الفصل 33 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
17
كلمة
12,447
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

ارتاحي انتي يا داده وأنا ومريم هنعمل كل حاجة، بلاش تتعبي نفسك، أهم حاجة أخدتي أدويتك. تحدثت شمس بحنان وهي تجلس بملحق داده وداد مديرة المنزل بعد تعرضها لوعكة صحية شديدة، وأمرها دكتور سيف بملازمة الفراش بعد فحصها. هتفت داده وداد بصوت ووهن ضعيف: ازاي بس يابنتي، كفاية اللي انتي فيه بطنك قدامك، وكمان هتقفي في المطبخ وأنا عارفة سماح مش بتعرف تتصرف لوحدها، وده عشاء كبير ومناسبة حلوة.

وضعت شمس الوسادة خلف رأسها بحنان وهي تضع يديها خلف ظهرها وبطنها المنتفخ ظاهرة بشكل كبير: عشان خاطر يوسف وأنكل سيف، ارتاحي بلاش عشاني أنا، من الواضح إني مليش خاطر عندك. ملست داده وداد فوق بطنها المكور بسعادة تردد: ربنا يعلم غلوتك عندي يابنتي، ربنا يقومك بالسلامة ويوصلوا الغاليين ولاد الغالي على خير. ابتسمت شمس بفرحة تجلس بجانب وداد على طرف الفراش وهي تربت فوق بطنها بسعادة:

والله يا داده أنا مش مصدقة لحد دلوقتي إنهم توأم، وربنا عوضني بيهم بعد ملك، ولا فرحة يوسف ده قرب يجنن. هزت الدادة رأسها تضحك: أنا مش هنسى اليوم اللي رحتي فيه انتي ويوسف الدكتور وعرف إنهم توأم، ده كان يا قلبي هيتجنن من فرحته، ربنا يديم عليكم الهنا يابنتي يارب ويبعد عنكم الشر. تنهدت شمس تهمس بقلق: يارب يا داده يارب، أنا خايفة على ملك وعليهم طول ما الزفت ده لسه هربان. ألقت وداد نظرة حنونة إلى شمس تطمئن قلبها وهي تردد:

متخافيش، ربنا موجود هو الحامي إن شاء الله. *** تجهزت لجين بثوب زفاف رقيق بمساعدة زينب ومريم، التي مازالت حزينة على موت أمها بتلك النهاية المخزية، وبعد معرفتها عقب وصولها من رحلة شهر العسل بوفاة أمها التزمت الصمت لأيام وهي في حالة صدمة، ولكن حب وعشق كريم ووجوده بجانبها مع وجود والدته الحنونة أخرجها من حالاتها. قطبت لجين حاجبيها باستياء وزمت شفتيها بعدم رضا: أوف، حاسة الفستان مش حلو عليا ومش هيعجب مراد. وضعت لها زينب

تاج الفل فوق رأسها بفرحة: بالعكس بقا، الفستان يجنن وانتي زي القمر ومراد هيجنن عليكي، بس انتي إللي دايماً كده مش عاجبك حاجة، ولا إيه رأيك يا مريومة.. مريم؟ أفاقت مريم من شرودها على صوت زينب لتنظر إلى لجين برقة وهي تعدل من خصلات شعرها المموج: أيوة زيزو عندها حق، انتي قمر ما شاء الله. ابتسمت لها لجين في صورتها المعكوسة بالمرآة: وانتي كمان يا مريومة، برغم الفستان الأسود بس ما شاء الله عليكي تهبلي. غمغمت زينب بغمزة مرحة:

ده تأثير كريم بيه، انتي كنتي قمر يا مريومة بس بعد الجواز بقيتي أجمل. تورّدت مريم بحمرة الخجل تهمس بأسف: أنا آسفة يا لوجي، بس انتي عارفة ميصحش البس فستان ملون، ماما متوفية من خمس شهور. هزت لجين رأسها برضا: عارفة يا مريومة، أنا إللي خايفة لتكوني زعلانه مني ومن نهلة، بس صدقيني أنكل سيف إللي صمم إن يتم كتب الكتاب بسرعة. عانقت مريم لجين الواقفة أمامها بحب: زعلانة من إيه يا عروسة؟

لا طبعاً، كل ده كان لازم يحصل، وكفاية إن كتب الكتاب هيكون من غير فرح كبير، يعني من حقك إنك تفرحي، بس مهما حصل دي أمنا. مسحت مريم دموعها تغمغم: الكلام خدني معاكم، لازم أروح أشوف شمس المسكينة زمانها لوحدها. لتدخل شمس الغرفة بخطوات بطيئة نظراً لبطنها المنتفخة أمامها تقل: كل حاجة تمام، متقلقيش يا مريومة، البوفيه جاهز والفندق بعت الشيفات وأصناف الأكل والحلويات تجنن، أنا خرجت بالعافية قبل ما أخلص على الأكل كله.

ضحكت الفتيات على شمس التي أصبحت تأكل بشراهة وشهية مفتوحة لتقل لجين: والله يوسف صعبان عليا، إيه يابنتي احمي نفسك، انتي هتبقي قد إيه لحد ما توصلي لشهر التاسع؟ رمقت شمس صديقتها بغضب تقل: لما نشوف لما تبقي حامل انتي كمان هتعملي إيه، وبعدين انتو نسيتوا إني بأكل لاتنين غيري، يعني ده الطبيعي. سألت مريم شمس الحانقة عليهم:

خلاص يا شموسة، متزعليش، لاحسن نضرب بسببك، كفاية علينا ملك إللي كل شوية تتخانق مع حد عشان أخواتها، فين نهلة جهزت ولا لسه؟ جلست شمس أمام المرآة تضبط زينتها: نهلة جهزت معاها مني، وطبعاً ملك ومنة. طرق يوسف بخفة يستأذن بدخول لينظر برأسه وعينه لا تفارق زوجته الجميلة والتي أصبحت أجمل بطريقة مثيرة بعد حملها: هه، جاهزة يا عروسة؟ يلا المأذون وصل والعريس مستعد، وانتي يا مريم انتي وشمس يلا الضيوف وصلوا. سألت مريم باهتمام:

عمو وطنط واخت كريم وصلوا؟ هز يوسف رأسه موافقاً: أيوه وصلوا، وكمان عمي جلال وهشام، يلا انزلوا بسرعة عشان ناريمان تحت لوحدها وسيبيه أحمد مع أكرم. ضحكت شمس بخفة وهي تضع يدها بذراع يوسف: مسكين أكرم، من ساعة ما أحمد وصل وناريمان عاملة عليه حظر تجوال. نظر لها يوسف بمكر يقل: يا خوفي منك انتي كمان. ضمت شمس شفتيها بدلال: خايفة مني ليه؟ انت لازم تشكرني، مش أولادك؟ وبعدين أنا معايا ملوكة حبيبة أمها. صدحت لجين تقل:

يظهر كفاية ملك، والله مشفقة عليك يا يوسف. غمز يوسف للجين يقل بمداعبة: ملك دي لوحدها مشكلة، لو بس لمست بطن شمس تقولي أخواتي نايمين. ليهتف صوت صغير ولكن مسيطر من خلف يوسف: يوثف جدتو قولك تعالي وسيب ماما ثويه. نظر يوسف إلى صغيرته والتي أصبحت الآن بمثابة حماته يهتف مستسلماً: حاضر يا ملوكة، همشي. ***

تجمعت العائلة حول طاولة عقد القران، وتم عقد قران لجين ومراد، وسيف ونهلة، التي تألقت في فستان بسيط من اللون الزهري وكانت في أبهى وأجمل حالاتها، وتم عقد قران الأب وابنه في احتفال صغير يضم عدداً قليلاً من المدعوين من الأقارب، وتلقى مراد ولجين وسيف ونهلة التهنئة من الجميع وسط فرحة عارمة بهدوء. عانق يوسف والده بحب: مبروك يا دكتور. حضن سيف وجه ابنه البكر بفخر:

الله يبارك فيك، والله جه اليوم اللي ابني يبقى شاهد فيه على عقد جوازي. تبسم يوسف بوجه والده الحنون: انت مش بابا وبس، انت صاحبي وأخويا الكبير وقدوتي، أنا فرحان بجد إنك مبسوط يا بابا. بنفس الوقت عانقت شمس نهلة المتوترة بخجل وهي تقل بسعادة: بقيتي حماتي يا نانا، أوعي تزعليني. ترغرغت الدموع بعيني نهلة من فرحتها التي لا توصف، بعد أن رزقها الله وعوضها بشخص طيب وحنون مثل سيف: انتوا جوه عيوني. صاح عدنان بفرحة وهو يحمل مراد:

مبروك يا عرييييس، والله ودخلت القفص برجلك يا مراد، فرحان فيك. عانقه مراد يربت على ظهره: حبيبي يا صديقي العزيز، عقبال عيالك يا كبير. وتوالت التهاني على العرسان بفرحة، ولكن لاحظ سيف وقوف مريم وابتسامة حزينة ترتسم فوق شفتيها. اقترب الأب من ابنته الحزينة يجذبها لصدره وهو يقبل رأسها: حبيبت أبوها، واقفة لوحدها ليه؟ انتي بخير؟ وضعت مريم رأسها فوق صدر والدها تتنهد بعمق:

أنا بخير طول ما انت بخير وسعيد يا حبيبي، بس خايفة إنك تنشغل عني. شدد سيف عناقه لمريم وهو يهمهم: انتي تعرفي إنك أغلى حاجة عندي، ومحدش يقدر ياخدني منك حتى لو كانت نهلة. تنحنت مريم وهي تقول: آسفة يا بابا، والله مقصدتش نانا، انت عارف أنا بحبها إزاي. هتف سيف بابتهال: عارف يا حبيبتي عارف، بس حبيت أقولك بس، بس حتى الواد حبيبك اللي اسمه كريم اللي عينه عليكي ده وبيحبك مش بيحبك قدي أبداً.

