فى مصحه الشفاء شق صوت صرخها جدران المصحه وهي تحصل ككل أسبوع على جلسه العلاج بصعق الكهربائى. ظلت تصرخ بكل ما تملك من قوه مع اهتزاز وتشنج في جسدها الذابل الضعيف لتفقد وعيها كالعاده مع نزول بعض اللعاب الأبيض الرغوى وتجمد في العيون. لينسحب الدم من جسدها وتنتفض وكأنها جثة هامدة تدب الروح بها ببطء. نظرت الممرضة للدكتور أدهم العزيزى مدير المصحه، والذي يشرف على علاج هذه المسكينة أو بمعنى أصح يشرف على دمارها أكثر.
لتقول الممرضة المساعده بصوت خائف مذعور: {دكتور أدهم الجرعة كانت زياده جدا النهارده انا خايفه جسمها ميتحملش} رفع نظارته الطبيه بتوجس ونظر لمساعدته الأمينة وهو يداعب ذقنه: {متقلقيش يا سعاد انا عارف كويس بعمل ايه حالتها لازم تسوء ده أمر وانا بنفذه وانا وانتى وناس تانيه بتقبض من تنفيذ الأوامر ديه} إنها عاصمة النور والموضه... عاصمة الجمال والشهرة والاضواء وأيضا عاصمة العلم والثقافة. باريس بالتحديد في منطقه إيل _دو
_فرانس حيث تقع أعرق جامعات العالم جامعه السربون. وقف بكل شموخ وقامه ممشوقه البنيان ووسامه وجاذبيه لا حدود لها وشخصية مرموقه على منصة القاعة يلقى آخر المحضرات عن العلاج النفسى بصوت واثق قوي مثير. وبعد الانتهاء من المحاضره قال كلمته الأخيرة لطلابه ووداعهم. ليقف الطلاب ويصقفون له بحرارة لتهتز القاعة من قوة التصفيق.
سيدة شديدة الجمال في بداية العقد الخامس من عمرها ولكن من يراها يعتقد أنها شابة صغيرة جميلة. وقفت في منتصف بهو الفيلا الكبيرة فيلا دكتور سيف الدين عاصم السلحدار.
بتنورتها السوداء القصيرة وبلوزتها الناعمة الوردية وشعرها الأشقر ينساب على ظهرها بنعومة، مشت بكل كبرياء وحذاؤها يرن على مسامع الخدم ليعلم الجميع أن السيدة فريدة سيف الدين قادمة إلى المطبخ تشرف بنفسها على قائمة الأطعمة التي يفضلها الدكتور يوسف وابنته الجميلة ملك. وقفت بمطبخ شديد الاتساع يقف فيه الكثير من الخدم، الكل يعمل كخلية نحل. ضمت ذراعيها إلى صدرها وقالت: "صباح الخير."
ليرد الجميع في وقت واحد وكأنهم فرقة موسيقية بملابسهم ناصعة البياض والغطاء البلاستيكي على شعورهم: "صباح النور يا هانم." تجولت بينهم وهي تشرف على أنواع الأطعمة. شهقت بصوت رقيق ونظرت لخادمة تقطع خضروات: "إيه اللي أنتي بتعمليه ده يا كريمة؟ في حد يقطع الخضار بالحجم ده؟ حسين يا حسين! تقدم الحاج حسين رئيس الخدم بسرعة وهو يعمل من طفولته بفيلا عاصم باشا والد الدكتور سيف الدين. تقدم عم حسين مرتجفًا: "أفندم يا هانم."
بوجه غاضب برغم جماله، تفلتت: "يظهر إنك مش واخد بالك كويس من شغلك يا حسين. إيه الزفت اللي بتعمله كريمة ده؟ أنت عارف كويس أنا بحب الخضار متقطع بشكل كويس وكله بحجم واحد. يا تعملها تشتغل كويس يا تاخد حسابها وتمشي." هز الحاج حسين رأسه وهو يذهب ناحية كريمة التي ترتجف بقوة من غضب فريدة هانم: "أمرك يا هانم، كل حاجة هتبقى تمام بس حضرتك متغضبيش." خرجت من المطبخ بخطوات سريعة وهي غاضبة: "مفيش حد فيكم يعتمد عليه."
