الفصل 24 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
19
كلمة
7,914
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

بخُطوات هادئة فوق أطراف أصابعها، خطت فوق العشب النادي تقترب منه بحذر شديد وهي تنظر حولها. انحنت من خلفه بهدوء تداعب عنقه بشفتيها الناعمتين. انتفض جسده بالقشعريرة من لمسة شفتيها، جعلته يبتسم ليجذبها فوقه وهو يقول بصوته الأجش الهادئ: "حبيبتي." همهمت بصوت رقيق: "نعم." ابتسامة جذابة لاحت فوق شفتيه جعلت صدرها يعلو ويهبط من تأثيرها المهلك على قلبها، لتهمس وهي تلامس ذقنه الغزيرة: "يوسف، بلاش الضحكة دي، حرام عليك." ضمها

لصدره بيده اليمنى السليمة: "ليه عايزاني أكشر عشان تزهقي مني وتقولي الراجل ده ضارب بوز دايماً؟ اقتربت منه تتطبع قبلة ناعمة فوق شفتيه، ثم همست وهي تغرس أصابعها في صدره بدلال: "الراجل ده كل ما يبتسم كده أحس أن الدنيا كلها بتضحك في وشي، وكمان... احمرت وجنتاها خجلاً، جعلته يمرر أصابعه فوقهما وهو يسألها مستمتعاً من ذلك الخجل: "وكمان إيه؟ كملي." أغمضت عيناها تهمس بغنج: "كل لما تضحك كده بحس قلبي بيرتجف وبس."

شعر من بساطة كلماتها القليلة بأن الفراشات تتطاير من حوله، وقلبه يكاد يقفز من صدره بين يديها الناعمتين. غمز بطرف عينه وهو يعدل جلسته: "فين ملك؟ أجابت ببرائة دون أن تفهم قصده: "مع مريم في أوضتها وتقريباً كده هتنام معاها عشان عروسة." قالت جملتها وهي تضحك وترفع خصلات شعرها الثائرة فوق وجهها. هز رأسه منفرج الفم وهو يأخذ نفساً عميقاً:

"عظيييم جداً. ودكتور سيف راح كعادته يوم الجمعة يلعب طاولة، يعني نفتكره بعد صلاة الفجر. ومراد في الصيدلية، يبقى كده تمام جداً." ارتسمت ملامح وجهها باندهاش، ترفع أكتافها وهي تسأله: "وده عظيم في إيه؟ وقف يجذبها لصدره لتقف أمامه ملتصقة بجسده: "اممم، معناه هنطلع أوضتنا الجديدة من غير ما حد يزعجنا."

بشوق يحرق الأجواء من حولهم، مرر أصابعه فوق بشرتها الناعمة ثم عنقها الظاهر أمامه بوضوح. لتتسلل أصابعه لنحرها الوردي. تلبلكت، ابتعدت قليلاً تقل بتلعثم: "يوسف، بس احنا في الجنينة." التفتت حولها تنظر بترقب: "ممكن حد يشوفنا، عيب." رفع حاجبيه بتعجب يلثم رقبتها بجنون: "عيب؟ هو إحنا مش متجوزين ولا إيه؟ هزت رأسها وهي تحرك يديها باضطراب. تحول تشويش ذهنه لتقل سريعاً:

"ياااه، ماكنتش أعرف أن داده وداد وجوزها عمو صالح جوزها بيحبوك كده. إيه الاستقبال ده؟ بصراحة كل الموجودين بالفيلا أنا حبيتهم." صمتت قليلاً ثم أكملت وهي تحرك رقبتها بتشتت: "عارف حبيبي؟ داده وداد كانت قلقانة عليك جداً وأنت في المستشفى، يمكن أكتر من مام... قاطعت حديثها سريعاً، تركل ساقها ندماً على ما تفوهت به لسانها. ليكمل هو بحزن: "أكتر من ماما؟ عارف." أحنت رأسها للأسفل معتذرة: "آسفة حبيبي، مقصدش، خاني التعبير."

عطف طرف شفتيه مبتسماً بسخرية: "حبيبتي، ملوش لازمة الاعتذار. أنتي عندك حق. تعرفي أن داده وداد هي تقريباً اللي ربتني، وبعدها مريم." تنهد يهدر بانفعال: "لأن ماما كانت ندمانة إني جيت بدري، وبعدها كنت دايماً أروح البلد عند جدي أبو بابا، وكانت داده وعم صالح هناك، وبدأت أتعلق بيها جداً أكتر من ماما تقريباً، لحد ما جدي خلاها تيجي تعيش معانا. وبعدها جت مريم واتعلقت بداده وداد يمكن أكتر مني."

حدقت في عينيه تحاول كبح شعور بألم من حديثه عن أمه وعن قسوتها غير الطبيعية. حاولت شمس أن تخرج يوسف من ضيقه، تأملته بشغف، تغلغل صوتها هامسة: "حبيبي، سرحت في إيه؟ هز رأسه نافياً، يلامس ذقنها ليقربها منه حتى التحمت شفتيها بعشق وجنون. لتبادله قبلته بنفس الجنون، الشوق هي الأخرى. ابتعدا عن بعضهما بالكاد يلتقطان أنفاسهما الضائعة، ليغمغم أمام شفتيها ويده تضغط على جسدها المرتجف: "اشتقتلك شمسي، كفايةبعاد."

أومأت برأسها تعانقه بقوة، تقل بخجل: "كفاية حبيبي." أزاح خصلات شعرها الثائرة يقضم أذنها، لتضحك بخفة. أذابته حركة النشوة بداخله، لم يستطع مقاومة عشقها وجمالها، ليقل برغبة عارمة: "يبقى بلاش مقاومة واستسلمي. روحي وتعالى، خليني أحبك. أنا مصدقت لقيتك." أغمضت عيناها تقرب شفتيها من ذقنه تطبع قبلات ملتهبة، وقد خلعت عن نفسها ثوب الخجل، تردف بأنفاس سريعة: "حبيبي، أصابتك." بساعده القوي حملها من خصرها وهو يلهث من الشوق:

"بلاش تحرميني من لحظة اشتياقي وحبي ليكي شمسي، كفاية بعد." بغرفتهم، تناسى كل منهم الألم والقلق والحرمان، واشتعلت أجواء الغرفة بنيران العشق واللهفة والنشوة. غمرها بحبه، كانت عيناه تلتهمان تفاصيلها في ذلك الثوب المهلك الأحمر الناري، وقد رحل عقله عنه وهو يكاد يقسم أنها أجمل وأرق امرأة على وجه الأرض. سألها بصوت أجش وهو يقترب منها، يتحسس الثوب وما يخفيه الثوب بجرأة بالغة: "مش حرام عليكي تحرميني من الجمال ده."

اشتعلت وجنتاها بالاحمرار يماثل احمرار الثوب. تغلغل صوتها الضائع: "يوووووسف." ابتسم بشغف، يحرك شعرها المموج بانسياب: "روح وقلب يوسف." قفزت من أمامه كحبة الذرة، تبتعد من خجلها وتوتر أعصابها، تهتف معترضة: "لا لا، أنت تعبان وشك باين عليه." حاول كتم ابتسامته، يحدثها بهدوء وهو ينزع ذلك الحامل عن رقبته ليلقي به بزاوية الغرفة بعيداً عنه: "أهو أنا قدامك كويس ومش تعبان غير من بعدك عني."

ابتعدت أكثر، تقفز تلك المرة ولكن فوق الأريكة المخملية، ترمقه بنظرات خجولة: "طيب أنا... أنا تعبانة ودايخة كمان." تجعدت ملامحه يسألها مستفسراً خوفاً أن يكون ذلك التعب شهرياً: "تعبانة إزاي؟ أقصد تعب الستات ده." شهقت وهي تفتح عينيها باتساع، ثم عضت شفتيها، تغمغم بحنق: "قليل الأدب." لم يستطع تلك المرة كتم ضحكته، ليضحك بصخب وهو يقترب من الأريكة: "قليل الأدب كمان... مش مهم قليل الأدب، بس أعرف." هزت رأسها معترضة دون وعي، تقل:

"لا، مش تعب كل شهر طبعاً." تنهد براحة، يقترب كالنمر الذي يتربص بفريسته: "طيب تمام، مفيش حاجة تمنع." انتبهت لما تفوهت به لسانها من ذلة: "أقصد، آه آه، تعب كل شهر." رفع حاجبيه بمكر يتأملها قليلاً، قائلاً: "كدااابة." رمقته بغيظ: "أنا كدابة؟ ابتسم باشراق، يقل: "مش أنا قليل الأدب؟

عضت شفتيها تخفي عينيها عنه، ليقترب أكثر منها ويرفعها من فوق الأريكة ويضعها فوق الفراش، يقبلها قبل أن تثثر. حاولت النهوض لكنه حاصرها بجسده معترضاً وهو ينهال عليها بقبلاته، ليهمس بصوت أجش: "مين اللي قال إن الخيال أخف من الواقع؟ ده غبي."

