الفصل 5 | من 52 فصل

رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الخامس 5 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
37
كلمة
17,533
وقت القراءة
88 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كلُّ مياهِ المطرِ تُخمدُ للنارِ ألسنتَها.. إلَّا مياهُ عيناها.. تزيدُ من لهيبِ نيراني.. فأهلًا بوجهِكِ .. لا حُجِبَت عن ناظريَّ … يافتنة القلبِ يانُزهةَ البصَرِ .. تعالَي لأسألُكِ ما الذي أوحاهُ قلبُكِ لقلبي لينصاعَ لهُ طوعًا.. ويعقِدُ معهُ صفقةَ العُمُر .. تحرَّكَ إلى وصولِ فريدة عندما فقدت سيطرتها وارتفعَ بكاؤها، احتضنها مصطفى يبعدُها عن مرمى نظرِ إلياس، لقد فقدت تمسُّكَها الذي وعدتهُ به.

نظرَ إلى إلياس الذي تقدَّمَ إليهم وانتابتهُ رعشةً مخيفة، بالتأكيد ستنقلبُ حياتهِ إلى جحيمٍ وسيكونَ هو المسؤولُ الأوَّل. "بابا مدام فريدة مالها؟ شهقةٌ خرجت من احتراقِ قلبها الذي ينازعُ لخروجِ الروحِ وهي تريدُ أن يصيبها اللهُ بالصمم، قرَّةَ عينها الذي تبحثُ عنهُ منذ ثلاثينَ عامًا أصبحَ تحتَ كنفِ رعايتها. "يالله ماهذا الألم الذي أشعرُ به، ألمًا يفوق انتزاع الروح من الجسد …"

نزعت نفسها من بينِ ذراعي مصطفى مقتربةً منه وعيناها تبحر فوق وجهه، تتمنى أن تلمس وجهه. ابتلعت ريقها بعدما هتف مصطفى: "تعالي يافريدة علشان ترتاحي.." ظلت كما هي تقترب من إلياس الذي يطالعها بصمت وهي تحاوره بعيناها قائلة بلهفة أم غاب عنها وليدها لأعوام: "حبيبي ممكن أطلب منَّك طلب؟

رمقها بنظرةٍ مستفسرة، ابتلعت ريقها واقتربت خطوةً أخرى مع ازديادِ عبراتها. وهناك مايفيضُ القلبَ بالغصَّاتِ المريرة… ناهيكَ عن آلامها كالأشواكِ التي تنخرُ بجوفها، وهي تريدُ أن تضمَّهُ وتستنشقَ رائحتِه… عيناها تخترقهُ تبحثُ فيه عن وليدها المفقود… ظلَّت تتحركُ إلى أن وصلت أمامِه، وعينيها تحاورهُ بأن يرحمَ ضعفها.

لايعلمُ لماذا انشطرَ قلبهِ على حالتها تلك التي لأوَّلِ مرَّةٍ يراها بها.. ضعُفَ أمامَ دموعها وكأنَّ الله وضعَ رحمتهِ بها ذاكَ الوقتِ لينحني ويحتضنَ كفَّيها: "تعالي ارتاحي، ماعرفشِ إيه اللي حصل معاكي، لو عايزة تحكيلي أنا سامعِك." شهقةٌ مُلتاعةٌ خرجت من فمها لتضعَ كفَّيها على فمها بوصولِ ميرال التي هرولت على ارتفاعِ بكائها. رفعَ إلياس نظرهِ إلى والدهِ وهتفَ بصوتٍ مرتفعٍ إلى حدٍّ ما: "مالها، أكيد حضرتَك عارف.."

ابتعدَ بنظرهِ وعجزَ عن كلِّ شيئ، يحدِّثُ حاله، هل سيعاقبِهُ ربِّهِ بفعلته… تحرَّكَ إلياس إلى توقُّفِ والده: "بابا، مدام فريدة مالها؟ أطبقت على جفنيها وكأنَّ كلمةَ مدام اخترقت أُذُنها وكأنها تستمع لصدى صوت عويلٍ مرتفعٍ يصيبها بالذعر. "ماما حبيبتي إيه اللي حصل، بقالِك كام يوم وإنتِ كدا، مخبيَّة على بنتك إيه؟! كانت عيناها على إلياس الذي توقَّفَ متخصِّرًا ثمَّ أردفَ بعد صمتِ والده: "معرفش بتبص لي ليه.."

قالها مقتربًا منها، توقف أمام جلوسها: "مدام فريدة، متحاوليش تعملي كدا علشان مبحبش الأسلوب دا.." ألمها حديثه، وكأنه غرس خنجرًا لصدرها.. رفعت نظرها إلى مصطفى وهمست بضعف: "موافقة يامصطفى اروح للدكتور.." تراجعت بنظرها إلى إلياس واكملت بارتجافة قلبها: "إلياس اللي ياخدني …" "أنا طيب ليه؟! توقفت بمقابلته، تحتضن كفيه، وابتلعت غصة كالعلقم أحكمت حلقها بالأختناق تتابعه بعيناها بترجي: "مش انت جوز بنتي، يعني ابني .."

قالتها بمرارة مع دموعها. "ميرال ساعديها، خلِّيها تِجهَز هناخُدها للدكتور .." تراقصَ قلبها فرحًا من موافقته، قاطعهُ مصطفى: "إلياس إنتَ ماكانشِ وراك شغل يالَّه حبيبي، ربنا يوفَّقك.." قالها مصطفى حتى لا يتسلل الشك لقلبه بشيئا اخر، هو يعلمه حد المعرفة، سيقلب الموازين على فريدة. هزَّ إلياس رأسهِ وعينيهِ عليها، ثمَّ أشارَ إليها: "طيب خُدها لطبيب نفسي، شوف مالها.." ربتَ مصطفى على كتفهِ يهزُّ رأسهِ قائلًا:

"ماتخافش، شوف إنتَ شُغلك حبيبي." توقَّفت سريعًا مقتربةً منهُ قائلة: "مش إنتَ وعدتني تاخدني إنتَ وميرال، ليه غيَّرت رأيك؟ فتحَ مصطفى فمهِ للحديثِ ولكنَّها قاطعتهُ تترجَّاهُ بعينيها، تريدُ أن تنعمَ ببعضِ الوقتِ بجواره. قاطعَ نظراتها مع مصطفى صوتِه: "بابا قال هيخدِك، عندي شُغل مهمّ يبقى طمِّني .." بترَ حديثهِ ينظرُ إلى ميرال وتابعَ قائلًا: "يبقى طمِّنيني ميرال علشان ماتقولشِ مش مهتم بيكي.."

استدارَ للمغادرة، ولكنَّهُ توقَّفَ على صوتِ والدِه: "خلاص لو قدَّامَك وقت ممكن تاخدها معاك إنتَ وميرال، افتكرت عندي شغل مهم …" توقَّفَ متردِّدًا ينظرُ لدموعها، مسحت دموعها مع ابتسامةٍ وهو يهزُّ رأسِه: "هستناكوا بالعربية.." قالها وتحرَّكَ للخارجِ سريعًا. أشارَ مصطفى لميرال قائلًا: "إجهزي حبيبتي وأنا هطلع معاها.." أشارت على خروجهِ وابتسمت: "شوفت يامصطفى كان خايف عليَّا إزاي…"

حاوطَ كتفها وصعدَ بها إلى غرفتهِم، توقَّفَ متنهِّدًا ثمَّ تحرَّكَ إلى خزانةِ ملابسها دونَ حديث. كانت تتابعُ تحرُّكهِ بحزن، جلست على الفراشِ وتمتمت: "إنتَ السبب في اللي أنا فيه.." جحظت عيناهُ والتفتَ بنظرهِ إليها يشيرُ إلى نفسهِ متحيِّرًا: "أنا السبب! .." "ليه أنا اللي خطفت ولادِك؟ .." هبَّت من مكانها واقتربت منهُ تنظرُ لمقلتيه:

"إنتَ لو عرَّفتني الحقيقة من يوم ما دخلت البيت دا،كان هايكون أهوَن من عذابي دلوقتي، إلياس لازم يعرف إنِّي أمُّه." توسَّعت عينيهِ بذهول، اقتربَ منها وأطبقَ على ذراعيها يهاتفها بتحذير:

"يبقى بتقضي عليه، لازم تهدي علشان أعرف أفكَّر، لازم نمهِّدلُه الموضوع، أوعي يافريدة تتهوَري، وقتها بس هتخسريه للأبد، إنتِ فاهمة يعني إيه فجأة بعد العمرِ دا كلُّه يعرَف أنُّه مش ابني، إنتِ كدا هتدفنيه بالحياة، إلياس أنا عارفُه كويس، كرامتُه ورجولتُه فوق أي حد، وممكن وقتها يدوس عليَّا أنا شخصيًا." هزَّت رأسها رافضةً حديثهِ وتمتمت من بينِ بكائها: "مش هقدر يامصطفى.."