زفر الخدم أنفاسهم ونظروا لبعض ليضحكوا في وقت واحد، ليرتعبوا مرة أخرى وفريدة هانم تدق الجرس لمديرة الفيلا الحاجة وداد زوجة الحاج حسين. وفريدة تعتمد عليها بكل شيء، فهي تلازمها من صباها، وحين تزوجت فريدة كانت وداد تدخل قبلها لفيلا د/ سيف الدين. دخلت الحاجة وداد إلى تراس الفيلا: "نعم يا هانم." وهي تتصفح هاتفها على أخبار الميديا والصحف، نظرت من خلف نظرتها الطبية الأنيقة بهيكلها الأسود العريض المرصع بفصين من ألماس:
"وداد من فضلك عايزة فطاري بسرعة، عندي اجتماع في الجمعية." استدارت وداد لتذهب وتعد إفطار السيدة فريدة اليومي. استوقفت فريدة وداد وهي تسألها بنعومة: "وداد مريم صحيت؟ ردت وداد بسرعة: "من بدري يا هانم، فطرت وراحت على جامعتها." هزت فريدة رأسها وهي مازالت تتصفح هاتفها، ثم رفعت رأسها وهذه المرة قالت بجدية: "ومراد صحي ولا لسه؟ هزت وداد رأسها: "لا يا هانم، لسه نايم. صحيته مرتين، كل مرة يقولي حاضر وينام."
ضربت على الطاولة بقوة ووقفت بغضب وهي تشد تنورتها بشياكة: "طبعًا الأستاذ أكيد كان سهران لوش الفجر. طيب يا مراد أنا هعرف إزاي أخليك تصحى." نظرت بملامح غاضبة وقالت: "وداد عايزة مكعبات تلج واحصليني على أوضة مراد بسرعة." لتهز وداد رأسها بطاعة وذهبت ثم رجعت مرة أخرى: "حرام يا فريدة هانم، هطلع أجرب تاني." "لا لا يا وداد، مرة بقا مستهتر ومش عاجباني تصرفاته بالمرة. يلا وداد بسرعة." مرحباً بكم في مطار القاهرة الدولي.
هبطت طائرة لجين المضيفة التونسية تعمل بشركة طيران عالمية لمدة 3 أيام بالقاهرة. لتستغل لجين وجودها بالقاهرة وتذهب كعادتها كل إجازة لها بالقاهرة إلى منطقة المنصورية وبالتحديد لفيلا الحاج جلال الحسيني رجل الأعمال الشهير. "عشان خاطري يا خالي خد الأدوية بتاعتك علشان تبقى كويس وترجع أحسن من الأول."
هز رأسه بقوة وهو يبعد يد نغم بكل قوة حتى سقطت من يدها الأقراص متناثرة على الأرض. وتستقر بعض الأقراص عند حذاء نسائي أسود عالٍ وأقدام بيضاء. دهست أقراص الأدوية بحذائها وهي تقترب من سرير الحاج جلال الحسيني وهي تلعب بخصلات شعرها البنية والعلكة في فمها تمضغها بدلال. وضعت يدها في خصرها وألقت نظرة بطرف عيونها لنغم وقالت: "وبعدين معاك يا عمو؟ خد أدويتك عشان تبقى كويس وترجع وسطنا."
