الفصل 17 | من 52 فصل

رواية شظايا قلوب محترقة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
22
كلمة
11,254
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك." وكم تمنيت لو أن الحياة اختبرت صبري في أشياء أخرى غير قلبي. وكم تمنيت لو أن أحدهم يرى ذلك الجدال المكتوم في عيني. تمنيت طويلًا أن يكون لدي شخص كلما هزمتني الحياة أذهب إليه.

لقد ظننا أن العتاب هو الحل، ولكن خاب الظن وفهمنا مؤخرًا أن الصمت أقوى، والعين تنطق ما يعجز اللسان عن وصفه. فلا عتاب لمن استباح أذيتنا. اليوم وبعد تكرار الأذى، كتمنا كل الجراح في قلوبنا ومضينا مثقلين بما لم نستطع البوح به والتحدث عنه أمام من حولنا. المحزن في كل ما مضى أننا كنا نتباهى بهم، والآن نخفي كل خيباتنا خوفًا من شامِت أخبرناه مرارًا أنهم مختلفون.

"مش كدا ياحضرة اللوا، سرقتوا حياتنا، عيشتونا كدا، انت ومدام فريدة." توقفت فريدة تنظر إليه بعيون جاحظة، لم تشعر بعبراتها التي انسابت بقوة كالشلال. اقترب منها بعينيه الخاوية التي تشبه صقيع الشتاء. "إيه يا مدام فريدة، مالك مصدومة كدا ليه؟ ولَّا أقول يا ماما." همس بها بجوار أذنها لينتفض جسدها بشهقات مرتفعة. اقترب مصطفى محاولًا السيطرة على غضبه. "إلياس حبيبي ممكن تهدى."

تراجع مفزوعًا من لمسته وانفجر كبركان ثائر الحمم، وكأنه يترنح فوق حقل ألغامه. "أهدى، أهدى إيه يا سيادة اللوا، ليه حضرتك دوست على رجلي، ولَّا ضربتني قلم." لكم الحائط وبقدمه دفع الطاولة لتهوي متناثرة. "بيقول لي أهدى، عايز مني أهدى." اقترب منه بعيون حمراء يجز على أسنانه حتى نفرت عروقه بالكامل، ورفع كفه مكوره بعنف.

"أنا طلعت مش أنا يا حضرة اللوا، ماليش وجود، حياتي بقت على الهامش، أنا مين إيه، قولي أنا مين، ابن حضرتك ولَّا ابن الست اللي هناك دي؟ تراجع يهز رأسه ولم يستطع مقاومة طوفان العبرات التي كانت كالنيران تحرق داخله قبل وجنتيه. أزالها بعنف كارهًا ضعفه بتلك الحالة. دفع إسلام الذي توقف على باب الغرفة ينظر إليه بألم يشطر قلبه، ثم تحرك للخارج يأكل بخطاويه الأرض. وكأن أقدامه زلزال لتنشق له الأرض بسبب قوة إعصار غضبه.

مرت دقائق من الصمت المميت سوى من شهقات فريدة. طالعتهم ميرال بنظرات ضائعة جاهلة لتتساءل بتقطع. "إيه اللي حصل، هو إلياس ماله، وإيه الكلام اللي بيقوله دا أنا مش فاهمة حاجة." "إلياس طلع ابن ماما فريدة يا ميرال، مش شقيقي." غمغمت بعقل ينكر حماقة ما تفوه به إسلام. "إلياس مين ابن ماما فريدة، إلياس جوزي." قالتها وهي تشير على نفسها بحالة من التشتت. "يعني أنا متجوزة أخويا! شهقة أخرجتها تضع كفيها على أحشائها.