احتضنت كفَّيهِ تقبِّلُه، وحياتي عندك يامصطفى ساعدني أقرَّب منُّه، هوَّ بيحبِّني بدليل النهاردة، مش يمكن ربنا حنِّن قلبه عليَّا ويتفهَّم الوضع. احتضنَ رأسها يمسِّدُ على ظهرها طابعًا قبلةً فوقَ رأسها: "حاولي يافريدة علشان خاطرُه، ابنك ممكن يضيع منِّنا." تراجعت مبتسمةً تزيلُ عبراتها تتمتمُ بخفوت: "ابني…ياحبيبي، الكلمة طعمها حلو أوي، ياااه لو أضمُّه بس …" أخرجَ تنهيدةً متألِّمةً على حالتها ثمَّ سحبَ كفَّيها قائلًا

باطمئنان: "إن شاء الله حبيبتي، إهدي وكلِّ حاجة هتحصل، كويس إنِّك هاتروحي للدكتور وهوَّ معاكي، إحكي للدكتور، أنا مش عايز آجي علشان وقتها هيشُك، وأوعي تنسي إن إلياس ذكي جدًا فوق ماتتخيَّلي، بدليل ملاحظتُه تغييرِك…عرفي الدكتور وهو هيقولك تعملي ايه.." بعدَ قليلٍ أمامَ السيارة كانَ يتحدَّثُ بهاتفه:

"الست عندها السكَّر، خلاص يابني، مشِّيها ، مش ناقص بلوة، خلِّي حد يوصَّلها لحدِّ بيتها، وأنا بعدِ الفرح هزورها، المهم لمَّا تفوق ماتسبهاش تروح لوحدها …" استمعَ إلى حذاءٍ ذو كعبٍ عالٍ خلفه، استدارَ بعدما استنشقَ رائحةَ مجنونتِه، استندَ على السيارة يتفحَّصُها بتدقيق، اقتربت حتى توقَّفت أمامهِ مباشرةً قائلة: "لو حد قالِّي إنَّك لطيف واتنازلت عن كبرياءك وهتاخد ماما للدكتور ماكُنتش هصدَّق.."

ابتسامة زيَّنت ملامحِه، فدنا منها ورفعَ أناملهِ يضعُ خصلاتها المتمرِّدة خلفَ أذنها ثمَّ انحنى يطبعُ قبلةً فوقَ وجنتيها لتشعرَ بشللٍ كاملٍ بجسدها، رفعت عينيها المصدومة لتقابلَ عينيهِ المبتسمة، حاوطها بذراعيهِ غامزًا بعينيه: "علشان أصالحِك بس مش أكتر، دماغي وجعاني وهتُعقدي تقولي كلام إمبارح وأنا مش عايز أتناقش.. غير بشوف المخطوبين بيخرجوا يقضوا وقت لذيذ مع بعض.." كتَّفت ذراعيها تهزُّ رأسها وهدرت به:

"أه، قولت أضحَك على الهبلة بمشوار مع مامتها، وأبيِّن اهتمامي.. صح ياحضرة الظابط؟ .." وضعَ كفَّيهِ بجيبِ بنطالهِ وأفلتَ ضحكةً رجوليةً يهزُّ رأسهِ قائلًا: "أيوة كدا بالظبط، إنَّما من إمتى وإنتِ ذكية كدا؟ .." دفعتهُ بصدرهِ تجزُّ على أسنانها: "مستفِّز، طيِّب إضحَك عليَّا.." ضمَّها ومازالت ضحكاتهِ تعلو، نظرَ إليها وهيَ مازالت بأحضانِه: "طيِّب مش عيب ظابط عندُه هيبة زيي يكذِب، والمشكلة أنُّه يكذب على حاجة مش مستاهلة."

نسيَت كلَّ شيئٍ وهي تنظرُ لقربهِ واحتضانِه، ناهيكَ عن ضحكاتهِ التي بدأت تظهرُ في بعضِ الأحيان، لم تشعر بنفسها وهي تهمسُ بصوتٍ خافتٍ وصلَ إليه: "إلياس ممكن تحضُنِّي.."

توقَّفَ عن الضحكِ يطالِعُها بصمتٍ للحظات، شاهدَ بعضَ الخطوطِ الكرستاليةِ من الدموعِ التي زيَّنت عينيها، لفَّ ذراعيهِ يضمُّها لأحضانِه، أغمضت عينيها وتمنَّت أن يتوقَّف كلَّ شيئٍ حولها، تمنَّت أن لا ترى شيئًا سواه، ولا تسمعُ شيئًا سوى صوتهِ الممزوجِ بدقَّاتِ قلبه، ولا تستنشقُ سوى رائحتهِ الخلاَّبة بأنفاسهِ المختلطةَ برائحةِ سجائرِه، شعورٌ ممزوجٌ بالسعادةِ والخوف.

مسَّدَ على خصلاتِها وداخلهِ صراعٌ يؤلمُ روحهِ بينَ القلبِ الذي يطمعُ بأكثرِ من ذلكَ وعقلهِ الذي يرفضُ ذاكَ القربُ المدمِّر. شعرَ بأنفاسِها الناعمة على جلدِ صدرهِ من فتحةِ قميصهِ فحاولَ الابتعادَ محمحمًا: "إركبي.. مينفعشِ نفضل كدا، الأمن في كلِّ مكان.." قالها بخروجِ مصطفى بجوارِ فريدة، توقَّفت تنظرُ لخطواتِ والدتها الواهية، وكأنَّها تحاولُ أن تتماسكَ أمامهم. أشارَ مصطفى إلى ميرال:

"ميرو أقعدي ورا حبيبتي، خلِّي ماما قدَّام علشان ترتاح أكتر.." أومأت دونَ حديث، فتحت البابَ وجلست مع إشارةِ إلياس للسائقِ قائلًا: "هاخد السوَّاق علشان مدام فريدة، هترجَع لوحدها، عايز آخُد ميرال تشوف فستان الفرح.." أومأَ لهُ قائلًا: "هخلَّص شويِّة شغل، يبقى كلِّمني وأنا هروح أجيبها.."

جلست فريدة بجوارِ السائقِ بعدما فشلَ مخططُ مصطفى بوجودها بالقربِ من إلياس لبعضِ الوقت. بالخلف.. أخرجَ هاتفهِ وظلَّ يتفحَّصُ بعضَ المواقعِ الإخبارية. التفتت إليهِ فريدة: "إلياس ممكن بعدِ مانخرُج من عندِ الدكتور نتمشَّى على الكورنيش شويَّة.." "كورنيش.." قالها مستغربًا، ضغطت ميرال على كفِّهِ تهزُّ رأسها بالموافقة. هزَّ رأسهِ قائلًا: "أوكيه .. بس أنا عندي شغل، هكلِّم بابا.." قاطعت حديثهِ قائلةً وهي تستندُ على المقعد:

"لا خلاص مش عايزة .." استغربَ ردَّها، وكذلكَ ميرال التي طالعتهُ بأعينٍ متسائلة.. مطَّ شفتيهِ ونظرَ للخارجِ وتلاعبَ عقلهِ بهِ بأنَّها تقومُ بالتمثيلِ عليه .. ظلَّ ينقرُ بأصابعهِ على ساقيهِ بتوتُرٍ وغضب، وهناكَ الكثيرُ من السيناريوهات التي رسمها عقلهِ بأنَّ أفعالها ماهيَ إلَّا كذبة. احتضنت ميرال ذراعهِ تضعُ رأسها على كتفهِ متمتمةً وهي تنظرُ للخارج: "يعني هتكون جوزي ببلاش، راسي تقيلة ومحتاجة أنام.." رفعَ حاجبهِ ساخرًا:

"ودا اسمُه إيه إن شاءالله، هوَّ أنا مخدَّة .." رفعت رأسها عن كتفهِ وابتسمت قائلة: "ياريت أهو كنتِ استفدت منَّك.." كانت عيناهُ ترسمها بحبٍّ لأوَّلِ مرَّة، كم هي جميلةٌ شقيَّةٌ كالأطفال، رفعَ خصلاتها بأناملهِ وانحنى يهمسُ بجوارِ أذنها: "تستفادي منِّي إزاي يعني يامراتي يابايرة، وضَّحي علشان أعرَف أفيدِك .."