رمقت مريم كريم الواقف في زاوية بعيدة يتحدث مع أكرم ويوسف وعيناه لا تتزحزح من عليها لتبتسم: عارفة يا بابا، انت حبيبي الأول ومحدش يقدر ياخد مكانك أبداً. اقتربت منهم نهلة وقد لاحظت شرود مريم: ممكن آخد بنتي الحلوة في حضني شوية بعد إذنك يا دكتور. ابتعد سيف يرفع يده: طبعاً طبعاً، اتفضلي، أنا هروح أشوف جلال يمكن أقنعه يتجوز هو كمان. ضحكت نهلة ومريم هذه المرة من قلبها. فردت نهلة ذراعيها لمريم لترتمي بين ذراعيها وتعانقها:

مبروك يا نانا حبيبتي، نورتي العيلة. همست نهلة بصوت رقيق: أجمل حاجة في معرفتي بسيف إنني بقيت عندي 4 ولاد بدل بنت واحدة، كلكم بقيتوا ولادي اللي ربنا عوضني بيهم. قبلت مريم وجنتها: وانتي أمي الجميلة اللي ربنا عوضني بيها. *** شهق أكرم وهو يحمل طفله الصغير الذي أتم شهره الثالث: يعني السي دي اتسلم لنائب العام؟ ابتسم كريم بنصر وهو يداعب أحمد الصغير من خدوده المنتفخة:

اتسلم طبعاً، ده في ناس كتير هتقع، بس المصيبة إن فايز سعدان قدر يهرب، والخوف إن المنظمة تصفيّه قبل ما نوصله. دوي صوت يوسف الرخيم يقل: والزفت فهد ده مفيش أخبار عنه؟ هز كريم رأسه بيأس: إن شاء الله يتقبض عليه، المهم إنه مخرجش من مصر، هانت يايوسف متقلقيش. تهجم وجه يوسف بقلق: لأمتى بس هفضل على أعصابي، خايف على مراتي وبنتي، ولاء كمان خايفة على أولادي اللي لسه مشافوش الدنيا، أمتى أخلص من الكابوس ده. ***

ركضت ملك خلف منه في الحديقة وهما يغنون بسعادة، بينما وقف فارس بعيداً يراقب صغيرته البرتقالية الصغيرة وهي تركض. خرج محمد يحمل طبقاً من الحلويات: خد يافارس، انت مأكلتش حاجة، وبكرة عندنا ماتش جامد ولازم نكسب. ولكن عينا فارس ظلت معلقة بملك وهي تقف بجانب طفل آخر شديد الوسامة ويعادله طولاً. همهم فارس بغضب: مين ده اللي ملك واقفة معاه؟ نظر محمد ناحية ملك ليهز كتفيه: مش عارف، استنى نسأل منه. تهجم وجه فارس يقل بسخط واضح:

لا، تعالي نقف معاهم. ابتسمت منه بوجه أنس تنظر لعينيه الزرقاء بإعجاب شديد تقل: عينك لون البحر. ابتسم أنس الشاب الصغير بخجل: وانتي جميلة، اسمك إيه؟ تدللت منه في وقفتها: اسمي منه، وانت. لتهتف ملك سريعاً: ده أنس ابن طنط ريم. وقبل أن تتكلم منه، دوي صوت فارس الغاضب: ملك. التفتت ملك إلى فارسها، الابتسامة البريئة لا تفارقها من هول السعادة بوجوده: فارس، كنت بدور عليك. نظر فارس ناحية أنس بغيرة نبتت في قلبه الصغير:

أنا فارس ابن خال ملك، وده محمد أخويا. أشرق وجه محمد بالفرحة وهو يقف ملتصقاً بجانب فارس. ليقل أنس بطيبة: وأنا أنس، خالو يبقى كريم، وعندي 11 سنة. هتف محمد بفرحة: يعني انت في سني أنا وفارس، ممكن نبقى أصدقاء. غمغم أنس بعفوية: طبعاً، ياريت. هتفت منه بطفولة: واحنا كمان نبقى صحاب ونلعب معاكم. غضب فارس على منه وملك الواقفة بجانبه صامتة وكأنها شعرت بغضبه، برغم من سنها الصغير:

لا، انتوا بنات صغيرة، يلا روحوا العبوا بعيد، إحنا أولاد وبنلعب كورة والبنات لا. تشنجت منه معترضة من غضب فارس، ولكن ملك سلمت بالأمر الواقع وهو سماع كلمة فارسها، وأخذت منه بعيداً تنفذ تعليمات فارس بحذافيرها. ***

انتهى عقد القران وذهب العرسان في رحلة إلى مدينة شرم الشيخ، بعد أن قدم يوسف لهم هدية الزواج، حجز بإحدى منتجعات شرم، وقد قرر سيف أن يقضي مع نهلة أسبوع واحد فقط لالتزامه ببعض العمليات الجراحية، أما مراد ولجين قررا الاستمتاع بشهر عسلهما كامل. ***

بسيارة هشام كانت تجلس مني في المقعد الخلفي وبجانبها كلاً من فارس ومحمد المنشغلان بالتخطيط لمباراة الغد، بعد انضمام أنس إلى فريقهم، أما جلال فقد أراح رأسه للخلف متعمداً تاركاً المجال لهشام بعد أن لاحظ نظراته المتوالية في المرآة على المقعد الخلفي، ومنى تحاول بقدر الإمكان أن تنظر من نافذة السيارة حتى لا تقابل عيناها بعينا هشام الزمردية، ولكن قطع تلك النظرات الشغوفة اتصال على هاتف منى والتي تمتمت بخفوت:

خير يارب، خالتي بتتصل بيا ليه دلوقتي. فتحت منى الخط وهي تشعر بقلق: ألو، أيوه يا خالتي، انتي بخير. غمغمت سعاد بتوتر: أنا كويسة يامني الحمد لله، بس اسمعي، الموكوس طليقك جالي النهارده وعايز يرجعلك، يا إما ياخد منك العيال. شهقت منى بخوف واضطربت أمعاؤها الغليظة: يعني إيه الكلام ده؟ هو مش طلقني وقال مش عايزك انتي والعيال، يعني إيه بقا عايز يرجعلي يا ياخد ولادي مني؟ ده بيحلم.

انتبه جلال على حديث منى بقلق، أما هشام فقد قبض على عجلة القيادة بقوة وشيء ما بقلبه تحرك بشدة وهو يشعر بالغيرة تأكل أحشاءه، لينظر في المرآة على منى المتوترة بشدة وقد بدأت دموعها في الهطول: لا يا خالتي، مش هرجعله ولا هياخد مني ولادي أبداً. احتقن وجه محمد يسأل أمه بخفوت: ماما، في إيه؟ بابا عايز إيه منك؟ وقف هشام فجأة بسيارته التي أصدرت عجلتها صريراً عالياً، وعلى وجهه ارتسم تعبير غريب لا يمكن وصفه. ليسأله جلال بهدوء:

خير يا هشام، في حاجة؟ العربية عطلت؟ هز هشام رأسه نافياً وهو يكز على أسنانه من غضبه، ويده المكبّلة فهو يروضه شعور غريب بأن يضم منى إلى صدره ويربت فوق رأسها. أحس جلال بمشاعر ابنه غير المتزنة بالمرة ونيران الغيرة تشتعل داخل مقلتيه، ينظر لمنى التي أغلقت الهاتف تقل: إسماعيل عايز يرجعلي يا أما ياخد محمد ومنه، مني أعمل إيه يا حاج؟ نظر جلال إلى الخلف يطرق رأسه عدة لحظات قبل أن يرفعها ويقل: أنا هتصرف، متقلقيش يابنتي.

