بداخل غرفة الاجتماعات، كان الاجتماع بالمساهمين وأعضاء مجلس الإدارة. الجميع منصت بانتباه حين كانت تاج تقدم عرضها بثقة، تطرح العديد من الأفكار. قاطعتها ميسون التي كانت تشعر بالغضب من نظرات الإعجاب التي حصدتها تاج بثقتها ورقي حضورها، فقالت بصوت مشوب بالسخرية: "واضح إنك متمكنة أوي يا تاج، لكن يمكن مش كل القرارات اللي بتاخديها تنفع الشركة." رفعت تاج رأسها بهدوء ونظرت إلى ميسون مباشرة، بثبات كعادتها، وردت:
"أنا باخد قراراتي بعد دراسة جيدة يا ميسون، لو عندك رأي تاني، شاركينا بدل من التلميحات." ساد الصمت للحظة بين الحاضرين، وبدت ميسون وكأنها تبحث عن زعزعة ثبات تاج. استغلت الفرصة قائلة: "أيوه مشكلة أرض المشروع بتاع مرسي مطروح، واضح هيكلفنا خسائر كتير قبل ما نبدأ." أجابتها تاج بثقة: "إطمني المشكلة دي سهل حلها وتقريبًا اتحلت." نظرت ميسون بنزق وتسألت بنبرة مفعمة بالتحدي: "وإيه الحل اللي فكرتي فيه؟
عايزين نسمع وجهة نظرك العبقرية يا تاج." رفعت تاج عينيها نحوها بثقة، رغم بداية شعورها بالدوار، وردت بصوت ثابت: "الحل بسيط، إعادة التفاوض مع البدو هناك وتقسيم المشروع على مراحل لتقليل التكلفة الأولية. وكل ده تم بالفعل، بس هتعرفي التفاصيل في الاجتماع الجاي." نظرات ميسون اشتدت غيظًا وشعرت بالحرج. بينما عادت تاج لتكمل حديثها بتركيز، تاركة خلفها تلميحات ميسون الذي بات واضحًا للجميع أنها مجرد اعتراضات واهية.
انتهى الاجتماع، نهض الجميع وبدأوا بالخروج من الغرفة عدا جاسر، آسر وميسون. كذلك فراس الذي لاحظ ملامح تاج التي بدأ الدوار يشتد برأسها. شعرت بثقل يُطبق على جسدها. حاولت أن تتماسك، لكنها فقدت تركيزها للحظات، واضطرت إلى الإمساك بحافة الطاولة ثم جلست على المقعد. توجه نحوها بلهفة سائلًا: "تاج مالك إنتِ عيانه؟ هطلب لك دكتور الشركة."
همسات بدأت تتصاعد بين جاسر الذي التفت نحو تاج سريعًا بخضة، بينما ميسون جلست في مكانها تراقب المشهد بعينين مليئتين بالبرود وسخرية وغضب جم. حين سأل جاسر بلهفة وقلق واضح: "تاج فيك إيه؟ ابتسمت تاج ابتسامة خافتة محاولة تقليل حجم الموقف: "مافيش حاجة، يمكن عشان نسيت أفطر."
لكن ميسون لم تُصدق ذلك التبرير. بداخلها ربما تاج تتدلل. ظلت عيناها تراقبان كل حركة لتاج. كان هنالك شك يتسلل إلى عقلها، بدأت تربط تلك الأعراض لتستنتج شيئًا ما. جحظت عينيها. نظرت نحو جاسر الملهوف على تلك المتكبرة. لو صدق حدسها، أتكون تاج حاملًا؟ شعرت بالبغض الشديد. بينما تاج شبه عادت لحالتها الطبيعية. اقتربت ميسون منها برياء وادعاء وابتسامة تُخفي الكره المبطن ومالت عليها قائلة بصوت منخفض:
"شكلك مرهقة أوي، يا ترى السبب شغل ولا حاجة تانية." شعرت تاج بتلك النبرة المبطنة، لكنها ردت بثبات: "متقلقيش، كل حاجة تحت السيطرة. ده يمكن عشان كنت واخدة إجازة ورجعت." شعرت ميسون بالغضب ثم نظرت نحو آسر الذي كان مجرد متفرج، فقالت له بنزق: "تاج بقت كويسة، إحنا كمان عندنا شغل، يلا يا آسر." وافقها آسر وانسحب الاثنان سريعًا، تاركين المجال. تشع عيناها نظرات حاقدة ورؤية تتشكل في ذهنها. بينما جاسر شعر بغضب قائلاً:
"الدوخة دي مش أول مرة، قومي نروح المستشفى حالًا نعملي فحوصات." بصعوبة أقنعت تاج جاسر، كذلك فراس الذي شعر بسعادة من اهتمام جاسر بصحة تاج. *** بمكتب ليان، كانت كعادتها تجلس خلف مكتبها تشعر بتأفف من تنظيم الملفات، تُحدث نفسها بضجر. تفاجئت بتلك التي دخلت بخطوات واثقة كعادتها. تنظر إليها وبداخلها خطة ربما تنجح في تنفيذها، وهو تجنيد واستقطاب تلك الحمقاء لحسابها كما فعلت مع غيرها. لكن طبعها دائمًا يطغى.