قالها بغمزةٍ بطرفِ عينيه… رعشةٌ أصابت جسدها من مكنونِ حديثه، ابتعدت بجسدها للخلفِ وسحبت بصرها من مرمى عينيه تنظرُ للخارج. وصلت السيارةُ بعدَ قليلٍ أمامَ إحدى العياداتِ الكبيرةِ للطُّبِ النفسي. ترجَّلَ أولًا يفتحُ بابَ السيارةِ لفريدة، وأمسكَ كفَّها يساعدها على الخروج، رفعت رأسها بابتسامةٍ وشعرت بالدوران فاستندت عليه، ليضُّمها إلى أحضانه: "مالِك حاسبي هتوقعي.."

تعلَّقت بذراعيه وتمنَّت أن يضمَّها لأحضانه، ولكن خيَّبَ آمالها بعدما أشارَ للمسعفين بإحضارِ إحدى المقاعدَ المتحرِّكة. بعدَ فترةٍ بإخبارِ الطبيبِ بكلِّ شيئٍ وكيفَ ستتعاملُ معهُ في الفترةِ القادمةِ خرجت له، كانَ يجلسُ بالخارجِ بجوارِ ميرال بعدَ رفضِ الطبيبِ بحضورِ أحدهما للداخل. توقَّفَ ودلفَ للطبيبِ بناءً على تعليماتِه.. جلسَ أمامهِ متسائلًا: "حضرتَك، النيرس قالت إنَّك طلبتني.." تصنَّعَ الطبيبُ النظرَ بورقهِ وتسائل:

"أنا سألتها مين معاكي برَّة، قالتلي ابني ومراتُه.." صمتَ الطبيبُ يدقِّقُ بردَّةِ فعله. امتعضَ وجههِ بالغضبِ إلى حدٍّ ما قائلًا: "بس أنا مش ابنها، دي …" صمتَ لبعضِ اللحظات وسحبَ نفسًا متنهِّدًا: "أه.. زي ابنها، هيَّ اللي ربتني بعد والدتي الله يرحمها." "بتحبَّها…" سؤال سريع ألجمه، لينظر للطبيبِ بتيه، ثمَّ تسائل: "ليه حاسس إنَّك بتعالجني أنا؟! .. مش أنا المريض…" توقَّفَ الطبيبُ من مكانهِ واقتربَ منهُ يجلسُ بمقابلته:

"مش يمكن اللي هيَّ فيه دا بسببَك…" سؤالٌ آلمهُ ورغمَ ذلكَ جاهدَ بإخفاءِ مايشعرُ بهِ من اعتصارِ قلبه، ينظرُ للطبيبِ وأجابه بصوتهِ الرخيمِ الثابت: "ليه طفل وعامل اضراب عن الأكل؟! .. يمكن علشان مرات أبوك…" قالها الطبيبُ وعينيهِ تخترقُ أعينَ إلياس.. توقف إلياس معتذرًا: "إجابتَك مش عندي يادكتور.. أنا مابظلِمش، ماعرفشِ مدام فريدة حكت لك إيه، بس اللي أعرفه ومتأكِّد منُّه إنِّي بحترمِها.. لا زم تحترمِها.. مش زي والدتَك."

تحمحمَ إلياس وانحنى ينظرُ للطبيب: "ماتحاولشِ تستفزِّني، قولت لحضرتَك علاج مدام فريدة مش عندي.." "وليه واثق أوي كدا ياحضرة الظابط." اعتدلَ بجسدهِ وارتدى نظارتهِ ثمَّ أجابه: "لسة بقولَّك يادكتور أنا مابظلمِش حد." "ماهيَّ مرات أبوك. ولو … إيه المشكلة حق بابا يتجوِّز، ماليش حق أرفض… أنا مش طفل محتاج الرضعة.." "طيِّب ليه مابتقولَّهاش ياماما، مش في مقامِ والدتك؟! "يووو.."

تحرَّكَ بعدما تشدَّقَ بها وغادرَ مهرولًا للخارج… بحثَ بالخارجِ عنهما ولكنَّهُ لم يجدهما، تحرَّكَ وهو يرفعُ هاتفه: "إنتِ فين …" أجابتهُ على الجانبِ الآخر: "عمُّو مصطفى جِه تحت وأنا منتظراك عند العربية.." وصلَ بعدَ دقائقَ وجدها تستندُ على السيارةِ وتنظرُ بشرودٍ لحركةِ السيارات. اتَّجهَ يشيرُ للسائق: "إرجع إنتَ .." قالها وهو يفتحُ بابَ السيارةِ ويستقلَّها دونَ حديث.. جلست بجوارهِ واستدارت بجسدها إليهِ تسألهُ بلهفة:

"ماما مالها ياإلياس، ليه متغيَّرة؟! قامَ بتشغيلِ محرِّكَ السيارةِ وارتفعَ جانبَ وجههِ بابتسامةٍ ساخرةٍ قائلًا: "بتدلَّع، مامتك بتتهمِّني إنِّ أنا السبب في اللي هيَّ فيه.." "إنتَ اتجنِّنت.. ماما ليه تتهمَك! التفتَ إليها سريعًا، وشيَّعها بنظرةٍ مميتةٍ:

"إيه.. اتجنِّنت دي، شيفاني خالع هدومي.. ليه همَّا المجانين اللي بيخلعوا هدومهم.. ميرال إخرسي مش ناقص هبل، أنا غلطان إنِّي بتكلِّم معاكي، وغلطان اصلًا اني جيت معاكم، مالي ومالها.." سحبت نفسًا قويًا، عندما أوشكت على البكاء من طلقات كلماته، مردفة بنبرة باردة: "إنتَ على طول غلطان ياحضرة الظابط، دايمًا ترميها بالتهم.. تعبت منَّك وزهقت، يمكن من كترِ ضغطَك عليها انفجرِت، ويمكن عمُّو مصطفى ضغط عليها في موضوع جوازنا دا.."

توقَّفَ بالسيارةِ فجأة وأطلت من عيناه نظرة قاسية بتكررها نفس الحديث: "مالُه جوازنا، عايزة تقنعيني إنَّها رفضاه؟! .. طيِّب إيه رأيِك هيَّ أكتر واحدة مرحِّبة بالموضوع دا، دا لو ماخطِّطش.." "أسُكت بقى ياإلياس حرام عليك إنتَ إيه، على طول سوء ظن أنا تعبت من دا، إمبارِح قولتلي مفيش حد ينفعِك غيري، وبعدها بدقائق تنزِل لماما وتقولَّها أنا من غيري مش فارقة.." لوَّحت بكفَّيها وانهارت باكية:

"أنا مابقتشِ فاهمة إنتَ عايز إيه، عايز الجواز دا ولَّا إيه …" قطعَ حديثها عندما التفتَ إليها يجذبُ رأسها ويقبضُ على ثغرها بخاصَّتهِ ليمنعَ ترَّهاتها من الحديثِ الذي سيودي بهما إلى الجحيم. لحظاتٍ وهو يتنعَّمُ بتلكَ الشفاهِ التي يتذوَّقها لأوَّلِ مرَّة، قشعريرةٌ لذيذةٌ ضربت كلٍّ منهما ولم تشعر بنفسها وهيَ تحاوطُ عنقهِ متناسيةً كلَّ ما مرَّ بهما.. لحظاتٍ ناعمةٍ وهما يشعران بنعيمِ الجنَّةِ الغائبةِ عنهما..

تركها حينما شعرَ باحتياجها للتنفُّس، وابتعدَ متَّجهًا للسيارةِ دونَ حديثٍ وقامَ بتشغيلها وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا… ابتعدت تنظرُ من النافذةِ تغمضُ عيناها بأسفٍ على ماتوصلَّت إليه، كيفَ لها أن تضعف، بدأت تلومُ حالها على ما فعلهُ بها … آهةطويلة أخرجته من أعماق روحها، مع دقات قلبها المرتفعة، تغمض عيناها تتذكر تلك القبلة التي ارتجف الجسد بالكامل إليها .. لم تقو على النظر إليه، ضعفت وضعفت إلى أن تمنت تلقي نفسها بأحضانه مرة أخرى.

أمَّا هوَ شعورًا داخلهِ يدغدغُ مشاعرِه، يريدُ أن يعودَ إلى تلكَ الجنَّةِ مرَّةً أخرى ليتنعَّمَ بالسعادة، لامَ نفسهِ بعدما شعرَ بارتفاعِ حرارةِ جسدِه، وهناكَ شعورًا يُجبرِهُ بالانسياقِ وراءَ رغبتهِ بجذبها إلى أحضانهِ مرَّةً أخرى. أغمضَ عينيهِ يسحبُ نفسًا للتحكُّمِ بنفسه، دقائقَ من الصمتِ بينهما إلى أن قطعه؛

"مش عايز فستان عريان، هقطَّعُه لو حاولتي تستفزِّيني، وحاولي تخلِّيها تعملِّك طرحة زفاف، الفرح ملايين من الناس هايشوفوه، وأكيد هيكونوا محتفظين بفيديوهات، الفستان يكون بكُم .. ممنوع كوافير راجل أو مصمِّم يقرَّب منِّك أو يلمسِك."