قاطعه هشام يكمل صرامة: بعد إذنك يا حاج، ممكن تسبني أنا أتصرف معاه. تلعثم يقل: وإن شاء الله مش هياخد منك منه ولا محمد أبداً، أنا هتصرف معاه. زم جلال شفتيه بقوة حتى لا تفلت من بينهما ابتسامة سعادة وهو يرى بعينيه قلب ابنه عاد مرة أخرى من حزنه واعتكافه في الحب. ***

تمتمت شمس على ملك الغارقة بالنوم بجانب منه ودثرتهم جيداً بغطاء خفيف بعد أن قبلت منه، ثم جلست بجانب ملاكها تملس على شعرها البرتقالي وخدودها المحمرة وشفتيها الصغيرة المنفرجة تتطلع بها بحب، ثم رفعت كفها الصغير تلثم بشفتيها: روح قلبي وعيوني بنوتي الحلوة، نامي يا قلبي واحلمي أحلام جميلة زيك، آآه ياملك لو تعرفي أنا بحبك إزاي، ربنا ميحرمنيش منك.

إضاءت ضوء خافت وخرجت من الغرفة بهدوء على أطراف أصابعها الملونة بالأحمر القاني الذي يعشقه يوسف. دخلت غرفة نومهم لتتفاجأ بالاستعدادات الرومانسية تزين الغرفة، بداية من رائحة الغرفة بالياسمين وطاولة صغيرة مزينة بالورد الأحمر ويتوسطها الشموع المضيئة وسط ضوء خفيف وكأسين من عصير التفاح مع كعكة من الشيكولاتة المفضلة لشمس. ضمت شمس كفيها لبعضهما وهي تأخذ نفساً عميقاً وقد أعجبها هذا الجو الرومانسي لتهمس برقة: روحي.

ضمها من الخلف لصدره العاري يلثم عناقها بوداعة ورقة أذابت أوصالها: إيه رأيك؟ عجبتك؟ لمعت عيناها بشقاوة وهي تقل: علشان كده خليت منه تبات مع ملك. استمر في تقبيل عنقها يهمس بصوته الأجش: هممم، عشان آخد راحتي شوية، حرام، وحشتيني. التفتت إليه تتطوق رقبته بذراعيها ومقلتاها الذهبية تلمع بشقاوة محببة إلى قلبه تخطف عقله: انت كمان وحشتني يا روحي جداً. زفر أنفاسه بقوة وهو يضمها أكثر، ولكن حجم بطنها يقف بينهم، ليهمس أمام شفتيها:

اشتريتلك هدية على ذوقي، يارب تعجبك. أشار برأسه إلى الفراش لتجد قميص أسود قصير من الستان المخملي. ناظرته بخجل تهمس: يجنن ياروحي. قبلته بخفة فوق شفتيه وتركته يعاني ألم العشق، لتذهب وترتدي هذا الثوب لتكتشف أنه قطعة صغيرة من القماش يكاد يظهر أكثر ما يخفي، غير بطنها المكورة بداخله بطريقة زادتها إثارة وإغواء.

وضعت عطرها المحبب لدى عاشقها ورفعت شعرها البندقي الذي ازداد طولاً مع الحمل إلى أعلى لتتدلى منه خصلات ناعمة مثل الحرير، وخرجت له بكامل أنوثتها وجمالها. شعرت ببريق مستمتع يشع من عينيه وهو ينظر نحوها بلهفة عاشق، ثم اقترب منها يقل بصوته الأجش: نرقص. ضحكت تخفي وجهها بصدره المشعر: إزاي بكرنبة دي؟ أزاح خصلاتها الناعمة يمرر أنامله فوق نحرها الحليبي: وحشاني وعايزة أستمتع معاكي بكل لحظة.

عزفت موسيقى رومانسية هادئة ليميل الحبيبان على أنغامها الشاعرية بكل حب وهيام، أمسك يوسف بيدها يقبلها: أحلى راقصة، مبسوط جداً. قالت ووجهها يتوهج احمرار: انت النهارده رومانسي فوق العادة. أمسك بيدها وجلس بها بتراس الشرفة وسط الطاولة الرومانسية يطعمها بيده من كيك الشيكولاتة يبتسم: بحبك ياشمسي، بموت عليكي وعلى جمالك. ابتسمت بدفء وهي تمرر أناملها فوق وجهه الحبيب: وانت روحي وعمري وحبيبي.

أخذهم الحديث حتى ساعات الفجر الأولى وشمس تنام بين أحضان يوسف، ليحملها بين ذراعيه قائلاً بصوت مرح: بقيتي تقيلة جداً. قهقهت بسعادة ترفس بساقيها الممشوقة وهي سعيدة بين ذراعيه، ثم تنهدت بهدوء تضع يدها فوق بطنها المستديرة: حبايبى بابا، شيلنا دلوقتي. ابتسم لقولها يقل: مجنونة والله. وضعها فوق الفراش لتقل مبتسمة وهي تشعر برفسات صغيرة: هات إيدك بسرعة يايوسف، استنى بيتحركوا.

وضع يده فوق بطنها بتوتر ليشعر بصاعقة سعيدة ضربت قلبه وهو يشعر بتوأمه يتحركان داخل بطن أمهم، قال بفرحة: ده أكيد مالك هو اللي بيرفس كده، بس مايا هي اللي بتتحرك بهدوء. قبل بطنها يضع رأسه بخفة يهتف: يلا بابا ناموا شوية عشان عايز ماما في موضوع مهم. أحاط خصرها يقربها منه وهو ينثر على وجهها الكثير من القبلات الحارة وهي مستسلمة بين ذراعيه بشغف الحب والعشق الذي لا ينتهي. *** فتحت لجين عيناها على مداعبة مراد لها لتهمس بكسل:

صباح الخير حبيبي. قبل مراد شفتيها يغمز لها: صباح الفل مدام لجين. تورّد وجه لجين من الخجل تهمس: بقيت مدام لجين؟ لأ، لوجي أحلى. وقف مراد يرتدي كنزته وهو سعيد بما أنجزه: لوجي، لجين، المهم بقيتي المدام بتاعتي أخيراً والجوازة تمت على خير، والله كنت خايف يحصل حاجة من كتر ما فقدت الأمل إننا نتجوز. ثم جلس بجانبها لترتجف وتسحب الغطاء سريعاً على جسدها المكشوف، ليبتسم بوسامة: انتي مكسوفة مني لسه؟

مش كفاية امبارح جريت وراكي ساعة، حسيت إني في ماراثون والله. لكمته بخفة تغمغم بدلال: عشان انت كنت قليل الأدب. فرط وجه يخلع كنزته مرة أخرى ويلقيها بعيداً وهو يدس جسده بجانبها تحت الغطاء يقل: ويظهر هوريك قلة أدبي تاني دلوقتي. لتصرخ لجين وهي تضحك من قلبها: مررراد. ولكنه هجم عليها يدغدغها وهي تضحك بشدة. ***

داعب أكرم ابنه أحمد الصغير ذو الأربعة أشهر بسعادة وهو يراه يبتسم ويصدر أصوات صغيرة جميلة، حمله بين يديه يهزه كما تفعل ناريمان معه. ولكن الصغير بدأ في البكاء ليسأله أكرم وكأنه يفهم عليه: انت جوعت يا أحمودي؟ اسمع أنا بدلعك راجل لراجل، لكن دلع مامتك بتاع حمادة ده مش عاجبني، فاهم. غرغر الصغير يرفس بساقيه الصغيرتين سعيداً بحديث أبيه الذي لا يفهم منه شيء بالتأكيد. دخلت ناريمان وهي تحمل حليب الصغير تهمهم لهم:

بتعملوا إيه يا حلوين؟ يلا يا مامي تعالي عشان تاكل. ارتمى الصغير فوق صدر أمه يرفس بقدميه الصغيرتين ويبتسم لها ويده تتحرك بالهواء، قبلته ناريمان بشغف حتى تطعمه. وأكرم يجلس أمامهم يشعر بسعادة والاستقرار، أخيراً عادت حبيبته وزوجته إلى رشدها وأنعم الله عليهم بطفل جميل، وبرغم من تعب والد ناريمان إلا أن أكرم يعتني به وبشدة ويعتبره والده. غمغم بخفوت وهو يقترب من زوجته يقبل قدم صغيره ثم قبلها من وجنتها المتوردة:

الحمد لله إنك معايا وأحمد كمان، حاسس إن ربنا عوضني بيكم بعد اليتم والشقي. وضعت ناريمان صغيرها فوق الفراش بعد أن استسلم للنوم، تمسك بيد زوجها ثم تقبلها برضا قائلة: انت أحلى حاجة حصلت في حياتي، ربنا يخليك لينا يارب. *** شعر كريم بالمرارة تجري في حلقه وهو يرى زوجته حزينة ذابلة من حزنها على أمها بعد معرفتها بخبر وفاتها بيوم زفافها، يوم فرحتها. جلس كريم بجانبها يربت فوق كتفها: وبعدين يا مريومة، مش هتغيري الأسود ده؟

كفاية 3 شهور من وقت ما رجعنا وانتي بيه ليل نهار. تنهدت ترفع عيناها المنتفخة من كثرة البكاء: صعبانة عليا جداً يا كريم، ماما ماتت وهي وحيدة من غير ما يكون حد معاها. أغمض عينيه يفرك جبهته: هي اللي اختارت طريقها يا مريم. هزت مريم رأسها بحزن تغمغم في سكون: عندك حق فعلاً، ماما خسرت نفسها وخسرتنا، الله يرحمها.