بالضغط على كفيها بقوة، تتمسك بشرشف الفراش. حاوطها بذراعيه، وبرغم من ألم ذراعه المصاب، إلا أنه تحمل ذلك الألم في سبيل الوصول إلى مبتغاه. ضمها بقوة، دان شفتيه في عنقها، فأنذرت أن مقاومتها تحطمت. استمر في تقبيل عناقها ونحرها، هامساً أمام أذنها: "استرخي شمسي، ومتخفيش وانتي في حضني أبداً." همست بدورها ترتجف: "خايفة." همس بابتسامة مهلكة: "متخافيش وانتي معايا."

أحنى رأسه يتمكن من شفتيها، وأنامله تتسلل أسفل قميصها بمكر، لتشهق بقوة وهي تشعر بمداعبته لبشرتها الدافئة. بينما هو يعاود تقبيلها بجنون، هامساً: "أنا هتجنن بصراحة، مش قادر أصبر أكتر من كده." وبسرعة لم تتخيلها، كان قميصها ينزلق من فوق جسدها، متكوم أسفل الفراش. ليعيش معها أجمل خيالاته وجنونه وعشقه بها، وأخيراً اتحدت الأرواح والقلوب قبل الأجساد، كبداية لقصة حب أبدية وحياة جديدة.

في مكالمة هاتفية صارمة من فايز سعدان توحي بالتهديد المباشر إلى فهد، انتفخت أوداجه وهو يستمع إلى صرخات فايز: "قولتلك يا فهد، أنت بتلعب بالنار وبرضه مشيت كلامك. أنت عايز الكل يروح في داهية بسبب نزواتك وقلة عقلك. اهو البوليس بيحفر وراك وتقريباً عرفوا كل مصايبك وأنت مستمر فيها من غير ما تملك حساب لحد، بس اسمع كويس، مش عشان واحدة مجنونة تتهد كل حاجة. مش هسمحلك، أنت فاهم؟

حالة من الغضب والانزعاج أصابت فهد وهو يستمع إلى تهديدات فايز سعدان، ليهتف ببرود: "ده اعتبره تهديد يافايز بيه؟ صرخ فايز بفهد: "أيوه اعتبره تهديد يافهد، وأنت عرفني كويس. أنا مش برجع في أي كلمة قلتها، وأكبر دليل حي قدامك نادر العزيزي." لم يتمالك فهد أعصابه تلك المرة، ليهتف هو الآخر بتهديد مباشر لفايز:

"أنا مش بتهدد يافايز بيه، وأنت عارف كويس مين فهد العمري. أنا مش نادر العزيزي. من ساعة ما غدرت بنادر وأنا واخد احتياطي كويس. ولو حصلي أي حاجة، ناس كتير ورايا ومعاهم معلومات مهمة جداً ياسيد فايز عن المنظمة وصاحبها، يعني... أجاب فايز بضطراب: "يعني إيه يافهد؟ ضحك فهد ضحكة مستفزة، جعلت فايز سعدان يشتعل غضباً وحنقا، ليهتف عليه: "اتكلم يافهد وبلاش تلعب معايا لعبة القط والفأر، وإلا... قاطعه فهد بنزق: "وإلا إيه؟ لسه بتهددني؟

ولا مفهمتش أقصد إيه ياسيد فايز؟ تمام، أفهمك. يعني، كل حاجة تخصك وتخص شغلنا، في ناس غيري تعرفها. ولو حصلي حاجة، المعلومات دي هتخرج، ويبقى موتي خسارة كبيرة ليك يافايز بيه. يبقى خلينا متفاهمين أحسن ليك وليا. وأنا أهو قدامك بقوم بشغلي على أكمل وجه، يعني أموري الشخصية مش هتأثر عليك. وبالنسبة للمسائل التانية، متقلقش، أنا أقدر أحبها بطريقتي."

أغلق فايز سعدان الهاتف وهو يضجر من الغيظ والحنق من هذا التافه، حتى يهدد بهذا الشكل المريب. جلس خلف مكتبه يفكر ويبحث عن هوية هؤلاء الأشخاص الذين يعلمون كل شيء ويثق بهم هذا الثعبان. همس بغل: "ااااه يافهد، غلطتي إني ماخدتش حذري منك، بس صدقني، أنت اللي جبته لنفسك. أنت متعرفش غلطته اللي يلعب مع فايز سعدان."

بنفس الوقت كان فهد يفكر أن هذه الكذبة التي قام بتأليفها من وقت قليل، ليفوتها فايز سعدان على خير، ويجب اتخاذ احتياطه من كل من حوله، خاصة وأن الشكوك تحوم حوله بشكل مريب. ويعرف جيداً أنه انكشف أمره. مرر أصابعه بين خصلات شعره، يزفر أنفاسه بضيق وهو يردد بتعب: "شمس حبيبتي، إن الأوان تكوني ليا. مش هستنى أكتر من كده، كفاية تضييع وقت لحد كده. أي حكم عليكي مش هيضيعك مني، وهقدر أخطفك وأسافر بيكي لأي مكان بعيد، أنا وأنتي وبس."

خيم الصمت على تفكيره قليلاً، ثم أردف مبتسماً: "برافو فهد، مفيش غيرها هي اللي تقدر تساعدك وتكون معاك. والتمن بسيط وسهل، فريدة العزيزي، أكيد هتكون معايا. يبقى لازم نتقابل في أقرب وقت، فريدة هانم، ونحل أمورنا." وضع جلال الهاتف بعد أن أنهى مكالمته، يهتف بسعادة وراحة: "نغم، أنتي فين يابنتي؟ خرجت نغم من غرفتها تركض على صوت خالها وهي تخشى هذا الهتاف، ولكن عندما رأت ابتسامة جلال التي غابت عن وجهه لفترة، اطمأن قلبها،

لتقترب منه بلهفة: "خير يا خالي، حصل إيه؟ طمني." ضمها جلال لصدره يردد: "الحمد لله والشكر لله. فارس يا نغم، فارس فاق واتكلم وسأل عني. الدكتور طمني وقالي إنه بخير واتحسن." شهقت نغم بفرحة تضم جلال أكثر: "بجد يا خالي؟ الحمد لله، أنا حاسة إن كل حاجة هتتصلح، وهشام هيخرج قريب، خصوصاً بعد شهادة فارس. الحمد لله يا خالي، يا رب غمة وانزاحت، عقبال قضية شمس كمان، وساعتها نرتاح."

فجأة تقلصت ملامح جلال بقلق، ليبتعد عن نغم، يجلس على الأريكة الجلدية وهو يغمغم بخفوت: "طول ما الكلب ده بره وحر، عمرنا ما هنرتاح أبداً يا نغم. أنا خايف على شمس وشروق." جلست نغم بجانبه تربت فوق ساقه بقلق: "تقصد فهد يا خالي؟ متأكد يا خالي إنه ورا كل اللي بيحصل؟ هز جلال رأسه بموافقة، يقل بقهر:

"أنا واثق يا نغم، واااثق. كلنا عارفين إن فهد كان عايز شمس وطلبها أكتر من مرة، وهي قالت لأ ورفضته. وبعد كده فجأة طلب شروق وهي وافقت عليه. ودرية مكانتش بتحبه وكانت دايماً تضايقه بالكلام ده. غير علاقته وصلة القرب بينه وبين رانيا، وأنا شوفت وسمعت حاجات كتير، وأنا تعبان ومش قادر أتكلم. شوفتهم بعيني يا نغم، بس غلطتي إني مقولتش وقتها، خوفت على هشام وشروق، وخصوصاً شروق، أنتي عارفاها مجنونة بيه إزاي، وكنت عايز أتأكد قبل أي حاجة من نسب فارس، وبعدها هكشف أمرهم وأفضحهم، بس هو الكلب قتلها وتخلص منها."

