لن ترى مفعوصة مجددًا. كانت تلك آخر ما قالته الملكة لـ «مراد» الذي عقد حاجبيه بصدمة قائلًا: -نعم يا أختي! إيه اللي بتقوليه ده؟ ده أنا أقلب القصر ده على اللي فيه! عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بجدية: -لقد حاولت الهرب صباح اليوم، ولم تفكر بها. لذلك سأحميها منك ومن حبك لنفسك. عقد هو الآخر ذراعيه ووضح لها: -كنت سأجلب المساعدة ولن أتركها وحدها أبدًا. أخبريني أين مفعوصة وإلا... رفعت أحد حاجبيها وتقدمت برأسها وهي تقول بغضب:
-وإلا ماذا؟ عرف أنه لو تطاول عليها سيسجن وستزيد مدة بقائه، لذلك ردد بهدوء: -وإلا سأحزن بقية حياتي. مثل البكاء وردد بنبرة هادئة: -مفعوصة هي كل شيء بالنسبة لي. لو تركتني سأموت. يرضيكي أموت يا مزة؟ عبثت ملامحها ولامت نفسها على هذا القرار، فبكائه قد أحزنها كثيرًا، لذلك تقدمت وربتت على كتفه قائلة: -لا تبكي، ستبقى معك. إنها بالغرفة، سأخبرها أن تأتي.
بالفعل دلفت إلى داخل الغرفة، وما هي إلا ثوانٍ حتى خرجت وهي تضع يدها على رأسها. سارت بها حتى وقفت أمامه وقالت بابتسامة: -مفعوصة أهي يا عمة. اتسعت حدقتاه وأشار إلى أذنه قائلًا بصدمة: -إيه ده؟ إيه التلوث السمعي ده اللي سمعته حالًا ده؟ إيه يا ملكة، إنتي قلبتي من فصحى للغة الحوامدية ليه كدا؟ ابتسمت ونظرت إلى «نور» وهي تقول بسعادة: -مفعوصة علمتني كتير عن لغتكم. انتظر، سأطبق ما تعلمته. إيه يا شبح، عايز إيه!
اطلع باللي في جيبك يا ضنا! أنا اللي قتلت موفاسا! رفع يده أمام وجهها وردد برجاء: -بس أرجوكي كفاية. بقى الجميل ده يقتل موفاسا! ثم وجه بصره تجاه ابنة شقيقته وردد بعدم رضا: -حولتيها من مزة رقيقة لمزة هربانة من حكم إعدام. يخربيتك! رفعت «نور» كتفيها وقالت بهدوء: -لازم أعلمها عشان هنقعد سنة مع بعض. وأنا بصراحة مش هقدر أتكلم بلغة الكارتون طول الوقت. اتسعت ابتسامة الملكة وربتت على رأسها بحب قائلة:
-حسنًا مفعوصة، اذهبي مع خالكِ الآن، وغدًا سأتعلم منكِ الكثير. وقبل أن ترحل، أوقفها «مراد» قائلًا بتساؤل: -صحيح، لم أعرف اسمكِ يا مزة. ابتسمت الملكة وقالت بهدوء: -يارما. نظر إلى الأسفل ووضع يده على فمه وهو يقول بصوت غير مسموع: -يارتني ما سألت، ده أصعب من حياتي. هزت رأسها وقالت بتساؤل: -ماذا تقول؟ رفع رأسه وقال بابتسامة مزيفة: -بقول اسم جميل. ضمت كفيها أمامها وانخفضت بقدمها قليلًا ثم ارتفعت وهي تقول بابتسامة: -شكرًا.
-العفو يا قمر. سأذهب مع مفعوصة لغرفتنا. حركت رأسها بالإيجاب وأشارت بيدها بمعنى "اذهبا". اتجه هو إلى حقيبة الطعام ثم اصطحب «نور» ورحلا من هنا. وأثناء سيره ضرب مقدمة رأسه قائلًا: -يلاهوي، نسيت إني معرفش الطريق. توقفت «نور» ونظرت له بلوم قبل أن تقول: -عيب تقول كده يا خالو، ونور معاك. أنا بقيت عارفة القصر، طريقة طريقة وأوضة أوضة. تعالى ورايا. ***
مر على هذا الوضع أسبوع، حيث كان «مراد» يعمل صباحًا ويعود بعد انتهاء عمله. وكان حديثه قليلًا مع الملكة، فهو يتحدث معها عندما يعود من عمله ليأخذ ابنة شقيقته. وفي ليلة، حاول «مراد» النوم لكنه أُصيب بالأرق.