غمره كريم الارتياح وهو يرى زوجته بدأت تستعيد حيويتها وجمالها بعد أن بدلت ملابسها السوداء والابتسامة أصبحت لا تفارق شفتيها، بعد حصول مريم على وظيفة بشركة كبيرة وبعد إلحاح شديد على كريم قبل تلك الوظيفة فقط حتى تخرج مريم من حزنها واعتكافها. وب يوم دخل كريم المنزل بعد يوم طويل من التحقيقات ليتفاجأ بمريم تبكي بحرقة، شعر بقلق وركض عليها يضمها لصدره وهو يسألها: مالك مريومة؟ في إيه؟ حد زعلك؟

هزت رأسها بقوة ويدها تقبض على شيء، انتبه كريم يسألها باندهاش: في إيه؟ حد ضيقك في الشغل؟ أنكل سيف بخير؟ شهقت مريم من بين دموعها تفتح كفها المغلق على اختبار الحمل وهي تبكي: مفيش حمل يا كيمو. قال كريم بصدق وثبات وهو يهمس أمام وجهها الشاحب: وآيه يعني؟ إحنا متجوزين من 3 شهور يا مريومتي مش من خمس سنين ولا حتى 10، يعني محصلش حاجة لكل العياط ده، وبعدين انتي عندي بالدنيا كلها. ابتسمت من بين دموعها كالاطفال تشهق:

يعني انت مش زعلان؟ ابتسم لها يقرص وجنتها: أزعل ليه بقا؟ دي حاجة في إيد ربنا سبحانه وتعالى، ووقت ما يقول كن فيكون، بلاش يا مريم حركة كل شهر دي، سبيها تيجي من عند الله. وضعت رأسها فوق كتفه وهي تلعب بأزرار قميصه: طيب ممكن نروح لدكتور عشان نطمن. وضعها فوق ساقه كطفلة مدللة ينظر لوجهها الفتان الذي لا يقاوم جماله: نروح يا عيوني، تعرفي دكتورة كويسة ولا نسأل؟ قبلت شفتيه تقل بمرح: دكتور زيزو ممتاز، إيه رأيك؟ قطب

حاجبيه بشدة يقل باستنكار: لازم دكتور ده؟ يعني خليها دكتورة أفضل. شهقت تفتح فمها: مش عارفة إنت ويوسف متعلمين إزاي ومتحضرين، يفرق إيه بس دكتور من دكتورة؟ انت وهو نفس التفكير. قلب شفتيه كالاطفال يقل: عشان بنغير عليكم، ما شمس أهي سمعت كلام يوسف ومتابعة مع دكتورة، خلينا نروح لها، إيه رأيك. كورت شفتيها معترضة، ثم أومأت برأسها: حاضر، هعرف مواعيدها من شمس ونروح لها مع بعض. تنهد براحة يغمغم:

حبيبتي انتي، يلا بقا قومي حضري غداء عشان جعان جداً. جزت مريم فوق أسنانها بتوتر تقف وهي تغمغم بخفوت: ملحقتش أعمل غداء حبيبي، نمشيها دليفري. خبط كريم فوق رأسه يهتف باعتراض: آه طبعاً، مكنتيش فاضية، كنتي بتعيطي، ماشي يا هانم، نمشيها دليفري، بس اعملي حسابك أول وآخر مرة. تراقص بعينيها الدلال والغنج وهي تهز رأسها بطاعة هامسة: أول وآخر مرة حبيبي. ***

جلس الحاج جلال بمكتبه في الشركة وهو قلق ومتوتر للغاية، اليوم هو موعد إجراء عملية نغم الجراحية، وحتى الآن لم يصل إليه أي خبر من طارق ليطمئن قلبه على ابنته الغالية وابن أخته نغم. وبعد وقت طويل مر على جلال في قلق وهو يفكر بشمس التي بدأت في شهرها السابع، وشروق التي سافرت دون علمه ولا يعرف أين هي، وقد بحث عنها كثيراً وكلف من يبحث عنها أيضاً ولكن دون جدوى، وفارس وجلسات علاجه، وخوفه من ظهور فهد في حياته وحياة شمس، ومعرفة فارس الحقيقة المرة المخجلة، وهشام الذي تبدل حاله وعلامات العشق تزين محياه، الكثير من الأفكار تدور بعقل جلال وتقلقه، حتى اتصل

طارق على والده منذ الصباح: حبيبي يا بابا، عارف إنك قلقان، الحمد لله إحنا بخير وعملية نغم تمت بنجاح الحمد لله، وكلها كام ساعة وتفوق من البنج. ردد جلال الحمد لله يسأله: يعني الدكتور قالك في أمل يابني إن شاء الله؟ أجاب طارق بأمل في الله عز وجل: إن شاء الله يا بابا، حفيدك السادس يجي بسلامة. رفع جلال رأسه للسماء يردد: يارب، انت الحافظ والعاطي الوهاب، يارب احفظ أولادي من كل شر. زفر طارق أنفاسه يسأل والده:

مفيش أي أخبار عن شروق يا حاج؟ غمغم جلال بيأس ومفطور القلب: مفيش يابني، زي ما تكون الأرض انشقت وبلعتها، بس هقول إيه، ربنا يهديها، المهم انت طمني على شمس عشان وحشاني. تبسم جلال بابتهاج: طبعاً يا حبيبي، اطمن عليها، هي كانت عندنا يومين عشان يوسف كان في مؤتمر بره مصر وروحت النهارده، ربنا يخليكم لبعض ويبارك فيكم. *** دخلت سكرتيرة مكتب هشام تقل: هشام بيه، في واحد اسمه إسماعيل محمود عايز يقابلك. انتفض هشام

من فوق مقعده يقل بصرامة: خليه يدخل بسرعة. دخل إسماعيل، طليق منى، إلى مكتب هشام وهو شارد بتلك الإمبراطورية الكبيرة والمكتب الفخم الممتلئ بالتحف والأثاث القيم، ليقف أمام زوج من العينان الصاخبة والوجه الوسيم بجدية وهو يشعر بالخوف بعد أن حضر رجلان ضخمان إلى الملهى الليلي الذي يعمل به وأحضروه معهم إلى مجموعة الحسيني. نظر هشام إلى الرجل القصير البدين والذي يبدو عليه الخوف ليهتف بصوت واثق: اتفضل اقعد. تلعثم

إسماعيل في الكلام يقل: خ.خ.خير يا باشا، أنا عملت حاجة غلط؟ أنا معملتش حاجة ولا قربت من بيتكم، برغم إني نفسي أشوف ولادي حبايبي. اصطنع إسماعيل التمثيل، ولكن هشام ظل ينظر إليه بغل وعدم اهتمام، ليدخل في صلب الموضوع بدون مقدمات: انت عايز إيه من منى وولادها؟ مش طلقتها ورميتهم في الشارع؟ حك إسماعيل رأسه يبتسم بمكر ثم قال: أنا عايز مراتي يا باشا، إيه الغلط في كده؟ تنفس هشام بغضب يضرب فوق طاولة مكتبه: انت هتستعبط؟

انت مش متجوز رقاصة وبتصرف عليك؟ عايز مني وولادها ليه؟ ولا عايزها تصرف هي كمان عليك؟ شعر إسماعيل بأن هشام يحمل بقلبه شيء خاص لطليقته الجميلة، ليستفزه يقل: هي بتشتغل عندك وأكيد بتاخد مرتب حلو، إيه يعني لما تصرف عليا؟ مش أنا أبو عيالها؟ هجم هشام عليه يمسك قميصه بقوة والشرار يتطاير من عينيه كالنار الموقدة يصرخ بغضب: انت راجل انت؟ انت عارف إني ممكن أسحقك زي الحشرة وأخليك تنتهي للأبد؟