نظرت بابتسامة ساخرة قائلة: "آه ليان، الموظفة المخلصة لفراس بيه دايمًا مشغولة بترتيب الأوراق؟ شكل الشغل هنا مريح جدًا ليكِ." رفعت ليان نظرها ببرود وتهكمت بضجر قائلة بتريقة: "مريح جدًا. يعني أنا أهو بشتغل بنشاط بس مش عاجب." ضحكت ميسون بخفوت، فيبدو أن مهمتها مع تلك الحمقاء ستكون سهلة. سألتها بخبث: "ومين اللي مش عاجبه شغلك؟ أنا لو مكانك مسمحش لحد يهدر تعبي عشان أستمر."
وضعت القلم بعنف على المكتب. لا تعلم سبب شعورها بعدم الألفة مع ميسون بعدما تعاملت معها أكثر من مرة سابقًا، وتحدثت بنبرة جمود: "وأنا مش محتاجة دروس من حد." تعمدت ميسون الضغط قائلة: "واضح إن فيه استلطاف بين المدير والموظفة، مش عيب الحياة فُرص، والشاطر اللي يستغلها صح." في البداية لم تفهم ليان تلميح ميسون، لكن تداركت ذلك. رفعت رأسها ونظرت باحتقار لميسون قائلة:
"للأسف أنا مش من النوعية الانتهازية، فعلاً من اللي النوعية بيرفعوا راسهم فوق بس عشان شايفين نفسهم، وجواهم عارفين إن محدش بيحترمهم." فهمت ميسون قصد تلك الحمقاء فتعمدت: "ما ألومش فراس لما يفضل يستغلك، طول ما أنتِ مالكيش شخصية، عمره ما يقدر مجهودك." وقفت ليان بثبات وواجهتها باستهزاء: "وأنتِ بتعرفي كتير في تحليل الشخصيات، مدام ميسون؟ أكيد إنتِ مش جايه هنا عشان تديني نصايح." مالت ميسون عليها تبتسم بسخرية وهمست:
"خلي بالك، الدنيا دي ما بترحمش ضعاف الشخصية." تعمدت ميسون قول ذلك ثم غادرت المكتب بخطواتها الهادئة، تشعر بغضب. ربما أخطأت وظنت تلك الحمقاء سهلة المنال، لكن ربما أخذ بعض من الحذر كبداية لضمها لصفها. بينما ليان تشد قبضتها وتحاول التماسك، وداخلها ازدراء لميسون واستهزاء قائلة: "مفكرة نفسها فوق الجميع هنا." زفرت نفسها بغضب وجلست تستكمل بقية عملها وهي تشعر بإرهاق وتتثاءب.
بينما بداخل المكتب كان فراس يراقب ذلك عبر حاسوبه الشخصي، شعر بغبطة من طريقة ردود تلك الكسولة ليزداد إعجابه بها. *** بالمزرعة مساءً. حسمت تاج قرارها، لابد أن تقطع الشك باليقين، قامت بإجراء اختبار الحمل المنزلي. في تلك اللحظة التي شعرت فيها تاج أن الأفكار تحاصرها كالطوق، قررت أن تواجه الحقيقة بلا تردد. أمسكت باختبار الحمل المنزلي بين يديها، نظرت إليه بتردد قبل أن تتجه نحو الحمام.
