الفصل 14 | من 52 فصل

رواية شظايا قلوب محترقة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
23
كلمة
14,233
وقت القراءة
72 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

دفع راجح فريدة بقوة حتى هوت على الأرض، فصرخت ميرال باسم والدتها. قبل دقائق، كان متجهاً إلى غرفته، فقابله مصطفى: "بابا رايح فين؟ تحرك للخارج دون أن يجيبه، فهو وجد هاتف فريدة ملقى وكأن أحدهم ألقاه. تذكر مناداة ميرال عليها ونظراتها. هرول كالمجنون للخارج يلاحقه إلياس بصراخ ميرال باسمها.

جن حينما استمع إلى صرخاتها، فلم يشعر بنفسه وهو يهرول كالمجنون يدفع الباب الخارجي. باقتراب راجح الذي لم يكتشف وجهه بالظلام، يسحبها من يديها. دفعه بقوة مع وقوف فريدة مترنحة. "ميراااال! " صاح بها بصوت كالرعد. ليتركها راجح ويتجه إلى السيارة قائلاً: "بسرعة اتحرك." لتنطلق السيارة بسرعة جنونية. وصل إليهم بأنفاس لاهثة مع وصول الحرس الذي يحاوط الفيلا. كانت تحتضن فريدة التي ارتجف جسدها بقوة. أردف بصوت متقطع بسبب لهاثه:

"ميرال أنتو كويسين؟ تساءل بها بوصول مصطفى الذي يرمق فريدة بنظرات عتابية. اتجه إليها يحاوط جسدها ثم تحرك قائلاً: "إزاي الكهربا تقطع في الجزء دا، أنتوا بقيتوا نايمين ولَّا إيه. الصبح مش عايز أشوف حد فيكم. سلِّموا أسلحتكم لرئيسكم." قالها وهو ينظر إلى الحرس، ثم سحب فريدة وتحرك. بينما الآخر توقف متخصراً وعيناه ما زالت على الطريق الذي غادرت منه السيارة. اقتربت تختبئ بأحضان إلياس وجسدها ينتفض بالارتعاش. حاوطها

بذراعيه يربت على ظهرها: "اهدي حبيبتي، بس قوليلي إيه اللي جابكم هنا؟ رفعت رأسها إليه: "إلياس أنا مش قادرة أمشي." انحنى وحملها يضمها إلى صدره وتحرك بها للداخل. صعد إلى جناحهم وعقله يفكر فيما صار. وضعها بهدوء على الفراش ثم جلس بجوارها يضمها تحت حنان ذراعيه: "قوليلي إيه اللي حصل وليه خرجتوا." قصت له ما صار. "طيب ومين دا؟ وليه كان عايزك؟ تذكر راجح فتوقف يهمس لنفسه: "طيب لما هو مش أبوها، جاي ياخدها ليه بالغصب؟

خَلَّل أنامله بعصبية ثم استدار إليها: "نامي وارتاحي، وأنا هخرج مشوار وراجع." نهضت فزعة: "رايح فين؟ لا مش هتسبني وتخرج." اقترب منها، وساعدها بالتمدد وجلس بجوارها: "طب إهدي، أنا كنت هشوف الكاميرات وراجع."

حاوطت خصره تضع رأسها بأحضان إلياس. همس بهدوء حازم بالرغم من تفاقم الغضب بداخله من تجرؤ أحدهم من التسلل لمنزله. ظل يمسد على خصلاتها وذهنه شارد بما حدث. حاول إخراجها من الخوف الذي تجلى بعينيها، بدأ يحدثها عن ما صار في الحفلة إلى أن بدأت تشاركه الحديث، وتقص له عن غرام وغادة إلى أن توقفت عن الحديث متسائلة: "إلياس؟ اتجه ببصره إليها منتظراً حديثها. اعتدلت على الفراش: "مين البنت اللي كانت مع رؤى في الحفلة؟

قطب جبينه مستفسراً عن سؤالها. جلست على ركبتيها أمامه: "كان فيه بنت لابسة فستان أزرق بحجاب أبيض، الحلوة دي مشفتهاش إزاي؟ ابتسم بخفة عليها يهز رأسه حتى أفلت ضحكة رجولية يمسح على وجهه: "مشفتش ست بتقول لجوزها شوفت الست الحلوة." تلوت معدتها بقسوة من حديثه غير المتوقع لتلكزه ناهراً إياه: "إيه اللي بتقوله دا، أنا بسأل عليها، أول مرة أشوفها مع رؤى مقصدش إن عينك تبص عليها."

سحبها دون حديث يعانقها عناقاً ساحقاً متملكاً على تلك العاشقة للروح. لتدفن وجهها بأحضان إلياس تهمس بأنفاسها الناعمة: "عارف لو لمحتك بتبص لواحدة هعمل إيه." رفع خصلاتها من فوق وجهها لتخرج رأسها من أحضانه وتابعت حديثها: "هموتك وأشرب من دمك، علشان مش أحبك الحب دا كله وفي الآخر عينك تزوغ برة."

كم كان حديثها ذو أثر قوي على نبضه العنيف بصدره. تمنى أن يزرعها داخل ضلوعه لتحيا بالقرب من ذاك النبض الذي بدا يؤذيه من كثرة خفقاته. علَّ قربها يجعله يسكن. انحنى إليها بعدما استسلم للهفة ووصال قلبه المترنم بعشقها. فكم كان اعتناق أفئدتهم عشق أضناه الشوق واللوعة. ليسطره بما يحتويه من الهمسات والنبضات الممزوجة بنظرات حديث العشاق. بعد فترة كانت تغط بنوم عميق. وكيف لها لا تغفو كالطفل الذي حاوطته والدته بحنانها؟

لينام هنيئاً بعد رحلة عذاب من بكاء لم يفصلها سوى الحنان والأمان. من قال إن الحب كافٍ للحياة؟ بل الحب يحتاج للاكتمال الروحي الذي يعانقه الأمان ويغلّفه الحنان. الحب ليس كلمات تنطق، أو أشعار تكتب. الحب أن تزيل ما يعذب فؤادي، أن تشعرني أنني ملكة متوجة وليست كلمة معبرة.

تسلل من جوارها بهدوء، يدثّرها جيداً. نظرة خاطفة على ملامحها الساكنة، وبركان أشواقه بها ما زالت قابل للانفجار. ظل لدقائق ونظراته ترسمها، إلى أن تحرك بصعوبة بعدما فقد سيطرته. بعدما تذكر ما حدث بينهما منذ فترة وجيزة. فكانت كالمجلد الشامل لقصة عشقه الممزوجة بآلامه التي ما زالت تنزف بداخله. حرّك ساقيه بصعوبة مبتعداً عن الفراش وما زالت نظراته عليها. قبضة اعتصرته مما جعله يشعر بالنفور من ضعفه بعد سيطرتها الطاغية على شخصيته.

ولكن صفعه قلبه يعنفه: "هل تصدق ما تشعر، بعدما شعرت بالاكتمال بجوارها؟ ألم تكن تلك التي جعلتك تشعر بلذة الحياة؟ هيَّا اهدأ وعد لرشدك، إنها حبيبتك وملكة الفؤاد، فلقد وعدتها ووعدتني أنك لن تتنازل عنها حتى لو توقفت أمامك جيوش العالم." ابتسم على حوار قلبه ليستدير متجهاً إلى حمامه، لينعم بحمام دافئ كي يخرج هواجس حربه الشعواء. بغرفة مصطفى:

جلست بجسد منتفض وهي تراه يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، محاولاً الضغط على أعصابه حتى لا ينفث بها غضبه. نهضت من مكانها واتجهت إليه: "خوفت يامصطفى، والله خوفت يؤذي إلياس، هددني بيه." "اخرسي يافريدة اخرصي. بقالك فترة بتتعاملي كأنك مش متجوزة راجل. ألاقيها منين ولَّا منين؟ توقفت بقلب يئن ألماً وقهرًا، وتمتمت بصوت خافت:

"ماهو إنت مش مكاني، مش حاسس بقلبي اللي مولع نار. أنا دلوقتي بعد الدقيقة اللي أشوف فيها حد فيهم، بقيت عاملة زي الطفلة اللي بتستنى أبوها يرجع من الشغل. حسيت في مرة بيا وأنا ابني جنبي وبيقولي يا طنط، ولَّا يا مدام. عارف الكلمة دي بتعمل فيا إيه؟

ولمَّا واحد منهم يعرّف عن نفسه بكنيته، أوعى تفكر سهل عليَّ أقول إلياس كدا ودا مش اسمه، ولَّا لما أشوف جمال في أرسلان، الواد نسخة مصغرة من أبوه، كأن جمال اللي واقف قدامي يامصطفى. إنت مش حاسس بمعاناتي، كل اللي بتحاول تعمله إنك تأجل وبس." "اسكتي يافريدة، اسكتي. إنت مفكرة الموضوع هين؟

أنا بتمنى أموت ولا أقف قدام إلياس وأقول له آسف ياحبيبي أنا مش أبوك، ولقيتك وربيتك، وسرقت حياتك ونسبتك ليَّا. زوّرت يافريدة بدل المرة اتنين. فاكرة هيتقبل الفكرة؟ واحد بعد تلاتين سنة لقى نفسه عايش كذبة وحياة كلها مبنية على الكذب. تهوّر بس كل اللي بتعمليه إنك بتحطيه قدام المدفع." رفعت رأسها تنظر لعينيه تهتف بخفوت ونبرة ضائعة: "أنا عايزة أضيعهم، دا كله علشان أخدهم في حضني. إنت أهم حاجة عندك إن إلياس ميشوفكش مزور."