بس هفضل معاك للآخر، أنا عارف إنك بتشم... مدمن... وبتتعاطى هيروين كمان، يعني انت ولا همك عيالك ولا منى، انت عايز فلوس وبس، عشان كده اختصر. بدأ إسماعيل يسعل بقوة وكاد أن يختنق ليقل وهو يسعل: طيب خلاص، سبني، همو همووت. تركه هشام بقوة ليقع إسماعيل فوق أرضية المكتب بقوة: خلاص يا بيه، اديني أي مبلغ كده وخلاص، ووعدك مش هتشوف وشي تاني ولا حتى منى والعيال يتحرقوا، بس حاجة أصرف منها. بصق هشام عليه بغيظ يقل بغضب:

حقير وواطي، أنا هديك مبلغ دلوقتي، بس بعد كده أقسم بالله لو بس لمحتك أو رنيت رنة على تليفون منى، هنفيك من على وش الأرض، فاهم يعني إيه هنفيك؟ اسأل عني وانت تعرف. وقف إسماعيل أمام هشام مثل الفأر المذعورة يتلعثم: مش هتشوف وشي تاني يابيه، ولا مني ولا العيال، خليها تشبع بيهم، ماشي يابيه. وضع هشام مبلغ مائة ألف جنيه أمام إسماعيل الذي ابتهج وهو يرى رزمات النقود أمامه بكثرة، ليجمعها بابتهاج وهو يردد:

لو شوفتني صدفة يابيه، اعمل إلا انت عايزه. همس هشام من بين أسنانه المصتكة بغيظ: هقتلك، أقسم بالله هقتلك. *** استدعى كريم إلى مكتبه رئيسه بالعمل لأمر هام، دخل كريم مكتب رئيس بكل ثقة: صباح الخير يا فندم، حضرتك طلبتني. أشار النائب العام إلى كريم أن يجلس أمامه ثم أخرج ملف صغير يضعه أمام كريم: التقرير ده وصلنا النهارده من الإنتربول الإنجليزي، ياريت تقرأ يا كريم وتقول رأيك. فتح كريم الملف يقرأ التقرير ليبتسم بانتصار:

هايل يافندم، الحمد لله، في أسماء اتقبض عليها من مجموعة المنظمة. ثم استمر يقرأ بالتقرير حتى توقف أمام ورقة معينة حدق بها بشدة وهو مذهول ليقل بحنق: فايز سعدان اتصفى؟ يعني المنظمة وصلت له قبلنا إزاي؟ قبض كريم على كف يده بغيظ. ليهتف رئيسه بجدية: التقرير بيقول إن الجثة كانت متفحمة، وفيه مادة كيماوية اتحطت على الجثة عشان تمحي أي آثار ليها بحيث إن البوليس والطب الشرعي ميقدرش يوصل لصاحبها. أكمل كريم يقل:

لكن السلسلة اللي فيها صورة بنت فايز، رولا سعدان، واللي كانت جنب الجثة، وكمان ساعته اللي عليها حروف اسمه هي اللي كشفت عن هوية الجثة. ابتسم النائب العام يدق بأصابعه فوق مكتبه: وبكده يبقى قضية فايز سعدان اتقفلت وانتهت يا حضرة وكيل النيابة. كريم رأسه بتصميم وهو يقل: بس لسه واحد بس هو اللي عايش وسطنا ولازم ينتهي للأبد، لازم. ***

تخفى في زي عامل النظافة المسؤول عن الحي الذي تتواجد به فيلا الدكتور سيف، وجلس بجانب شجرة خلفية لحديقة الفيلا، يكشفها يراقب بحذر كل كبيرة وصغيرة بالفيلا الكبيرة حتى تأكد من خروج سيارة يوسف وبقاء شمس وملك بداخلها بمفردهما، ولا يخلي الأمر من خادمة أو اثنتين سيقوم بتصفيتهما إذا لزم الأمر، أما طقم الحرس خارج الفيلا بالتأكيد لن يشعرون بشيء إذا تسلل بهدوء من الخلف مع وضع مخدر فوق أنف العسكري المناوب على الباب الخلفي للحديقة، ثم التسلل إلى داخل الفيلا عن طريق باب المطبخ، وبعدها بسلاحه الآلي الكاتم للصوت يستطيع حل الأمور بيسر.

هكذا كانت خطة فهد المحكمة بدقة لخطف شمس بتوأمها والسفر بها على سفينة كبيرة محملة ببعض البضائع، وعندما ترسو السفينة بجوار ميناء العقبة يستطيع فهد بالاتفاق مع رجال السفينة، الذين اتفقوا معه على مبلغ وهمي لمساعدته في الهروب ونزول بشمس وركوب يخت سينتظره بالقرب من السفينة والدخول إلى تل أبيب، بعد اتفاقه مع رجال المنظمة الصهيونية التي يعمل بها، وقد وافقت المنظمة على مساعدة فهد بعد حصوله على بعض المعلومات العسكرية الهامة.

ابتسم فهد وهو يسترجع خطته الجهنمية وتنفيذها الليلة قبل وصول يوسف إلى الفيلا. *** قرار عدنان بعد إلحاح من مراد ولجين أن يصطحب زينب في رحلة إلى شرم الشيخ قبل عودة مراد ولجين بأيام، وأثناء تحضير عدنان حقيبة السفر كانت زينب تجلس بالحمام تحدق بشدة إلى كاشف الحمل ودموعها تسبقها فوق وجنتها بفرحة، همست: حامل حامل، آآه مش مصدقة. طرق عدنان يستعجل زينب: زيزو قلبي، يلا يابيبي، الطيارة كمان ساعتين ونص، انتي كويسة.

أخذت نفساً عميقاً ترتب ملابسها وشعرها وخرجت بهدوء تقل أمام عدنان وهو يغلق حقيبة السفر. تتطلع عدنان عليها بقلق يمسد جبهتها: مالك يا زيزو، انتي تعبانة؟ تحبي ناجل سفرنا ونعتذر لمراد ولجين. هزت رأسها تبتسم وجهها متورد بشدة. سألها عدنان وهو مندهش منها: في حاجة عايزة تقوليها؟ ضغطت جفنيها علامة الموافقة، حك عدنان رأسه يهتف بمرح: إيه؟ مش بتتكلمي ليه؟ أوعي تقولي من فرحتك بسفرنا فقدتي النطق. أخرجت لسانها تقل: اممم، بايخ. رفع

عدنان حاجبيه بمكر يغمغم: لا، أوعي تقولي إننا هنبقى أخوات في الرحلة دي بجد، ألغيها. حركت زينب حاجبيها بمكر أنثوي تصرخ وهي تقف فوق السرير ليبتعد عنها عدنان بفزع: بسم الله، مالك يا زيزو. قفزت فوق الفراش تقل وهي تضحك بجنون: 8 شهور تقريباً، مش هنبقى فيهم أخوات يا بيبي. مازالت علامات الاستغراب تسيطر على عدنان ولكنه بدأ يستوعب حديث زينب الجنوني ليسألها بتأكيد: ازاي يعني 8 شهور؟ مفيش أخوات يعني مفيش؟ هه؟

أغمضت عيناها الواسعة تهتف: أيوه، هه. بدأ صوت عدنان يدوي: معنى كده انتي... هزت رأسها: أيوه، حامل. بسرعة البرق كان عدنان يقفز بجانبها فوق الفراش وهو يحملها ويصرخ: أوووه، لا لا لا، مش مصدق، هبقى آب! لا مش ممكن، أنا هجنن والله هجنن. صرخت زينب هي الأخرى بنفس الجنون تتعلق برقبته: آه، هيبقى عدنان بيبي جميل وهنلعب بيه أنا وانت. قبّلها بجنون ثم توقف يلمس بطنها: بس بس، براحة براحة، مفيش سفر، ماشي، ارتاحي. أومأت رأسها نافية:

لا، أنا بخير، عشان خاطري نسافر، البيبي عايز يتفسح، أنا بخير، هما أيام وهنرجع نتابع مع دكتور، بس نسافر. عانقها بشدة والدموع تترقرق بعينيه: نسافر حبيبتي نسافر، المهم تكوني سعيدة. ***

بشاليه احتفل مراد ولجين بخبر حمل زينب وفرحة عدنان بسعادة وفرح وأمل جديداً بحياة جديدة، واهتمام عدنان بزينب الذي فاق الحد وهو يتعامل معها برقة وحنان ودلال، وهي مستمتعة بكل شيء مع حبيبها، ولكن شيء واحد فقط يقلب كيانها وهو الغثيان الشديد والذي لازمها فترة طويلة حتى قبل أن تكتشف حملها. وكالعادة بعد تناول أي طعام أو شراب، ركضت زينب على الحمام تتقيأ بشدة لتهرول خلفها لجين بفجعة: إيه يا زيزو، انتي بخير حبيبتي؟

رشت زينب وجهها بالماء تقل للجين المفزوعة: متقلقيش يا عروسة، آسفة والله، بس بجد مش قادرة أستحمل. ابتسمت لجين تغمغم: بس على فكرة، عدنان طاير من الفرحة عشان انتي حامل. خجلت زينب محمرة: الحمد لله يا لوجي، عدنان ده نعمة ورضا من ربنا، عقبالك انتي ومراد قريب إن شاء الله. همهمت لجين بكسوف: إحنا لسه متجوزين، لسه بدري. *** مش مصدق والله، يوسف هيبقى أب لتوأم، غير القرّدة، وأكرم أب، وانت قريب، والله حاسس دكتور سيف هيعملها قريب.