كانت أنفاسها تتسارع، وكأن الوقت يسير ببطء حتى بدا صوت نبضات قلبها أعلى من صوت الماء الذي تدفق من الصنبور. وقفت للحظة، تتأمل نفسها في المرآة، تبحث عن علامات قد تخبرها بالإجابة قبل أن تظهر نتيجة الاختبار. لحظات الانتظار مرت، وفي أعماقها كانت تدور معركة بين الأمل والخوف. أخيرًا، حملت الاختبار، نظرت إلى النتيجة ببطء شديد، وكانت كما توقعت. همست بخفوت قائلة: "حامل!
وضعت يدها فوق بطنها، مشاعر مختلطة غمرتها، بين الفرحة الممزوجة بالرهبة دون سبب. شعرت بقوة غريبة تندفع داخلها، كيانًا جديدًا بدأ يتشكل بالتأكيد سيغير حياتها مع جاسر. تحسست بطنها بلمسات خفيفة.
لحظات من السكون، تُفكر بطريقة مميزة تُخبر بها جاسر بذلك، وشوق لمعرفة ردة فعله. لكن اختفت بسمتها وتذكرت كيف تقبل أنها كانت لا تزال عذراء ببرود دون تعقيب منه. توقفت يدها عن التحسس على بطنها، شعرت بثقل القرار. ماذا لو استقبل الخبر بنفس البرود؟ والحيرة تسبح بعقلها. كأنها سحابة ثقيلة قد تحجب ضوء الفرحة التي شعرت بها للحظة. همست لنفسها بتمني تحاول طمأنة قلبها: "لاء الأمر مختلف. يمكن المرة دي تكون ردة فعله مختلفة."
رغم تلك الحيرة هناك شوق خفي يدفعها لتجربة إخبار جاسر، لتختبر حبه لها، وللجنين الذي ينمو بداخلهما. في أعماقها تشعر بنبض جديد، نبض حياة لا يشبه أي شيء آخر. ***
أثناء عودة جاسر يقود سيارته على الطريق، لاحظ جاسر انعكاسًا غريبًا في مرآة سيارته الجانبية. حاول أن يتجاهل الإحساس بالقلق الذي بدأ يراوده. ليست المرة الأولى الذي يلاحظ فيها تلك السيارة، لكن لم يعط لذلك اهتمام، إلى أن بدأت تلك السيارة تقترب منه واحتكت أكثر من مرة مع سيارته. وفي البداية تفاجأ فلم ينتبه ولم يأخذ حذره. سرعان ما انتبه وراوغ السيارة الأخرى إلى نهاية الطريق فانفصلت السيارتان كل منهما باتجاه آخر بعيد. استغرب جاسر ذلك، لكن نفض عن رأسه وأكمل استكمال طريقه.
بـ فرنسا عبر الهاتف، وصلتها صور لـ جاسر وتاج وهما يدخلان معًا إلى مبنى الشركة. شعرت بالغضب والبغض. ألقت الهاتف على طول ذراعها تهمس بتوعد: "لن أتركك تهنأ مع تلك الحقيرة يا جاسر، مثلما رفعتك عاليًا سأخسف بك إلى الأرض." *** بشقة والدة آسر.
كان يقف خلف زجاج تلك الشرفة، عيناه تحدقان في الأفق البعيد كما لو كان يهرب من المواقف التي يجد نفسه محاصرًا فيها. فاق من ذلك التحديق على صوت أمينة التي وضعت تلك الصينية على الطاولة ثم جلست على الأريكة. لحظات تراقب تصرفاته. لكن تنحنحت بعد لحظات، فانتبه. ترك الستائر ثم نظر نحوها. لحظات من الصمت بينهما تزداد ثقلًا، وكأن الكلمات التي يفكر فيها بها عالقة في الهواء. حدث نفسه بصوت منخفض، وهو يتنفس بعمق:
"مفيش حاجة تقدر تغير اللي حصل. لكن إزاي أقدر أواجه اللي جاي." وأمينة تراقب عن كثب، وهي تشعر بالقلق من صمته اليوم عكس طبيعته. وقف بهدوء وكأنه يقترب منه، تحاول كسر الصمت بهدوء محاولة أن تخفف من توتره: "آسر، لو في حاجة مضايقاك، أنا ملاحظة إنك ساكت."