أدار رأسه للجهة الأخرى حتى لا يرى عيونها الحاقدة وابتسامتها المستفزة وتشفيها في مرضه بكل جبروته. ليحدث نفسه: "ياه يا جلال، جه اليوم اللي تتحكم فيك مرات ابنك بعد ما كنت الدنيا بتتهز من تحت رجلك. آآآخ يا جلال، ياريت تموت وترتاح." دارت عيونه بالغرفة لتقع على مجموعة من الصور في إطارات ذهبية. ولكن عيونه توقفت على صورتها وهي تضحك وتقف بين الأزهار كفراشة جميلة. أغمض عيونه بشدة وتدرجت دمعة من عيونه تحرق وجنته على فلذت كبده:
"شمس." وقفت نغم أمام رانيا بقصف مدفعي تدافع عن خالها ووالد زوجها: "ارتاحي أنتي يا رانيا وخليكي في حالك وملكيش دعوة بخالي وأدويته. اهتمي أنتي ببنك وجوزك." ابتسمت رانيا بشماتة واقتربت من نغم: "أنا هنا مرات هشام الحسيني كبير العيلة دي. التزامك حدودك يا نغم معايا. أنتي عارفة أنا مين وبنت مين." التفت جلال ينظر لراني وملامح الحزن والقسوة ارتسمت على ملامحه:
"يااااه يا جلال، هشام بقا هو كبير العيلة وأنت راحت عليك. بقيت عالة على ولادك ولا لك قيمة في الدنيا." رفع عيونه للسماء: "يارب ريحني من اللي أنا فيه." شهقت نغم ونظرت لخالها المريض لا تلمح بعيونه الألم والحزن: "إنتي إزاي تتكلمي بالشكل ده قدام خالي؟ طول ما هو عايش وسطنا هو كبير العيلة دي." تكلمت نغم بعصبية وهي تفرك يدها. مطت رانيا شفتيها وهزت كتفيها باللامبالاة وخرجت من الغرفة وهي تبتسم.
تجول بالشركة بين المكاتب يتفقد العمل وهو يمشي بكل كبرياء وغرور. خطواته تدق على الرخام بقوة. لا يضحك أو يبتسم في وجه أحد. دائماً غاضب، يصرخ على الموظفين، لا يرحم أحد. الجميع يتحدث بقهر وغِل: (فين أيامك يا حاج جلال؟ فتح باب مكتبه بقوة وسكرتيرته خلفه تدون مواعيده اليومية. انتهت السكرتارية من مهمتها: "حضرتك محتاج حاجة تانية يا فندم؟
هز هشام رأسه وهو يتابع أخبار البورصة وارتفاع أسهم الحسيني جروب. خرجت السكرتارية ليدخل طارق مكتب هشام بسرعة وهو يلهث كالمجنون: "هشام هشام." وقف هشام مذعورًا من وجه طارق الشاحب: "مالك يا طارق؟ في إيه؟ أهدى." جلس طارق ونظر لهشام نظرة مبهمة وعيونه مليئة بالدموع: "إيه اللي عملته شمس عشان نعذبها بالشكل ده يا هشام؟ حرام عليك. حرام علينا كلنا. اختك هتموت. اتصلت بيا سعاد الممرضة وقالتلي شمس كانت هتموت النهارده."
جلس هشام على كرسي مكتبه بكل برود وكبرياء وعلى شفتيه ابتسامة نصر وكأنه انتصر بمعركة. شبك أصابعه مع بعضها وقال بصوت خالٍ من الشفقة: "تموت وإيه يعني؟ واحدة مجنونة قاتلة حقيرة ممكن تموتنا كلنا لو فضلت معانا." ضرب هشام على المكتب بقوة لينتفض طارق: "تعالى أقولك عملت إيه. أمها اتجوزت أبوك وحرمت أمك منه. أخدت نص إمبراطورية الحسيني وأخيرًا قتلت أمك واتهمت جوز أختك بالاغتصاب. عايز إيه تاني؟ اتكلللللللللم يا طارق! وقف طارق
أمام هشام وأحنى رأسه بخجل: "أنا آسف يا هشام، هدى نفسك أرجوك. في حد فينا هيروح عند شمس؟ رفع هشام عيونه الرصاصية وقال بجمود: "سيبها لحد ما تموت وتتعفن." "مريم... مريم." التفت مريم بجسدها الرشيق وشعرها الأشقر الناعم وعيونها الزرقاء وابتسامتها الجميلة المشرقة: "د/ نادر صباح الخير يا دكتور. عامل إيه؟ رفع نظارته الطبية ومط شفتيه ساخرًا منها: "دكتور نادر؟ مالك يا مريم؟ إحنا مخطوبين وكمان كام شهر هنتجوز. إيه دكتور دي بقا؟
ضحكت بشقاوة وهي تلوح بيدها: "إيه يا دكتور؟ مالك في إيه؟ أنت هنا دكتوري وأستاذي ولازم أقولك يا دكتور. ولكن بره باب الكلية أكيد هتبقى نادر ابن خالي وخطيبى." ابتسم نادر وغمز بعينه: "أوك مريم، لما نشوف آخرتها معاكي يا بنت سيف الدين عاصم." مر بعض الشباب والبنات أصدقاء مريم من أمامها وهي تقف تتحدث مع نادر لتلوح لهم بيدها وتلقي عليهم تحية الصباح. اشتعل بنار الغيرة والغضب وعيونه تشع منها النار. صك على أسنانه