ونهض من فراشه بملل شديد ثم اتجه إلى النافذة ليستنشق الهواء النقي. ظل على حاله لدقائق قليلة، وفجأة ظهرت الملكة أمامه في حديقة القصر وكانت وحدها. كانت تسير ذهابًا وإيابًا بشكل هادئ، فقرر هو أن يتجه إلى الأسفل ويتحدث معها. بالفعل بدل ملابسه ونزل إلى الأسفل ثم سار تجاهها بهدوء وقرر إفزاعها. اقترب منها كثيرًا وما إن وصل إليها حتى قال بصوت مرتفع: -بخ! قفزت الملكة وهي تصرخ بصوت مرتفع، فضحك هو بقوة مما جعلها
تلتفت إليه وهي تقول بغضب: -يا حيوان يا متخلف! اتسعت حدقتاه بصدمة ووضع يده على رأسه قائلًا: -واضح إن مفعوصة معلمة جيدة، ما شاء الله. في أسبوع خليتك تتكلمي عامي وتشتمي كمان! ضيقت نظراتها وتوسطت خصرها بيديها وهي تقول بتساؤل: -كيف تفعل ذلك؟ لقد أفزعتني. رفع يديه أمام وجهها وقال بأسف: -معلش والله، لم أستطع منع نفسي. أنا أفعل ذلك مع أصدقائي وعائلتي. هدأت قليلًا ثم نظرت إلى نقطة بالفراغ، فنظر هو إليها قائلًا بتعجب:
-لماذا تستيقظين حتى تلك الساعة؟ أجابته وهي موجهة بصرها إلى المجهول: -لا أستطيع النوم. حاولت لكنني فشلت. عقد ما بين حاجبيه وردد بتساؤل: -لماذا؟ حركت رأسها ونظرت إليه لعدة ثوانٍ قبل أن تجيبه: -أفكر بالمملكة. جيش المملكة المجاورة قد حصل على أسلحة جديدة اليوم وأخاف أن يهاجموننا. إن تم تدمير المملكة، سيخسر الكثير مساعدتنا ولـ... توقفت عن الحديث قبل أن تقول بجدية: -لماذا أتحدث معك في تلك الأمور! هذا خطأ.
رفع كتفيه وقال ببساطة: -لا، ليس خطأ. أنا مجرد عامل بسيط بالشركة. وإن كنتِ تأمنين على نفسكِ في وجودنا في القصر، فلماذا تخافين الآن؟ أكملي الحديث، لعل المساعدة تأتي من الغلبان اللي قصادك ده. ابتسمت ابتسامة هادئة قبل أن تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بتساؤل: -وكيف ستساعد في هذا الأمر؟ فعل ما فعلته هي بالضبط وأجابها بهدوء: -لو خايفة المملكة دي تهجم عليكي، يبقى مفيش قصادك غير حل واحد. ضيقت نظراتها وقالت بحيرة: -وما هو؟
ضحك وقال مازحًا: -لا، ما شاء الله بقيتي فعلاً تفهمي عامي. بصي يا مزة، هذا الحل هو أن تقومين بزيارة إلى تلك المملكة وتتحدثين مع ملكها أو ملكتها حول إنشاء علاقات مشتركة بين المملكتين، سواء عن طريق التجارة أو الصناعة. كوني صداقات مع تلك المملكة، وبدلاً من أن تخافين منها، ستكون سندًا لكِ إن احتجتي للمساعدة. لمعت عينيها بإعجاب وهتفت بسعادة:
-حل رائع، وسوف أبدأ في تنفيذه من الغد. لا تحزن مما سأقوله، لكنني في البداية اعتقدت أنك غبي، لكن الآن تغيرت تلك النظرة تمامًا. رفع أحد حاجبيه وهتف بعدم رضا: -غبي! متشكرين يا رجولة. ضحكت على ما قاله وأسرعت لتوضح ما تقصده: -أنا أعني أن هذا الاعتقاد عندما رأيتك أول مرة، لكن الآن اكتشفت أنك ذكي. ابتسم واتسعت ابتسامته تدريجيًا قبل أن يقول بهدوء: -ربنا يجبر بخاطرك يا مزة. ابتسمت ورددت بصوت هادئ:
-سأذهب للفراش، إن كنت سأنفذ خطتك فيجب أن أنام جيدًا، لأن غدًا سيكون يومًا طويلاً. هز رأسه عدة مرات وأردف بسعادة: -حسنًا، ارحلي وسأبقى لبعض الوقت قبل أن أذهب أنا أيضًا. بالفعل تركته ورحلت. وأثناء سيرها التفتت له لكي تنظر إليه لثوانٍ، فوجدته مسلط نظره عليها، فنظرت إلى طريقها بحرج وانصرفت على الفور.
في صباح اليوم التالي، استيقظ «مراد» من أجل الذهاب إلى العمل واتجه إلى الأسفل ليجد الملكة والكثير من الحراس بالأسفل، فقرر الذهاب إلى العمل. وأثناء سيره، استمع إلى صوت الملكة خلفه: -مراد. التفت على الفور ونظر إليها بابتسامة قائلًا: -عيون مراد. تقدمت حتى وقفت أمامه مباشرة ورددت بجدية: -لا تذهب إلى العمل اليوم. ضم ما بين حاجبيه بتعجب ليقول متسائلًا: -لماذا؟ -لن تذهب إلى العمل بعد اليوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!