نظر إليها بسرعة، يود أن يجد في عينيها لمحة من الفهم، لكنه لا يستطيع أن يتحدث. يلفت نظره كيف أن ابتسامتها التي تظهر بين الحين والآخر هي نوع من الطمأنينة التي لا يمكنه الهروب منها، لكنه ما زال يشعر بأن هناك حاجزًا بينهما. حاول إخفاء التوتر قائلاً: "أنتِ عارفة أنا في وقت مكنتش قادر أفهم حاجات كتير دلوقتي، الأمور مش واضحة قدامي." أمينة تقترب أكثر، إلى أن وقفت بجواره، وبتردد منها وضعت يدها برفق على ذراعه.
تفاجئ من ذلك نظر لها بابتسامة صغيرة، لكن عينها تحمل بريقًا من الحزن ثم تحدثت بعقلانية: "مفيش حاجة واضحة لأي حد في جميع أوقات، لكن لو مكنتش لوحدك، يمكن تقدر تتجاوز ده." أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما ينظر إليها بابتسامة ضعيفة قائلاً بنبرة ضياع: "مش عارف لو كنت قادر أفتح قلبي لأي حد، بس يمكن معاكِ." نظرت له أمينة برقة، وأنزلت يدها قائلة: "كلنا بنمر علينا وقت بنحتاج نوقف وقفة مع نفسنا، عشان نفهم."
تنهد وهو يتوجه نحو تلك الأريكة في الغرفة، جلس يشعر بأنه لا يستطيع البقاء في مكان واحد، والقلق يتسارع في صدره. تفوه بصوت منخفض، وكأنه يتحدث لنفسه: "مش عارف إذا كان ده هو الصح أو غلط. بس أنا مش قادر أتوقف."
إقتربت أمينة وجلست لجواره تنظر إليه بعينين مليئتين بالثقة. آسر، بينما آسر يشعر بأنه مثل مقسم. جزء منه يريد أن يثور ويحذف الماضي الذي جعله متخاذلًا ومتقبلًا بلا اعتراض، وجزء مستسلم بعدما فقد الثقة في أقرب إنسان له كانت تمثل له كل شيء بعد وفاة والده وهو طفل صغير. منظر ما زال عالقًا برأسه والدته بحضن عمه، عمه الذي كانت معاملته له كأنه لقيط يتفضل عليه، لا صاحب حق بعدما قام بالسطو على ممتلكات والده بصفته كان وصيًا عليه.
ذكريات مؤثرة صنعت منه شخص يستسلم بلا اعتراض، حتى ميسون لم يكن يرغب بها فرضها عليه عمه، كذلك زواج أمينة بتلك الفترة كان القدر يعاقبه على صمته. لكن إلى متى سيظل صامتًا بعيدًا عن المواجهة وفرض إرادته. وثقته بمن حوله شبه معدومة. يخاف أن ينتفض فيجد السراب.
*** بالمزرعة ليلاً.
فتح جاسر عينيه ونظر إلى جواره كانت تاج نائمة، ملامحها تبدو مرهقة، حتى وقت عودته كانت نائمة لم يشأ أن يوقظها. تذكر وجودها جواره كان أمنية ببعض الأوقات. كان يشعر باليأس من ذلك، بالأخص بعدما تزوجت من آسر، ظن أن يتملك آسر من قلبها بعدما رفضت سماعه بعد رؤيتها له يتزوج. كأنها هي الأخرى استسلمت للقدر وأن كل منهما سار بطريق بعيد عن الآخر. لكن صدفة علم أنها تطلقت بعد عام من زواجها من آسر وآسر عاد لخطيبته. تاج أصبحت حرة، تفرغت
لإدارة الأعمال. كان بداخله تردد في العودة والاقتراب منها، ربما كان يخاف أن يجد الضياع كالمرتين السابقتين. ظل تائهًا بعالم يجني منه المال والشهرة بمجال الإعلانات وسباقات الخيل. وصل أن فاز بالمركز الأول بأشهر سباقات الفروسية وذاع صيته، لكن ظل مروضًا بمزرعة مانويل. تذكر ذلك السباق الذي كان قبل أشهر والسبب في اتخاذ قرار حاسم بالعودة والمواجهة مع تاج.