بقوة وتكلم من بينهم: "مريم أنا قايلك 100 مرة ابعدي عن الشلة المنحطة دي. وإنتي واقفة معايا. إياكي إياكي يا مريم تتكلمي بالطريقة دي. اتفضلي على المحاضر." تجمعت الدموع بعيونها والدماء زحفت لوجنتها: "نادر من فضلك، زي ما بحترمك في كل مكان ياريت أنت كمان تحترمني وتحترم أصحابي ويريت تغير أسلوبك ده معايا. عن إذنك يا دكتور." جلست فريدة على رأس طاولة الطعام الكبيرة الفخمة. تنظر لساعتها لتنتهي كريمة من وضع الطعام
على الطاولة وتسال فريدة: "أصب الأكل في الأطباق يا هانم؟ رفعت فريدة يدها لكريمة: "لا روحي أنتِ يا كريمة." نزلت مريم من على الدرج متجهة إلى غرفة الطعام لتجلس بمكانها المعتاد. لتنظر إليها فريدة وهي تسند رأسها على يدها: "مالك يا مريم؟ ليه شكلك زعلانة كده؟ زفرت مريم أنفاسها بغضب وهي تقلّب شفتيها كالطفل: "مفيش حاجة يا ماما، مخنوقة شوية." جلس بسرعة وهو يفرك يده بشدة وقال بمرحه المعتاد ووجهه المبتسم:
"ماله الجميل مخنوق من إيه؟ التفتت إليه فريدة بوجه غاضب وبصرامة شديدة قالت: "مراد ده كرسي يوسف، اقعد مكانك. وبعدين غسلت إيدك قبل ما تدخل بالهمجية دي." كتمت مريم ضحكة خرجت من شفتيها وهي تشاهد مراد يفتح فمه. لتصرخ فريدة بغضب: "اقفل بقك ده وأنت بتاكل." لتنفجر مريم بضحكة عالية ومراد أيضاً وهو يقبل يد أمه ويغمز لها بعينه الخضراء: "أنا مش فاهم يا فريدة هانم، أقفل ولا أفتح؟
وبعدين يا ماما إحنا مش عيال صغيرة عشان التوصيات دي. غسلنا إيدينا ولا لا يا ماما؟ إحنا كبرنا." ابتسمت فريدة بهدوء وهي تحاول أن لا تظهر ابتسامتها الجميلة أمام مراد وهي تضرب على يده بخفة: "اخرس يا مراد واتفضل كل وأنت ساكت." ثم التفتت برأسها مرة أخرى إلى مريم وهي تأكل بكل اتيكيت وتهذيب: "وإنتي يا مريم في إيه مالك؟ وضعت مريم فوطة الطعام بهدوء بعد أن مسحت فمها الصغير وتنفست بهدوء:
"نادر يا ماما زودها جداً وأصحابي اللي بحبهم عايز يمنعني أتكلم معاهم." وضعت فريدة قطعة اللحم في فمها ونظرت لمريم بكل هدوء: "عنده حق طبعاً. أساساً مش عارفة إزاي مريم سيف الدين حفيدة عاصم السلحدار تصاحب ناس زي دول." نظر مراد إلى مريم وهز رأسه ثم أكمل طعامه. لتقول مريم بنفور: "يا ماما مالهم أصحابي؟ وبعدين مفيش حاجة اسمها بنت مين وابن مين؟ الروس اتساوت يا ماما." ليقف مراد وهو يقضم تفاحة:
"وبعدين نادر ده مزودها أوي بصراحة." طرقت فريدة على الطاولة بغضب: "مراد! اتكلم عن ابن خالك وخطيب أختك بطريقة أفضل من كده. أنا مش عارفة أنتم دماغكم مالها؟ هو عنده حق. إزاي كل من هب ودب ومعاه شوية فلوس يدخل أولاده مدارس وجامعات أولاد الذوات؟ الدنيا حصل فيها إيه؟ ابتسم مراد بسخرية وهو يمشط شعره: "أنا همشي عندي معاد مهم." وقفت مريم أيضاً وقالت بصوت مجهد: "وأنا في أوضتي عندي مذاكرة." نادت فريدة على مراد بصوت صارم:
"مراد يوسف هيوصل الساعة 8، مش عايزة تأخير من فضلك." ليركض مراد بسرعة نحو فريدة يعانقها ويقبلها بشدة من وجنتها: "أمرك يا مزة." لتشهق فريدة وهي تضربه: "أبعد إيدك عني يا ولد وبلاش الحركات دي. وبعدين إيه الكلام ده؟ مزة إيه؟ اتعدل يا ولد." في الطائرة المتجهة من باريس إلى القاهرة كان يجلس بجانب طفلته الجميلة التي تشبه بشكل كبير بشعرها الأسود الناعم كالسلسبيل وعيونها الزيتونية تلعب بدميتها الصغيرة.