"يانهار أسود، أنا متجوزة أخويا." اقترب منها إسلام بعدما شعر بضياعها قائلًا بنبرة هادئة. "ميرال ممكن تهدي، متنسيش إنك حامل. إلياس بس اللي ابن ماما فريدة وإنتِ بنت عمُّه." طافت بعينيها على مصطفى وفريدة تشير إلى مصطفى. "إسلام بيقول إيه، هو اتجنن ولَّا إيه؟ اقترب مصطفى منها وحاوط أكتافها. "حبيبتي تعالي معايا، هفهمك كل حاجة." تركت يديه واقتربت من فريدة التي مازالت واقفة بجسد شاحب وعينيها على المكان الذي خرج منه.

"ماما، إيه اللي حصل وليه إلياس بيقول الكلام دا؟ شهقة خرجت ملتاعة من أعماق روحها بكم الألم الذي تشعر به. ثم فتحت ذراعيها إليها تهز رأسها لتحتضنها. اقتربت تلقي بنفسها بأحضانها لتأخذها وتتحرك بها على فراشها. ذهبت ببصرها لقميص إلياس الملقى على السرير لتجذبه وتستنشقه بدموع تنساب كالمطر. ثم احتضنته تبكي بصوت مرتفع. ضمها مصطفى إلى أحضانه. "فريدة ممكن تهدي علشان ضغطك، إحنا كنا متوقعين رد زي دا."

انحنت بجسدها تضم ميرال التي بكت قائلة. "إنتوا بتخوفوني ليه، هو إيه اللي حصل." احتضنت وجهها بين راحتيها. "ميرو قلبي عايزة أقول لك على حاجة بس مش عايزة ما تقاطعيني، وكمان سامحيني واعذريني." أومأت لها مع دموعها التي لم تستطع إيقافها. قصت لها فريدة كل ما صار منذ زواجها من راجح إلى أن تزوجت من مصطفى. دقيقة اثنتان ثلاثة ترددت بذهول.

"أنا مش بنتك، وإلياس، إلياس يكون ابنك، إيه الحكاية الهبلة دي، أكيد إنتوا مجانين، وسعوا كدا." قالتها ونهضت منتفضة فوق الفراش تردد كالذي أصابها الجنون. "قال إلياس ابنها وأنا لا، إلياس! طب إزاي. أخرجت ضحكة ساخرة تصفق بيديها. "فيلم هندي، أكيد ماما عايزة تبقى مؤلفة، لا بس تتعلم على وجع قلوبنا." توقفت عن الحديث فجأة وكأنها استوعبت ما قصته فريدة لتستدير إليها. "إنتِ عارفة إنتوا عملتوا فينا إيه." توقف مصطفى واتجه إليها.

"حبيبتي ماهي وضحت لك ليه عملت كدا." "وضحت لي! " قالتها بنبرة اعتراضية تهز كتفها قائلة. "توضيح إيه دا، طيب قولوا إزاي أستوعب اللي حصل." ثارت غاضبة. "أكيد بتهزروا، لا لا دا مش هزار، دا جنان." تأوهت بصوت مرتفع بعدما تذكرت حالته منذ أيام وحديث راجح. شعرت بنار سوداء تحرق حياتها.

"أنا بنت الراجل دا، بنت الراجل اللي بيكره جوزي، يعني إلياس وراجح وأنا قرايب. بس أنا كدا فهمت حالة إلياس يا حبيبي دا هيتجنن. دلوقتي عرفت ليه بقاله فترة مش طبيعي." تنهدت بمرارة تهز رأسها رافضة ما تستمع إليه. "لا أنا مش عايزة، أنا عايزة ميرال جمال، مش عايزة الحياة التانية حتى لو ماليش وجود، عجباني أيوه عجباني، لا حياتي فين، أنا بنت عدو جوزي، يعني كدا حياتنا انهارت، لا لا."