كانت تستمعُ إليهِ بسعادة، أيُعقَل أنَّهُ يغيرُ عليها كما أخبرتها والدتها… توقَّفَ أمامَ أحدِ أكبرِ الأتليهاتِ المشهورةِ بتصميمِ فساتينِ الزفاف، ترجَّلَ أولًا ثمَّ استدارَ يساعدُها بالنزول، احتضنَ كفَّها ودلفَ للداخلِ بخطواتهِ المتعاليةِ والواثقة. وصلَ إلى الداخلِ خلالَ دقائقَ وخرجت المسؤولةُ ترحِّبُ بهم بعدَ معرفتها بهويتهما، أشارت لأحدِ المصمِّمين: "دا مستَر تَيم الديزاينِر.." تابعت حديثها:

"من أكفئِ المصمِّمين، الآنسة تقولُّه اللي محتاجاه وهوَّ هاينفِّذُه بالظبط.." أشارَ بيدهِ بالتوقُّف، واتَّجهَ بنظرهِ إليها فتحدَّثَت نيابةً عنه: "محتاجة ديزاينر ديالا عجباني.. لو موجودة…"

أشارت إلى الرجلِ بالتحرُّكِ مع استدعائها لتلكَ المصمِّمة، ابتسمَ برضا متحرِّكًا للمقعدِ بينما هي توقَّفت تتحدَّثُ معَ المصمِّمة.. تحرَّكت للداخلِ وعينيهِ تراقبُ تحرُّكها بكلِّ دقة، تلاعبُها بأناملها مرَّة، وحركاتها فوقَ خصلاتِها… توقَّفَ متَّجهًا بعدما وجدَ أحدهِم يقتربُ ببعضِ التصاميم، شعرت باقترابهِ فجذبت الكتالوج تقلِّبُ فيه مع حديثها للشخصِ مع تلكَ المصمِّمة، حاوطَ خصرها ينظرُ للذي تنظرُ إليهِ متسائلًا:

"بتتفرَّجي على إيه؟ .." وضعتهُ أمامِه: "بختار قصَّة تتناسب مع الموديل.." ظلَّ يقلِّبُ معها ويتفحَّصُ بتدقيقٍ إلى أن وصلَ إلى إحداها، وأشار: "دا كويس…" نظرت إليهِ متذمِّرة: "إيه دا ياإلياس، عايزة واحد سمبل دا واسع أوي.." همسَ بجوارِ أذنها: "السمبل دا يتلبِس ليَّا لوحدي مش لجمهورية مصر العربية.." رفعت رأسها تنظرُ لعينيهِ القريبة، وتاهت بقربهم مع ارتعاشةٍ خفيفةٍ أفقدتها توزانها إلى أن أفاقتها المتوقِّفة:

"الأستاذ ذوقُه حلو، بالعكس الفستان هايكون واو.." ابتسمَ يغمزُ لها: "إيه رأيك ياروحي…." نظرت لكفِّهِ المحتضنُ لخصرِها ثمَّ رفعت عينيها لهُ بعدَ تحرُّكِ الفتاة: "إلياس إنتَ بتحبِّني…" رجفةً قويةً تسرَّبت لجسدهِ يطالِعُها بشرود، احتصنت ذراعيهِ كي لا يهربَ كعادتهِ وحاورتهُ برجاء: "جوازنا حب ياإلياس وخلفُه ستار العيلة، ولَّا إيه…" وضعَ أناملهِ على شفتيها قائلًا:

"ميرال جوازي منِّك عقل، أنا مش بتاع حب، لو عايزة شخص يدلَّع ويحِب يبقى ننفصل من دلوقتي، اخترتِك بعقلي، شوفت فيكي أمِّ ولادي، بلاش عقلِك يرسِم خيالات تانية.." "طيِّب ليه بوستني…" ابتعدَ بنظرهِ ورسمَ البرودَ بملامحٍ جامدة: "عادي أي اتنين مخطوبين بيبوسوا بعض، فدي مش حاجة يعني.." انهارت أحلامها وتجمَّعت دموعها، تجذُبُ حقيبتها بوصولِ العاملة: "إيه رأيِك نحُط فصوص لولي…" طالعتهُ وأجابتها:

"خلِّيه سادة من غير أيِّ زينة ولو غيَّرتي لونه لأسود هايكون أفضل.." أشار للمصممة مردفًا: "عايز احلى تصميم يخرج معاكي، أهم حاجة يكون مقفول، ومش عايزه ضيق.." قالها وتحرك خلفها، وجدها تقف أمام السيارة تنظر بشرود، اقترب منها واراد مشاكستها، حاوط أكتافها مردفًا: "طيب أنتِ عايزة ايه، عايزة تتخانقي وخلاص، طيب ياستي انتِ زي القمر ومش محتاجة كلام معسول.." رفعت عيناها بدموعها التي انسابت رغمًا عنها: "عايز مني إيه ياإلياس…"

"تتحجبي!! رفعت رأسها تطالعه بذهول، ضغطت على ثيابها مع ارتفاع أنفاسها، ثم استدارت تفتح باب السيارة قائلة: "عايزة اروح، لو سمحت مش قادرة اتكلم في حاجة.."

استقل السيارة بجوارها دون حديث آخر، وضعت رأسها على النافذة تنظر للخارج وانهمرت دموعها بصمت، تبغض دواخلها التي تريد قربه واحتضانه، شعور بالقهر لديها وهي تراه بذاك التلبد بالمشاعر، ماذا عليها أن تفعل حتى يشعر بنبض قلبها.. نبض قلبها كررتها بينها وبين نفسها، نعم لقد خانني قلبي بالنبض إليه، كيف ياقلبي ستتحمل ذاك الجمود ممن عشقته. شعرت بأنامله على كفيها، استدارت برأسها تسحب كفيها قائلة بخفوت:

"انت رايح فين، أنا قولت تعبانة وعايزة اروح.." "استحملي نص ساعة كمان.." تراجعت بجسدها واغمضت عيناها مبتعدة من نظراته.. طاف بعيناه ببطئ على ملامحها الناعمة، دنى برأسه يهمس بجوار أذنها: "جميلة وانت هادية، اتمنى تفضلي كدا.." فتحت عيناها تنظر لقربه وهو ينظر إلى الطريق يفتح يديه إليها ليحتضن كفيها، نظر إليها لتضع كفيها بحضن كفيه… ابتسم ليرفعه يطبع قبلة عليه وتابع مستطردا: "عايزة تلبسي فستان اسود يامرمر.."

ضيقت عيناها مبتسمة رغمًا عنها بعدما تذكرت الفستان وتمتمت: "مرمر.. إيه مرمر دي كمان.." قهقه على مظهرها الطفولي قائلًا: "مرمر دي بعد الجواز .." زمت شفتيها تطرق بأناملها بعصبية على ساقيها ملتفتة إليه: "ليه يااليأس باشا، ماله ميرو، مرمر دا مش عجبني.." "بجد.. هزت رأسها هاتفة: بجد محبتوش .." رفع حاجبه بترفع متظاهرًا بإستخفاف وهتف: "بس عجبني أنا، مش مهم إنت .. مش إنتِ بتقولي يأس، سبيني أنا كمان أقول اللي عايزه.."

"سؤال مهم لإلياس باشا .." نظر إليها منتظر حديثها: "هو انت هتفضل كدا طول حياتك.." زوى مابين حاجبيه مستفسرًا عن ماذا تعني .. استدارت بجسدها: "هتفضل بارد ورخم كدا.." توقف فجأة بالسيارة حتى اصطدمت بكتفه.. نظر إليها محاولًا السيطرة على ألا يغضب عليها، سحب نفسًا: "عايزة إيه ياميرال من الآخر كدا !! "هتزعل مني .." نظر للإمام وأردف بنبرة جافة: "لا مش هزعل، انطقي عايزة ايه.." ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بغصة تمنع تتفسها،

وهي ترى جموده أمامها: "ليه عايز تتجوزني ياإلياس، ومش تقولي الكلام الأهبل بتاعك لأني مش مصدقة.." اقتربت بجسدها تدير وجهه إليها تتعمق بالنظر بعيناه: "مش هزعل وعد.." مررت أناملها على وجنتيه بعدما فقدت قدرتها على الصمود أمام قلبها: "عايز تنتقم من ماما فيّا ياإلياس صح.." أطبق على جفنيه من حركتها الناعمة التي جعلت قلبه كمعزوفة موسيقة، ارتفعت أنفاسه بعدما دنت أكثر واختلطت أنفاسها الناعمة بأنفاسه الحارة تهمس له:

"عايز تنتقم مني صح.." كررتها مرة أخرى، فتح عيناه لقربها المهلك لرجولته، رفع كفيه بلحظة غياب للعقل وابتسم وهو يضمها لصدره وتنهيدة حارقة قائلًا: "أنا مش هجاوبك ياميرال على السؤال دا، بس لو إنتِ شايفة إن إلياس دا طبعه يبقى خلاص مهما أقول كلامي مالوش أهمية .."

