ولا إيه مش هترجع لشقتك." اعتدل جاسر يتنهد بإرهاق فاض به. يود الفضفضة عن ما يجثم على صدره. "شقتي… للأسف أنا حاسس بتوهان مش عارف أهرب من اللي جوايا… حاسس كل خطوة بخطيها إني برجع أميال لورا… أوقات بتمني أرجع جاسر السايس البسيط اللي كان كل حلمه يتجوز من الأميرة اللي سحرته من أول نظرة من عينه." "تاج"

"الوحيدة اللي قلبي دق لها. أوقات كنت بتمني أنسي اللي حصل وإني في كابوس وهصحى منه، لكن الحقيقة هي اللي بقت كابوس." شعر جمال بالضيق وهو يستمع إلى كلمات جاسر التي حملت من الحزن ما يكفي ليُثقل صدر أي مستمع. لمح في عينيه بريقًا لم يكن مجرد انعكاس للضوء، بل كان مزيجًا من الحنين والخذلان. حاول مواساة جاسر.

"جاسر، إحنا كلنا بنمر بلحظات بنتمنى فيها نرجع للماضي، لكن الحقيقة إننا مش بنقدر… اللي نقدر عليه هو إننا نحاول نصلح اللي جاي." ابتسم ابتسامة واهية محاولًا تخفيف وطأة الكلام، لكنه كان يعلم أن الجرح أعمق مما يظهر. "أصلح إيه يا جمال؟

لما الحاجة اللي بحارب عشانها تبقى هي أكتر حاجة بتأذيك،… تاج مش مجرد حلم، تاج هي كل حاجة، وأنا حاسس خسرتها من وقت ما قررت هي تروح وتتجوز من قاسم. فعلًا أنا اللي ضغطت عليها إننا نتجوز، كنت مفكر إن لسه عندها مشاعر ليا، بس كنت…" "يمكن اللي بيحصل دلوقتي هو اختبار، اختبار لقوتك ولحبك الحقيقي… بس مش معنى إنك خسرت حاجة في لحظة إنك خسرتها للأبد. الأقدار دايمًا بتخبيلنا مفاجآت."

تنهد جاسر، وعيناه تائهتان في الفراغ، كأنه يبحث عن إجابة، عن طريق للخروج من دوامة الماضي التي ابتلع أحلامه البسيطة. "عندي شك كبير إن تاج اتعمدت تجهض الجنين اللي كانت حامل فيه…" "مستحيل، ليه بتقول كده، إنت أكيد غلطان، وبلاش تخلي كلام هالة يأثر عليك…" "مش كلام هالة، في شواهد بتأكد كده، ليه تاج خبت عليا إنها حامل أساسًا."

"إنت قولت إنها كانت حامل شهرين وأيام، يعني يعتبر لسه في أول الحمل، ويمكن كانت هتقولك بس اللي حصل كان قدر. قوم يا جاسر بلاش تستسلم للشيطان يوسوس لك يزود المسافة بينك وبين تاج، وحاول تبقى جنب تاج متأكد إنها زيك كده حاسة بضياع، يمكن كمان محتاجة لك جنبها، بُعدك عنها تاعبك."

نظر جاسر لـ جمال يشعر بضياع. أسبوعين منذ أن خرجت تاج من المستشفى وهو يحاول تجنبها خشية أن تتحكم عصبيته. حتى حديثهم مختصر مجرد كلمات سطحية.. وهي ترد باقتضاب.

استسلم جاسر ليس لنصيحة جمال، بل لحنين قلبه الذي كان يناديه بلا هوادة. يشعر بألم داخلي متزايد، كأن هناك جزءًا منه لا يستطيع العيش في هذا الفراغ البارد بينه وبين تاج. لم يكن قادرًا على تجاهل ما يشعر به أكثر. دخل إلى الشقة بتردد، وكأن كل خطوة تأخذه للداخل كانت تحمل أملًا وخوفًا في نفس الوقت. تذكر كلمات جمال، لكن حنينه كان أقوى من كل شيء، فحتى لو لم يعرف كيف يواجه مشاعره، كان يعلم أن قربه منها هو الحل الوحيد. ***

قبل وقت قليل بـ شقة جاسر نظرت تاج إلى والدتها. "أونكل خليل زمانه على وصول." فهمت جنات قصد تاج فتوهت بإصرار. "رجاء أختها عيانة ومحجوزة في المستشفى وهتبات معاها، وأنا هبات هنا معاكِ." اعترضت تاج. "أنا بقيت بخير يا مامي وأقدر أعتمد على نفسي، كمان أنا هاخد العلاج هينيميني للصبح مالوش لازمة تباتي هنا." اعترضت جنات، لكن بسبب إصرار تاج أقنعتها بالذهاب رغم عنها.