أسندت نغم رأسها، تضغط عليها من الألم الذي شعرت به: "مش ممكن يا خالي؟ وكنت مستحمل كل ده لوحدك و صابر؟ وإزاي شروق ماخدتش بالها هي وهشام؟ وليه يقتلها؟ ليه ممكن كان ينهي معاها العلاقة من غير ما حد يحس؟ هز جلال رأسه بقلة حيلة: "مش عارف ليه، بس أكيد هددته بحاجة وحب يتخلص منها ومن هشام كمان بالمرة." ابتسمت نغم بسمة أمل: "إن شاء الله فارس هيقول اللي شافه، بس أنا خايفة على نفسيته أو يتأثر." أومأ جلال برأسه، وقد

لفتت نغم نظره لتلك النقطة: "أنا هعرف كل حاجة من الدكتور، ولازم يوسف يتكلم معاه ويعرف حالة الولد."

تنهد بحرارة وهو يشيح بوجهه عنها، ليعاود شروده إلى تلك الليلة الدافئة التي جمعته بها، وهو يتذكر تفاصيلها الصغيرة منها قبل الكبيرة. تلك الليلة الدافئة استنفذ فيها كل اشتياق ولهفة الماضي والحاضر، وهو يعتصرها بين ذراعيه. انعقد حاجباه بغضب، يشعر بالندم الشديد لأنه أقدم على شيء ما كان يجب أن يقدم عليه الآن، حتى تشفى جروحه ويستعيد كبرياءه المهدور في جموح عشقها، لكنه لم يستطع ليلتها السيطرة على حاله، فهو في نهاية الأمر رجل عاشق للمرأة التي فقدت عقله وسلبت لبه. تأفف بسخط، يستغفر الله وهو ينظر خروجها من الغرفة بعد أن تركها قبل ثلاث ساعات، وهو يأمرها بصوت

تغلب عليه الجمود والقسوة: "حضري شنطتك، إحنا راجعين على تونس عشان ماما تشوفك." بنبرة مستكينة هادئة تحمل رقة نسمات الهواء، سألته: "هنقطع شهر عسلنا؟ فلتت من بين شفتيه ضحكة ساخرة، يهمس بنفس سخرية الضحكة: "شهر عسلنا؟ أنتي صدقتي المسلسل العربي القديم اللي عايشين فيه؟ أبكاها عدنان بحرقة، سأل نفسه بغضب وهو يقبض بقوة على يده حتى ابيضت مفصله:

"أيوه، خليتها تبكي. كان لازم أقول كده، لازم أتصرف بشكل ده معاها عشان أعرف أسامحها وأعيش معاها من غير قيود ومن غير ماضي مؤلم هيؤثر علينا احنا الاتنين. غلطة وأنا ارتكبتها، غلطة يمكن تديها أمل إني نسيت وممكن أغفر بسهولة. يارب ساعدني."

هكذا كان حديثه الصامت بينه وبين نفسه، وهو ينتظر خروجها بعد وقت دام لأكثر من ثلاث ساعات، أغلقت فيهم باب الغرفة بهدوء، ولكن بعد هذا الهدوء النسبي، هبت عاصفة من البكاء والنحيب خلف هذا الباب المغلق، ليزيد من نحر قلبه وعذاب روحه، وهو يستمع إلى شهقاتها وأنينها.

خرجت من الغرفة وهي مستعدة بكامل ملابسها المرتبة بأناقة، ووجه بريء خالٍ من أي مساحيق، فقط حمرة البكاء تزينه، وعينان واسعتان بسواد الليل متورمتان من كثرة البكاء، وشفاه منتفخة يكسوها لون الكرز. الآن يشتهيها بشدة، يريد أن ينقض عليها كما فعل أمس ويلتهمها بلهفة. نفض رأسه من تلك التفكير الشهواني، وهو يرسم على وجهه الرجولي الوسيم ملامح القسوة، يجلي صوته بنبرة قاسية لم تسمعها من قبل: "جهزتي نفسك؟

هنستنى شوية لحد ما العربية اللي هتاخدنا المطار توصل." بطاعة، أشارت برأسها، تشيح بعينيها بعيداً عنه، وقلبها يتمزق من تلك الذاكرة القاسية، والتي من المفترض أن تكون أجمل ذاكرة في حياة كل فتاة، ولكن هيهات بينها وبين فتاة عفيفة نظيفة لم تستهلك من قبل، فقط لطخ هذا الحيوان ليلتها الوردية بدماء الخزي والعار. أحبها وتمناها، وكان يسعى إليها راكضاً، يبتعد عنها وينفر منها.

بمنديلها الورقي، مسحت دموعها المنهمرة بغزارة، وهذه الذكرى تداهم رأسها. وهو ينتفض من جانبها، يرتدي بنطاله القطني والعرق يتصبب من جبهته، يصرخ بقوة: "إزاي حصل كده؟ إزاي؟ دار بالغرفة الواسعة، يضرب فوق كل حائط بقبضة يده، وهو يهتف: "غبي، عدنان غبي. اااانت غبي."

تفاجأت، بل شعرت بخوف من ردة فعله الغاضبة. حاولت الوقوف، ولكن وضعها في تلك اللحظة لا يسمح أن تقف أمامه بهذه الحالة. بحثت عن ثوب نومها، لتشهق بخفوت، تكتم شهقتها وهي ترى الثوب ممزقاً لنصفين. لفت الغطاء حول نفسها بإحكام، ليلتفت إليها بعينين شرستين، وبوجه محقون بالدماء، يكز فوق شفتيه قائلاً: "أنا هطلع بره، قومي بسرعة البسي حاجة، مش عايز أشوفك كده، فاهمة؟

اهتزت من صرخته، وما كان عليها إلا الطاعة الواجبة. قطع عليها سيل أفكارها، يقل بندم يتألق في بؤبؤ عينيه: "آسف، اتعصبت عليكي." تنهيدة حارقة خرجت منها، أشعلت روحه بها: "ندمان ع اللي حصل بينا؟ صمت لحظة، ليردف بنبرة حاسمة، يقل دون تفكير: "أيوه ندمان. اللي حصل مكنش لازم يحصل أبداً يا زينب. إحنا زوج وزوجة مع وقف التنفيذ." رددت الجملة بوهن يمزق روحها: "زوج وزوجة مع وقف التنفيذ؟

بوجه مشرق صبوح، تكسوه حمرة العشق والحب، وقفت بالمطبخ الواسع وسط الخدم، تجهز الأومليت مع الخبز الأسمر الطازج وجبن الشيدر مع كأس البرتقال، وسط سعادة الخدم بتلك الفراشة الجميلة التي تقف بجانبهم بكل احترام وتواضع، وابتسامة مبهجة تخطف القلوب، مع بعض الهمسات الجانبية بين خدم القصر الكبير: "ما شاء الله، زي القمر." "دكتور يوسف عرف يختار." "جميلة لا وطيبة كمان ومناخيرها مش في السماء." وأخيراً تلك الدعوة التي من القلب:

"ربنا يسعدهم ويبعد عنهم كل شر." همهمت بخفوت: "اللهم آمين." ثم التفتت تبتسم بتواضع: "لو سمحتي يا... آسفة، نسيت اسمك." أجابت الخادمة بسعادة: "سماح يا هانم، اسمي سماح." اقتربت منها تربت على كتفها برقة: "سماح، آسفة نسيت اسمك، بس أوعدكم إن شاء الله هحفظ كل الأسماء. وبعدين، بلاش هانم دي من فضلكم." دخلت وداد وقتها، تشهق باستنكار: "بلاش هانم إزاي بس؟ ميصحش يا هانم." لوت شفتيها تتصنع الانزعاج: "إيه ده يا داده؟

أنتي كمان بتقولي هانم؟ لا مش معقول. أنا شمس وبس، ولا أنا مش زي مريم ومراد ويوسف؟ ضحكت وداد تقترب منها وهي تملس على شعرها المرفوع كذيل فرس يصل لبعد خصرها: "والله في نفس غلاوتهم طبعاً، بس الأصول، أنتي دلوقتي ست البيت ومرات دكتور يوسف الغالي. أنا على العموم هقولك شمس، زيك زي مريم، بس الباقي يقول شمس هانم." كفريق متعاون، وبهزة، أومأ الجميع برأسه بسعادة. ولكن شمس قالت معترضة:

"لا، مفيش هانم. أنا عمري كله 23 سنة يا داده، إزاي بس؟ خليهم ينادوني زي مريم." هتفت سماح تقل بفرحة: "يبقى ست شمس، إيه رأيك؟ غمغمت بمرح تداعب خصلة شعرها: "تمام، أنا راضية، أحسن من هانم دي." ثم شهقت تضع إصبعها في فمها بنزق: "الكلام خدنا اهو. بسرعة، هاتي الصينية عشان يوسف يفطر. حطيها في ترأس أوضتنا لحد ما أطمن على ملك." أوقفتها وداد تقل: "خرجت مع مريم الصبح وأنتم نايمين، شكلهم راحوا النادي." فسألت باهتمام عن مراد وسيف،

لتجيب داده وداد: "دكتور سيف خرج بدري، راح على المصحة. ومراد رجع من شغله وقال محدش يصحيني." أومأت رأسها تبتسم برقة، ثم شكرت وداد والجميع، لتركض على جناحهم الخاص لتوقظ حبيبها. "يوسف." همستها شمس بنبرة متدلية وهي تقترب منه وهو نائم براحة. تأملته لثوان، عيناها تجول على ملامحه الوسيمة بشغف. اقتربت أكثر، تلثم شفتيه بقبلة ناعمة، جعلته يتململ قليلاً. داعبت خصلات شعره الثائرة فوق جبينه، تهمس:

"حبيبي الكسلان، يلا اصحى، إحنا بقينا الظهر." ليجذبها فجأة من خصرها نحوه، لتقع أسيرة فوق صدره، يحاصرها بين ذراعيه، قبل عنقها الناعم بلهفة، يقل بصوت ناعس: "تعالى في حضني شوية، خليني أشم ريحتك الحلوة وأشبع منها." تحركت تحاول أن تفلت من بين ذراعيه وهي تردف بسعادة: "كفاية كده وبلاش دلع وقوم عشان تفطر وتاخد أدويتك." جلس يفرك شعره بقوة وهو يتنهد معترضاً: "يعني مصممة؟ أومأت برأسها تبتسم:

"أيوه مصممة، لازم تاخد أدويتك بانتظام، أنت لسه تعبان." زفر أنفاسه بحنق مصطنع: "أووف، شمس، أنا الحمد لله بقيت كويس أهو، سبيني أشبع منك شوية، حرام عليكي." شردت قليلاً تنظر إليه، وبعينيها تترقرق منها الدموع، ثم قالت بتلعثم: "عايز تشبع مني قبل ما تسجن أو أتحط في مستشفى المجانين؟ وقف منتفضاً، يقترب منها: "ليه ياشمسي بتقولي كده؟ مفيش حاجة من دي هتحصل حبيبتي، خليكي متفائلة." قربها منه، يهمس بأذنيها بكلمات مطمئنة،

جعلت القشعريرة تمتلكها: "مش عايزك تخافي، مش هسمح إنك تروحي مني أبداً بعد ما لقيتك. شمس، أنت ملكي." هتفت بحب وهي تتعلق برقبته: "الحكم في قضيتي كمان يومين، خايفة أرجع معاك، خايفة أبعد عنك انت وملك وبابا غصب عني." ضمها يعتصر جسدها بين جنبات صدره، يقبل كل شبر بوجهها: "هترجعي معايا ومش هيحصل غير كل خير إن شاء الله، بس أنتي متخافيش عشان خاطري."

منحته نظرة شغوفة، لتقف فوق أطراف أصابعها بخفة، وبجرأة لم يعتد عليها منها، التهمت شفتيه، تقبلهما بحرارة، جعلته يفقد سيطرته، بادلها القبلة بحرارة حتى ضاقت أنفاسهما. ابتعدت عنه قليلاً، تغمض عينيها خجلاً، ليردف بصوته الأجش: "سيبك من الفطار وتعالى عشان عايزك في موضوع مهم جدااا." حدقت به بمزيج من الدلال والرقة، تبلع ريقها متمتمة: "موضوع إيه؟ أزاح ببطء حمالات فستانها، وهو يداعب شعرها هامساً: "هتعرفي حالا."

وقبل أن تستوعب كلماته، كان فستانها ينزلق من فوق جسدها، وساعديه يحوطان جسدها المرتجف. تشكر طارق سيف على المجهود الذي بذله في إيجاد مكان مناسب لعلاج شقيقته شروق: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا دكتور، بجد تعبتك معايا جداً." مسد سيف جبهتها بابتسامة هادئة: "إيه الكلام اللي بتقوله ده يابشمهندس؟ إحنا أهل. إن شاء الله حالة مدام شروق تتحسن، بس للأسف لازم تعرف إنها وصلت لمرحلة إدمان من الدرجة الأولى."

هز طارق رأسه بيأس واستياء مما يقوله له، ليكمل سيف حديثه متنحنحاً: "بس ممكن أسألك يابشمهندس، إزاي مدام شروق وصلت للمرحلة دي؟ محدش منكم كان جنبها أو جوزها حس بحاجة؟ لوى طارق فمه مبتسماً ابتسامة جانبية تنضح بالقهر والغضب: "للأسف يا دكتور، كل المصايب اللي إحنا فيها دي سببها جوزها. هو قاصد إنه يدمرها، وللأسف أختي كانت غبية ومش فاهمة." غمغم سيف بتهكم واضح: "يعني إيه؟ هو كان عارف وسبها تمشي في الطريق اللي ملوش رجوع ده؟

مش ممكن." أومأ طارق رأسه موافقاً، يكمل: "يا ريت بس كده، ده غير فلوسها اللي أخدها." قطع حديث طارق وسيف رنين هاتف سيف، استأذنه ليبتعد قليلاً ويجيب مبتسماً: "أخيراً يا نهلة، كلمتيني." أجابته نهلة بعد أن أطلقت تنهيدة طويلة: "آسفة ياسيف، كنت محتاجة لوقت عشان أفكر في موضوعنا." تلألأت عيناه بلونها الزمردي المميز، وهو يضغط على الهاتف بقوة يسألها: "وبعد التفكير وصلتي لأيه ياترى؟ أردفت وهي متوترة: "سيف، ممكن نتقابل؟

الكلام مينفعش في التليفون." أردف بنبرة مختلفة تماماً ولهجة جدية: "نتقابل يانهلة؟ أكيد، وأنا في انتظار قرارك يانهلة. مستني وهستحمل." وقفت مريم مع كريم وسط بهو الفيلا، تدون بعض النواقص التي يحتاجها منزلهم الجديد، وهي تهتف بصراخ حتى يسمعها كريم المنشغل باللهو مع ملك: "كريم، إيه رأيك؟ إحنا محتاجين هنا كام تحفة، وكمان أنا حابة أغير لون الستائر. كريم، خليك معايا." همس كريم لملك وهو يغمز لها:

"ملوكة، ممكن أروح أشوف مريومة عشان متزعلش مني." قلبت الصغيرة شفتيها بحنق واضح لحرمانها من اللهو مع كريم بسبب مريم: "لا، كيم، العب معايا." قبّلها من وجنتها الممتلئة باللهفة، وهو يسألها: "أنتي بتحبي كيم يا ملوكة؟ هزت الصغيرة رأسها مبتسمة: "أيوه، أحبك قد البحر كله." أطلق كريم صفارة طويلة، يسبل للصغيرة بحب: "طيب، إيه رأيك أتوزجك أنتي وبلاش مريومة؟ شردت الصغيرة قليلاً، ثم هتفت وهي تقفز فرحاً: "آه، اتجوز ملوكة كيم."