ابتسمت داخل أحضانه واغمضت عيناها تسحب رائحته الرجولية .. قاد السيارة بعدما راق وجودها بأحضانها وهناك سعادة تقوده إلى التنازل عن صموده أمام عاصفة الحب .. وصل إلى أكبر متاجر المجوهرات.. لم تشعر إلا بتوقف السيارة، ظل صامتًا لمدة دقائق وهو يراها بأحضانه كالطفلالذي يحتاج الحنان من والداته، مسد على خصلاتها وطبع قبلة فوق رأسها:

"مرمر وصلنا، بس لو عجبك حضني، ممكن افرد كرسي العربية ونحضن بعض طول الليل عادي، اعتبرينا متجوزين.." اعتدلت تنظر حولها وتراجعت معتذرة: "آسفة، شكلي نمت.." أشار إلى صدره وهتف بمزاح: "لا صدري اللي حنين ياحبيبتي.." "حبيبتك، فتح باب السيارة، يشير إليها بالخروج: "انزلي ياميرال، ابطل اتكلم خالص علشان ترتاحين.." سحب كفيها ودلف للداخل يطلب من صاحب المحل …: "عايز أحلى تشكيلة خواتم او أطقم اي حاجة تليق بمدام إلياس السيوفي.."

طالعته بذهول قائلة: "مالوش لزوم يإلياس…" أشار إليها بالصمت، نهض الرجل قائلًا: "لسة طقم واصل حالا إلياس باشا، هيكون على المدام رائع.." رمقه بنظرة مميتة مردفًا: "لا ملكش دعوة انت هيكون عامل ازاي، هاته وبس …" وضع الرجل أمامهما بعض من الأطقم، فأشار إليه بالرفض: "مش حلوين…" أمسكت خاتما به بعض الفصوص الألماسية، أشارت إليه: "حلو دا ياإلياس هناخده…" اغلق العلبة ورفع نظره للرجل: "دول أحسن حاجة عندك…" اومأ الرجل برأسه،

فنهض يسحب كفيها: "غلطنا في العنوان حبيبتي تعالي نشوف غيره.." قالها واستدار، فأوقفه الرجل متمتمًا: "عندي واحد معمول خصيصًا لرجل أعمال خليجي لو عجبك بكرة الصبح يكون عندك …" توقف مستديرًا اليه، فأخرجه له .. توقفت بجواره تنظر إليه بذهول، استمعت إلى الرجل: "الطقم دا غالي جدا ياباشا، دا أمير لدولة عربية طلبه مخصوص.." ملس بأنامله عليه، ثم حاوط خصرها يشير إليها برأسه: "عجبك.." رفعت قلادته تنظر إلى فصوصها التي

تحتوي على الزمرد الخالص: "حلو أوي، بس شكله غالي أوي حبيبي.." أردفت بها دون وعي … خفقة لذيذة انتابته، رغم أنها لم تعي لما تفوهت به وهي تتفحص تلك الاساور التي أمامها. همس لها: "الغالي يرخص لك .." رفعت عيناها مبتسمة ثم وضعته: "صدقني مش فارق معايا كفايا انك افتكرت حاجة مهمة زي دي .." استدار للرجل:

"عايزه بس مش نفس الشكل، هتعملي القلوب دي فراشات صغيرة واللون الأزرق خليه اخضر، ووصلي الخواتم بالاساور بتعته، المهم يكون مختلف واحسن من دا.." احتضنت ذراعه ولمعت عيناها بالسعادة وهي تراه يشترط بتغييره للأفضل .. تحرك بعدما أعطاه التفاصيل الكاملة.. خرج وهي بجواره تتحرك كالاميرة التي توجت بالتاج الملكيتوقف أمام السيارة ينظر لكفيها الذي يتشبث بذراعيه: "نتعشى بدل العشا اللي باظ.." دفنت رأسها بكتفه وافلتت ضحكة: "لسة فاكر.."

رفع ذقنها يملس على وجنتيها: "بتكوني جميلة وانت بتضحكي، دايما اضحكي.." اعتدلت بجسدها واحتضنت عيناه بنظراتها العاشقة متمتمة: "مش يمكن علشان انت جنبي .." حاوط جسدها وطبع قبلة فوق خصلاتها: "ربنا يخليكي ليا…" تنهيدة عميقة اخرجتها وهي تشعر بالسعادة تحاوطهابعد قليل وصلوا لأحدى المطاعم المشهورة، ترجل وهي تجواره وابتسامتها الخلابة تزين وجهها ، خلل أنامله بأناملها وتحرك إلى الداخل.

وصل لإحدى الطاولات التي تطل على النيل مباشرة بأحد الأركان الهادئة… جذب المقعد واجلسها واتجه يجلس بمقابلتها: "تاكلي ايه!! هزت أكتافها قائلة؟ "اللي تختاره…" أدار الكوب الذي أمامه وتعمق بالنظر إليها: "يعني اللي بحبه هتحبيه.." استندت على كفيها وهزت رأسها متمتمة: "أكيد …" وصل بعد قليل الطعام يشير إليها: "اتمنى ذوقي يعجبك.." طافت بنظرها مبتسمة: "دا أكلي المفضل.." ضيق عيناه متصنع عدم الفهم:

"بجد.. اعرف انك ميالة للاكل التركي اكتر من الايطالي.." دنت برأسها كأنها تهمس له وتعمقت بالنظر لعيناه: "تؤ يازوجي العزيز، مبحبش تعاملني على إني غبية.." أطلق ضحكة رنانة، وتراجع بجسده يشير إليها بالأكل: "طيب كلي يامراتي العزيزة، مش محتاج اعاملك على إنك غبية.." رفعت بحاجبها الأيسر متدللة بحديثها: "والله، يعني انا غبية .." امسك الشوكة والسكينة ومازالت ابتسامته على وجهه يهز رأسه: "لا سمح الله أنا اللي غبي متزعليش.."

هزت رأسها معترضة بشقاوة: "بتحب تهرب وخلاص .." ظلا لبعض الوقت وهم يتناولون الطعام مع بعض الأحاديث الجانبية إلى أن توقفت عن الطعام: "إلياس عايزة ارجع شغلي.." "حاضر.." قالها بهدوء وهو يتابع المطعم بنظراته. "بجد ..قالتها بسعادة طفلة حصلت على أفضل ألعابها، التفت إليها وهو يلوك طعامه بهدوء يهز رأسه: "ايه الغريب في كلامي، حقك ترجعي شغلك، بس بشرط.." طالعته منتظرة حديثه بلهفة.

وضع السكين وتراجع بجسده للخلف ودقق النظر بها قائلًا: "ابعدي عن اللقاءات السياسية، بلاش شغلك في رصد الخبر، ممكن تعيني طقم لكدا، إنما أنتِ تخرجي وتعملي لقاءات لا ياميرال مش موافق.." "وفين شغلي في كدا ياالياس، فين طموحي، فين فرحتي لما اشوف الاخبار اللي حصلت عليها رصدت نجاح، لا طبعا دا مش شغل دا استهتار.." مط شفتيه للأمام وصمت دام للحظات بينهما إلى أن قاطعته قائلة برجاء:

"لو ليا خاطر عندك فعلا، حاسسني بقيمتي، بلاش تحرمني من حاجة بحبها لو سمحت.." "موافق ياميرال .." "خاطرك غالي عندي، مش أنا اللي أحطم طموحك، أنا رفضت الإذاعة علشان عارف متاعبها فيما بعد، صدقيني مش تحكم قد خوف عليكي، ابتسم مقتربا منها: "لسانك طويل اه، بس أنتِ بريئة جدا، مش حمل ألعاب قذرة، المجالات دي بتموت البراءة والطيبة، وأنا محبتش أموت برائتك .. بس دا كله بعد مانرجع من شهر العسل.."