[لندن قبل عدة أشهر]
كان متواجدًا هناك للمشاركة بأحد سباقات الخيل الشهيرة، كذلك تصوير إعلان. كانت روزالينا تحاول استقطابه للعودة إليها، فهو لم يكن نزوة بحياتها وحين تقضي معه ليلة ينتهي شغفها به، بل ليلة معه جعلتها تواقة للمزيد. لكن إصراره على الرفض جعلها تستسلم وتظل صديقة مقربة، هكذا ظنت أو تقبلت على أمل واهي، فهي لا تشغل أي حيز لديه. سوا أنها كانت خطأ فادح أضاع تاج التي ذهبت له ولم يعلم السبب فلم يتحدثا بعدها. رغم محاولته الاتصال عليها
لكن كانت تتجاهل الرد عليه. وهي الأخرى ظنت أن هكذا انتهى حبهما بطريقة قدرية. زواجها من آسر كان في نطاق صفقة بينهما من أجل الميراث فقط بلا أي مشاعر من ناحية تاج، فهي ضمت وجع العشق بقلبها. وحاولت التغلب عليه بسطوة سيدة الأعمال الناجحة.
انتهى سباق الفروسية بـ لندن شارك فيه جاسر وانتهى بأنه الفارس الأول، لكن لا سعادة في ذلك أصبح شيئًا اعتياديًا. قرر البقاء في لندن ليومين فقط من أجل الراحة. بأحد الفنادق الكبرى التي لم يكن يومًا يتوقع حتى العمل بها كنادل أصبح من زوارها. بالاستقبال وضع البطاقة الخاصة بغرفته وخرج دون هدف فقط يتجول. دخل إلى ذلك المقهى الكبير، جلس يحتسي قهوته ببطء بينما يراقب حركة الشارع عبر الزجاج. لم يكن هناك شيء لافت حتى لاحت أمامه صورة مألوفة، فتوقف عن خفض بصره وتعمق أكثر. لم يكن خيالًا. إنها تاج، تسير بخطواتها الواثقة. لكن من ذلك الذي يرافقها؟
تبتسم وهي تتحدث إليه، وهو يمسك يدها. نطق اسمه بصوت مشحون بالغضب والغيرة: "خليل... كأنه يسكب النار على قلبه لا يستطيع أن يصدق أنه يراها مع خليل، الذي كان له دور كبير في حياتها سابقًا. لم يستطع إخفاء انزعاجه.
نهض سريعًا، وضع النقود على الطاولة دون أن ينظر إلى النادل، واندفع خارجًا. مشاعر مختلطة في قلبه. تأخر. السيارة انطلقت بهما بعيدًا، تاركة خلفها غبارًا وغصة تختنق في صدره. وقف في مكانه، يشعر بغضب عارم يشتعل كاللهب، لكنه عاجز عن التحرك. ظل واقفًا يراقب السيارة وهي تختفي عن ناظريه، تسلل إلى صدره شعور آخر. لا، لم يكن مجرد غضب؛ كان إحساسًا بالاشتياق والمرارة. تنهد قويًا واتخذ قرار: "كفى."
قالها بينه وبين نفسه، بنبرة صارمة كمن يعلن حربًا على تردده.