ضحك عدنان من قلبه وهو يقل: يوسف وأكرم فرحانين جداً، بجد إحساس إنك هيكون لك ولد أو بنت حلو جداً يا مراد، عقبالك يا وحش. غمز مراد لصديقه بشقاوة: قريب يا بني، عيب، صحبك جامد. ***

شعر يوسف بالارتياح الشديد، فقد أصبح صديق قريب لفارس لدرجة أن فارس أصبح يتصل على يوسف ليذكره بموعدهم الأسبوعي للنادي، بدأ فارس يفتح قلبه وأفكاره المغلقة، حتى أنه بدأ يحكي ليوسف عن أحلامه المزعجة، وبيوم تفاجأ يوسف بفارس يبكي بشدة ويقص عليه ما حدث، وفي هذا اليوم تأكد يوسف من مخاوفه في تطور حالة فارس، وهي بدايات أكيدة لحالة انفصام بشخصية، وقت حديث فارس عن الحادث تحول إلى آخر يتحدث ويعبر بشكل مختلف عن شخصية فارس، وبدأ يوسف مرحلة العلاج النفسي وبعد الأقراص التي تساعد على ضبط الاضطرابات النفسية.

ومع شرود يوسف في حالة فارس الذي يحبه كثيراً، وهو أيضاً يشعر معه بالارتياح والتفاهم الشديد برغم فارق العمر، أفاق يوسف على صرخة فارس بفرحة: أوه، أنكل، فزت بجولة دي أنا كمان، انت النهارده مش مركز معايا. ضحك يوسف يضرب كفه بكف فارس: لا، انت بقيت أجمد مني في التنس. صمت فارس قليلاً يقل ليوسف: أنا بحبك جداً يا أونكل، بحس إنك صاحبي الكبير اللي بقدر أتكلم معاه وأنا مش خايف. ضم يوسف إلى صدره يهتف:

وانا كمان بحبك جداً وبعتبرك صديقي، وبكون مبسوط معاك، إيه رأيك لو نتغدى مع بعض قبل ما أوصلك؟ أومأ فارس برأسه بابتسامة مريحة: تمام يا أونكل، نتغدى مع بعض، بس تسمحلي أعزمك أنا النهارده. عقد يوسف حاجبيه مفكراً بجدية ثم قال: موافق طبعاً. *** وصل هشام إلى الفيلا ليجد محمد جالس بالحديقة مهموم وحزين، اقترب منه يجلس بجانبه ثم ربت فوق ظهره بحنان أبوي: محمد، مالك؟ قاعد لوحدك ليه؟ رفع محمد عيناه الباكيه إلى هشام يغمغم:

مفيش يا عمو، فارس مش هنا وأنا مش عارف أتكلم مع مين. مسح هشام دموع محمد المتعلقة بجفنيه يسأله بحزن مزق قلبه: ليه الدموع دي؟ في راجل يبكي؟ أدار محمد رأسه بعيداً يقل: لا، أنا مش بعيط ولا حاجة، بس زعلان عشان ماما وخايف نرجع نعيش مع بابا تاني. سأله هشام بريبة وقلق: انت مش عايز تعيش مع باباك؟ هتف محمد بتردد:

لا يا عمو، ده بيضرب ماما كل يوم وبيضربني أنا ومنه، ودايماً يقول ربنا ياخدنا وإنه مش بيحبنا، لو سمحت يا عمو، بلاش نرجع نعيش معاه، إحنا بنحبك انت وجدو جلال وعمو طارق، وطنت شمس، وأنا بحب فارس جداً، هو أخويا. تهشمت قوى هشام وشعر بقلبه يتمزق وأنه أصبح مسؤولاً عن تلك العائلة الصغيرة ولن يفرط بهم بسهولة بعد أن تعلق قلبه وروحه بهم، وقد أصبح محمد ومنى أبنائه مثل فارس، ويكفي تعلق فارس بهم.

دخل هشام يبحث عن منى بعد أن ترك محمد بصحبة فارس الذي عاد بمرح من مقابلته الأسبوعية مع يوسف، ليجدها جالسة شاردة وحزينة، تنحنح بهدوء لترفع منى رأسها وتتفاجأ به يقف أمامها بطوله الفارغ ووسامته الجذابة، وقفت تقل بهمهمة رقيقة: أهلاً وسهلاً يا هشام بيه، الحاج جلال اتغدى وبيرتاح في أوضته، تحب أحضرلك الغداء؟ حدق هشام بها بهيام يقل: منى، إقعدي، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. جلست منى بتوتر أمامه وهى تحاول أن تغض

بصرها عن نظراته الصاخبة: في حاجة؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟ ارتجف هشام من قربها يشعر بأنه يريد أن يقترب منها أكثر، يشعر بأنها الغد المشرق بحياته بعد أن عاش حياته قبلها مع امرأة خائنة وحقيرة استغلت حبه لها وكادت أن تهدم حياته ويخسر نفسه قبل عائلته بسببها، همس هشام باسمها وهو يضع يده فوق يديها، وما أن استشعرت قربه انتفضت من الرجفة ليقل: اطمني، إسماعيل هيبعد عنك ومش هيتعرضلك مرة تانية أبداً. فتحت منى

عيناها الواسعة تقل بلهفة: بجد يا هشام بيه؟ يعني خلاص مش هياخد مني ولادي؟ بس إزاي؟ ربت على يدها يطمئنها: أنا اتصرفت معاه وحذرته إنه لو اتعرضلك هيكون حسابه معايا، بس برغم كده انتي لازم حد يحميكي ويحمي محمد ومنه. شردت منى بوجه تسأله: حد يحميني إزاي؟ مش فاهمة. اعتصر فؤادها خوفاً من أن تبتعد عنهم، أو بالأحرى تبتعد عنه، فهي تتنفس في وجوده ويزيل خوفها. تأملها هشام بحب ثم مد شفتيه قائلاً بشجاعة: تتجوزيني يا منى.

انحشرت أنفاسها وتصلب جسدها وتعالت دقات قلبها مثل طبول الحرب، ودارت الأرض من حولها وهي لا تصدق ما تسمعه، ولكنها وازنت نفسها والجمت دقات قلبها تغمغم بتلعثم واضح: ههشأم بيه، حضرتك بتتكلم جد؟ أنا؟ وقف هشام وقد قرر إعلان ملكيته على من احتلت قلبه من الوهلة الأولى وهو يقل: أنا هعتبرك إنك موافقة، بس لازم الحاج جلال يعرف وأطلبك منه.

تركها غارقة في بحور الحيرة، لا تصدق، قرصت نفسها بقوة حتى تدرك أنها لا تعيش بحلم جميل، ولكن تأكدت أنها حقيقة وأنها تعيش على أرض الواقع، وهنا أدركت بأنها عشقت هذا الرجل من لقائهم الأول وتحبه كثيراً. ***

مازالت منى تحت تأثير صدمتها، ولم يخطر ببالها بأن هشام سينفذ طلبه بتلك السرعة ويتحدث مع الحاج جلال الذي هو بمثابة والدها الآن، وحان موعد دواء الحاج جلال، حملت منى الدواء تقترب من باب الغرفة وهي متوترة، تحلم تطير، وقبل أن تطرق باب الغرفة استمعت إلى حديث هشام الجدي مع والده، ليسقط كأس الماء من بين يدي منى التي تلونت بحمرة فانية وهي تسمع هشام يتحدث مع والده: أنا عايز أتزوج منى، إيه رأيك يا حاج؟ تعالت ضحكات جلال يهتف:

خير ما اخترت يا هشام، والله ما في أحسن من منى، بنت حلال وطيبة وصغيرة، وفوق كل ده شابة جميلة. أضاف هشام بهدوء: والأهم من كل ده يا حاج، أنا بحب منى ومحمد زي فارس، ونفسي يتربوا مع بعض ويكونوا أخوات، انت عارف، حاسس إن ربنا عوضني بيهم. هز جلال رأسه يقل: الله كريم يابني، توكل على الله. خارج الغرفة كانت منى تضع يدها فوق صدرها وابتسامة السعادة مرسومة فوق شفتيها. ***