ظلت تصرخ بها إلى أن فقدت وعيها ولا تعلم كيف سيواجهون تلك العاصفة. بفيلا الجارحي على طاولة الطعام، كان الجميع يتناول الطعام بصمت إلى أن تحدثت ملك. "بابي مش المفروض أرسلان يجي يقضي اليوم النهاردة؟ "جاي في الطريق." قالها إسحاق وهو يتناول طعامه بصمت. "بجد يا عمو، يعني أرسو جاي." قاطعهم دلوفه ملقيًا تحية المساء. "مساء الخير." هرولت إليه كالطفلة الصغيرة وتعلقَت بعنقه. "أرسو حبيبي وحشتني." رفعها من خصرها مبتسمًا.

"حبيبة أرسو عاملة إيه." طبعت قبلة على وجنتيه. "وحشتني وزعلانة منك أوي، أسبوعين وحضرتك مبتسألش، ومش عايز تعرف أخبار أختك حبيبتك. شوفت داد نقلت جامعتي هنا خلاص ومبقتش أرجع أمريكا تاني." وصل إلى والدته. "صفية هانم وحشتيني." ابتسمت بمحبة. "عامل إيه يا حبيبي." أومأ لها قائلًا. "تمام الحمد لله." نظرت لباب الغرفة وأخرجت تنهيدة حزينة. "لسة غرام مش عايزة تيجي برضو، البنت وحشتني يا أرسلان." أومأ لها وعينيه على عمته.

"عامل إيه يا عمتو، إزيك يا تمارا؟ "أهلًا." قالتها تمارا ولم تستطع رفع عينيها إليه. قاطعت حرب النظرات والدتها. "عامل إيه يا حبيبي وحشتنا والله." جلس بجوار ملك قائلًا. "شغل، ضغط شغل والله يا عمتو." ثم التفت إلى والدته. "غرام متعرفش إنّي جاي أصلا يا ماما، لسه خارج من الشغل، وإسحاق كلمني عشان اجتماع مهم فقولت أعدي عليكي وأطمن عالسريع." أشارت للخادمة. "هاتي طبق لأرسلان يا بنتي." هز رأسه بالرفض وأردف.

"لا مش جعان، هاكل مع مراتي." نظر لوالده الصامت. "بابا عملت التحاليل اللي الدكتور طلبها ولَّا كسلت." توقف إسحاق يمسح فمه. "يالا يا أرسو عشان منتأخرش." رفعت عينيها تنظر إليه بذهول. "لسه جاي يا إسحاق، خليه لما تشرب القهوة، ما لحقتش أشبع منه." انحنى يقبل رأسها. "حبيبتي عندنا شغل مهم هخلصه وأعدي عليكي عشان عايزك في موضوع." أومأت تربت على ظهره. "هستناك يا حبيبي متتأخرش."

تحرك مغادرًا خلف إسحاق الحاضر الغائب ولم يفعل سوى نظراته الغاضبة لفاروق. وصل إلى سيارة إسحاق، استند على بابها وغمغم متسائلًا. "زعلان من فاروق ليه يا إسحاقو؟ قام بتشغيل السيارة، يشير لسيارته. "هنتأخر بطّل دلع الحكاية مش ناقصاك." استدار إلى الباب الآخر واستقل السيارة بجواره، اتجه بجسده إليه.

"من شهرين تقريبًا وإنت متغير ومش على بعضك، حاسس واحد تاني بتعامل معاه، هتفضل على طريقتك دي صدقني هزعلك مني، أنا مخنوق ومش طايق نفسي، متجيش إنت كمان تكمّل عليّا." أشعل سيجارة وتحرك بالسيارة وعينيه للخارج قائلًا. "وإيه اللي خانقك، إلياس السيوفي، ولَّا طمطم." تراجع بجسده وأغلق عينيه متألمًا. "بمسك نفسي بالعافية يا عمو، والله عايز أخنقها بس مش قادر، ليه عملوا كدا في مراتي عشان إيه؟

ظل يقود السيارة وعينيه شاردة على الطريق وأجابه. "ناوي تعمل إيه، بعد ما عرفت بالخدامة الخاينة." التفت يرمقه قائلًا. "أرسلان مش عايزك تغلط غلط وترجع تندم عليه، البنت كانت غيرانة وطبيعي حد مكانها يعمل كدا." رفع كفيه يرجع خصلاته للخلف بغضب حتى شعر أنه يقتلعها ليهمس بفحيح. "والله لأندمها وأخليها تعرف إن الله حق، غيرانة إيه الحيوانة دي." توقف إسحاق فجأة وأشار بتهديد.