استدار بسرعة، وعاد بخطوات ثقيلة نحو الفندق. دلف إلى غرفته تمدد على الفراش يعيد طيفها. حسم قراره. لم يعد داعي للانتظار أو بالتردد. قرر أن يعود. ليس فقط إلى المواجهة، ولكن إلى كل ما تركه خلفه، سواء كان ماضيه الذي حاول نسيانه أو حاضره الذي يسير بخطى باردة. لن يسمح بالضياع بعد الآن، مهما كانت العواقب. لديه هدف الوصول بينه وبين تاج. حقًا كان هناك عواقب تخطاها وها هي كما تمنى أن يفتح عينيه ليجدها جواره. جذبها يضمها لصدره. لوهلة فتحت عينيها وتبسمت وهمست اسمه برقة ثم أغمضت عينيها. قبل جبينها يضمها بتملك هامسًا:
"حبيبتي." *** باليوم التالي ظهرًا. إتصال بين تاج وفايا أخبرتها عن مشاجبات جديدة بالموقع وعليهما وضع حد فاصل. بالفعل أغلقت تاج الهاتف، قامت باتصال ثم خرجت من الغرفة ذهبت نحو مكتب آسر. دخلت مباشرة، تنهدت حين وجدته وحده. تحدثت إليه: "في مشكلة في موقع المشروع وبما إنك صاحب تاني أكبر نسبة المفروض تيجي معايا مطروح لازم يكون في وقفة حاسمة مننا." نهض آسر قائلاً: "تمام." تنهدت قائلة:
"أنا اتصلت ع المطار وحجزت تلات تذاكر سفر لـ إسكندرية الطيارة هتقوم كمان ساعة بالظبط." سألها باستفسار: "مين الشخص التالت اللي هيكون معانا؟ جاسر." أجابته: "لاء. أونكل خليل. أنا اتصلت عليه هو سبق وتفاوض معاهم، خلينا نلحق الطيارة." بالفعل غادرا معًا. لمحتهما ميسون من بعيد فانسَر قلبها. *** عصرًا. ذهب جاسر إلى الشركة للإطمئنان على تاج. دخل إلى مكتبها كان خاليًا. سأل السكرتيرة عنها وقبل أن تجاوبه جاوبته ميسون
وهي تدعي البراءة المبطنة: "أنا كمان بسأل عن آسر. اكتشفت بالصدفة إن هو وتاج سافروا مع بعض." أصابت تلك الوصولية الهدف، وانطلق السهم وصل إلى عقل جاسر. شعر بغضب عارم، لم تُخفيه ملامحه التي تغضنت بوضوح، وسأل: "سافروا فين؟ أجابته بنبرة خبيثة: "اللي عرفته إنهم سافروا إسكندرية، مش أول مرة يسافروا مع بعض كده بدون ما يقولوا."
نظر لها جاسر بغضب وتركها مغادرًا يشتط. فتح هاتفه وقام باتصال لشركة الطيران حجز تذكرة على طائرة المسا، وبداخله يتصاعد الغضب.
بعد ساعات ببهو ذلك الفندق الذي علم بمكوث تاج به، قبل أن يذهب إلى الاستقبال تقابل مع خليل وآسر ببهو الفندق. شعر خليل بالتوتر والدهشة عندما رأى جاسر في بهو الفندق، لم يكن يتوقع حضوره. حاول خليل الحفاظ على هدوئه وتصرف بشكل طبيعي، لكنه لم يستطع إخفاء نظرة القلق التي ارتسمت على وجهه. بالنسبة لآسر، بدا أكثر هدوءً، غير مستوعب ملامح جاسر التي ازدادت تجهمًا حين رأى تاج تقترب منهم.
لكن للحظة حين رأته تاج توقفت تشعر بالارتباك والتردد، كأن الزمن توقف للحظة بين نظراتها المرتبكة ونظرة جاسر التي اشتعلت بالغضب واللوم. شعرت تاج بثقل الموقف، خاصة مع وجود خليل وآسر، مما جعلها تعجز عن التقدم أو التراجع. كان قلبها يخفق بشدة وهي تلتقط الأنفاس بصعوبة، محاولة الثبات، ارتسمت على وجهها ملامح الحيرة والدهشة.
بينما جاسر لم يُحرّك ساكنًا، لكنه لم يُزل نظراته الحادة عنها، وكأنه يطالبها بتفسير لما يحدث، في حين حاول خليل تهدئة الموقف بابتسامة بسيطة، قائلاً بصوت محايد: "كويس إن جاسر جه هو كمان يبقى حاضر معانا وإحنا بنتفاوض مع البدو." شعرت بتيار بارد يسري في أوصالها عند سماع كلمات خليل، حاولت أن تستعيد توازنها، لكنها لم تستطع تفادي نظرات جاسر التي بدت وكأنها تخترق أعماقها، تطالبها بالإجابة على أسئلة لم تُطرح بعد.