جلست ملك بجانب شمس فوق الفراش في انتظار يوسف الذي تأخر اليوم على غير العادة بالمشفى نظراً لانشغاله بتغيرات الجديدة وفتح أقسام أخرى داخل المشفى الخاص. تململت ملك بنزق: ماما، أنا يوثف فين؟ عايزثه أكل. وضعت شمس كتاب الحكايات من يدها تنظر إلى ملك مبتسمة: انتي جوعتي وأنا كمان، يلا ع المطبخ نخلي سماح تحضر لينا طبق صغنون لحد بابا ما يوصل بسلامة. قفزت ملك من فوق الفراش تركض بمرح وهي تتحدث مثل أميرة الثلج في الحكاية:

هيا بنا يا أمي. ركضت فوق الدرج وشمس خلفها تتحرك ببطء وهي تهتف: ملك، براحة لاحسن تقعي، ماما.. سماح، انتي فين؟ استغربت شمس من اختفاء سماح المفاجئ وشعرت بوخزات من القلق تسري بجسدها، وقفت ملك أمام باب المطبخ الكبير تنظر إلى شمس وهي تقل: ثماحه نامت ماما ع الأرض. هتفت شمس وهي تقترب من باب المطبخ وتتمسك بملك: نامت إزاي؟ إيه اللي حصل؟

شهقت شمس من فجعتها على سماح المغشي عليها فوق أرضية المطبخ الصلبة لتهرول تنحني عليها وبجانبها ملك تنظر إلى شيء ما بخوف، غمغمت شمس: سماح، مالك؟ في إيه؟ سماح فوقي، وبعدين إيه اللي حصل؟ وفجأة شعرت شمس بماء ساخن يقطر من ملك التي لم تتحكم بنفسها وتبولت من الخوف وهي تنظر إلى شخص يقف بآخر المطبخ يبتسم ويبدأ يقترب، وقبل أن تسأل شمس ملك ماذا حل بها كانت تصرخ من المفاجأة وهي ترى فهد يقف أمامها قائلاً بهدوء: أخيراً يا شمسي.

أفاقت شمس على صرخات وبكاء ملك وسماح: ست شمس... ماما اصحي ماما. لتفتح عيناها ببطء شديد تتأمل المكان من حولها لتجد نفسها جالسة فوق الأريكة مكبلة الأيدي والقدمين، وفهد يقف خلف سماح وملك وبيده بندقية آلية كبيرة موجهة إلى رأس ملك. صرخت شمس بقوة: لا فهد، لا ملك، لا، سيبها، سيب بنتي، أرجوك. صرخ فهد بهستيريا على شمس: مش بنتك، مش بنتك، دي بنت يوسف السلحدار، وانتي ملكي أنا وبس، فاهمة؟ بكت شمس تضع يدها فوق

فمها وهي تهز رأسها تقل: انت مجنون، مجنون، حرام عليك، البنت حرام، سيبها. صرخت ملك وهي تحاول أن تركض على شمس ولكن فهد أمسك بها جيداً يصرخ: بس اسكتي. وضعت سماح رأس ملك بصدرها حتى لا ترى ذلك المشهد المخيف تربت عليها بخوف: بس يا ملك، بس حبيبتي. وملك تنتفض بين ذراعيها: ماما... عايزة ماما. نظر فهد إلى شمس المنهارة ترتجف من الخوف على ملك وأطفالها: هتيجي معايا دلوقتي، ولا أقتل بنته قدام عيونك، وبردو هتيجي معايا. جزت

شمس على أسنانها تقل بقوة: حتى لو جيت معاك ونفذت طلبك مش هكون ليك، فاهم؟ مش هكون غير ليوسف وبس، هموت نفسي قبل ما تلمسني وإيدك القذرة تتمد عليا، أنا بكرهك، فاهم يعني إيه بكرهك؟ هرول فهد بجنون ناحية شمس يجذب شعرها بقوة لتصرخ، وهو يستنشق عناقها ويقبله وشمس تمط شفتيها بتقزز من قربه: مش هتموتي وهتكوني ليا أنا، عملت المستحيل عشانك، قتلت، سرقت، دبحت، عملت كل حاجة عشانك وعشان آخدك، وتقولي لا، مش هتكوني ليا؟

لا يا شمس، انتي بتاعتي، ملكي ليا أنا وبس، من أول يوم شفتك حبيتك. ركع فهد أمامها يبكي بجنون: ليه رفضتي حبي ورفضتيني؟ ليه؟ عملتلك إيه؟ وأثناء انشغال فهد بحديثه مع شمس، كانت سماح تتسحب للحديقة وهي تحمل ملك بين ذراعيها وشمس تتبعها بعينان باكية لتقل له بغل وكره شديد:

عشان بقرف منك وبكرهك من أول ما شفتك، وأنا حسيت إنك حقير وجبان واستغلالي، خربت حياتنا ودمرتها، انت وشريكتك القذرة، قدرت تضحك على اختي وقتلت طنط درية واتهمتني بجنون، عمري ما هنسى إيدك القذرة وهي بتحطلي الأقراص غصب عني عشان أتجنن، عمري ما هنسى النظرات القذرة بعيونك وانت بتنهش جسمي، أنا مش بحبك يا فهد، ولا عمري هحبك، أنا بحب يوسف، يوسف بس، فاهم؟ أبو ولادي وحبيبي. صرخ فهد وهو يضغط على فكها بقوة:

هقتتتتتله، هقتل يوسف قدامك، هقتتتتله وأخلص منه عشان تعيشي معايا، وانتي متعذبة، ابنه اللي بطنك أنا اللي هربيه وهبقى أبوه وهو لأ. ضحكت شمس بهستيريا ودموعها تنهمر فوق وجنتها، وظلت تضحك حتى شعر فهد بأنها على وشك الجنون: مش هتقدر، عشان أنا هموت قبله وانت هتتعذب كده وتفضل مطارد وغبي، هسلم نفسي للموت وانت لأ يا فهد، فاهم؟ *** ركضت سماح وهي تحمل ملك التي تصرخ وترفس بقوة: ماما، عايزة ماما، حرامي جوه، ماما، يوووثف، ماما.

صرخت سماح وهي تشعر بدوار رهيب من قوة الضربة فوق رأسها: الحقونا، هيقتل الهانم، الحقونا. وفي ذلك الوقت كان يوسف يدخل بسيارته داخل الفيلا ويلمح عناصر الشرطة تركض إلى الداخل وسماح تحمل ملك بين يديها وتبكي. خرج يوسف من السيارة مثل المجنون يركض على ملك التي هتفت بصراخ: بابا، ماما جوه مع الراجل وحش، بابا، ثموسة موت. عانقها يوسف يقبلها: ماما هتبقى معانا، خليكي هنا مع سماح، متتحركيش.

ركض يوسف بالحديقة يخلع جاكيته، وقد حاول أحد عناصر الشرطة منعه من الدخول ولكن يوسف بكل عصبية وجنون لكم الرجل بقوة يبعده وهو يدخل إلى الفيلا خلف رجال الشرطة ليتفاجأ بفهد يمسك شمس بقوة ويصوب السلاح الآلي إلى بطنها وهو يصرخ: إلا هيقرب مني هقتلها وهقتل نفسي. *** رمقه يوسف بغل وغضب تراكم من وقت طويل وهو يهمس من بين أسنانه المصتكة: جه وقت الحساب، خليك راجل لمرة واحدة وسبها وواجهني. هزت شمس رأسها: لا يوسف، ابعد انت، لا.

ملس فهد على نحرها أمام عينا يوسف المتوهجة بنيران الغيرة والخوف: خايفة عليه؟ صرخ يوسف بغضب وهو يقترب أكثر: ابعد ايدك عنها يا واطي. هتف رجل الشرطة: ابعد يا دكتور، متعرضش حياتها وحياتك للخطر. بنفس الوقت كان بعض من رجال الشرطة يخطون المكان من الخلف ويتسللون ببطء من خلف فهد، وهو مازال يستفز يوسف بلمسه لشمس بحقارة وهو يصرخ ويقترب أكثر: سبها وخليك راجل وصفي حسابك معايا أنا. هتف فهد بقوة:

حسابك هو إني آخدها منك وبس، انت أخدتها مني، هي بتحبني أنا. صرخت شمس وهي تحاول المقاومة: عمري ما حبيتك، بكرهك، بكرهك.