ليداعب شعرها. رفعت رأسها وبنظرة بريئة ابتسمت لتظهر غمزتها التي تزين وجنتها: "دادي إحنا رايحين عند مريومة ومراد؟ انحنى وقبل جبينها ثم داعب وجنتها الناعمة: "أيوه بابا، إحنا راجعين مصر عند نانا فريدة ومريومة ومراد." صفقت بيدها الصغيرة وقالت بمرح: "ووجدتو؟ ابتسم بجاذبية ليظهر أسنانه البيضاء: "جدو جدو يا ملوكة مش جدتو. لأ يا حبيبتي جدو لسه مسافر." ركزت على المقعد بركبتها وهي تقترب من والدها وتداعب وجنته بيدها الصغيرة:
"جدتو فين؟ قبل يدها وهمس برقة: "بابا اقعدي مكانك، البنوته الجميلة تقعد مكانها." لتجلس مكانها مرة أخرى: "حاضر دادي." نظرة حزن عميقة احتلت مقلتيه وهو ينظر لصغيرته الجميلة التي حرمت من والدتها. ليعود بذاكرته قبل 3 سنوات وهي ترقد في فراشها الأبيض والأطباء يتجمعون حولها وهو يقف يستمع لكلماتهم الموجعة التي تمزق أحشاءه: "أسفين دكتور يوسف، إنها مسألة وقت والسيدة كلارا ستفارق الحياة."
تجمعت الدموع بعيونه البنية وهو يقول بصوت مبحوح خالٍ من الأمل: "مفيش فايدة." فارقت كلارا بيل أو كلارا سيف الدين كما تلقب، الإنجليزية الأصل، الحياة بعد أن قضى عليها هذا المرض اللعين وتركت طفلتها الجميلة ملك تبلغ من العمر سنتين. تنفس بضيق وهو يحل ربطة عنقه من حول رقبته وينظر لطفلته التي أصبحت الآن خمس سنوات. 3 سنوات لا يفارقها ولا يفارقه أبداً بعد أن عرضت عليه أمه أن تربي ملك ولكنه رفض أن تفارقه ملك روحه أبداً.
هبطت الطائرة في مطار القاهرة ليبدأ يوسف حياته الجديدة في بلده بعد أن غاب عنها 7 سنوات في باريس. عاد ليواجه مصيرًا جديدًا وحياة جديدة ومستقبلًا لا يعلمه إلا الله.
داخل غرفة بمصحة الشفاء فتحت بابها سعاد الممرضة المساعدة لدكتور أدهم ودخلت بهدوء ثم أغلقت باب الغرفة بهدوء مرة أخرى بالمفتاح. كانت تجلس على فراشها منكمشة على نفسها تضم أقدامها إلى صدرها ترتدي جلبابًا ورديًا تجدل شعرها ضفيرة كبيرة تصل لفخذها. وجهها لنافذة الغرفة ذات الأعمدة الحديدية. غرفة خالية من أي شيء لا يوجد بها غير سرير وخزانة. "شمس شمس."