أطبق على ذراعها بقوة وهدر بها بعنف: "إنت مش حاسة إنك بتغرقينا معاكي؟

ابنك ظابط أمن دولة ياهانم. جريتي على راجح ورمتيله طُعم قبل ما تفكري في العواقب. رحتي رفعتي قضية باختفاء ميرال وخلّيتي زمايله يبصوا له باستعطاف. والمصيبة رايحة لأكبر عيلة في البلد. اتجننتي وعايزة تروحي تهددي وتقولي ابنك. غبية يافريدة غبية وبتتحركي بتهوّر. مفكرتيش في لحظة اللي مقدرش راجح عليه زمان ممكن يقدر عليه دلوقتي. دا كان عايز يقتله من فترة قبل ما يعرف بحقيقته."

دار حول نفسه بالغرفة يمسح على وجهه بعنف مرة ويرجع خصلاته للخلف يريد أن يقتلعها مرة أخرى. أفلت سيطرته الكامنة وتحول لكتلة من الغضب وهو يهدر بها:

"إلياس دا أول فرحتي متفكريش إنه ابنك بس. عارفة لو حصل له حاجة أنا ممكن يحصلي إيه. دول مجرمين تبع منظمات وقرف، ومش عارفين نمسك عليهم حاجة. وأهو خطفوا البنت في عز النهار ومقدرتش أوصل لها. يعني كان ممكن تجيلك ميتة. دا قبل ما يعرف. اقعدي واتفرجي ياهانم، دا وصل لحد بيتي. هو مش موضوع إنه جاي يهدد بميرال، لا جاي يأكدلك إنه قدر يوصلك وإنت في بيتك وسط الحماية اللي مفكراها بتقويك."

ظلت صامتة بوقوفها، جامدة بجسد على شفا الانهيار بالدموع التي زرفت رغمًا عن ضعفها. لا أحد يشعر بكم جراحها النازفة. إنها تحترق شوقًا وعطفًا. كيف يلومها على أمومتها؟ كيف لا يعطيها الحق في احتضان أحد من أولادها؟ ألا يحق لها الاعتراف بأمومتها بعد تلك السنوات الجافية.

تحركت بخطوات ثقيلة تجر ساقيها إلى خارج الغرفة ودموعها تفرش الأرض أمامها حتى شعرت بضبابية رؤياها. خطت مترنحة على الدرج وشهقة خرجت من فمها وهي تتذكر حديثه اللاذع. هل كما وصفها حقًا جُنت؟ أم أنها أنانية ولا تراعي سوى شعورها بأمومتها. كادت أن تسقط على الدرج، فهوت جالسة بعدما خانتها ساقيها. قبضة قوية اعتصرت فؤادها كلما تذكرت حديث راجح. "فلاش قبل وصول ميرال" "متفكريش اللوا بتاعك والواد اللي بتقولي عليه ابنك دا هيرحمك مني."

أطبق على ذراعها بقوة ينظر لمقلتيها بعيون عاصفة وأردف بنبرة هستيرية: "هذلِّك يافريدة، الله بسماه لأذلِّك وأجيبك لعندي مكسورة، علشان أعرفك مين هو راجح الشافعي اللي تفضلي عليه أشباه رجال." قرَّبها إليه بعنف وهمس بهسيس مرعب: "غبية وجيتي تحت ضرسي مش هرحمك، وزي ما دفنت ابني هدفت ولادك الاتنين، ومش بإيدي بإيدك إنتِ وبكرة تقولي راجح قال، لو مخلتكيش إنتِ وبنتي تدفنوهم يبقى لبسيني طرحة." قاطع حديثهم صوت ميرال: "ماما! فاقت

من شرودها على صوت إلياس: "طنط فريدة؟! نهضت من مكانها فزعة تزيل عبراتها وتمتمت بحروف الألم التي تشق صدرها: "نعم يابني." اقترب منها ينظر لشحوب وجهها ثم غمغم بصوت خافت: "مين اللي كان برة دا؟ رفعت رأسها وارتجفت شفتيها، تهز رأسها عاجزة عن الرد. سحبها برفق من ذراعها وتحرك إلى الأريكة التي توضع بالردهة أمام الدرج. أجلسها ثم جلس بجوارها. جذب هاتف المنزل من جواره وهاتف الخادمة: "اعمليلي قهوة وماما فريدة ليمونادا."

تشابكت عيناها الباكية مع نظراته المركزة عليها. أومأ لها بالحديث: "عايزة أحضنك ينفع؟ قالتها بلمعة انكسار من عينيها. نظرات فقط يحدق بها ولم يعد لديه قدرة التفوه سواء بالرفض أو الإيجاب. هاجت مشاعره بداخله في تلك اللحظة، وكالعادة لعجزه عن تفسيرها، أهي مشاعر خوف أم حنان أم إشفاق على حالتها. أجاب بصوت هادئ بالرغم من رعشته: "مش قبل ما أعرف مين أبو ميرال؟

لم تجبه ولم تزحزح عيناها عن ملتقى نظراته. بقيت تحدقه بنظرات لم يعلم ماهيتها. سحب عينيه بعيدًا عن تجمد عيناها يزفر بعمق. حاول استنشاق كم من الهواء عن طريق الشهيق والزفير، حتى لا يسرع بالحكم والغضب عليها. ودت لو تطلق السراح لسانها وتتفوه بما يعتري فؤادها، ولكنها ستموت بالتأكيد إذا حدث مالا يحمد عقباه من ردة فعله. آه، متحشرجة أخرجتها بنيران صدرها التي كوت ضلوعها. "راجح أبوها. راجح الشافعي." "تاني؟ بتكدبي تاني؟

" قالها ونهض من مكانه. ولكنها تشبثت بكفه، وطالعته بعيون انسابت نجومها بهوان ما تشعر به الآن. "والله دي الحقيقة يابني. ميرال تبقى بنت راجح الشافعي، وهي متعرفش. هي مفكرة إنها بنت جمال." توقف لدقيقة يستوعب حديثها مع شروده بحديث أرسلان: "البنت اللي خطفتها مش بنتها، هي مجبتش أطفال منه." أطبق على جفنيه وصراعات عنيفة تأكل دواخله. خطا لبعض الخطوات، ولكنه توقف على شهقاتها. استدار إليها وعيون الخذلان تلاحقها ليهمس:

"ليه قلتي إنها بنت جوزك الأولاني؟ ليه خبّيتي إنها بنت راجح؟ بملامح شاحبة وروح فارقت الجسد، نصبت جسدها واقتربت مترنحة كالمخمورة: "راجح إنسان جشع ومفتري، خطف ولادي هو ومراته. حبيت أحرق قلبه. لما هربت خطفت ميرال، وكنت ناوية أرميها زي ما رموا ولادي الاتنين." شهقة أخرجتها بصوت متقطع كالخطوط المعوجة. ظل صامتًا يستمع إليها ودقات قلبه تتقارع داخل صدره وهي تقص عليه كيف وصلت إلى والده. نهض من مكانه شاردًا حزينًا، ثم أردف:

"ميرال متعرفش صح؟ أومأت برأسها وعيناها تذرف من الدموع ما يحرقها. استدار متسائلاً: "ليه اتجوزتيه، بدل خطف ولادك زي ما بتقولي؟ قاطعهم وصول مصطفى ينظر إليها بأسى من حالتها التي وصلت إليها. تحرك إليها وانحنى يرفعها من أكتافها: "يالا علشان تاخدي الدوا وتنامي." رمق إلياس بنظرة جانبية ثم تحرك دون حديث. ظل يتابع تحركهم حتى اختفوا من أمام عيناه. "وبعدهالك يامدام فريدة، إيه حكايتك معايا، وليه قلبي وجعني عليكي؟ سحب نفسًا

وزفره يقنع نفسه: "متنساش هي اللي ربيتك فطبيعي تكون حزين عليها." استند على سياج الدرج يهمس بخفوت: "راجح كدا مييعرفش ميرال بنته، أو ممكن عارف وبيخطط لحاجة." ملس على ذقنه بعلامة تفكير وجلس وهو ينفث سيجارته: "يبقى هو اللي كان برة، ودا مالوش غير معنى إنه بيهدد." مط شفتيه للأمام وحركة استخفافية أطلقها من بين شفتيه: "بتلعب معايا ياراجح وماله نلعب إحنا ورانا إيه." هنا تذكر ما فعله هو وأرسلان اليوم. "فلاش قبل ثلاث ساعات"

توقف أرسلان بجوار غرام بالحفل يوزع نظراته على الجميع. قاطعته غرام: "إيه الحفلة الضخمة دي، أنا عمري ما حضرت حفلات كدا." استدار مبتسمًا وأردف قائلاً: "اتعوّدي ياروحي، علشان يعتبر فاروق باشا حفلاته مبتخلصش، دا لو طايل يعمل كل يومين حفلة هيعملها." ابتسمت ثم رفعت كأسها ترتشف منه بعض العصير، ثم رفعت عينيها إليه: "شكلك بتحب الحفلات." رفع ذراعيه يحاوط أكتافها وعيناه على إلياس المتوقف مع والده ثم أجابها:

"أبدًا ولا ليا فيها، أنا جيت بس علشان أعرفك على مدام ميرال، بما إنكم ملحقتوش تتعرفوا في إيطاليا." "هو إلياس صديق مقرب للدرجة دي علشان تعرفني على مراته؟ قطع حديثها وصول فريدة: "عامل إيه يابني." قالتها وهي تطوف بعينيها على وجهه باشتياق. ابتسم بمحبة وأجابها: "كويس الحمد لله، حضرتك عاملة إيه. نسيت أعرفك…" أشار إلى غرام قائلاً: "غرام مراتي." اقتربت من غرام وربتت على ظهرها: "اتعرفنا ياحبيبي."

نظر لزوجته التي أومأت برأسها بالإيجاب، ثم أردفت: "طنط فريدة كانت معايا لما رحت مع حضرة الظابط عند والده." أومأ متفهماً، ثم رفع عينيه إلى فريدة: "إن شاء الله في يوم أعرفك على والدتي، ماتختلفش عنك، أوعدك قريب هيكون فيه لقاء بينكم." شعرت بالقهر يأكل أوجاعها، وتغرغرت عيناها بالدموع، وطأطأت رأسها دون حديث تحاول كبح دموعها وكأن الله ربط على قلبها ليصل إلياس إليهما. "ارسلان تعالى عايزك." استأذن وتحرك معه بعدما قال لزوجته:

"خمس دقايق وراجعلك، خليكي مع طنط فريدة." وصل إلى مكتبه وانتشل بعض الأشياء قائلاً: "يالا علشان قدامنا وقت بسيط." أومأ وتحرك من الباب الخلفي متوجهين إلى وجهتهم بانتظار أحد الأفراد الذين يساعدونهم بالدخول إلى شركة العامري. نظر لتلك السيارة، فأشار إلى سيارة أرسلان: "هنروح بعربيتك، سيادة وكيل النيابة بيراقبني، شك في حاجة." "اممم." "قولت لي. طيب ما الراجل خايف؟ "ماقولتش حاجة وكمان نضيف جدا، يعني مش بتاع أشخاص، بتاع حقوق."

"فعلاً سمعت عنه." وصل إلى الشركة وأشار إليه: "حلوة فكرتك ياحضرة الظابط، بس الواد المهندس دا ضامنه؟ "جداً متخفش، على ضمانتي، اومال طلبت منك أوصله ليه."

هكذا قالها أرسلان وهو يترجل من سيارته. دقائق وتم زرع الأجهزة التنصتية ببعض المكاتب الخاصة بالاجتماعات، ثم تحرك إلى شركة الشافعي وفعل بها مثلما فعل بشركة العامري، بزيِّهم المتنكر بعد تعطيل أحدهم لجميع الكاميرات لمدة ساعتين رغم أنهم لم يستغرقوا في كل شركة سوى بعض الدقائق وذلك لنجاح أحدهم بتوجيههم إلى الأماكن المدروسة من قبل.

خرج الثلاثة بعد انتهاء مدة عملهم. تركهم يزن وقاد دراجته البخارية بينما تحرك أرسلان إلى المشفى مع إلياس لبعض الفحوصات الطبية. جلس أمام الطبيب الذي قام بالكشف عليه، بتوقف إلياس أمام النافذة ينظر للخارج قائلاً: "ماله يادكتور، ليه بيشتكي من جنبه؟ تساءل بها وهو يواليه ظهره. كتم أرسلان ضحكاته، ينظر للطبيب يشير إلى بطنه: "هو نسي إن بطني كمان وجعاني." استدار يرمقه بنظرات نارية، حتى ارتفعت ضحكاته يهز رأسه يرفع يديه إلى إلياس:

"قلبي كمان وجعني." اقترب منه يلكزه بصدره: "هتفضحنا يامتخلف، أنا اللي أستاهل اعتمدت عليك." "الله أعمل إيه، دخلت المستشفى جسمي كله وجعني، مستخسر فيا أكشف." أشار إلياس للممرض: "عايزك تديله حقنة شرجية، علشان يحرم يدلع." نهض من مكانه يضع يده على بطنه من كثرة ضحكاته، حتى وصل إلى إلياس: "عمي هينفخني والله لو موجود لأمر ذاك الطبيب بتلك الرشوة." لكزه بقوة حتى سقط على المقعد خلفه بعدما أخرجه من بروده:

"اسكت ياحبيبي، اسكت يابابا خلّينا نخلص." استمع إلى رنين هاتفه فأشار إليه وضحكاته ما زالت مرتفعة: "قولتلك عمي هينفخني، أهو اسمع." "بتعمل إيه في المستشفى وفين مراتك؟ حاول أن يتماسك. ابتعد إلياس عنه يزفر بسخط على أفعاله الطفولية ثم رد: "مخابرات إيه دا، دا أخره عسكري نحطه على مدفع رمضان." "أيوة إسحاقو." كان يقود سيارته متجهاً إليه: "حبيبي بتعمل إيه في المستشفى، إنت تعبان؟ أومأ مبتسمًا وعيناه على إلياس الذي يرمقه شزرًا

وأجابه: "مفيش ياعمو، حسيت بشوية ألم في جنبي، خوفت الألم يزيد فقولت أعدي على الدكتور، وبعدين حضرتك بتراقبني ولَّا إيه؟ "لا مش براقبك بس اتصلت بيك لقيت تليفونك مقفول عرفت إنك في مكان مش عايز حد يعرف، ولمَّا التليفون اتفتح عرفت إنك في المستشفى." توقف أرسلان بعدما انتهى قائلاً: "لا ياحبيبي تلاقي شبكة سقطت ولَّا حاجة، وأنا خارج أهو وهعدِّي أجيب غرام وأرجع على البيت."

"عمك هيصدق بس إسحاق المخابراتي مش مصدق يابن فاروق هستناك تحكيلي سلام." زفر بارتياح واتجه إلى إلياس: "إسحاق عرف كنا فين على فكرة." ضيّق عينيه متسائلاً: "بس إحنا أخدنا احتياطاتنا كويس، إزاي عرف وليه شكيت؟ قالها إلياس. تحرك بجواره بعدما نزع من الطبيب المدون إليه. خرج من شروده متوقفًا واتجه إلى جهازه المحمول وبدأ يتفحص ما به لبعض الدقائق مع عدة مكالمات مرتبطة بعمله. عند أرسلان قبل قليل:

وصل إلى منزل والده، فاليوم الخميس، الذي وعد به والدته أن يقضيانه مع بعضهما. دلف للداخل قابلته ملك تصفق بيديها واتجهت تهرول إليه: "حبيبي أخيرًا جيت وحشتني." ضمها بحنان أخوي ثم طبع قبلة فوق جبينها: "وحشتيني حبيبتي." نزعت يديه من أيدي غرام وتحركت به إلى غرفة الموسيقى: "تعال معايا علشان أسمعك اتعلمت إيه، أختك هتسبقك، وتكون أشطر Pianist في الدنيا." أشار إلى غرام: "هتلاقي ماما جوة حبيبتي، شوية وراجعلك."