بسبب بعض الأدوية التي تناولتها، غفت تاج لفترة غير معلومة وعندما استفاقت، شعرت بالأرق الذي تسلل إليها. اعتدلت جالسة على الفراش وأشعلت ضوء الغرفة الخافت، ثم جذبها حاسوبها بدأت العمل عليه، رغم أن الوقت كان قليلًا، إلا أن الضجر كان أقوى من التركيز. حاولت العودة للنوم، ولكن النوم لم يأتي كما كانت تأمل. "أما أقوم أروح المطبخ، أشرب كوباية لبن دافية، يمكن الأرق ده يروح. أكيد ده بسبب العلاج."

بالفعل، بسبب إصابة قدمها نهضت تسير بخطوات حذرة، رغم ذلك كادت تتعثر وتقع، لكن بحركة سريعة اقترب منها جاسر، وكأنه استشعر خطر سقوطها. اندفع نحوها بلهفة أمسك بها، يحيطها بذراعيه بقوة، يحتوي جسدها بحماية. شعرت بنبضات قلبه القوية قريبة منها، وبألم بسيط في يدها التي اصطدمت بكتفه خلال محاولته إنقاذها. رفعت رأسها تنظر لوجهه، تمركزت نظرة عيناها بحديث صامت، تبوح بعتاب.. ولوم.. وألم… متبادل بينهم.

سرعان ما حادت تاج بنظرة عينيها وآنت بألم طفيف وهي تعود خطوة للخلف. "تاج إنت كويسة." "أيوه، كويسة." تنهد جاسر بعمق وهو يتركها تدريجيًا، لكن يده بقيت ممدودة بجانبها، وكأنه يستعد لإمساكها مجددًا إذا تعثرت مرة أخرى. رغم الألم التي تشعر به، سندت بيدها السليمة على الحائط واستجمعت قوتها الواهية لتواصل السير، محاولة الابتعاد عنه. خطواتها كانت بطيئة.

ظل جاسر واقفًا في مكانه، يتابعها بعينين تحملان ألف كلمة، لكنه لم ينطق بحرف. شعر بسهام تخترق قلبه، ليس فقط قلقًا عليها، بل كأن قلبه يناديها دون جدوى. أراد أن يخطو نحوها، أن يمد يده ليخفف عنها الألم، لكن شيئًا ما جذبه للخلف، ربما كبرياؤه، أو ربما تلاحظ أنه ما زال ضعيفًا أمامها.

استدارت قليلاً، للحظة عابرة نظرت نحوه، نظرة لم تستمر سوى ثانية، لكنها كانت كافية لتكشف عن مزيج من الألم والعناد. استقامت بعدها وأكملت طريقها، تاركة خلفها صمتًا مثقلًا بالألم لكليهما.

لم يفكر جاسر وذهب خلفها نحو المطبخ، وجدها تفتح باب الثلاجة وأخرجت قنينة حليب وضعتها على المنضدة، ثم عادت تغلق باب الثلاجة. تعتمد على يدها السليمة بصعوبة وهي تحاول سكب اللبن بطنجرة على الموقد، وقع منها القليل على الموقد تضايقت، لكن أخفت ذلك. "فين دادا رجاء." "أختها محجوزة في المستشفى وبايتة عندها."

غص قلب جاسر وهو يرى صعوبة حركة تاج سواء بالوقوف على قدميها أو حتى يدها التي تحاول أن تدير الأمور رغم الألم، وكان قلبه يعصره الألم وهو يشاهدها تتصرف وكأنها لا تعاني. اقترب منها أكثر، وأمسك بيدها التي كانت ترتجف قليلاً. "إقعدي إنتِ وأنا هسخن اللبن."