بعض الكلمات أثرها كالنسمة التي تدلف لروحنا تحياها، فلقد أحيت كلماته روحها مرة أخرى لتتعمق بالنظر إليه بعشق انبثق من عينيها دون خجلنهض من مكانه بعدما استمع الى الموسيقى الهادئة يبسط كفيه: "تعالي نرقص.." توقفت تضع كفيها ليحضتنه، متحركًا إلى ساحة الرقص. حاوط خصرها يقربها إليه، لترفع ذراعيها تعانق رقبته لأول مرة وعيناها تحتضن عيناه وابتسامة تشق ثغرها متمتمة: "معقول برقص معاك، تعرف اتمنيت كتير نرقص مع بعض.."

انكمشت ملامحه بتساؤل: "ليه، ايه الصعوبة في كدا.." مررت كفيها على صدره ومازالت عيناه تعانق عيناه: "خفت دا يكون ملك حد تاني.." تبسمت عيناه بمكر وانحنى برأسه يهمس لها: "دا مش هيكون ملك لأي واحدة طمني نفسك .." توسعت عيناها تطالعه بغضب وأردفت بنبرة حادة: "يعني ايه بقى .." قهقه عليه يضمها ويتحرك مع الموسيقى يهز رأسه: "مجنونة على طول .."

تبسمت على ابتسامته، تضع رأسها على صدره لتستمع إلى أجمل المعذوفات الموسيقية التي لم تريد سواها لف ذراعيه حول خصرها بتملك وتنهيدة غرامية تحيي القلوب يريد من الله أن يتتم زواجهم على أكمل صورة تمناها منذ سنوات. بعد فترة توصلا إلى المنزل وكل واحدًا يحمل بداخله الكثير من المشاعر التي تحياه لعدد من السنوات.. توقف بالسيارة فاستدارت بجسدها إليه: "شكرا إلياس متوقعتش الليلة هتكون حلوة كدا، ميرسي بجدا.."

أومأ لها دون حديث، دنت تطبع قبلة على وجنتيه قائلة بصوت خافت اقرب إلى الهمس: "اتمنى ليالينا كلها تكون كدا .." قالتها وترجلت من السيارة، أما هو ظل كما يراقب مغادرتها الى أن اختفت من أمامه.. تراجع بجسده واغمض عيناه هامسا لنفسه: "وبعدهالك ياميرال شكلك هتضعفيني، أنا فعلا مكنش ليا جواز زي ماقولتي.." خلل أنامله بخصلاته وزفرة حارة بمكنون صدره يعاتب نفسه:

"ياترى ناوي على ايه ياإلياس، هتقدر تصمد قدام قلبك، ولا هتقدر تضغط على فريدة علشان تعرف منها الحقيقة.." ظل يخلل أنامله التي كاد أن يقتلع بها خصلاته قائلًا: "المهم تحقق اللي بتخطط له، ومتكنش لغيرك، ترجل بعدما سيطر على غضبه، إلى أن أوقفه رنين هاتفه: "البنت اللي قبضنا عليها امبارح اغمى عليها ولما فاقت مش مبطلة صريخ.." تجه إلى سيارته مرة أخرى قائلًا: "أنا جاي، عشر دقايق وهكون عندك.." بعد قليل وصل إلى مكتبه يشير للعسكري:

"هات البنت دي مااشوف اخرتها ايه مع الحيوانات اللي زيها.." بعد دقائق دلفت للداخل .. تطالعه برهبة وهو ينفث سجائره ينظر إليها بنظرة المفترس الذي يريد الأنقضاض على فريسته: "مين بيمولك يابت، وكنتوا ناوين تعملوا ايه.." قالها وهو مستندا بجسده على المقعد وعيناه متركزة عليها ينفث تبغه. هزت رأسها مع بكاؤها: "أنا ماليش دعوة، أنا كنت هناك .." توقف يشير إليها بالتوقف:

"مش عايز لاك كتير، من امتى وانت مع العيال دي، ومين اللي بيمولكم .." جلس يرفع ساقيه فوق المقعد بعدما وجدها تنكمش بركنا وقامت بقص ماصار: "أنا كنت رايحة للمستر بتاع اخويا، البواب قالي هتلاقيه في الشقة التانية علشان في تصليحات بشقة المستر، رنيت الجرس وقبل مااتكلم لقيت نفسي جوا الشقة وبعدها حضرتك وصلت.." "لا حلوة دي.. كملي كملي يا شهرزاد الحكايات.." أيقنت أنها وقعت في شباك المتجبر، حاولت الدفاع عن نفسها، فاقتربت من مكتبه:

"أنا قولت لحضرتك اللي اعرفه، غير كدا معنديش كلام تاني.." نفث سيجاره ومازال على وضعه، تأففت من عنجهته، فتراجعت بعد صمته، انزل قدمه من فوق مكتبه،: "عمال تلفي وتدوري، انا عايز أعرف مين اللي هرب قبل مانوصل.." استغفرت ربها بسريرتها، وابتعدت بنظراتها بصمت .. نصب عوده الفارغ واقترب بعدما حمل فنجان قهوته، ونظراته الثاقبة تحرق وقوفها، تراجعت للخلف وقلبها عبارة عن مضخة، حتى شعرت أنه استمع اليه، نظر إليها ساخرا ثم هتف:

"لا ولابسة حجاب، بتداري فيه ياروح خالتك .." "لو سمحت ياحضرة الظابط مسمحلكش انك تغلط في والدتي.." امسك فنجان قهوته والقاه فوق كفيها، لتأن بدموع انسابت رغما عنها حينما صرخ بها: "انتِ مين علشان تردي عليا .." استمع إلى طرقات على باب مكتبه ، دلف المسؤل عن مكتبه: "إلياس باشا صاحب الكارت دا عايز يقابل حضرتك ضرورياقتحم ارسلان مكتبه معتذرا: "إلياس باشا .." توقف إلياس يطالعه بجهل: "مين؟!

التفت بنظره للمنكمشة بمكانها وعيناها متحجرة بالدموع ثم اتجه بنظره إلى إلياس قائلًا: "أنا خطيب الأستاذة اللي حضرتك بتحقق معاها.." "نعم يااخويا، ودا يدلك الحق تدخل عليا وعامل فيها.." قاطعه عندما أشار إليه بيديه: "لحظة لو سمحت علشان الموضوع ميطورش بكلمات لا داعي منها من ظابط كبير زي حضرتك .."

بسط كفيه للتي توقفت تطالعه بصدمة ثم أخرج بطاقته الخاصة يرفع عيناه إلى إلياس عله يفهم معنى نظراتهتراجع إلى مكتبه بعدما فهم مغذى حديثه، جلس يشير إليه بالجلوس. ولكنه اقترب من تلك الفتاة وجذبها من رسغها قائلا: "مرة تانية ياباشا، لازم ترجع البيت أهلها قلقانين، واتمنى موضوع القضية يتلم أكون ممتن لحضرتك.." كانت نظراتها نافرة اتجاهه، فابتعدت تنزع كفيها من كف أرسلان . ظل إلياس يطالعهما بشك، حك ذقنه ونظر إلى ارسلان: "خطيبتك!!

استدار متحركا قائلاً: "اظن الكارت اللي في ايد حضرتك يوضح كل حاجة.." بعد اذنك خرج من المكتب ، نزعت كفيها وتحركت سريعا بعيدا عنه: "استني عندك !! توقفت تواليه ظهرها .. اقترب حيث وقوفها: "متفكريش إن الموضوع انتهى على كدا، مش معنى اني انقذتك يبقى برأتك.." "إنت مين وعايز مني إيه ؟!

"هعوز منك ايه، اللي عايز افهمه، بنت محترمة زيك ايه يوديها مكان زي دا، وقبلها بيومين كانت هتموت وهي بتهرب مجرم، عارفة لو اتأكدت انك تبعهم هدفنك حية.." رمقته بنظرات صامتة ثم استدارت متحركة تهبط الدرج سريعا، تحرك خلفها بعدما ارتدى نظارته ورفع هاتفه: "كله تمام ياباشا، البنت خرجت.." على الجانب الآخر: "وقدرت تاخدها من إلياس.." توقف وعيناه تتابع سيرها عبر السيارت وهتف متهكمًا: "إلياس على نفسه ياباشا، ايه هتقارن ولا ايه.."