قالها وتحرك مع ملك التي لم تهتم بوجود غرام. دلفت للداخل تبحث عن صفية، أشارت إليها الخادمة: "المدام في ركنها المخصص للعبادة." أومأت لها وتحركت، طرقت الباب ثم دلفت حتى لا تفصلها عن قراءة القرآن. رفعت صفية رأسها وجدتها تقف تفرك أناملها. أغلقت المصحف ووضعته بمكانه الخاص به، تفتح ذراعيها لغرام التي وصلت إليها وانحنت تحتضنها: "عاملة إيه ياماما." أخرجتها تحتضن وجهها وأردفت: "أنا كويسة ياست البنات تعالي جنبي هنا."

نزعت حذاءها وخطت إلى جلوسها توزّع عينيها على المكان الذي به الكثير من كتب الفقه والمصاحف. ربتت صفية على كتفها بعدما وجدت نظراتها على الكتب: "فيه حاجة عايزة تقرأيها؟ هزت رأسها بالنفي، ثم احتضنت كفيها واقتربت بجسدها قائلة: "ماما فيه موضوع عايزة أقوله لحضرتك، أرسلان ميعرفش بس حبيت أعرفك الأول." طالعتها منتظرة حديثها. وضعت كفيها على أحشائها ولمعت عينيها بالسعادة مرددة: "ماما أنا حامل." شهقة خرجت منها تضمها

إلى صدرها وارتفعت ضحكاتها: "ما شاء الله يابنتي ربّنا يتمملك على خير يارب، اللهم لك الحمد ولك الشكر يارب." قالتها وهي تسجد لله شكراً على نعمه. احتضنت وجهها وقربتها إليها تطبع قبلة حنونة على جبينها قائلة: "ربنا يبارك فيكي وفي مولودك يابنتي يارب." انسابت عبراتها من شدة حبورها بخبر حمل زوجة ابنها. قاطعهم دخول فاروق قائلاً: "مصدقتش لما قالوا أرسلان جه." ابتسمت بدموعها تشير إليه:

"تعال يا فاروق فيه خبر هينططك ويخليك ترجع شباب." نظرت للأسفل بخجل من حديث والدة زوجها، وبدأت تفرك بأناملها، فتوقفت صفية عن الحديث قائلة: "لا بلاش تعرف قبل أبوه، لازم أبوه يعرف الأول مش كدا يا غرام." رفعت ذقنها وأشارت إليها: "يالا حبيبتي قومي علشان نتعشى، وخبّري جوزك." أومأت ونهضت متجهة للخارج. عند أرسلان: جلس بجوار أخته وهي تعزف مقطوعتها التي تدربت عليها إلى أن انتهت. صفق يقبل وجنتيها: "أحلى Pianist ياروحي."

استدارت إليه: "بجد يا أبيه عجبتك." ضمه بحنان يمسد على خصلاتها: "بجد ياروح أبيه، بس نهتم بمذاكرتنا شوية علشان نتخرج مش كدا ولَّا إيه." "ياااه لسة بدري دا أنا لسة في أولى." قرص وجنتيها وتوقف: "ماهو علشان عايز تقدير كل سنة يالمضة." سحبها من كفها واتجه بها للخارج: "تعالي نشوف صفية عملت إيه في مراتي شكلها استفردت بيها."

توقف بعدما وجدها أمامه تنظر إليه بحب. ترك كف ملك وخطا إليها يدقق النظر بملامحها. رفع ذقنها وأشار برأسه مردفاً: "إيه الورد الأحمر اللي عايز يتاكل على الخدود دي." دفنت رأسها بكتفه: "بس بقى عيب أختك ورانا." لف ذراعيه حول جسدها وهمس بأذنها: "أنا تعبت من المشوار ماتيجي أقول لك كلمة سر علشان محدش يسمعه." لكزته قائلة: "أرسلان بس إيه اللي بتقوله دا." أطلق ضحكة رجولية جذابة، مما جعلها ترفع رأسها إليه وتهمس بصوت خافت:

"هتكون أب يجنن." توقف عن الضحك بعدما استمع إلى رنين هاتفه، أخرجه ولم يسمع بما تفوهت به: "أيوة يابني فيه إيه." "مش قولت مش عايز إزعاج." "آسف ياباشا، بس بكلم إسحاق باشا وتليفونه مقفول، الست هانم الكبيرة عند دينا هانم، لسة طالعة من شوية، حاولت أخبر الباشا معرفتش أوصله." "أنا جاي." قالها وتحرك مغادرًا المكان سريعًا دون حديث. هرولت غرام خلفه: "أرسلان رايح فين." استقل سيارته وتحرك سريعًا يقطع المسافة بدقائق معدودة.

عند دينا: حاوطت جسدها تبكي بعدما اشتدت آلامها، وصاحت بأحلام: "ابنك عارف كل حاجة، أنا قولته، وهو أصلاً كان شاكك فيا من الأول بحكم إني كنت شغالة معاكي." ازداد الألم تبكي تحتضن بطنها بقوة، بعدما وجدت نظراتها الجحيمية، فانحنت تجذبها من خصلاتها تسبها: "آه ياحيوانة وقّعتي بيني وبين ابني، وأنا اللي استأمنتك على سري، والله لأدفعك التمن غالي." سيطرت على آلامها وزحفت للخلف تنظر إليها باحتقار:

"إسحاق مش هيسكت، وأكيد عنده خبر دلوقتي، هيجي ينقذني منك." قالتها ببكاء مرتفع. قهقهت أحلام ثم جلست تضع ساقًا فوق الأخرى: "هو أنا معرفتكيش إني مخططة علشان أوصلك؟ تفتكري أنا معرفش ابني حويط قد إيه، وكنت متأكدة إنه مراقبك ياواطية. ارتاحي، إسحاق زمانه في سابع نومة، بس ممكن تكلميه ينقذك." نزعت الهاتف من يديها سريعًا وحاولت الوصول إليه. توقفت أحلام تضحك بصوت مرتفع، ثم انحنت تغرز عينيها بمقلتيها:

"الخاين لازم يموت. ودلوقتي هقتلك إنتي واللي في بطنك، ولو على الحراسة اللي برة، متخافيش هظبّطهم كويس، مش حتة شحاتة تملك إمبراطورية الجارحي يابت." قالتها وركلتها للمرة الثانية بقوة، ليخرج صوتها كالرعد مع فتح أرسلان الباب على مصراعيه، ووصل إليها بخطوة واحدة. توقف جاحظ العينين على ذاك المشهد. جدته تحاول قتل دينا. اتجه إليها سريعًا ولم يفعل شيئًا سوى أنه انحنى يحملها ويغادر بها المكان دون أن يكترث لوجود أحلام. بكت دينا

بين ذراعيه تهتف بتقطع: "أرسلان وديني للدكتور هموت." قالتها وأغمضت عينيها فاقدة الوعي. وصل في غضون دقائق إلى المشفى يهرول إليها ويحملها للداخل مع صرخاته بعدما وجد ملابسها لُطِّخت بالدماء. حملها المسعفون سريعًا واتجهوا بها إلى غرفة الكشف. ظل يجوب المكان ذهابًا وإيابًا وعقله يكاد أن ينفجر مما رأه. كيف لجدته أن تفعل بروح تلك الفعلة الشنعاء؟

خرجت الممرضة تشير إليه بالدخول إلى الطبيب. دلف يبحث عنها بعينيه. جلس بمقابلة الطبيب منتظرًا حديثه: "المدام تعرضت للهجوم ودا واضح." أشار أرسلان إليه بالصمت: "عايز أعرف حالتها إيه، والجنين، دا اللي منتظره، مش منتظر تقولي عندها إيه." "بس دي جناية ولازم…" توقف بعدما فقد صبره وانحنى على مكتبه: "أنا مبحبش أعيد كلامي. المدام والجنين كويسين ولَّا لأ." طالعه الطبيب بتدقيق ثم أردف:

"أخدت أدوية تثبيت ولسة الحالة مش واضحة، يعني لسة فيه خطورة على وضع الجنين." اعتدل ناصبًا جسده ثم أشار إليه: "مش عايز اللي حصل يخرج برة الأوضة دي تمام يادوك، ولَّا نقول مع السلامة وشكر الله سعيكم." هز الطبيب رأسه بالموافقة، فتحرك للخارج يسأل الممرضة: "فين المريضة اللي كانت هنا؟ أجابته برقم الغرفة، فتحرك متجهاً إليها. دلف بهدوء وجدها تغفو بسبب الأدوية. أشار للممرضة:

"عينك عليها، إياكي تتحركي من جنبها، ومش عايز مخلوق يدخل لعندها. أدويتها محدش يديهالها غيرك، أي غلط هنسفك. نص ساعة وأكون هنا، تراقبيها ممنوع تتحرك من مكانها." قالها وتحرك مغادرًا المشفى بأكمله. وصل إلى منزل إسحاق دلف للداخل يبحث عنه: "الباشا فين." ارتبكت وابتلعت ريقها بصعوبة: "نايم يابيه." "نايم! " تمتم بها مستغربًا، ثم صعد إلى غرفته. دلف للداخل إلى أن وصل فراشه ينظر إلى نومه الساكن. كوّر قبضته يسب جدته:

"وصلت يا أحلام هانم تستخدمي الخادمة علشان مؤمراتك، طيب دا لما يعرف هيعمل إيه غير حاجتين، طلقة في راس أمه وطلقة في راس الخادمة." استدار واتجه للأسفل ينادي عليها. توقفت بجسد مرتعش: "استغنينا عن خدامتك، كلمي يحيى تاخدي مستحقاتك وتسيبي البلد دا لو عايزة تعيشي." "ليه يابيه هو أنا عملت حاجة." اقترب يحدقها بنظرات كالأسد المفترس:

"أنا هراعي خدمتك لإسحاق السنين دي كلها، علشان كدا هخليكي تمشي سليمة. أما بقى لو زهقتي من الدنيا وعايزة تموتي، خليكي لحد ما يصحى ويقرر يعمل فيكي إيه." قالها وتحرك مرة أخرى متسائلاً وهو يصعد الدرج: "المنوم مهمته قد إيه، هيفوق إمتى؟ انسابت عبراتها متمتمة: "هددوني بابني والله يابيه، قالوا هيموتوه لو معملتش كدا، وأنا قولت دا منوم بس يعني مش مضر على الباشا." أشار بيديه وهو يواليها ظهره: "برة مش عايز أشوف وشك." استدار

برأسه وما زال على وضعه: "دي خيانة، بلاش أكملك." عند يزن: عاد إلى منزله ودلف بهدوء حتى لا يوقظ أخوته، اتجه إلى غرفته يضع أشياءه. استمع إلى طرقات على باب غرفته، علم باستيقاظ إيمان: "ادخلي حبيبتي." دَلفت مقتربة منه: "اتأخرت ليه كدا، قلقت عليك." وضع الأشياء بداخل درج مكتبه، وأغلقه قائلاً: "كان عندي شغل كتير." دققت النظر بعينيه ثم تساءلت: "مها كانت عايزة منك إيه، وقفت معاها شوية وبعدين مشيت ومتكلمناش."

رفع رأسه وطالعها للحظات بصمت، ثم أردف: "عايز أنام حبيبتي وبكرة نتكلم تمام." أومأت واستدارت للمغادرة ولكنَّه أوقفها متسائلاً: "فيه حاجة واقفة معاكي في أي مادة، لو محتاجة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وتحركت للخارج. زفرة حادة أخرجها متألماً يمسح على وجهه بعنف، ثم تذكر كريم الذي هاتفه عدة مرات ولم يستطع الرد عليه. "أيوة نمت ولَّا إيه؟ اعتدل كريم على فراشه ينظر بساعته: "إنت لسة صاحي، فيه حاجة ولَّا إيه؟

اتجه إلى فراشه وتسطح عليه قائلاً: "مفيش حاجة كنت قلقان ومجاليش نوم." "نعم أنا رنيت عليك." تنهد مجيباً: "كريم التليفون كان صامت ماخدتش بالي." "تمام هعمل مصدقك، المهم مها كانت عايزة منك إيه، عرفت إنها جاتلك." أفلت ضحكة ساخرة وأجابه: "عايزة تسيب خطيبها وبتقنعني نرجع لبعض." "لا ياراجل، وإنت أكيد ضربتها قلمين على وشها." "لا وافقت قولتلها لما تسبيه نتكلم." هب من نومه معتدلاً:

"أكيد بتهزر يايزن، أوعى ياصاحبي اللي في دماغك، يزن إنت عندك أخت." "كريم أنا تعبان وعايز أنام بكرة نتكلم." قالها وأغلق الهاتف وجذب الغطاء وشبه ابتسامة ساخرة: "بتعشقني الهبلة، أهو نستفيد منك، وأنا مخلص عملت إيه بإخلاصي." ذهب ببصره على هاتفه، تناوله ينظر بمحادثات رحيل الغاضبة لاستقالته. "شكلك كيوتي بس لازم أصطادك في سكتي، الكل لازم يدفع التمن." "حد قال لكم تحبوني." رفع الهاتف على أذنه. أجابته خلال لحظات تهدر معنفة إياه:

"بكرة أشوفك على مكتبك يايزن، سمعتني." انحنى يجذب سجائره يستمع إلى صرخاتها بصدر رحب حتى هدأت. أخذ نفسًا ثم زفره بهدوء ينظر بشرود قائلاً:

"لما تكلمي يزن السوهاجي يبقى تكلميه بصوت واطي، مش أنا اللي أقبل بنت تعلي صوتها عليا مهما كانت هي مين، ثانيًا بقى أنا حر محدش له يجبرني على حاجة، أنا مبشتغلش عند حد وبالنسبة للكام سهم اللي معاكي أكيد نسبهم هتوصلني ماهو مش هتقبلوا تاخدوا حاجة من عرق حد، إلا إذا كنتم بتاكلوا حقوق الناس." صدمات ألهمت حواسه تهز رأسها رافضة حديثه المهين الذي اخترق صدرها كالرصاصات. ابتلعت غصة أحكمت جوفها وأردفت: "آسفة لحضرتك ياباشمهندس."

"ولا يهمك يا أستاذة رحيل." قالها وأغلق الهاتف ولم يعطها فرصة الرد. عند إيلين بشقة رؤى: كانت تجلس بشرفة غرفتها تحتسي مشروبًا. فتحت جهاز رؤى المحمول وقامت بمهاتفة خالها: "خالو حبيبي." هب من مكانه يجيبها بعتاب: "كدا يا إيلين، دي مكانة خالك عندك يابنتي، تسيبيني بيت خالك كدا؟ ارتفعت شهقاتها قائلة: "مش هرجع غير لما آدم يطلقني، لو عايزني بجد أرجع لعندك خليه يطلقني، مبقتش قادرة أتحمل وجوده جنبي."

"طيب حبيبتي تعالي ووعد مني هخليه يطلقك." أطبقت على جفنيها، وبصوت مفعم بالبكاء ورعشة أصابت جسدها تمتمت: "يطلقني الأول يا خالو، لو سمحت، وعايزة من حضرتك تشوفلي شقة أقعد فيها، علشان أنا قاعدة مع صاحبتي ومينفعش أقعد معاها أكتر من كدا." نهض متحاملاً على نفسه، بعدما أصابته وعكة صحية من اختفائها: "كدا يا إيلين تسيبي بيت خالك وتروحي للغرب." أجهشت روحها بالبكاء وهي تقص له معاناة قلبها:

"إزاي عايزني أصبر على وجع قلبي، ابنك استضعفني يا خالو، أنا كرهت نفسي بسببه، أنا بكرهه وبكره كل حاجة بتعلقني بيه." تعالت شهقاتها تخرج قيح آلامها. "طلقني منه يا خالو لو عايزني أرجع بجد." قالتها وأغلقت الهاتف. ظل بمكانه ينظر إلى الهاتف الذي أغلق للتو، ثم تحرك للخارج يبحث عن ابنه. قابلته مريم: "خالو مفيش أخبار عن إيلين؟ مسد على وجهها مجيباً: "هترجع بكرة، اجهزي حبيبتي علشان تسافري لجوزك، كفاية عليكي كدا."