شهقت مريم تكبح ابتسامتها، تقل بجدية مصطنعة: "إيه ده؟ ملوكة، أنتي لسه صغننة، عيب تقولي الكلام ده. أنا زعلانة منك." هزت ملك أكتافها تتجاهل مريم، وهي تقف بجانب كريم المبتسم بسعادة من هذا الحوار، ينظر إلى حبيبته التي مازالت طفلة، توازي ملك بطفولتها وبراءتها. غمزت مريم لكريم حتى يتوقف عن الضحك أمام الصغيرة التي أردفت بغضب: "لا، أنا هتجوز كيم، أنا العروسة، أنتي لأ." لوت مريم شفتيها تقل بحنق طفولي:

"والله حتى أنتي كمان يا مفعوصة عايزة تتجوزي ومن كيم كمان." وقف كريم بجانبها، يقربها منه بخفة دون أن تلاحظ ملك المنشغلة بلعبة البزل، يهمس في أذنيها بصوت عذب: "شوفتي خطيبك له معجبات كتير إزاي؟ خالي بالك مني وراعيني." لكمته في صدره، تقل بغنج أنثوي أذابته: "أنت بس بطل دلع وكلام ناعم، أحسنلك. وبعدين، فيه وكيل نيابة بيحقق مع مجرمين، يبقى صوته حنين كده؟ تلألأت زيتونة عينيه بمكر، يقل: "بتغيري عليا مريومتي الحلوة؟

تورّدت وجنتاها، تتلألأ زرقة عينيها الرائعة ببريق أخاذ وبراءة مبهجة، لتشيح بوجهها بعيداً من الخجل. تنحنح يراقب ملك الغارقة وسط ألعابها التي تحملها معها بكل مكان، يهمس بصوت أجش ناعم صهرها وزاد من حرارتها: "عيونك زي بحر هادي مريح للأعصاب. تعرفي، كل ما هكون تعبان أو عايز أرتاح، هعمل إيه؟ رددت بتلعثم مستسلمة للأصابع وهي تجول فوق بشرة ذراعيها: "هتعمل إيه؟ أحاط وجهها الصغير بين كفيه، يدمدم أمام شفتيها المنفرجة:

"هفضل أبص في عيونك لحد ما أحس إني ارتحت. ومفيش مانع أبوسك من شفايفك." أحنى شفتيه يلتقط شفتيها في قبلة عميقة. ابتعدت عنه قليلاً، تحرك رقبتها يميناً ويساراً دلالة على التوتر، تزفر أنفاسها الضائعة: "الدنيا حر جدااا."

ابتسامة مهلكة ارتسمت على شفتيه وهو يراها بتلك الحالة التي تزيد من جمالها الآخاذ. وبعد وقت، حضر مهندس ديكور مع بعض العاملين لتغيير بعض الديكورات والأثاث بالفيلا. وقت طويل مر، ومريم تباشر مع كريم ومهندس الديكور التجديدات. وقد حرص كريم على وجودها معه لتباشر كل شيء بنفسها. أم شمس، فلم يهدأ لها بال، كانت تهاتف مريم تقريباً كل ساعة للاطمئنان على ملك، التي أسرت مريم أن تأخذها معها بحجة أن لا تكون بمفردها مع كريم، ولكن السبب الأساسي لمريم هو ترك مساحة من الحرية لشمس ويوسف.

تنهدت مريم بنفاذ صبر وهي تجيب على هاتفها: "أفندم يا شمس؟ والله كويسة وبتلعب طول النهار، حتى إنها سابت كريم وبتفكر تتجوز مهندس الديكور." ضحكت شمس تقل بحنان أمومي: "روحى، عايزة تتجوز؟ أجابت مريم بنزق وهي تبتسم: "أنا مش عارفة البنت دي طالعة لمين، بتحب أي حد يقبلها أو يقولها إنتي جميلة." صمتت قليلاً ثم أردفت بسرعة: "آه، عرفت. جينات الحب على نفسها دي، أخدتها من مين؟ لتهتف شمس ومريم بصوت واحد: "مررررراد."

ضحكت مريم وهي تنظر ناحية ملك الواقفة تتحدث بدلال وهي تداعب أطراف تنورتها الوردية القصيرة مع مهندس الديكور الأشقر، والتي شبهته ملك بالشاب اللص حبيبها "فلين" بفيلم "ربانزل" الكرتوني الشهير، في حين أطلقت هي على نفسها اسم ربانزل ذات الشعر الأشقر المائل للاحمرار. قالت شمس بلهفة: "مريم، عايزة أكلمها عشان أطمن عليها، وحشتني." حين سمعت الصغيرة بأن شمس على الهاتف، هرولت بفرحة تهتف: "وحشتني مامي."

أطبقت شمس على شفتيها، تمنع دموعها أن تسيل، وهي تسمع صوت طفلتها التي لم تلدها، وهي تناديها ببراءة وحب، ما يلقب به الشخص من صفة. ابتسمت تسألها: "حبيبتي الجميلة، صاحبة الشعر الأحمر، عاملة إيه؟ أكلت؟ هزت ملك رأسها تغمغم بصوت صغير: "هممم، ربانزل. أكلت سندوتش وشربت عصير." أردفت شمس بفخر: "برافو حبيبتي الجميلة، أنا هعملك كيك بالشوكولاتة وعليه إيه؟ أجابت ملك وهي تقفز من فرط سعادتها: "فراولة؟ ويوسف ياكل كيك مامي."

هتفت شمس مبتسمة: "طبعاً الكيك لملوكة وليوسف." ضحكت بغنج ضحكة طفولية تكركر: "مارو لا؟ أجابت شمس تضحك: "لا، مارو ياخد حتة صغننة عشان عيب، لازم ده عمو حبيبك." هزت الصغيرة رأسها موافقة: "أوك، حتة صغننة." كان يوسف يراقبها من بعيد وهي تتحدث مع طفلته بكل حنان وشغف، ليتنهد بعمق وهو يردف بخفوت: "إن شاء الله مش هتبعدي عنا أبداً حبيبتي." أغلقت مريم الهاتف، تقترب من كريم وعيناها تغلفها الدموع: "ملك متعلقة بشمس جداً."

أضاف كريم بحزن: "وشمس كمان بتحبها والله، أحياناً بحس إنها هي مامتها." تنهدت مريم بقلق تقل: "أنا خايفة أوي يا كريم، خايفة على يوسف وعلى ملك، لقدر الله لو شمس... قاطعها كريم وهو يضمها لصدره: "متخافيش، إن شاء الله خير. كل حاجة في صالح شمس، الأدلة، الشهود، يعني مش هيحصل غير كل خير." أردفت مريم برجاء: "يارب يا كريم، يارب. أنا مش عارفة بكرة هيعدي عليا إزاي، هفضل على أعصابي لحد ما تقولي حصل إيه." قبّل كريم جبهتها يردد:

"إن شاء الله مش هيحصل غير كل خير حبيبتي." قبل 15 ساعة من قضية الحكم على شمس. تجمع الجميع في زيارة عائلية في فيلا دكتور سيف. وقف طارق بجانب يوسف بحديقة الفيلا، يقل: "بابا مش هيعرف موضوع شروق غير لما قضية شمس تعدي على خير، هو مش ناقص توتر وحرقة أعصاب يايوسف. المهم نطمن على شمس." رد يوسف بصوت خافت وقد بدأ القلق يزيد بداخله: "عندك حق يا عمي، مش لازم يعرف اللي حصل لشروق دلوقتي، على الأقل يطمن على شمس زي ما اطمن على فارس."

نظر طارق ليوسف المتلبك بطريقة غير طبيعية، يردف وهو يربت فوق كتفه بدعم معنوي: "وأنت كمان لازم نطمن، مش هيحصل غير كل خير. أستاذ فؤاد المحامي قال إن القضية سهلة والحكم في صالحنا إن شاء الله." بعثر يوسف شعره بطريقة فوضوية، يقل بصوت باكي: "أنا مش هطمن ولا يهدالي بال غير وهي خارجة معايا، أنا مش عارف أعمل إيه يا طارق، حاسس إني مشلول، مش قادر أتحرك. بحاول بقدر الإمكان أبقى طبيعي قدامها، خاصة وهي مش ظاهرة أي رد فعل."

غمغم طارق بهدوء: "وجودك جنبها بحد ذاته أمان ليها، بيحسسها إنها بخير. تماسك كده وخليك واثق إن ربنا معانا وهيظهر الحق إن شاء الله." ابتسم يوسف بقلق، يغمغم: "إن شاء الله خير، إن شاء الله." تمتم جلال بقلق: "فؤاد وصل والشهود كلهم." أجاب طارق بعد تنهيدة قوية: "أيوه يا بابا، عم منصور وصل بحراسة كبيرة، ده غير الممرضات وكمان المحامي اللي أمره يوسف. متقلقش يا بابا، أرجوك، كله تمام، إن شاء الله هتخرج بسلامة." ردد جلال بخفوت:

"إن شاء الله يا رب، سترك يا رب." وقف سيف بجانبه، ينحني على جلال يدعمه بهدوء: "جلال، لو مش هتقدر تدخل، خليك هنا، وإن شاء الله هنخرج ببشرة حلوة." هز جلال رأسه رافضاً، وهو يقف بكل ثقة وشموخ: "لا، لازم أبقى جنب بنتي يا سيف، لازم أبقى معاهم وأسمع براءتها بنفسي." ابتعد مراد يجيب على هاتفه: "أيوه عدنان، إحنا في المحكمة أهو والجلسة قربت." تنهد عدنان، يقل:

"طمني يا مراد، أرجوك، أنا وزينب على أعصابنا، بس أنت عارف، كان لازم أجي لماما وأشوفها." أجاب مراد بتوتر: "فاهم يا عدنان، إن شاء الله هطمنك لما نطمن. أنا مضطر أقفل دلوقتي، وبلغ سلامي لزيزو." هتف طارق بغضب: "وبعدين يا نغم، كل شوية تليفون؟ بقولك لسه عارف إنكم كلكم قلقانين، بس مش بالطريقة دي." غمغمت نغم بخوف وقلق: "طارق، عشان خاطري، طمني وخليك جنب خالي واديله دواء القلب، وإن شاء الله خير." أجاب طارق بنفاذ صبر:

"أوك يا نغم، أنا هقوم دلوقتي، القاضي دخل وكلنا هندخل القاعة." من بعيد، وقف يراقب ما يحدث، ثم حمل هاتفه يتصل على فهد، المنتظر الحكم على شمس حتى يستطيع أن يخطفها ويهرب بها خارج البلاد. أجاب على الهاتف بلهفة: "خير يا مصطفى؟ الجلسة بدأت؟ أجاب الرجل بحرص: "الكل دخل القاعة يافهد بيه، وفيه شاهد مهم." غمغم فهد بقلق: "شاهد مهم؟ عرفت مين؟ أجاب الرجل بخوف:

"للأسف يا فهد بيه، مش هعرف، فيه حراسة شديدة ومش أي حد هيحضر الجلسة، بس اطمن، هبلغك بكل المستجدات على طول." أجاب فهد بعصبية: "إياك تتأخر عليا، إياك يا مصطفى، فاهم؟ وبعد أن أغلق فهد الهاتف، دخلت السكرتيرة بحذر شديد خوفاً من فهد المشتعل وعلى قاب قوسين من الانفجار. تدمدم بخفوت: "فهد بيه، ضيفتك حضرتك وصلت." جلس فهد خلف مكتبه، يحاول السيطرة على حاله، يقل بعينين ضاقتين: "خليها تتفضل حالا."

دخلت بكل غرور وتعال، تتهدى بحذائها الشاهق وتنورتها القصيرة وبلوزتها ناصعة البياض، تجمع شعرها في كحكة، ورائحة عطرها النفاذة تغرق المكان. ليقف فهد، يرسم على شفتيه ابتسامة منتصرة، وهو يمد يده ليلتقط بيدها، يقبلها: "شرفتي شركتي المتواضعة يافريدة هانم." في حين كان الجميع يأخذ مكانه في قاعة المحكمة، ويقف حاجب المحكمة ينادي بصوت جهوري: "محكمة.... القضية الأولى: شمس جلال الدين الحسيني." لتغلق بوابات القاعة، وتبدأ المحاكمة.

بخُطوات هادئة فوق أطراف أصابعها، خطت فوق العشب النادي تقترب منه بحذر شديد وهي تنظر حولها. انحنت من خلفه بهدوء تداعب عنقه بشفتيها الناعمتين. انتفض جسده بالقشعريرة من لمسة شفتيها، جعلته يبتسم ليجذبها فوقه وهو يقول بصوته الأجش الهادئ: "حبيبتي." همهمت بصوت رقيق: "نعم." ابتسامة جذابة لاحت فوق شفتيه جعلت صدرها يعلو ويهبط من تأثيرها المهلك على قلبها، لتهمس وهي تلامس ذقنه الغزيرة: "يوسف، بلاش الضحكة دي، حرام عليك." ضمها

لصدره بيده اليمنى السليمة: "ليه عايزاني أكشر عشان تزهقي مني وتقولي الراجل ده ضارب بوز دايماً؟ اقتربت منه تتطبع قبلة ناعمة فوق شفتيه، ثم همست وهي تغرس أصابعها في صدره بدلال: "الراجل ده كل ما يبتسم كده أحس أن الدنيا كلها بتضحك في وشي، وكمان... احمرت وجنتاها خجلاً، جعلته يمرر أصابعه فوقهما وهو يسألها مستمتعاً من ذلك الخجل: "وكمان إيه؟ كملي." أغمضت عيناها تهمس بغنج: "كل لما تضحك كده بحس قلبي بيرتجف وبس."

شعر من بساطة كلماتها القليلة بأن الفراشات تتطاير من حوله، وقلبه يكاد يقفز من صدره بين يديها الناعمتين. غمز بطرف عينه وهو يعدل جلسته: "فين ملك؟ أجابت ببرائة دون أن تفهم قصده: "مع مريم في أوضتها وتقريباً كده هتنام معاها عشان عروسة." قالت جملتها وهي تضحك وترفع خصلات شعرها الثائرة فوق وجهها. هز رأسه منفرج الفم وهو يأخذ نفساً عميقاً:

"عظيييم جداً. ودكتور سيف راح كعادته يوم الجمعة يلعب طاولة، يعني نفتكره بعد صلاة الفجر. ومراد في الصيدلية، يبقى كده تمام جداً." ارتسمت ملامح وجهها باندهاش، ترفع أكتافها وهي تسأله: "وده عظيم في إيه؟ وقف يجذبها لصدره لتقف أمامه ملتصقة بجسده: "اممم، معناه هنطلع أوضتنا الجديدة من غير ما حد يزعجنا."

بشوق يحرق الأجواء من حولهم، مرر أصابعه فوق بشرتها الناعمة ثم عنقها الظاهر أمامه بوضوح. لتتسلل أصابعه لنحرها الوردي. تلبلكت، ابتعدت قليلاً تقل بتلعثم: "يوسف، بس احنا في الجنينة." التفتت حولها تنظر بترقب: "ممكن حد يشوفنا، عيب." رفع حاجبيه بتعجب يلثم رقبتها بجنون: "عيب؟ هو إحنا مش متجوزين ولا إيه؟ هزت رأسها وهي تحرك يديها باضطراب. تحول تشويش ذهنه لتقل سريعاً:

"ياااه، ماكنتش أعرف إن داده وداد وجوزها عمو صالح جوزها بيحبوك كده. إيه الاستقبال ده؟ بصراحة كل الموجودين بالفيلا أنا حبيتهم." صمتت قليلاً ثم أكملت وهي تحرك رقبتها بتشتت: "عارف حبيبي؟ داده وداد كانت قلقانة عليك جداً وأنت في المستشفى، يمكن أكتر من مام... قاطعت حديثها سريعاً، تركل ساقها ندماً على ما تفوهت به لسانها. ليكمل هو بحزن: "أكتر من ماما؟ عارف." أحنت رأسها للأسفل معتذرة: "آسفة حبيبي، مقصدش، خاني التعبير."

عطف طرف شفتيه مبتسماً بسخرية: "حبيبتي، ملوش لازمة الاعتذار. أنتي عندك حق. تعرفي أن داده وداد هي تقريباً اللي ربتني، وبعدها مريم." تنهد يهدر بانفعال: "لأن ماما كانت ندمانة إني جيت بدري، وبعدها كنت دايماً أروح البلد عند جدي أبو بابا، وكانت داده وعم صالح هناك، وبدأت أتعلق بيها جداً أكتر من ماما تقريباً، لحد ما جدي خلاها تيجي تعيش معانا. وبعدها جت مريم واتعلقت بداده وداد يمكن أكتر مني."

حدقت في عينيه تحاول كبح شعور بألم من حديثه عن أمه وعن قسوتها غير الطبيعية. حاولت شمس أن تخرج يوسف من ضيقه، تأملته بشغف، تغلغل صوتها هامسة: "حبيبي، سرحت في إيه؟ هز رأسه نافياً، يلامس ذقنها ليقربها منه حتى التحمت شفتيها بعشق وجنون. لتبادله قبلته بنفس الجنون، الشوق هي الأخرى. ابتعدا عن بعضهما بالكاد يلتقطان أنفاسهما الضائعة، ليغمغم أمام شفتيها ويده تضغط على جسدها المرتجف: "اشتقتلك شمسي، كفايةبعاد."