"حاولت أفهمك من زمان تحط لها حدود بس إنت كنت متساهل، والبنت حبيتك بجد وحضرتك عامل من بنها، متجيش دلوقتي تعاتبها، واحدة شافت حبيبها فضل واحدة تانية أقل منها عليها، لا وكمان حامل منه، كنت منتظر منها إيه قول لي؟ كويس أنه جه على سقوط الجنين، أنا لو مكانها كنت قتلت مراتك." "والله يا عمو حضرتك اللي بتقول كدا! أجابه بقلب فاض به الألم.

"متزعلش مني يا أرسلان، بس دي الحقيقة اللي إنت بتهرب منها، من يوم ما عرفت إن تمارا بتحبك ما حاولت تفهمها أو توقفها وتعرفها حقيقة مشاعرك، ودي في الأول والآخر بنت عمَّتك، آه منكرش إنهم طمعانين فيك هي وأبوها، بس فيه حقيقة متنكرهاش البنت بتحبك بجد، وأنا حاولت أفهمك آخر حبها هيكون فيه خسائر، إنت رديت وقلت إيه."

"بطّل هزار يا عمو، ولما هو هزار، ليه كنت بتاخدها كل الحفلات وهي فرحانة بيك، إنت عارف ومتأكد هي مبتهممنيش زيك، بس محبيتش إنك تظلمها، عارف إنها غلطت وغلطها كبير." "بس هي عملت كدا من غيرتها حبيبي، اتجننت من وقت ما عرفت وده اللي فهمته من ملك، ونظرات البنت عليك، أنا مش عيل عشان أعرف البنت بتحبك ولَّا بتلعب عليك، عشان كدا بقول لك بلاش تعمل حاجة باباك يزعل منك عليها." حك ذقنه ينظر أمامه على الطريق وردد بذهن شارد.

"عشان كدا أمرت يجوا الفيلا عندنا؟ استفهام مؤلم رددة وهو ينظر بضياع. أجابه سريعًا يهز رأسه بالنفي. "لا مش عشان كدا، جوز عمتك مش موجود، وجدتك كمان، محبيتش يقعدوا لوحدهم، وأنا دايمًا بعملها لما أكون مشغول، متنساش بيت فاروق بيت العيلة، وكمان عشان تمارا تكون تحت نظري ومتحاولش تعمل حاجة في غرام، إنت بتسافر أكتر ما بتقعد في البيت." ثقلت أنفاسه، فاستدار ينظر من نافذة السيارة، ورغم برودة الجو إلا أنه يشعر بنيران تصهر صدره.

"أرسلان متزعلش مني، إنت عارف إنك أغلى من روحي، ولازم وقت الغلط أوقفك يا حبيبي عشان ما تغرقش في الظلم." استنكر حديثه وزفرة حارة أخرجها من ثقل آلام ما يشعر به، ليتراجع بجسده قائلًا. "خلاص يا عمو، مش هعمل حاجة لتمارا، بس جوزها في أقرب وقت، أنا مش قادر أتحمل ذنبها أكتر من كدا، أنا والله كنت بعاملها على أنها زي ملك، وقولت مشاعرها مشاعر مراهقة ومع الوقت هتنسى." أومأ متفهمًا وتحدث. "خلاص يا أرسو انسى."