"لا جدع يا صقر، المهم عندك سفرية خلال يوم ومهمة جدا، لكن عندنا شرط ياصقور.." وضع كفه بجيبه وأطلق ضحكة هاتفا: "القي اوامرك ياباشا.." "عريس بيقضي شهر عسل في ايطاليا.." "نعم، دي مهمة ولا سجن.." قهقه يعقوب: "ارسلان مبروك مقدما ياحبيبي، قدامك ساعة والعروسة تكون قدام المأذون.." "اكيد بتهزر ياعمو.." "البنت قبل ماتطفش ياارسلان.." كور قبضته وفهم الان لما ضغط عليه بتدخله لإخراجها ، فاق على حديث عمه:

"لو رفعت راسك هتلاقي إلياس بيراقبك ياكنج، نص ساعة وهتلاقيه مرجع البنت تاني، وبعدها انت عارف ايه اللي ممكن إلياس يعمله، دي قضية أمن دولة ياصقور.." "اووف .. اوووف ، انا استقالتي هتكون عند جنابك بعد ساعة.." "أيوة عارف، ومتنساش تبصم على قسيمة الجواز وتنزلها علشان اقولك مبرووك ياوحش.." قالها وأغلق الهاتف.. جز على أسنانه: "كان نقصني عروسة، ودي هعمل معاها هنلعب مع بعضاه يااسحاق اه دماغك سم.."

بعد قليل وصلت غرام إلى منزلها.. هب والدها يقابلها بقلب متلهف: "غرام .." قالها وهو يفتح ذراعيهألقت نفسها بأحضان والدها تبكي بصوت مرتفع: "بابا حبيبي والله يابابا أنا ماليش دعوة، هم هم .." قالتها بشهقاتأخرجها والدها يحتضن وجهها وطبع قبلة فوق جبينها: "عارف ياروح بابا، ارسلان باشا حكى لي …" ضيقت عيناها متسائلة: "مين ارسلان باشا دا .." أشار والدها إليه خلفها.. اقترب منها ورسم ابتسامة:

"أنا اسمي ارسلان، اسف مجاش مناسبة نتعرف، بس انا حكيت لوالدك على كل حاجة .." رفع رأسه لوالدها: "ممكن نتكلم على انفراد.." أومأ له محمود والدها يربت على ظهرها قائلًا: "حبيبتي أكيد تعبانة، ادخلي صلي ونامي، وخلي زياد يعمل شاي للباشا.." هز رأسه وجلس يشير إليه بالجلوس: "اسمعني حضرتك علشان مفيش وقت.." شعر محمود بالريبة فجلس منتظر حديثه:

"مخبيش على حضرتك، بنتك بقت تحت الميكرسكوب من المافيا، وكمان أمن الدولة، حضرتك محترم وراجل طيب علشان كده أنا مستعد أحميها، أنا بقالي فترة براقبها من وقت ما اختي قالتلي عليها وعجبتني جدا، وكنت هجي اطلب أيدها بس الظروف اللي حصلت أجلت كل حاجة.." "هو انت شغال ايه يابني .." أخرج البطاقة الخاصة به وتحدث بهدوئه المعتاد:

"اتفضل حضرتك ممكن تسأل عني، علشان تطمن، بس أنا قاعد مع عمي، فيه خلاف في العيلة وأنا مع عمي بس قبل ماتظن حاجة مفيش مشاكل مع والدي، الموضوع بين الكبار، فلو حضرتك وافقت هكون طبعا سعيد، وزي ماوعدتك ارجع لك بنتك، بوعدك دلوقتي اشيلها جوا عيوني، وهتكون أمانة ودا وعد من راجل حر كلمته سيف على رقبته.." فتح محمود فاهه للحديث فاقطعه معتذرا:

"قبل ما حضرتك ترد عليا بنت حضرتك كانت في أمن الدولة اتمنى تفهم معنى الكلمة كويس، ولولا تدخل عمي بعد إلحاح مني مكناش عرفنا نوصلها حتى، دي كانت في شقة ارهابين ..وانا قولت للظابط أنها خطيبتي فلولا كدا مكنش خرجها، غير أنه مش هيسبها واكيد هيبعت علشان يتأكد.." "أنا موافق يابني، ثقتك بنفسك ووعدك دا كفيل اني اقولك بنتي أمانة عندك، لكن لازم اخد رأيها وارد عليك.." نظر بساعة يديه وتحدث:

"بكرة الضهر لو وافقت هنكتب الكتاب علشان لازم نسافر لحد مالدنيا تهدى، اما لو رفضت ومااتمناش كدا طبعا يبقى كل شي قسمة ونصيب بس أنا برضو لازم اسافر خلال يومين بالكتير عندي شغل متعطل، خايف بعد سفري الاتنين يستفردوا بيهاتوقف يشير إليه: "ممكن اتكلم معاها خمس دقايق.."

بسببُ السيوفي عادَ بعدَ أكثرِ من ثلاث ساعاتٍ بالخارجِ، وجدَ الجميعَ بغرفةِ المعيشةِ سواها، تحرَّكَ ملقيًا السلامَ يبحثُ عنها بعينيه، اتَّجهَ إلى أختهِ وجلسَ بجوارِها، ثمَّ انتقلَ بعينيهِ إلى فريدة التي تطالعهُ بلهفةٍ واشتياق، ابتعدَ بنظرهِ عنها وهو يجذبُ ثمرةً من الموزِ الموضوعِ على الطاولةِ متسائلًا: "فين ميرال، مش باينة؟ .." "فوق بتعمِل فيديو للتيك توك.." ابتلعَ الموزَ الذي شعرَ بتوقُفها بحلقه، يطالُعُها بصدمة:

"بتعمل إيه! .." حمحمت معتذرةً تنظرُ إلى فريدة قائلة: "لا.. فهمت غلط، قصدي بتعمِل فيديو علشان تعلن عن حفلةِ الزفاف، دعوة يعني …" هبَّ من مكانهِ واتَّجهَ إليها يأكل الأرض بخطواتِه، نهرتها فريدة قائلة: "لازم تتسحبي من لسانِك يعني.." ابتلعت ريقها معتذرة: "مكنشِ قصدي.." توقَّفت فريدة قائلة: "هشوفهم بدل مايعكننوا على بعض، الحنَّة بكرة.." سحبها مصطفى يجذبها للجلوس:

"أقعدي حبيبتي، ماتخافيش.. ماشفتيش لهفتُه عليها إزاي من أوِّل مادخل، إلياس بيحب البنت وبيغير عليها.." أُنيرَ وجهها بابتسامةٍ ناعمةٍ تهزُّ رأسها: "أيوة لاحظت كدا، تفتكِر بيحبَّها بجد صح.." كان إسلام جالسًا بعيدًا يوزِّعُ نظراتهِ بينها وبينَ والده، رجعَ برأسهِ على الأريكةِ وأغمضَ عينيهِ يهمسُ لنفسه: "ياترى إلياس هيعمِل إيه لما يعرف، دا أنا ومش متحمِّل الكدبة، ربنا يقويك ياإلياس على أيامَك الصعبة.." اقتربت غادة تلكزُه:

"سلُّومة بتكلِّم نفسك حبيبي؟! انتبهت فريدة لحديثِ غادة: "مالَك حبيبي، اعتدلَ يطالِعُها ورسمَ ابتسامة: "كويس حبيبتي.." قالها وهو ينصبُ عودهِ قائلًا: "هطلَع أنام ساعتين علشان أقوم الفجر أذاكر شوية بعد إذنُكم.." "تصبح على خير حبيبي .." أردفت بها فريدة.

بالأعلى قبلَ قليلٍ دفعَ البابَ بغضبٍ يبحثُ عنها بعينينِ كادت أن تخرجَ من محجريها، وجدها تجلسُ أمامَ الطاولةِ تضعُ الهاتفَ أمامها وتتحدَّثُ مبتسمة، نظرت للذي دلفَ بتلكَ الهمجية، وصلَ إليها بخطوةٍ وأطبقَ على الهاتفِ يلقيهِ بالأرضِ حتى أصبحَ قطعًا متناثرة، واتَّجهَ إليها بعينينٍ ترمقها بنيرانٍ يريدُ إحراقها بها، جذبها بقوَّةٍ حتى توقَّفت وهي تطالعهُ مذهولةً يهدرُ بصوتٍ صاخب:

"بتعملي إيه.. قاعدة بتضحكي قدَّام الكل ليه.. مالكيش راجل يلمِّك.." دفعها بقوَّةٍ على الجدارِ وأطبقَ على ذراعيها بقسوة: "إيه اتخرستي، مابترُديش ليه،"