فتحت فمها للاعتراض ولكنَّه أوقفها: "إيلين هترجع، متخافيش عليها." باليوم التالي دلف إلى شقته يبحث عنه وجده جالسًا بالشرفة ينظر للخارج بشرود وكأنه لم يشعر بما يدور حوله. نظر إلى سجائره الذي استهلكها، ثم اقترب منه وجذب المقعد وجلس بمقابلته: "جاهز؟ رفع عينيه المتألمة إلى والده: "مفيش حل غير دا؟

"آدم إنت كنت رافض الجوازة من الأول، وبدل مراتك مصرة تيجي مصر، يبقى لازم تطلق إيلين، وتبعد مراتك عن القاهرة. أنا مش عايز أتعرف عليها، وزي ما اتجوزت من غير علم أبوك، ميهمنيش أعرفها أو أشوفها." نهض من مكانه وأشار إليه: "قوم اجهز." "إيلين هتستنانا عند المأذون، ومش هنبه عليك إنك تعمل حاجة، وقتها هتبرى منك يابن زين." بعد فترة كانت تقف بجوار رؤى أمام المكتب الذي سيتم به الخلاص من معذب قلبها.

"وبعدهالك يا إيلين، ليه مصرة على الطلاق، اديله فرصة." زفرت الهواء المكبوت بصدرها علَّها تتغلب على نوبة البكاء التي تحتجز تحت أهدابها. ابتعدت عنها قائلة: "لو قريبك الظابط وافق يخرجني برة مصر كنت هفضل على ذمته فترة كمان، بس دا رفض وكمان هددني إنه يبلغ جوزي." رفعت عينيها إليها: "تصدقي محبتوش، واخد في نفسه مقلب، لا وإنتِ أقنعتيني إنه هيوافق وهيكون سهل يخرجني." تصلبت تعابير وجهها وتابعت حديثها:

"الرجالة كلهم كدا، عايزين الست الطيبة اللي تطبطب، معرفش ليه أخد مني موقف عدائي، علشان طالبت بحقوقي." اقتربت رؤى منها تربت على ظهرها: "إلياس مش زي ما إنتِ مفكرة، هو رافض فكرة هروبك من جوزك، قال مينفعش أساعد على الغلط وهو عنده حق يا إيلين، ومتنسيش إنه راجل مش هيقبلها على مراته."

بتر حديثهم وصول سيارة زين التي توقفت بجوارهم. كان بالسيارة طالعًا بصمت وهناك حرب من النظرات بينهم. ترجل من السيارة وما زالت عيناه تحرق وقوفها. سحبت بصرها متهربة من نظراته الاختراقية. تحرك من جوارها دون حديث أراد أن يرضي غروره الذكوري الذي دعست عليه بكل جبروت. "دكتور آدم." توقف على صوت صراخها باسمه. ظل كما هو واقفًا صلبًا متجمدًا لا يلتفت إليها حتى وصلت وتوقفت بمقابلته، ورفعت رأسها بعنفوان وتمتمت بنبرة جافة:

"عايزة طلقة بائنة، ومتنازلة عن جميع حقوقي كأنك مامرتش في حياتي." كلمات كأشواك غرست في جدار قلبه. رفع عينيه حتى تقابلت الأعين بحديث أنين القلوب فهتف قائلاً: "إنتِ طالق يا إيلين، وورقتك هتكون عندك في أقرب وقت." قالها ورفع عينيه لوالده: "هدخل للمأذون وأوثق الطلاق، يارب أكون أديت المهمة على أكمل وجه ياباشمهندس."

أحست ببرودة تتسرب لجسدها من نيران كلماته، وتلاشى تنفسها وكأن تلك الكلمة طلقة أصابت قلبها حتى سحبت روحها لبارئها. حاولت التمسك أمامه حتى لا تذرف دموع ضعفها على حب قُتل قبل أن يحيى. مر أسبوع على أبطالنا: عند إسحاق دلف إلى المشفى لرؤية زوجته التي حجزت بالمشفى لمخاطر الحمل. دفع الباب وابتسامة واسعة على وجهه. "أنا جيت." ولكنه توقف عندما وجد فراشها خالياً. دلف إلى المرحاض يبحث عنها ولكنها غير موجودة. خرج خارج

الغرفة يستدعي الممرضة: "مدام دينا فين؟ "مدام دينا تعبت بالليل يافندم والجنين نزل، وهي عملت مغادرة من المستشفى من نص ساعة." لطمة قوية على وجه الممرضة، وبدأ يصرخ بالموجودين. هرول إلى كاميرات المشفى، ليصل كيف خرجت من المشفى، ولكنها أخذت احتياطاتها. غادرت دون أن تترك خلفها ما يساعده بالوصول إليها. ساعات جحيمية مرت عليه وهو يبحث عنها بجميع الأماكن التي تستهدفها. دلف أحد الرجال وجسده يرتعش من حالة إسحاق، جالسًا على مقعده

يحتوي رأسه بين راحتيه: "مفيش أي أخبار ياباشا، وصورتها باسمها عند كل المداخل والمخارج." "شوف أرسلان رجع من السفر ولَّا لسة." أومأ وتحرك هاربًا من قبضته الفولاذية. اعتدل بعد خروجه ثم رفع هاتفه: "أحلام هانم خرجت؟ "لا ياباشا، زي ما حضرتك طلبت." أغلق الهاتف وعيناه تحولت لكتلة نارية يهمس بفحيح: "كنت عارف مش هتشكي، بس متوقعتش إنك لسة بالخسة دي يا أحلام هانم." استمع إلى رنين هاتفه: "أيوة يافاروق."

"عدِّي عليَّ يا إسحاق، عايزك ضروري." "بعدين يافاروق، عندي شغل في الإدارة وكمان في الجهاز." "أنا مستنيك يا إسحاق، نص ساعة وتكون عندي." قاطعه دخول المسؤول عن مكتبه: "فيه هانم برة عايزة تقابل حضرتك ياباشا." أشار بيديه ينظر إلى بعض الأوراق يهرب بها من ضعفه. "مش فاضي مش عايز أقابل حد." ارتجف الرجل قائلاً: "هي مصرة حضرتك، وبعدين دي مرات الباشا مصطفى السيوفي." رفع عينيه يطالعه مستفهماً: "ودي عايزة إيه." أشار له بالموافقة.

"دخّلها وقول لها الباشا عنده اجتماع بعد عشر دقايق." دَلفت فريدة وعيناها على جلوسه المهيب رغم صغر سنه. ألقت التحية وحاولت أن تسيطر على ارتعاشة جسدها. "أهلًا مدام فريدة." قالها وهو ينظر بالبطاقة الخاصة بها. جلست بمقابلته تومئ برأسها: "أهلًا بحضرتك. آسفة أخدت من وقت حضرتك، بس الموضوع مهم." تراجع بجسده يضغط على زر مكتبه: "تشربي إيه؟ هزت رأسها بالنفي: "ولا حاجة. أنا بس عايزة من حضرتك حاجة مهمة."

طالعها بتدقيق منتظرًا حديثها. رفعت رأسها لتتقابل بعينيه التي تختلط بالحزن والألم لكليهما. حمحمت وحاولت النطق، ولكن لم تقوَ على مخارج الحروف. أطبقت على جفنيها تسحب نفسًا وهو يراقب تعابيرها، ثم نهض من مكانه وجذب كوبًا من المياه، وبسط يده: "اتفضلي، شكل الموضوع اللي حضرتك قصداني فيه صعب أوي." أبعدت عن ذهنها خواطرها المؤلمة وجمعت شتات نفسها هاتفة دون تردد: "الموضوع يخص ابني." "ابنك!

" ردَّدها وما زال يتابعها بعينيه الصقرية، استند بذراعيه على المكتب متسائلاً: "قصدك إلياس؟ تأملته لبعض اللحظات ثم نطقت كلماتها التي حوّلته إلى بركان كاد أن يحرقها حينما أردفت: "أرسلان." صدمة. ذهول يطالعها وكأن أحدهم صعقه بصاعق كهربائي لينتفض جسده من شدة ما أصابه. انعقد لسانه وتاهت المفردات وكأنه فقد جميع حواسه. لحظات مرت كسبعين خريفًا، ظل تتابعه بعينيها ثم استطردت: "أرسلان الجارحي ابني، بيكون اسمه: جمال جمال الشافعي."