نادت سعاد وهي تربت على رأسها لتنتفض فجأة ثم ركضت ناحية النافذة متمسكة بالأعمدة الحديدية بوجه شاحب. عيونها العسلية الجميلة تحلق حولها الهالات الزرقاء. شفتيها زرقاء. مدت سعاد يدها بهدوء وهي تبتسم: "تعالي يا شمس متخافيش. أنتِ هتأخذي أدويتك بس تعالي حبيبتي." تمسكت أكثر بالنافذة وجسدها الضعيف يرتعش وشفتيها تنتفض من الخوف. برغم من حالة اللا وعي التي تعاني منها ولكنها تشعر بموعد عذابها بجلسات الكهرباء.
طرق باب الغرفة بهدوء لتنظر سعاد من عين الباب السحرية لتجدها الممرضة المساعدة الثانية آمال. فتحت سعاد باب الغرفة ودخلت آمال: "تعالي يا آمال، في حاجة؟ سألتها سعاد بهدوء. هزت آمال رأسها. "لا مفيش، جيت أشوفك محتاجة حاجة." التفت سعاد لشمس المتشبثة بالنافذة بقوة، ونظرات الخوف تشع من عينيها الجميلتين. "تعالي يا شمس، بالله عليكي بلاش نظرات الخوف دي، مش باليد حيلة يا بنتي، تعالي."
اقتربت آمال وجذبت شمس بالقوة من يدها وهي تقول بحدة. "تعالي يا أختي هنا، إحنا ناقصين وجع قلب، زهقتنا." شدت سعاد يد آمال وهي تهتف بغضب. "بس يا آمال، براحة عليها، مش شايفة ضعيفة إزاي؟ قلتلك 100 مرة بلاش تتعاملي معاها كده، مش كفاية." لوت آمال شفتيها بسخرية وهي تصدر صوتًا من بينها. "إيه يا سعاد، مالك قلبك حنين أوي كده؟ إذا كان أخواتها مش طايقينها، إحنا هنبقى عليها؟ دي مصيبة وقتالة قتلة، بلا قرف."
كانت شمس عيونها مشتتة بين سعاد وآمال وهي تنظر بخوف، وجسدها ينتفض من الخوف ودموع تنهمر على وجنتها. ماذا فعلت لتتعذب كل هذا العذاب؟ كل ذنبها في الحياة أن والدها جلال عشق أمها بجنون، وشمس هي شمس حياته وابنته الجميلة صاحبة القلب الطيب. سألت آمال عن دكتور أدهم وتغيبه اليوم عن المصحة. "هو فين دكتور أدهم؟ مجاش ليه النهارده؟ مش المفروض أخوات المحروسة يبعتوا الشهرية." ردت عليها سعاد وهي تعطي شمس أقراصًا بيضاء.
"دكتور يوسف جاي من السفر النهارده، والدكتور أدهم راح يشوفه." شهقت آمال وهي تضرب على صدرها بقوة لتنظر لها شمس وملامح وجهها التي ارتسمت عليها علامات الخوف. "إيه؟ دكتور يوسف ابن دكتور سيف؟ يعني إيه جاي إجازة زي كل مرة ولا إيه؟ ردت سعاد بقلق. "لأ يا أختي، دكتور يوسف هينقعد في مصر على طول، وكمان هيكون هنا في المصحة. ده دكتور أدهم شايل الهم وخايف. ارتاحي يا شمس، نامي حبيبتي. يلا بينا يا آمال."
خرجت آمال وسعاد من غرفة شمس البعيدة عن باقي أجنحة المصحة بعد أن أغلقت باب الغرفة بالمفتاح. شردت آمال ثم قالت بقلق واضح. "ده دكتور يوسف، لو اكتشف حاجة هنروح في داهية يا سعاد، ده غير حنفية الفلوس اللي هتتقفل." ردت سعاد بغضب. "كل اللي همك الفلوس؟ انتي مش بتشبعي؟ ربنا يستر من اللي جاي، لأحسن كلنا هنروح السجن من غير كلام، وأولنا دكتور أدهم. دكتور يوسف مش هيسكت لو اكتشف موضوع شمس."