طافَ بنظراتهِ على ملابسها التي جعلتهُ ككتلةٍ ناريةٍ قابلةٍ للانفجار.. تراجعَ يكوِّرُ قبضتهِ يضغطُ عليها بقوَّةٍ ثم لكمها بالحائط حتى يُخرجَ غضبهِ الذي لو وصلَ إليها سيحرِقُها لا محالة.. أمَّا هي كانت تطالعُ تحوُّلهِ بصمتٍ لا تعلمُ لماذا هذا التحوُّل .. اتَّجهت إلى الفراشِ وجلست عليهِ ومازالَ الصمتُ مسيطرًا على الغرفةِ سوى من أصواتِ أنفاسهِ المرتفعة.. نظرت لهاتفها بعيونٍ مترقرقةٍ بالدموع، تُحدِّثُ نفسها:

"هل هذا حبًّا أم جنونًا وتملك؟ وصلَ إلى جلوسها: "فيه واحدة محترمة تعمل اللي إنتِ عملتيه.." ظلَّت صامتة ولم تُجب عليه.. انحنى يضغطُ على فكَّيها بقوَّةٍ ينهرُها بعنف: "مابترُديش ليه يامحترمة، فيه واحدة محترمة تقعد قدَّام الناس بقميص نوم، إنتِ عايزة توصلي لإيه، عايزة تخلِّيني أكون مجرم.." دفعها بقوَّةٍ على الفراش ومالَ عليها بجسدهِ يهدرُ من بينِ أسنانه:

"أموِّتِك وأريَّحِك وأرتاح ياميرال سمعتيني، لو ماحترمتيش نفسِك هموِّتك، إنتِ مابقيتيش طفلة، إنتِ كبيرة وفرحِك بكرة ياأستاذة وبعد فترة هتكوني أم، إيه هتعلِّمي ولادِك إيه بتربيِّتك دي.." ظلَّت صامتةٌ تتابعُ غضبهِ بعينيها التي تحاولُ ألَّا تضعُفَ بدموعها أمامه.

اتَّقدَ غضبهِ من صمتها، حاولَ سحبَ نفسًا عميقًا حينما التقطت عيناهُ عينيها التي تزيَّنت بخطٍّ من الدموع، عتابٌ فقط أطلقتهُ بعينيها وصمتها الذي خنقه، مرَّرَ نظرهِ على هيئتها التي حطَّمت صمودهِ وسيطرتهِ حينما دلفَ ووجدها بتلكَ الهيئةِ وهي تتحدَّثُ بالهاتف .. لم يشعر بنفسهِ وهو ينحني إلى خاصتها يرتوي من شهدها الذي اعتبرهُ نجاتهِ من غضبه عليها، غضبًا يليقه، في لجَّةِ ظلامِ قلبه.. ظلَّ للحظاتٍ إلى أن اعتدلَ وخرجَ سريعًا بعدما فقدَ سيطرتهِ التي بدأت تتلاشى مع دموعها التي تذوَّقها بقبلته.

احتضنت نفسها بعد خروجهِ وأطبقت على جفنيها وبداخلها شيئًا واحدًا، أنَّهُ ملاذها وقسوتها، عشقها وكرهها، ضعفها وقوَّتها، هو الحياةُ ومن بعدهِ تذهبُ للجحيم، مرَّرت أناملها على ثغرها الذي مازالَ متأثرًا بقبلتهِ، وذهبت بنومٍ لا تعلمُ كيف وصلت إليهِ بعد رحلةِ عذابٍ منذُ قليل.

أمَّا هو دلفَ إلى غرفتهِ، وبدأ يدورُ حولَ نفسهِ كالأسدِ الجريح، كلَّما تذكَّرَ هيئتها وأنَّ غيره رآها بتلكَ الهيئة، يقودهُ عقلهِ للجنون، ماذا عليهِ أن يفعلَ.. أيقتُلها حقًا، أم ماذا.. رفعَ كوبَ الماءِ يتجرَّعهُ مرَّةً واحدةً علَّهُ يشعرُ برطوبةِ رئتيه التي جفَّت وكأنَّه غريقٌ برمالٍ متحرِّكةٍ تقودهُ إلى باطنِ الأرض.. ضغطَ بقوَّةٍ على الكوب، ليتحطَّمَ بكفِّه، حينما تذكَّرَ قبلتهِ إليها وكأنَّهُ مراهقٌ يريدُ الأكثر والأكثر، هزَّ رأسهِ غضبًا من نفسهِ وتحرَّكَ إلى الحمامِ علَّهُ يطفئُ نيرانَ غضبه.. دلفَ تحتَ المياهِ بثيابهِ ومازالت صورتها بهيأتها وشعورهِ بقبلتها يحطِّمُ قلاعهِ التي شيَّدها وحصَّنها منذُ سنواتٍ من فتنتها.

خرجَ ينزعُ ثيابهِ ودلفَ لكابينةِ الأستحمَّامِ لدقائقَ ينظرُ لتلكَ الملابسَ الملقاةِ بالأرضيةِ تحملُ رائحتها التي كادت أن تخنقُه .. دقائقَ معدودةً وخرج.. وجدَ إسلام ينتظرهُ بداخلِ الغرفة، رمقهُ بنظرةٍ واتَّجهَ إلى سجائرهِ متسائلًا بنبرةٍ باردةٍ وكأنَّهُ ليسَ الذي كانَ يحترقُ منذُ دقائق… توقَّفَ إسلام ودقَّقَ النظرَ بملامحهِ مردفًا: "هوَّ إحنا ليه مش شبه بعض.." ابتسمَ عليهِ قائلًا:

"مش فاهم هيَّ ناقصة غباء ياإسلام.. كفاية عليَّا ميرال وحركاتها." "بتحبَّها…" توقَّفَ عن خروجِ تبغهِ حتى أخنقهُ بالداخلِ ليسعل، ربتَ إسلام على ظهرهِ وتابعَ حديثهِ مستطردًا: "بتعشقها مش بتحبَّها واللي بتعملُه غيرة صح؟ أشارَ للبابِ قائلًا: "روح شوف وراك إيه، أنا مصدَّع، كلام المراهقين دا مش تبعي .." مطَّ إسلام شفتيهِ يهزُّ رأسهِ مردفًا:

"بس هي بتحبَّك أوي على فكرة، لو مش مصدَّق روح شوف النوتس بتاعها هاتلاقيه في بوكس في مكتبتها، بلاش تضيَّعها بعصبيِّتَك، ميرال طيِّبة، عاملها كحبيبة بلاش شغلِ المجرمين بتاعَك دا .." قالها وتحرَّكَ للبابِ ثمَّ عادَ إليهِ يضمُّهُ قائلًا:

"أنا بحبَّك أوي ياإلياس، تأكَّد مهما يحصل هاتفضَل أخويا ومثلي الأعلى في الدنيا، وبخاف عليك جدًا ومستعد أضحي بحياتي كلَّها علشان أشوفك سعيد، حافظ على حبيبتَك وبلاش تقلِّب في الماضي، طنط فريدة أعظم أم في الدنيا وبكرة الأيام تثبتلَك." قالها وتحرَّكَ سريعًا بعدما تجمَّعت دموعهِ بعينيه. طالعَ تحرُّكهِ بذهنٍ شارد: "الواد دا من إمتى بقى عاقل كدا.. ربِّنا يصبَّرني، ميرال جنِّنت البيت كلُّه،"

هنا تذكَّرها وشعرَ بوخزةٍ حينما تذكَّرَ دموعها، تحرَّكَ إليها دلفَ بهدوءٍ عكسَ هيأتهِ منذُ دقائقَ وجدها تغفو تحتضنُ نفسها بعكسِ فراشها، مازالت بوضعها كما تركها، نظرَ لسيقانها المرمرية، يهزُّ رأسهِ ثمَّ انحنى و حملها وأعدلَ نومها وقامَ بسحبِ غطاءٍ خفيفٍ ودثَّرها بهِ، ينظرُ لدرجةِ المكيف .. جلسَ بجوارها على الفراش، يدقِّقُ النظرَ بملامحها، سنواتٌ طويلةٌ لم يقترب منها مثل قربهِ إليها اليوم، وضعَ سبباتهِ على شفتيهامتذكِّرًا قبلتهِ اليومَ إليها، هل سيدومُ النعيمَ بينهم أم سيحرمُ منها منذُ إغلاقهِ عليها النعيمَ الذي تنتظرهُ منه، تذكَّرَ حديثها مع أختهِ منذُ فترة.

فلاش: عادَ من عملهِ وجدهما تجلسان بالحديقة، واستمعَ إلى حديثها: "لا ياقلبي، إلياس مين دا اللي أتجوِّزُه، أنا عايزة راجل فرفوش، كلِّ أسبوع يلفِّ بيَّا بلد، بالنهار يدلِّلني ويفسَّحني وبالليل برضو يكون ليَّا لوحدي.." لكزتها غادة: "جاحدة ياميرو، وياترى هاترقُصيلُه يابت .."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...