كلمات اخترقت أذنه كصدى صوت عويل رعد مما أصابه بالصمم. تجمد جسده وهي تتابع كلماتها التي سحبت أنفاسه: "ابني اتخطف من تلاتين سنة، معرفش حضرتك لقيته فين، بس كل اللي أقدر أقوله لحضرتك، إنك ربيت راجل ومتشكرة جداً جداً ومهما أشكرك مش هقدر أرد جميلك، بس كنت عايزة أعرف حضرتك اِتبنيته زي ما غيرك اتبنى أخوه ولَّا إيه ولمَّا إنتوا اتبنتوه ليه نسبتوه لعيلتكم. رغم إنه عاش حياة بمستوى راقي بس هويته الحقيقة اندفنت معاه."

قالتها بمرارة والدمع يتساقط من عينيها. شحب وجهه بالكامل كالجثة التي زهقت روحها. لم يعلم بما يجيب، كم هو مؤلم هذا الشعور الذي تعجز عن وصف مابداخلك أثناء سرق كل ما تمتلك. نعم اعتراف بداخله أن أرسلان امتلاكه الخاص حتى ولو نُسب إلى أخيه، ولكنَّه ابنه هو فقط. سنين حب وحنان واحتواء كيف بتلك السهولة أن يتخلى عنه. هل جُنّت هذه المعتوهة لتأتي إلى هنا لتسرق فرحة قلبه. رسم ابتسامة باردة وطالعها بعينين خاليتين من أي شعور قائلاً:

"هو حضرتك مريضة ولَّا إيه، أرسلان مين اللي ابنك، مع احترامي لسيادة اللواء إلا مش من حقك تيجي وتوقفي قدامي وتتبلي على ابني، لو سمحتي يامدام أنا هعذرك علشان شكلك مضيعة ابنك بس حقيقي كان نفسي أساعدك." هبّت من مكانها كالملسوعة، وضربت بقوة على مكتبه حتى تناثرت أشياءه:

"حضرتك متفكرش إني هصدق كلامك دا، أنا عايزة ابني. وجيت لحضرتك قبل ما أتكلم مع أرسلان، فيا ريت حضرتك تحترم عقلي وتعرف أنا مش هاجي وأقف قدامك إلا إذا كنت واثقة من كلامي." أحس بقبضة قوية تعتصر فؤاده، وتسربت الريبة من حديثها الواثق. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، ونهض من مكانه ثابتًا وكأن حديثها لا يهمه، ثم دس كفوفه بجيب بنطاله وتحرك إلى أن وصل إليها:

"أنا لسة بتكلم معاكي بهدوء احترامًا لسيادة اللواء وغير إن أرسلان صديق للعائلة." غرست عينيها بمقلتيه بعدما علمت بأسلوبه الماكر واقتربت منه خطوة حتى لم يتبق بينهما سوى خطوة واحدة وأردفت: "أنا عملت تحليل DNA ياسيادة العقيد وأرسلان ابني، متخلينيش أخده بالغصب." أشار إليها على باب الغرفة:

"روحي خديه، مش إنتِ واثقة إنه ابنك وجاية تسبّي في شرف عيلة الجارحي، عايزك تروحي لأكبر قسم شرطة وبلغي علينا وقولي إحنا خطفنا ابنك يامدام، واثبتي براحتك." اقترب الخطوة التي تفصلهما وانحنى يهمس بصوت خافت: "احمدي ربنا إنك مرات سيادة اللوا، غير كدا مكنتش خليتك واقفة على رجلك، ودلوقتي الزيارة انتهت يامدام." قالها وهو يضغط على زر مكتبه ليدلف الرجل، فأشار إليه: "وصل المدام شكلها تاهت في الطريق." اشتعلت حدقتاها كجمرات

ملتهبة فأشارت بسباتها: "جيت لك ياسيادة العقيد بس حضرتك طلعت ظالم مش زي ما أرسلان قال، ياخسارة مش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل. بس أنا مش هتنازل عن ابني." قالتها وتحركت تأكل الأرض بخطواتها تهمس لنفسها: "اجمدي يافريدة، لازم ترجعي ولادك محدش هيساعدك كلُّه هيقول يارب نفسي، حتى مصطفى اللي فكرتي إنك بتتسندي عليه طلع وهم." اصطدمت بأرسلان الذي دلف من باب المكتب، ليتوقف مذهولاً: "طنط فريدة؟

وصل إسحاق إليهما بخطوة واحدة بعدما استمع إلى صوته بخارج الغرفة: "أرسلان، عايز دينا من تحت الأرض يالا بسرعة مفيش وقت." رفع نظره إلى فريدة: "طنط فريدة عندنا ليه خير، وأنا بقول المكتب منور ليه." ربت على كتفه ينظر إلى فريدة التي تطالعه باشتياق، بعيون مترقرق بالدموع. قاطع وصلة نظراتها حينما أردف: "يالا حبيبي عايزك تجيب دينا من تحت الأرض." قالها وعيناه ما زالت على فريدة التي اتجهت ترمقه شزرًا.

"حاضر ياعمو بس أعرف طنط فريدة مالها." "حضرتك كنتي بتعملي إيه هنا، لو عايزة أي مساعدة." فتحت فمها للحديث ولكن إسحاق صاح بغضب: "أرسلان أنا مع فريدة هانم، كانت جاية لمشكلة ولقيناها تافهة مش محتاجة مساعدة، لأنها ممكن تخسر كتير." سحبت أقدامها وتحركت بأنين دون حديث لأنها علمت أنَّها أمام رجل لا يستهان به. "عمو في إيه." "بيت السيوفي وابن السيوفي تنساه ودا آخر علاقتي بيك، ياهمَّا يا أنا." قالها وتحرك للخارج. توقف يراقب تحركه

الجنوني بصدمة يكرر كلماته: "يعني عايز يقطع علاقتي بإلياس. معقولة، وليه، ياترى طنط فريدة عملت إيه يخليه ياخد موقف عدائي كدا. لا لا لازم أعرف." اتجه إلى سيارته سريعًا، واستقلها وقام بمهاتفة إلياس: "إنت فين؟ كان واقفًا أمام المرآة يتجهز لسهرته الخاصة مع زوجته فأجابه: "ليه فيه حاجة ولَّا إيه؟ عايز أشوفك دلوقتي." أمسك زجاجة عطره ونثر بعضها ينظر بالمرآة قائلاً: "لا الليلة مش فاضي، ممكن بكرة تعدِّي عليَّا."

"بس عايزك في موضوع مهم وضروري." قطب مابين جبينه متسائلاً: "خير حاجة بخصوص إيه." نظر أرسلان إلى اسم زوجته الذي أنار شاشة هاتفه فأجاب: "تمام بكرة هعدي عليك." عند غرام: كانت تحتضن أحشاءها تبكي بشهقات حينما فقدت القدرة على النهوض. رفعت هاتفها للاتصال به: "حبيبتي أنا هنا في مصر، شوية وأكون في الفيلا وحشتيني." "بسرعة يا أرسلان، أنا تعبانة، وبنزف. كنت حامل الحقني." توقف بالسيارة فجأة حتى اصطدم بالمقود

يتساءل بصدمة شلت أعضائه: "حامل ونزيف. تمام تمام." ارتجف جسده بالكامل وفقد السيطرة على خوفه، أمسك الهاتف بيد مرتعشة وهاتف والدته: "ماما." "غرام اطلعي عندها بتنزف وبتقولي كانت حامل، إزاي مراتي تتعب ومحدش يحس بيها ياماما." نهضت صفية متعجلة بخطواتها: "حاضر ياحبيبي، أنا طالعة أهو، بعتلها ملك قالت عايزة تنام." صرخ بالهاتف وهو يقود السيارة بسرعة جنونية: "الحقيها ياماما، الحقي ابني لحد ما أوصل، وهبعت للدكتور." عند إلياس:

انتهى مما يفعله، جذب ساعة يده وارتداها متحرِّكًا إلى زوجته. دلف للداخل يبحث عنها: "ميرال خلّصتي." خرجت من غرفتها بأناقتها بردائها الأحمر الفضفاض وحجاب باللون الأبيض ولمسات تجميلية خفيفة على وجهها الناعم. خطا إلى أن وصل إليها. رفع ذقنها بأنامله: "كنت عارف إن الحجاب زينة الست، بس مكنتش أعرف إنه هيخليها ملكة متوجة كدا." ابتسمت وتوردت وجنتيها: "ميرسي يا إلياس."