بعد فترة من الصمت تساءل إسحاق. "إلياس السيوفي ماله؟ طالعه بنظرة مؤلمة، ولم يستطع تجاوز نغزة قلبه حينما ذكره، ليجيبه بحروف الألم الذي يشعر بها. "معرفش ماله، بس حاسس فيه مشكلة كبيرة بينه وبين والده." استمع إليه باهتمام، ليتشدق بسؤاله. "إزاي مشكلة بينه وبين والده مش فاهم وليه قولت كدا، إيه اللي يخليك تروح لعنده رغم تحذيري يبقى الموضوع كبير." ارتسمت ابتسامة ساخرة، ورغم أنها ساخرة إلا أنه شعر بمرارة الألم بها وهو يجيبه.

"قسيت أوي يا إسحاق، وأنا مستحيل أنسى قسوتك دي." رفع سبابته وتابع مستطردًا. "مش إسحاق اللي يعمل في أرسلان كدا، بس صدقني دماغي تفوق وهعرف الموضوع كله، ولو الموضوع فيه شك صدقني زعلي هيكون وحش، أرسلان مش طفل يا إسحاق عشان تعمل فيه كدا." سحب نفسًا وزفره بهدوء حينما شعر بغصة تعيق تنفسه، وهناك حرب غوغاء بداخله على منعه من إلياس، حاول تشتيته فانبثق سؤالًا من بين شفتيه. "ما قلتش إيه اللي حصل لإلياس، وبطّل كلامك الأهبل دا."

"غيرت عليك يا أخي، حسيته سحب البساط من تحت رجلي، الأول كنت بتجري عليَّا، دلوقتي حضرة الظابط واخد جزء كبير من حياة ابني." أضافها بلهجة مقنعة. "واللي زودها كمان طلب فريدة إنها تعزمكم على العشا والغدا، وووو، الصراحة اتضايقت فكان لازم أقول لك كدا." رفع حاجبه الأيمن دون النظر إليه، وأجابه بعبث. "أيوه صح، وشوية لعب برمل، ونركب مع بعض مكعبات." توقفت السيارة عند وجهتهم، فاستدار يطالعه مستفسرًا. "قصدك إيه يالا؟

فتح باب السيارة وهمهم باستخفاف. "إسحاق عيب اللي قدامك عنده تلاتين سنة، دنا منه." وهمس له. "وظابط مخابرات، عارف الكلمة ولَّا حضرتك تترجمها بعقلية إسحاق، شكل غياب دينا فسَّل العقلية الفذَّة، وحولها لعقلية سوكة العبيطة." قالها وترجل من السيارة. سبَّه إسحاق متمتمًا. "كنت عارف يا ابن فاروق مش هتسكت، طيب دا أقول له إيه." توقف فجأة متذكرًا موضوع إلياس ليترجل سريعًا مناديًا عليه. "أرسلان."

استدار متوقفًا، ينظر بساعة يده يشير إليه. "الاجتماع بدأ يا بوص." وصل إليه وتحرك بجواره. "ما قلتش إيه موضوع إلياس صح، أصل كنت عنده من كام يوم وكان طبيعي." قص له ما صار من حالته وكلماته، ليتوقف مصدومًا، ويشعر بالدوران متمتمًا بذهول. "إلياس السيوفي ممكن يكون أخوك." اقترب أرسلان يحملق بالنظر إليه. "عمو مالك، واقف كدا ليه؟ تراجع يهز رأسه بعنف. ثم أشار إلى المبنى. "ادخل وأنا جاي بعدك، هعمل تليفون."

استدار إلى المقعد الموجود بحديقة المبنى، وقام بفك ربطة عنقه ووجهه الذي تحول إلى كتلة نارية. "مش معقول، إيه دا، معقول القدر يكون كدا، لا لا مستحيل." توقف يدور حول نفسه كالذي أصابته نوبة من الجنون. "ياربي أعمل إيه في المصيبة دي، إلياس وأرسلان، إيه دا، إزاي يحصل دا! مسح على وجهه بعنف وكاد عقله أن يخرج من رأسه. لقد ذهب العقل بالكامل وهو يردد.