أومأت برأسها تعانقه بقوة، تقل بخجل: "كفاية حبيبي." أزاح خصلات شعرها الثائرة يقضم أذنها، لتضحك بخفة. أذابته حركة النشوة بداخله، لم يستطع مقاومة عشقها وجمالها، ليقل برغبة عارمة: "يبقى بلاش مقاومة واستسلمي. روحي وتعالى، خليني أحبك. أنا مصدقت لقيتك." أغمضت عيناها تقرب شفتيها من ذقنه تطبع قبلات ملتهبة، وقد خلعت عن نفسها ثوب الخجل، تردف بأنفاس سريعة: "حبيبي، أصابتك." بساعده القوي حملها من خصرها وهو يلهث من الشوق:

"بلاش تحرميني من لحظة اشتياقي وحبي ليكي شمسي، كفاية بعد." بغرفتهم، تناسى كل منهم الألم والقلق والحرمان، واشتعلت أجواء الغرفة بنيران العشق واللهفة والنشوة. غمرها بحبه، كانت عيناه تلتهمان تفاصيلها في ذلك الثوب المهلك الأحمر الناري، وقد رحل عقله عنه وهو يكاد يقسم أنها أجمل وأرق امرأة على وجه الأرض. سألها بصوت أجش وهو يقترب منها، يتحسس الثوب وما يخفيه الثوب بجرأة بالغة: "مش حرام عليكي تحرميني من الجمال ده."

اشتعلت وجنتاها بالاحمرار يماثل احمرار الثوب. تغلغل صوتها الضائع: "يوووووسف." ابتسم بشغف، يحرك شعرها المموج بانسياب: "روح وقلب يوسف." قفزت من أمامه كحبة الذرة، تبتعد من خجلها وتوتر أعصابها، تهتف معترضة: "لا لا، أنت تعبان وشك باين عليه." حاول كتم ابتسامته، يحدثها بهدوء وهو ينزع ذلك الحامل عن رقبته ليلقي به بزاوية الغرفة بعيداً عنه: "أهو أنا قدامك كويس ومش تعبان غير من بعدك عني."

ابتعدت أكثر، تقفز تلك المرة ولكن فوق الأريكة المخملية، ترمقه بنظرات خجولة: "طيب أنا... أنا تعبانة ودايخة كمان." تجعدت ملامحه يسألها مستفسراً خوفاً أن يكون ذلك التعب شهرياً: "تعبانة إزاي؟ أقصد تعب الستات ده." شهقت وهي تفتح عينيها باتساع، ثم عضت شفتيها، تغمغم بحنق: "قليل الأدب." لم يستطع تلك المرة كتم ضحكته، ليضحك بصخب وهو يقترب من الأريكة: "قليل الأدب كمان... مش مهم قليل الأدب، بس أعرف." هزت رأسها معترضة دون وعي، تقل:

"لا، مش تعب كل شهر طبعاً." تنهد براحة، يقترب كالنمر الذي يتربص بفريسته: "طيب تمام، مفيش حاجة تمنع." انتبهت لما تفوهت به لسانها من ذلة: "أقصد، آه آه، تعب كل شهر." رفع حاجبيه بمكر يتأملها قليلاً، قائلاً: "كدااابة." رمقته بغيظ: "أنا كدابة؟ ابتسم باشراق، يقل: "مش أنا قليل الأدب؟

عضت شفتيها تخفي عينيها عنه، ليقترب أكثر منها ويرفعها من فوق الأريكة ويضعها فوق الفراش، يقبلها قبل أن تثثر. حاولت النهوض لكنه حاصرها بجسده معترضاً وهو ينهال عليها بقبلاته، ليهمس بصوت أجش: "مين اللي قال إن الخيال أخف من الواقع؟ ده غبي."

بالضغط على كفيها بقوة، تتمسك بشرشف الفراش. حاوطها بذراعيه، وبرغم من ألم ذراعه المصاب، إلا أنه تحمل ذلك الألم في سبيل الوصول إلى مبتغاه. ضمها بقوة، دان شفتيه في عنقها، فأنذرت أن مقاومتها تحطمت. استمر في تقبيل عناقها ونحرها، هامساً أمام أذنها: "استرخي شمسي، ومتخفيش وانتي في حضني أبداً." همست بدورها ترتجف: "خايفة." همس بابتسامة مهلكة: "متخافيش وانتي معايا."

أحنى رأسه يتمكن من شفتيها، وأنامله تتسلل أسفل قميصها بمكر، لتشهق بقوة وهي تشعر بمداعبته لبشرتها الدافئة. بينما هو يعاود تقبيلها بجنون، هامساً: "أنا هتجنن بصراحة، مش قادر أصبر أكتر من كده." وبسرعة لم تتخيلها، كان قميصها ينزلق من فوق جسدها، متكوم أسفل الفراش. ليعيش معها أجمل خيالاته وجنونه وعشقه بها، وأخيراً اتحدت الأرواح والقلوب قبل الأجساد، كبداية لقصة حب أبدية وحياة جديدة.

في مكالمة هاتفية صارمة من فايز سعدان توحي بالتهديد المباشر إلى فهد، انتفخت أوداجه وهو يستمع إلى صرخات فايز: "قولتلك يا فهد، أنت بتلعب بالنار وبرضه مشيت كلامك. أنت عايز الكل يروح في داهية بسبب نزواتك وقلة عقلك. اهو البوليس بيحفر وراك وتقريباً عرفوا كل مصايبك وأنت مستمر فيها من غير ما تملك حساب لحد، بس اسمع كويس، مش عشان واحدة مجنونة تتهد كل حاجة. مش هسمحلك، أنت فاهم؟

حالة من الغضب والانزعاج أصابت فهد وهو يستمع إلى تهديدات فايز سعدان، ليهتف ببرود: "ده اعتبره تهديد يافايز بيه؟ صرخ فايز بفهد: "أيوه اعتبره تهديد يافهد، وأنت عرفني كويس. أنا مش برجع في أي كلمة قلتها، وأكبر دليل حي قدامك نادر العزيزي." لم يتمالك فهد أعصابه تلك المرة، ليهتف هو الآخر بتهديد مباشر لفايز:

"أنا مش بتهدد يافايز بيه، وأنت عارف كويس مين فهد العمري. أنا مش نادر العزيزي. من ساعة ما غدرت بنادر وأنا واخد احتياطي كويس. ولو حصلي أي حاجة، ناس كتير ورايا ومعاهم معلومات مهمة جداً ياسيد فايز عن المنظمة وصاحبها، يعني... أجاب فايز بضطراب: "يعني إيه يافهد؟ ضحك فهد ضحكة مستفزة، جعلت فايز سعدان يشتعل غضباً وحنقا، ليهتف عليه: "اتكلم يافهد وبلاش تلعب معايا لعبة القط والفأر، وإلا... قاطعه فهد بنزق: "وإلا إيه؟ لسه بتهددني؟

ولا مفهمتش أقصد إيه ياسيد فايز؟ تمام، أفهمك. يعني، كل حاجة تخصك وتخص شغلنا، في ناس غيري تعرفها. ولو حصلي حاجة، المعلومات دي هتخرج، ويبقى موتي خسارة كبيرة ليك يافايز بيه. يبقى خلينا متفاهمين أحسن ليك وليا. وأنا أهو قدامك بقوم بشغلي على أكمل وجه، يعني أموري الشخصية مش هتأثر عليك. وبالنسبة للمسائل التانية، متقلقش، أنا أقدر أحبها بطريقتي."

أغلق فايز سعدان الهاتف وهو يضجر من الغيظ والحنق من هذا التافه، حتى يهدد بهذا الشكل المريب. جلس خلف مكتبه يفكر ويبحث عن هوية هؤلاء الأشخاص الذين يعلمون كل شيء ويثق بهم هذا الثعبان. همس بغل: "ااااه يافهد، غلطتي إني ماخدتش حذري منك، بس صدقني، أنت اللي جبته لنفسك. أنت متعرفش غلطته اللي يلعب مع فايز سعدان."

بنفس الوقت كان فهد يفكر أن هذه الكذبة التي قام بتأليفها من وقت قليل، ليفوتها فايز سعدان على خير، ويجب اتخاذ احتياطه من كل من حوله، خاصة وأن الشكوك تحوم حوله بشكل مريب. ويعرف جيداً أنه انكشف أمره. مرر أصابعه بين خصلات شعره، يزفر أنفاسه بضيق وهو يردد بتعب: "شمس حبيبتي، إن الأوان تكوني ليا. مش هستنى أكتر من كده، كفاية تضييع وقت لحد كده. أي حكم عليكي مش هيضيعك مني، وهقدر أخطفك وأسافر بيكي لأي مكان بعيد، أنا وأنتي وبس."