حرّك أنامله على شفتيها المطلية باللون الأحمر القاني، الذي جعلها أيقونة للتذوق، لينحني بعدما فقد قدرته على التخلي عن تذوقها. لحظات مرت ناعمة وهو يتذوق شهدها ثم تراجع برأسه يزيل الباقي بإبهامه. "كدا أحسن، ليه الروج ونكون ملفتين لغيرنا، دا يتحط ليا بس غير كدا لا." ضربت قدمها بالأرض تشير على شفتيها: "كدا بوظت الدنيا، إزاي أخرج من غيره بس." وصل إلى المرآة وتناول إحدى المحرمات الورقية المبللة وقام بإزالته بالكامل:

"كلمة كمان وهضربك بالقلم على وشك، دا يتنيل يتحط في البيت، ويالا ولَّا أرجع في كلامي." طالعته بنظرات متلألئة بالدموع ثم تحركت من أمامه دون حديث. ركل المقعد يسبها بداخله، قابلتهما فريدة التي دلفت بعيون حزينة. توقفت أمام ميرال حينما وجدت عيناها تلمع بالدموع: "مالك حبيبتي." عانق كفها ورسم ابتسامة أمام فريدة: "هبات في بيتنا الليلة، متعملوش حسابنا." قالها وسحبها متحركًا للخارج. توقفت تراقب تحركهم متمتمة:

"ربنا يهديك يابن جمال، شكلك عنيف وتاعب البنت معاك، معرفش جايب القسوة دي منين." "كنتي فين؟ تساءل بها مصطفى الذي خرج من مكتبه. طالعته بصمت لدقيقة ثم اقتربت منه: "طلقني يامصطفى، الولاد كبروا ومبقوش محتاجيني، عايزة أرجع ولادي لحضني، إلياس لازم يعرف أنا أمه وإنت خايف على نفسك، أنا بقى مفيش حاجة أخسرها، عايز تعرف كنت فين ولَّا الأخبار عندك." أطبق على ذراعها بقوة يهزها بعنف:

"مفيش حد هيموت ولادك غيرك يامدام فريدة، إلياس من وقت ما رحتي لراجح وبغبائك سلّمته ابنك على طبق من دهب، باعت ناس ماشيين وراه في كل مكان، افرحي بقى لحد ما يرجع لك مقتول، حاولت أفهمك دول تبع تنظيم إرهابي عالمي محدش قادر عليهم وفي أقرب وقت حد فينا هيصفوه علشان مدام فريدة ترتاح." "أنا عايزة أطلق يامصطفى، كلامك مبقاش مؤثر معايا. طلّقني وبس."

شهقة خرجت من أحدهم وسقط ما بين يديه حتى تناثر محدثًا صوت، لتستدير للخلف لتجد غادة تتراجع بجسدها الذي ارتجف بشدة وعينيها التي أصبحت كالشلال، مما جعلها تفقد الحركة لتهوي على الأرضية تحتضن ركبتيها وتهز رأسها بعنف. عند إلياس:

ترجل من السيارة واتجه إليها يساعدها بالنزول. لمح أحدهم من خلال المرآة. ابتسامة ساخرة وهو يسحب كفيها ودلف للداخل يعرف عن نفسه ورقم حجزه. كانت تتحرك بجواره لا تعلم أسعد على اهتمامه أم تحزن على قسوته. حاوط خصرها وتحرك إلى طاولتهم المحجوزة بمكان هادئ على النيل. جذب المقعد وأشار إليها بالجلوس. لاحت نظرة سريعة بالخارج. رفع هاتفه: "ممنوع حد يقرب من العربية، اللي يقرب منها أقتله." قالها وأغلق الهاتف. ضيّقت عينيها

واقتربت تستند على الطاولة: "دا إيه الدم الشربات دا، علشان حد يقرب من عربيتك تقتله، أومال لو خطفها هتبعته جهنم." جزَّ على أسنانه قائلاً: "ميرو حبيبتي، خليكي في أخبارك الفاشلة، هي عربيتي ولَّا عربيتك." وصل النادل لطلب الطعام. غمزه إليها: "إيه عايزة محشي." كبحت ضحكاتها مبتعدة بنظراتها عنه. طلب الطعام ثم أشار إليها: "هتاكلي إيه." ابتسمت قائلة: "من اللي إنت هتاكله."

أشار للنادل بالتحرك. ثم تابعها بعينيه وهي تنظر إلى النيل. بسط كفيه يلمس كفيها التي تضعه على الطاولة. طالعها بابتسامة قائلاً: "الليلة هكون ملكية خاصة لحضرة جناب الصحفية، أي حاجة نفسك فيها تحت أمرك." انفرج ثغرها الرقيق بابتسامة كوردة ندية: "أي حاجة أي حاجة." أومأ بعينيه: "ملكك واللي تؤمري بيه." نبرة شجية ذبذبت كيانها لتجيبه بصوتها الرقيق: "بس إنت ملكي من زمان."

استمع إلى الموسيقى وتوقف يغلق حلته ويبسط كفيه إليها يسحبها للرقص. حاوط خصرها ورفع يديها لتعانق رقبته، وباليد الأخرى تضعها على موضع نبضه ويتحركا على الموسيقى الهادئة. "عايزة أرقص معاك كدا للصبح." "أمم للصبح بس دا في بيتنا، علشان أعرف آخدك في حضني وأستمتع بيكي كويس."

خدّر جسدها بكلماته التي أسكرتها كالخمر الذي يغيّب العقل، فاقتربت تضع رأسها على صدره موضع نبضه وأغمضت عينيها تستمتع بنبض قلبه تحت رأسها. حاوط خصرها والسعادة ترفرف حوله كالفراشة. دقائق من الصمت وهما يتراقصان على النغمات الرومانسية. همسة ضعيفة أخرجتها من حالتها. لتعتدل يشير إليها بالتوقف: "الرقصة خلصت والأكل جه." تحركت إلى الطاولة وقلبها يتراقص بحبور من السعادة. بعد فترة من تناولهم الطعام.

"بحب الموسيقى دي ينفع نرقص عليها ولا هتقول كفاية رقصنا مرة." صمت ينظر حوله، بدأ المطعم بالهدوء، فلا يدخله سوى الطبقة الراقية. تنهيدة عميقة ليتوقف بعدها وأشار إليها بالوقوف. تحركت معه إلى ساحة الرقص وهي تتدندن كلمات الأغنية وتتراقص بهدوء. ابتسم عليها: "متجوز عيلة." رفعت حاجبها ساخرة ثم أردفت: "تعرف في الشغل مش مصدقين إنك جوزي." "يابنتي المفروض تبقي فخورة من مجرد إنك مراتي." ابتسمت تراقبه بعينيها:

"أيوة أيوة ما أنا فخورة أهو ومن كتر افتخاري طولت اتنين متر." "تريقة دي، شامم ريحة تريقة." استدار وهو يلف بها، ثم جذبها إليه مرة أخرى: "لا ياحبيبي مش تريقة هو في حد يعرف يتريق معاك، إنت أخرك ابتسامة صفرة." توقف عن الرقص، وتقدم بخطوات ثابتة، يسحب كفيها: "طيب يالا مفيش سهرة، وهعرفك الضحكة الصفرة." خطا بخطواته الواسعة يسحبها خلفه وهي تنهره محاولة الفكاك من قبضته، ولكن قبضته كانت كالأصفاد الحديدية. توقف على صوت أحدهم:

"ميرال." التفتت إلى مصدر الصوت الذكوري، ترك كفها مع اقتراب أحد الأشخاص الذي ابتسم يبسط كفه: "مصدقتش عيوني، مين ميرال لبست حجاب، لا الصراحة، صاعقة كبيرة." قالها وهو يعانق كفها وتابع حديثه: "فينك يابنتي وحشتيني زعلت لما عرفت إنك سبتي الجريدة."

استند على السيارة عاقدًا ذراعيه بعدما نسيت وجوده وبدأت تتحدث مع ذاك الشخص، مما جعله أن يتحرك إلى السيارة واستقلها عائدًا للخلف واستدار مغادرًا المكان دون التفوه بحرف. جحظت عيناها من فعلته، وعلمت أن الليلة لن تمر مرور الكرام. توقفت سيارة الحراسة أمامها. "استقلتها بصمت تام، وهي تحاول مهاتفته عدة مرات ولكنَّه لم يجب عليها." هتفت إلى السائق: "وديني للباشا."

بسيارة إلياس. نظر للطريق بغضب جحيمي، وعيناه تخرج نيران يريد أن يحرق ما يقابله. كلما تذكر اقتراب أحدهم ولمسها. لمح السيارة التي تراقبه منذ فترة، طرق على المقود وعقله يتحرك بكافة الاتجاهات، حتى غيّر مساره واتجه إلى مكتبه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...