"مصطفى السيوفي مش هيسكت، أووف، لا لازم أتصرف، الاتنين دول لازم يبعدوا عن بعض بأي طريقة، بس إزاي." استمع إلى رنين هاتفه ليرفعه صارخًا. "عايز إيه؟ "أحلام هانم أُغمى عليها ياباشا ونقلناها بعربية الإسعاف." "تمام ساعة وأكون عندك، خلي بالك منها." قالها وأغلق الهاتف، ثم اتجه إلى هاتفه. "جبت اللي قلت لك عليه يا ابني؟ "أيوه ياباشا، التقرير على جهاز حضرتك." "قول لي المختصر."

"اسمها فريدة الرفاعي، مواليد السويس، اتجوزت واحد قريبها بس مات من زمان، وكان عندها ولدين بس اتخطفوا. اتجوزها راجح الشافعي أخو جوزها المتوفي." قص له كل شيء. كوَّر قبضته وهو يستمع إلى حديثه ليهتف بهسيس. "راجح دا عينك مش تنزل من عليه، واعرف لي ليه خطف بنته، وكان يعرف ولَّا لأ، وكمان مراقبة إلياس كل ثانية، عايز النفس اللي بيتنفسه يكون عندي، غلطة بعمرك سمعتني." قالها وأغلق الهاتف متحركًا للداخل يتمتم بينه وبين نفسه.

"كذا كل حاجة هتتكشف يا إسحاق، واللي دفنته من تلاتين سنة هيتفتح وطبول الحرب على الكل."

بكلية الطب وخاصة بتلك القاعة التي تعرف بالمشرحة، كان متوقفًا يشرح بكل دقة وعناية عن كيفية الوصول إلى سبب الوفاة. واتجه إلى جثمان وبدأ يشرح عليه بعض الأشياء من لون الجثة، ومن بعض الأعضاء التي تظهر بها إذا كان سبب الوفاة قُتل عمدًا بأنواعه. ساعتين كاملتين إلى أن أُنهكت وهو يراقبها بحذر. تراجع إلى مقعده يشير إليهم بأخذ راحة والعودة إلى قاعة المحاضرة.

بعد أقل من ثلاثين دقيقة من الراحة، جلس جميع الطلبة بأماكنهم، إلى أن توقف مرة أخرى وبدأ يكمل محاضرته مع نظراته من الحين والآخر. أخرج بعض الصور وأشار إليها على بروجكتور، وبدأ بالشرح. "Origin and insertion of muscle." الأساسيات التي من المفروض تثير الشك لدى الاكتشاف لبعض النقاط. ظل يتحول بالقاعة ويشرح بطريقته السلسة إلى أن انتهى حتى تنفست الطلبة بعمق. ظلَّت بمكانها، استدارت إليها خديجة صديقتها. "إيلي إيه هتفضلي قاعدة؟

أغمضت عينيها متألمة. "تعبانة أوي ومش قادرة أقف على رجلي." كان يجمع أشياءه، رفع بصره إلى جلوسها، فاتجه إليها. "قاعدة كدا ليه، يالا عشان أوصلك." ظلَّت بمكانها ونظراتها شاردة بنقطة وهمية، إلى أن اقترب وجلس بجوارها. نهضت خديجة محمحمة. "همشي أنا، وبدل تعبانة روحي مع الدوك." رفع نظره إلى خديجة متسائلًا. "هي تعبانة؟ أومأت سريعًا قبل ردها وتحركت مغادرة المكان. استدار إليها.

"عارف طولت النهاردة في السيكشن، وعارف الوقوف كان غلط عليكي. الأيام الجاية كل المحاضرات هتكون بالطريقة دي، ومتنسيش المواد التانية لو عايزة تأجلي." توقفت تجمع أشياءها. "مش هأجل حاجة يا آدم، ومتفكرش أنا هجيب الولد دا، أنا مش معترفة بيه أصلا." رمقته وأشارت إليه بعدما فتح فاهه للحديث. "لأنك أبوه، مش عايزاه، ولو ضغطت عليَّا أكتر من كدا صدقني همشي ومش هتعرف مكاني. فياريت تحترم خصوصياتي."