بينما جاسر، حافظ على صمته، ضغط على فكه بقوة وكأنه يحارب الكلمات التي ترغب في الانفلات من بين شفتيه. أخيرًا، قال بلهجة باردة ومقتضبة: "تفاوض إيه؟ تجاهل آسر التعليق وحاول تغيير دفة الحديث بلطف مصطنع: "طيب ما دام كلنا هنا، بلاش نتأخر على اللقاء." أومأت تاج موافقة، كذلك جاسر أرجأ غضبه فيما بعد. بعد قليل، بخيمة شيخ إحدى العشائر البدوية، كان لقاء ودي للتفاوض. كان هنالك بعض من الاعتراضات. حاول خليل التلطيف،
كذلك تحدثت تاج بثقة:
"المشروع بتاعنا مش هيهدد أمن عشيرتكم بالعكس المشروع هدفه الأول يستقطب السياحة بالتالي السياح هيجوا هنا للسياحة ويتعرفوا على موروث المنطقة ويستمتعوا بالمناظر وده هيزود الشغل بالمنطقة وكمان فرصة لعرض منتجات البدو على السياح وهيزود الدخل، يعني أنتم أول المستفيدين من المشروع، لكن بالمشاجبات اللي بتحصل بتوقفوا فرصة كبيرة الكل هيستفاد منها، وفي الآخر القرار لكم، الشركة عندها صلاحيات من الحكومة كشركة استثمارات عقارية ومش هتتنازل عن الأرض ومش صعب إننا نجيب حراسة خاصة ع الموقع غير حماية الشرطة لأننا شغالين قانوني مش بوضع اليد، وأنا واثقة أنكم هتختاروا الحل اللي في صالحكم."
عقل ذلك الشيخ حديث تاج فهي تحدثت بثقة وبنبرة مبطنة بالتحدي، رغم كونها امرأة لكن كانت شجاعة بحديثها. نظر حوله ثم قال: "تمام هنتشاور مع بعض وهنعطيكم قرار باكر." نظر خليل لـ تاج وتبسم بمؤازرة فتبسمت له، لكن سرعان ما زالت بسمتها حين تلاقت عينيها مع عيني جاسر الذي رغم إعجابه بشجاعتها لكن ما زال غاضبًا. بعد وقت.
بمجرد أن دخلا إلى الجناح، أغلق الباب بقوة. لوهلة انخضت تاج من ذلك واستدارت تنظر له، وقبل أن تتفوه شهقت حين جذبها من خصرها يضمها لصدره. وقبل أن تعطي رد فعل كان يلتهم شفتيها بقبلات قوية يعززها شعوره بالغيرة من سفرها مع آسر وحدهما دون إخباره بذلك. حقًا يعلم أن الذي يجمعهم هو العمل فقط، لكن فكرة سفرها معه وحدها كفيلة بسلب عقله. ظل يقبلها بنهم وهي لوهلة انسحب عقلها من المفاجأة لكن شعرت بخشونة قبلاته. رفعت يديها كي تدفعه
عنها، لكن سيطر على إحدى يديها يضمها أسفل ذراعه والأخرى ضمها بقبضة يده. ظل يقبلها ويقبلها إلى أن شعر بضيق تنفسها. ترك شفتيها يقبل وجنتيها نزولًا إلى عنقها يقبله بضراوة تملك. امتدت يده على سحاب فستانها فتحه ثم أزاح طرفيه عن كتفيها ينسدل من على جسدها أسفل قدميها. رفعها بين يديه يدوس على ذلك الفستان يزيل باقي ثيابها عن جسدها يوشم جسدها ببصمات يديه يؤكد لنفسه أنها ملكه فقط. بخياله يشعر بالغيرة من كل العيون التي تنظر لها
بإعجاب ليس بجمالها اللافت كذلك بذكاء عقلها، هو من يمتلك كل ذلك.
بينما هي كأنها نسيت شجاره معها وتعنيفه بالقول، تشعر بخشونة لمساته وقبلاته. ليس هذا أول مرة هو ذو عنفوان في لمساته لكن بدرجة مقبولة تستطيع مجاراة شغفه بها. يستطيع إخراج الأنثى الناعمة الكامنة بداخلها. هي معه تشعر بأنها امرأة حقًا، ليست تلك التي تخفي أنوثتها الرقيقة خلف رداء سيدة الأعمال الصارمة. عشقته بكل جوارحها، عشق طفولتها وصباها، وبقية عمرها. هو الوحيد الذي امتلكها قلبًا وروحًا وجسدًا، تطفو معه بين مروج ربيعية تزهر قلبيهما. لحظات غائبين عن كل الوجود هما فقط، ذابا في نهرين من العسل يمتزجان بمذاق الغرام.
بعد تلك اللحظات جذب تاج على صدره يشعر بأنامل يدها تتلمس بنعومة حول عنقه. نظر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!