خيم الصمت على تفكيره قليلاً، ثم أردف مبتسماً: "برافو فهد، مفيش غيرها هي اللي تقدر تساعدك وتكون معاك. والتمن بسيط وسهل، فريدة العزيزي، أكيد هتكون معايا. يبقى لازم نتقابل في أقرب وقت، فريدة هانم، ونحل أمورنا." وضع جلال الهاتف بعد أن أنهى مكالمته، يهتف بسعادة وراحة: "نغم، أنتي فين يابنتي؟ خرجت نغم من غرفتها تركض على صوت خالها وهي تخشى هذا الهتاف، ولكن عندما رأت ابتسامة جلال التي غابت عن وجهه لفترة، اطمأن قلبها،

لتقترب منه بلهفة: "خير يا خالي، حصل إيه؟ طمني." ضمها جلال لصدره يردد: "الحمد لله والشكر لله. فارس يا نغم، فارس فاق واتكلم وسأل عني. الدكتور طمني وقالي إنه بخير واتحسن." شهقت نغم بفرحة تضم جلال أكثر: "بجد يا خالي؟ الحمد لله، أنا حاسة إن كل حاجة هتتصلح، وهشام هيخرج قريب، خصوصاً بعد شهادة فارس. الحمد لله يا خالي، يا رب غمة وانزاحت، عقبال قضية شمس كمان، وساعتها نرتاح."

فجأة تقلصت ملامح جلال بقلق، ليبتعد عن نغم، يجلس على الأريكة الجلدية وهو يغمغم بخفوت: "طول ما الكلب ده بره وحر، عمرنا ما هنرتاح أبداً يا نغم. أنا خايف على شمس وشروق." جلست نغم بجانبه تربت فوق ساقه بقلق: "تقصد فهد يا خالي؟ متأكد يا خالي إنه ورا كل اللي بيحصل؟ هز جلال رأسه بموافقة، يقل بقهر:

"أنا واثق يا نغم، واااثق. كلنا عارفين إن فهد كان عايز شمس وطلبها أكتر من مرة، وهي قالت لأ ورفضته. وبعد كده فجأة طلب شروق وهي وافقت عليه. ودرية مكانتش بتحبه وكانت دايماً تضايقه بالكلام ده. غير علاقته وصلة القرب بينه وبين رانيا، وأنا شوفت وسمعت حاجات كتير، وأنا تعبان ومش قادر أتكلم. شوفتهم بعيني يا نغم، بس غلطتي إني مقولتش وقتها، خوفت على هشام وشروق، وخصوصاً شروق، أنتي عارفاها مجنونة بيه إزاي، وكنت عايز أتأكد قبل أي حاجة من نسب فارس، وبعدها هكشف أمرهم وأفضحهم، بس هو الكلب قتلها وتخلص منها."

أسندت نغم رأسها، تضغط عليها من الألم الذي شعرت به: "مش ممكن يا خالي؟ وكنت مستحمل كل ده لوحدك و صابر؟ وإزاي شروق ماخدتش بالها هي وهشام؟ وليه يقتلها؟ ليه ممكن كان ينهي معاها العلاقة من غير ما حد يحس؟ هز جلال رأسه بقلة حيلة: "مش عارف ليه، بس أكيد هددته بحاجة وحب يتخلص منها ومن هشام كمان بالمرة." ابتسمت نغم بسمة أمل: "إن شاء الله فارس هيقول اللي شافه، بس أنا خايفة على نفسيته أو يتأثر." أومأ جلال برأسه، وقد

لفتت نغم نظره لتلك النقطة: "أنا هعرف كل حاجة من الدكتور، ولازم يوسف يتكلم معاه ويعرف حالة الولد."

تنهد بحرارة وهو يشيح بوجهه عنها، ليعاود شروده إلى تلك الليلة الدافئة التي جمعته بها، وهو يتذكر تفاصيلها الصغيرة منها قبل الكبيرة. تلك الليلة الدافئة استنفذ فيها كل اشتياق ولهفة الماضي والحاضر، وهو يعتصرها بين ذراعيه. انعقد حاجباه بغضب، يشعر بالندم الشديد لأنه أقدم على شيء ما كان يجب أن يقدم عليه الآن، حتى تشفى جروحه ويستعيد كبرياءه المهدور في جموح عشقها، لكنه لم يستطع ليلتها السيطرة على حاله، فهو في نهاية الأمر رجل عاشق للمرأة التي فقدت عقله وسلبت لبه. تأفف بسخط، يستغفر الله وهو ينظر خروجها من الغرفة بعد أن تركها قبل ثلاث ساعات، وهو يأمرها بصوت

تغلب عليه الجمود والقسوة: "حضري شنطتك، إحنا راجعين على تونس عشان ماما تشوفك." بنبرة مستكينة هادئة تحمل رقة نسمات الهواء، سألته: "هنقطع شهر عسلنا؟ فلتت من بين شفتيه ضحكة ساخرة، يهمس بنفس سخرية الضحكة: "شهر عسلنا؟ أنتي صدقتي المسلسل العربي القديم اللي عايشين فيه؟ أبكاها عدنان بحرقة، سأل نفسه بغضب وهو يقبض بقوة على يده حتى ابيضت مفصله:

"أيوه، خليتها تبكي. كان لازم أقول كده، لازم أتصرف بشكل ده معاها عشان أعرف أسامحها وأعيش معاها من غير قيود ومن غير ماضي مؤلم هيؤثر علينا احنا الاتنين. غلطة وأنا ارتكبتها، غلطة يمكن تديها أمل إني نسيت وممكن أغفر بسهولة. يارب ساعدني."

هكذا كان حديثه الصامت بينه وبين نفسه، وهو ينتظر خروجها بعد وقت دام لأكثر من ثلاث ساعات، أغلقت فيهم باب الغرفة بهدوء، ولكن بعد هذا الهدوء النسبي، هبت عاصفة من البكاء والنحيب خلف هذا الباب المغلق، ليزيد من نحر قلبه وعذاب روحه، وهو يستمع إلى شهقاتها وأنينها.

خرجت من الغرفة وهي مستعدة بكامل ملابسها المرتبة بأناقة، ووجه بريء خالٍ من أي مساحيق، فقط حمرة البكاء تزينه، وعينان واسعتان بسواد الليل متورمتان من كثرة البكاء، وشفاه منتفخة يكسوها لون الكرز. الآن يشتهيها بشدة، يريد أن ينقض عليها كما فعل أمس ويلتهمها بلهفة. نفض رأسه من تلك التفكير الشهواني، وهو يرسم على وجهه الرجولي الوسيم ملامح القسوة، يجلي صوته بنبرة قاسية لم تسمعها من قبل: "جهزتي نفسك؟

هنستنى شوية لحد ما العربية اللي هتاخدنا المطار توصل." بطاعة، أشارت برأسها، تشيح بعينيها بعيداً عنه، وقلبها يتمزق من تلك الذاكرة القاسية، والتي من المفترض أن تكون أجمل ذاكرة في حياة كل فتاة، ولكن هيهات بينها وبين فتاة عفيفة نظيفة لم تستهلك من قبل، فقط لطخ هذا الحيوان ليلتها الوردية بدماء الخزي والعار. أحبها وتمناها، وكان يسعى إليها راكضاً، يبتعد عنها وينفر منها.

بمنديلها الورقي، مسحت دموعها المنهمرة بغزارة، وهذه الذكرى تداهم رأسها. وهو ينتفض من جانبها، يرتدي بنطاله القطني والعرق يتصبب من جبهته، يصرخ بقوة: "إزاي حصل كده؟ إزاي؟ دار بالغرفة الواسعة، يضرب فوق كل حائط بقبضة يده، وهو يهتف: "غبي، عدنان غبي. اااانت غبي."

تفاجأت، بل شعرت بخوف من ردة فعله الغاضبة. حاولت الوقوف، ولكن وضعها في تلك اللحظة لا يسمح أن تقف أمامه بهذه الحالة. بحثت عن ثوب نومها، لتشهق بخفوت، تكتم شهقتها وهي ترى الثوب ممزقاً لنصفين. لفت الغطاء حول نفسها بإحكام، ليلتفت إليها بعينين شرستين، وبوجه محقون بالدماء، يكز فوق شفتيه قائلاً: "أنا هطلع بره، قومي بسرعة البسي حاجة، مش عايز أشوفك كده، فاهمة؟

اهتزت من صرخته، وما كان عليها إلا الطاعة الواجبة. قطع عليها سيل أفكارها، يقل بندم يتألق في بؤبؤ عينيه

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...