وقفت السيارة أمام باب الفيلا لينزل منها يوسف وبيده تتعلق طفلته الجميلة ملك. نزلت فريدة الدرج بسرعة وهي تبتسم بسعادة وشوق، فتحت ذراعيها على مصرعيها، وخلفها مريم. ليترمى يوسف بأحضان أمه الحبيبة الجميلة التي مازالت جميلة بل زادت جمالاً وإشراقًا بعيون مشتاقة سعيدة. غمرت دموع الفرح عيون فريدة. "يوسف حبيبي وقلبي، أهلاً يا حبيبي، حمد الله ع سلامتك يا قلبي." عناقها أكثر وهو يقبلها. "ماما حبيبتي، وحشاني يا أمي، وحشاني جدا."
في نفس الوقت كانت تنحني مريم أمام ملك تقبلها بشدة من وجنتها وتعانقها بشوق وحب. لتبادل الأدوار ويعانق يوسف أخته الجميلة مريم صاحبة العيون الساحرة. قرص وجنتها بخفة وقبلها بعد عناق طويل. "حبيبتي مريومتي، وحشاني جدا." ارتمت على صدره تعانقه بشدة. "وانت كمان يا يوسف، برغم إني كنت بكلمك كل يوم انت وملوكة، بس وانت قدامي حاجة تانية خالص يا يوسف، بجد وحشني." هتف بفرحة وهو يركض ع الدرج وخلفه داده وداد وباقي الخدم سعداء بشدة.
"إنه دكتور يوسف، أطيب القلوب وأحنها." فتح ذراعه وقال بسعادة. "مصر كلها والدنيا كلها نورت يا دكتور يوسف يا ابني يا حبيبي." عانقه بشدة وهو يربت على ظهره بحب. "عم حسين حبيبي، وحشاني يا راجل يا عجوز، وحشاني الأمليت من إيدك الحلوة." نزل عم حسين لمستوى الصغيرة وقبل يدها بحب. "أهلاً بست البنات، بسم الله ما شاء الله." ابتسمت ملك برقة وهي تتمسك بقدم يوسف تشعر بالخجل. أما داده وداد عانقت يوسف بحب وهي تبكي.
"أهلاً يا غالي يا حبيبي، شرفت بيتك ونورته يا دكتور." اقترب منها وقبل رأسها وهي يعانقها بشدة. "وحشاني يا داده يا أحلى داده في الدنيا." لتشمئز فريدة من يوسف وأسلوبه مع الخدم الذين سلم عليهم وعانق الرجال منهم ليدخل يوسف بعد أن عانق وسلم على الجميع. جلس على معقد الصالون الفخم وبين أقدامه وقفت ملك المتعلقة بيوسف كالماء والهواء. نظر للفيلا وابتسم برقة. "آمال فين المجنون." جزت فريدة على أسنانها.
"اتصلي يا مريم بالأستاذ وقوليله يوسف وصل، خليه يتفضل يجي." هزت مريم رأسها وهاتفت مراد. ابتسمت فريدة بحنان وفتحت ذراعيها بحب. "تعالي حبيبتي عند نانا، وحشاني ملوكة." ركضت ملك الجميلة لتستقر في أحضان جدتها التي تعانقها بشوق ولهفة. بدأ الخدم في تحضير طاولة الطعام الضخمة بأشهى الأطعمة المختلفة والمتنوعة لينظر يوسف بدهشة مبتسمًا. "إيه ده كله يا ماما؟ مين اللي هياكل كل الأكل ده." لتقترب منه فريدة ويدها تداعب وجنته.
"في ضيوف معانا ع العشاء." سأل يوسف بدهشة وهو يأكل بشهية من طبق المحشي اللذيذ. "ضيوف مين." ليسمع صوت ليس بغريب عليه. "إحنا مش ضيوف يا فريدة، ولا إيه يا دكتور يوسف." نظر يوسف ليتفاجأ بخاله الدكتور أدهم العزيزي وابنه نادر. ليرحب بهم يوسف بشدة. وأثناء الترحيب...
دخلت بفستان أسود قصير ثلث كم يصل فوق ركبتيها ضيق يبرز رشاقة جسدها. ترفع شعرها الأشقر ذيل حصان. اقتربت منه وعيونها الرمادية اللون تلتهم تفاصيله الجميلة التي اشتقت لها. وقفت أمامه وبصوت رقيق مثير يعرفه ويحفظه عن ظهر قلب قالت. "حمد الله ع السلامة يا يوسف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!