بدأت تقلصات وتشنجات تهاجم شمس بقوة وهي تشعر بثقل وشيء ثقيل يكاد يسقط منها، صرخت تسقط من فهد فوق الأرض، وأثناء انشغال فهد بسقوطها، هجم يوسف عليه بقوة يضربه بكل ما أوتي من قوة، ركلات ببطنه وصدره ولكمات بوجهه، حاولت الشرطة التدخل بإطلاق الرصاص على فهد ولكن يوسف أيضاً معرض للخطر، اشتد الشجار بين يوسف وفهد وكل منهم يلكم الآخر بقوة وكل منهم يتمنى قتل الآخر بقوة كبيرة، ضرب يوسف فهد فوق رأسه وبفمه حتى وقع غارقاً بدمائه، ركض يوسف على شمس الغارقة بماء الولادة والدماء، الشرطة تحاوط فهد الذي وقف ببطء يخرج مسدساً من خلف ظهره ليطلق رصاصة غادرة بظهر يوسف، وقبل أن تخرج الرصاصة من مسدسه، كانت رصاصة ضابط الشرطة تستقر بجبهته ليقع فهد بمكانه غارقاً في دمائه.

*** بعد ساعة من الحادث. دخلت شمس غرفة العمليات في حالة سيئة جداً ويوسف يقف أمام الباب كالمجنون، لا يرى ولا يسمع سوى صرختها من الألم وقميصه الأبيض الملطخ بدماء نزيفها. خرجت الطبيبة ليركض عليها يوسف وعيناه على شفا حفرة من البكاء: خير يا دكتورة، طمنيني، ها؟ حالتها إيه؟ لم يتمالك حاله ضغط على ذراعي الطبيبة بقوة يهزها: سااااكتة ليه؟ اتكلمي، مراتي مالها؟ طبقت الطبيبة على شفتيها تقل:

أرجوك يا دكتور يوسف، أهدأ شوية، أنا قدرت أوقف النزيف، بس لازم تولد حالاً، المشيمة انقطعت عن التوأم وده خطر عليهم وعليها جداً ولازم أولدها. شعرت الطبيبة بيده تتراخى من فوق ذراعيها، بينما يتراجع بشدة وكأنه تعرض لضربة عنيفة فوق رأسه تكاد تسقطه بأرضه: بس هي لسه في السابع، وكده ممكن يحصلها حاجة. هزت الطبيبة رأسها بخوف: ولو مولدتش حالاً هيكون خطر ع التوأم وممكن لقدر الله يحصلهم حاجة. هتف بذعر: يحصلهم بس هي لأ، هي أهم. ربتت

الطبيبة فوق كتفه بثبات: في كل الحالات لازم تولد، وأطمن، خير إن شاء الله، أنا بحضرها للعمليات، وإن شاء الله ربنا معاها. تركته الطبيبة وذهبت ولم يشعر بساقيه تعودان تحمله لينزل ببطء يجلس فوق الأرضية أمام غرفة العمليات يبكي بخوف. هرول جلال وخلفه هشام ومنى بين أوراق المشفى، بينما مريم وصلت قبلهم بثوانٍ لتجد يوسف يجلس فوق رخام المشفى ويضع رأسه بين كفيه وصوت نهنته يصل لها. جلست مريم بجانبه تعانقه بقوة وهي تهمهم:

إن شاء الله هتقوم بسلامة، إن شاء الله خير، خلاص حبيبي، خلاص، كل الشر انتهى، خلاص. تمسك بأخته كالطفل الصغير يتشبث بملابسها وهو يبكي: شمس هتموت، هتروح مني، يا مريم، هتروح وتسيبني، أنا خايف، خايف. مررت مريم يدها فوق وجهه تهمس: لا مش هتسيبك أبداً، هتفضل معاك يا حبيبي، والله مش هتسيبك أبداً، المهم انت استجمع نفسك وادعيلها. ردد بخفوت بين دموعه: يارب، يارب. *** يوسف، بنتي فين؟ حصلها إيه؟

حد يطمن قلبي يانااس، بنتي جرالها حاجة. كان جلال يهتف من قلبه المقهور على صغيرته وهو يجد يوسف في تلك الحالة وحرقته في البكاء. وقفت مريم أمام جلال تحاول تهدئته: اطمن يا عمو، هي بخير وهتولد، اطمن. ضرب جلال كفيه بقوة يغمغم: ليه كده يارب؟ اللهم لا اعتراض، سامحني واغفر لي وقوم بنتي بسلامة يارب. جاء هشام من غرفة الطبيبة بعد أن اطمأن على حالة شمس ووقوف النزيف، ليقترب من يوسف ويرفعه بقوة وهو يهزه كثيراً حتى يستجمع حاله:

يوسف، اجمد كده، إن شاء الله تقوم بسلامة هي والأولاد، المهم انت تجمد وتمسك نفسك. هتف بصوت مبحوح من الصراخ وهو يرتتمي فوق صدر هشام: خايف عليها يا هشام، خايف. أكمل هشام بقوة: متخافش، شمس مش هتسيبك ولا حتسيب ملك وولادها، إن شاء الله هتكون بخير، بس أرجوك اجمد وكون قوي. جلست مني بجانب جلال تهدئه وتواسيه.

بغرفة العمليات كان الأمر أشد صعوبة وخطورة على حياة شمس والتوأم، حيث توقف قلبها أكثر من مرة من ضعفها الشديد بسبب النزيف، استمرت العملية 3 ساعات والجميع مرتبك والقلق مسيطر عليهم، ويوسف يقف أمام باب العمليات كالصنم لا يتحرك. نظر جلال حوله بريبة يسأل: ملك فين؟ البنت فين؟ ليكون حصلها حاجة؟ كفاية اللي شافته من الكلب الواطي ده، ربنا ينتقم منه. أجابت مريم بوهن:

اطمن يا عمو، ملك وسماح عند مامت كريم، البنت جالها حالة بقت تصرخ وتعياط بسبب المجرم ده، ويدوب نامت من التعب، بس ربنا يستر عليها، مامت كريم بتقولي كل شوية تقوم تصرخ. ضرب هشام على الحائط بقوة حتى تشققت يده بالدماء: آآآخ، كان نفسي أقطعه وأموته بإيدي، الكلب الواطي، وصل بيه الحقارة يهدد طفلة وست حامل، الكلب. اقتربت مني من هشام بهدوء تمسك يده وهى ترتجف من الخجل:

بس يا هشام بيه، أهدا شوية عشان خاطر دكتور يوسف وعمي، اهو غار منه لله وحسابه عند ربنا. نظر لها هشام بحنان وقد أثلجت قلبه بنظرات عيناها الحنونة ليهمس لها بجدية: اسمي هشام... هشام بس، فاهمة؟ أومأت برأسها تقل بخفوت: حاضر. *** عاين كريم مكان الحادث مع الظباط وتم نقل جثة فهد إلى المشرحة بعد ضربه عدة طلقات برأسه وصدره، ليرفع كريم الغطاء عن وجهه ويبصق بقوة.

طلبت مريم من إحدى الممرضات عمل إسعافات إلى الجروح المنتشرة بوجه يوسف وجسده، ولكنه رفض وبشدة وظل يصرخ على مريم: لا، مش عايز، لما أطمن على شمس أهم، أنا مش مهم. لاحظ هشام بأن يوسف لا يحرك ذراعه، لقل له: يظهر ذراعك انكسر، لازم تشوفه عشان ميحصلش حاجة، حرام عليك نفسك. زفر أنفاسه بقوة وهو متهجم الوجه، وقبل أن يصرخ، خرجت الممرضة المساعدة من غرفة العمليات بوجه بشوش مشرق تقل:

دكتور يوسف، الدكتورة قالتلي أطمنك، الحمد لله، المدام قامت بسلامة وجابتلك ولد وبنت زي القمر. قفز يوسف من الفرحة يهتف: المهم هي، أقصد شمس... شمس كويسة، طمنيني. ابتسمت الممرضة تقل: هي تعبت شوية بصراحة، بس الحمد لله دلوقتي بقت أحسن. أخرج جلال مبلغ مالي كبير ووضعه في معطف الممرضة التي غمغمت بخجل: لا، ميصحش، كفاية خير دكتور يوسف والله. قبل جلال رأس الممرضة يقل: ده من جد العيال الحلوين اللي جوه عشانك يا وش الخير.

حضنت مني مريم بفرحة، ووقف هشام يضم والده إلى صدره من فرحته. لينظر إلى يوسف ويجده ساجداً يشكر الله عز وجل على نجاة زوجته وأطفاله. *** بعد 3 ساعات.

خرجت شمس من غرفة العمليات وقام الطبيب بفحص الأطفال التوأم وأمر بوضعهم بالحضانة ساعات قليلة للتأكد من انتظام تنفسهم جيداً، ليتجمع الجميع بجناح شمس في انتظار استيقاظها، بينما يوسف ظل راكعاً أمام الفراش ينظر لها، وحينما طلبت منه الطبيبة الاطمئنان على صحة أطفاله ورؤيتهم، رفض قائلاً: هنشوفهم أنا ومامت

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...