تجاهلته بهدوء وأكملت وضع الحليب في الكوب، كأنها ترفض أي محاولة للمساعدة، حتى وإن كانت بحسن نية. كان هناك شيء في عيونها، شيء يجعلها تفضل العناد على قبول المساعدة محاولة إخفاء معاناتها. "مفيش داعي." بتلقائية وضع جاسر يده فوق يدها، لكن سحبت يدها من يده بعناد. "قولت متشكره، خلاص هو دفي كده كويس، هحطه في الكوباية." لاحظ جاسر رعشة يدها. تنهد بقلق وجذبها للخلف. "إقعدي يا تاج وبلاش عناد إنتِ مش طفلة صغيرة."

"فعلًا أنا مش طفلة ومش بعاند أنا…" "عارف إنك مش طفلة بس مش عيب تحتاجي لمساعدة." "شكرًا مش محتاجة مساعدة، كمان خلاص مش عاوزة لبن، هروح أكمل نوم، تصبح على خير." تركت تاج كل ما كانت تفعله وكما السابق عادت تستند على الحوائط حتى عادت إلى غرفة النوم، تمددت على الفراش. تنهد جاسر بصبر وسكب كوب الحليب وذهب خلفها إلى الغرفة. وجدها تتمدد على الفراش. "اللبن يا تاج." "متشكره مالوش لازمة أنا هنام."

إقترب جاسر من الفراش ومد يده بالكوب، لكن تاج أصرت على رفضها. كذالك جاسر لم يصر عليها، وضع الكوب على طاولة جوار الفراش، وغادر إلى حمام الغرفة. نظرت تاج إلى كوب الحليب وابتسمت. وأغمضت عينيها. سرعان ما استجابت للنوم ولم تشعر بـ جاسر الذي استلقى جوارها على الفراش غافيًا هو الآخر، كأنه نسي إرهاق جسده ونفسه. *** باليوم التالي صباحًا بـ الشركة

توقف فراس عن مراجعة تلك الملفات وأزاح الحاسوب بعيدًا قليلًا ثم ارتكاز بيديه فوق المكتب ثم وضع رأسه بين كفيه يشعر بألم شبه حاد. لحظات ثم اضجع بظهره على المقعد يرفع رأسه للأعلى. بنفس الوقت دلفت ليان بكوب القهوة. "القهوة الدبل." "شوفيلي أي مسكن للصداع." نظرت له لاول مرة يخفق قلبها بقلق. "إيه اللي جابلك الصداع، أكيد بسبب تعسفك معايا." رغم ألم رأسه لكن ضحك.

"تعسف، تعرفي يا ليان أنا بعد المدة اللي فاتت دي أكبر غلط عملته في حياتي هو إني وظفتك هنا." "تصدق كنت صعبت عليا، وكنت هدلك لك راسك بخل ولمون." "ناقص الملح عشان أبقى مخلل." "وفرت أنا أساسًا مش بعرف في التدليك بس شفت ماما عملت كده مع أخويا، معايا مسكن في شنطتي هروح أجيبه." ثواني وعادت كان يحك جبينه، أعطت له المسكن. "إتفضل وعَد الجميل، ده مسكن غالي ومفعوله عالي."

ضحك وهو يأخذ منها البرشام وتناول بعده المياه. شعر بخمول، حتى أنه غفى دون وعي. "كده مفعول الحباية اشتغل هينام ساعتين وأرتاح من طلباته الاستفزازية وأروح أنا كمان أنام على مكتبي." *** بذلك الموقع أغلقت الهاتف مع أحد العملاء. بنفس اللحظة اقترب صهيب يتحدث لها عن بعض الاحتياجات، لكن بنفس اللحظة وصل رسالة إلى هاتفها، كان الرقم غير معلوم لديها. بتلقائية فتحت الرسالة.

سُرعان ما جحظت عينيها وشعرت بهبوط حاد بدون وعي منها. صرخت بقوة ثم غابت عن الوعي واقعة بين يدي صهيب الذي ضمها على مرأى جميع العاملين بالموقع وصورة أخرى تلتقط تفسيرها العبث. يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...