توقف بمقابلتها ونظر بعمق عينيها، رغم شعوره بالألم الذي ينخر العظام. "امشي قدامي بدل ما أشيلك قدام الجامعة." أطبق على ذراعها واقترب يهمس بجوار أذنها. "ابني يا إيلين لو حاولتِ تعملي فيه حاجة مش هرحمك، عارفة ليه؟ تقابلت النظرات القريبة بالكثير من الحديث بها العتاب والأسى والندم إلى أن جذبها من خصرها بقوة حتى أصبحت بأحضانها متمتمًا.

"ممكن أموت يا إيلين واللي في بطنك لا، الواد دا أغلى من روحي عشان إنتِ أمُّه، ومش هتهاون معاكي لو حاولتِ تقربي منه." لكمته بعنف بعدما تسللت رائحته وشعرت بضعفها بين يديه، تمنت أن تلقي نفسها بأحضان، تمنت أن تستنشق رائحته التي شعرت بانسحاب روحها من افتقادها. تحركت سريعًا من أمامه حينما خارت قواها بالكامل، انسابت عبراتها رغمًا عنها تزيلها بعنف، إلى أن وصلت إلى سيارة أجرة لتستقلها مغادرة المكان بالكامل. عند يزن:

دلف إلى غرفته تبحث عنه وجدته غارقًا بنومه، اقتربت منه وجلست بمقابلته على المقعد، ابتسمت على نومه الملائكي، تمنت لو تلمس خصلاته، ضعفت إلى أن انحنت تخلل أناملها داخل خصلاته، ظلَّت للحظات وهي تشعر بفراشات تدغدغ معدتها، أغمضت عينيها وابتسامة رائعة على ملامحها الجميلة إلى أن شعرت بتململه، فنهضت مبتعدة عنه، ابتلعت ريقها تغمغم بصوت هادئ. "يزن." كررتها عدة مرات إلى أن فتح عينيه وأغمضهما ليهب بمكانه بعدما شعر بوجودها.

"إنتِ هنا من زمان؟ هزت رأسها بالنفي تفرك كفيها ثم اقتربت منه. "عايزة أروح أشوف بابا في المستشفى وخايفة لعمو راجح." قاطعه عندما توقف يشير إلى الباب. "اجهزي وأنا هجهز وأحصَّلك." ابتسمت بعرفان قائلة. "شكرًا يا يزن، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه." توقف بعدما خطا بعض الخطوات، واستدار بنصف جسده. "معملتش حاجة للشكر، أنا اللي لازم أشكرك." خطت إلى وقوفه. "تشكرني! على إيه بقى؟

تعلقت عيناها بغابة الزيتون التي تتمتع بها عيناه وهمس دون وعي. "جيتي في وقت كنت بدأت أفقد الأمل في كل حاجة." سحب كفيها يضمهما بين راحتيه. "راحيل إحنا الاتنين بنكمّل بعض، كان لازم نكون مع بعض عشان نقوي بعض، على قد ما إنتِ محتاجاني أنا كمان محتاجك وأوي كمان." فتحت فاهها للحديث إلا أنَّه وضع أنامله على شفتيها يمنعها من الحديث.

"مش عايز أسئلة لو سمحتي، كل اللي عايزة منك عايزك تعذريني وتسامحيني لو جيت عليكي في وقت من الأوقات." قالها وتحرك سريعًا للمرحاض. بعد فترة توقفت السيارة أمام المشفى، نظرت إلى رجال راجح المنتشرين حول المشفى، ثم أشارت إليه. "دا ممكن يمنعني أشوف أبويا." ترجل من السيارة، يشير إليها بالنزول. "انزلي حبيبي وخلّي حد يقرب منك." طالعته بأعين مذهولة، هل هو نطق حبيبي، لا تعلم لما ابتسمت وخاصة حينما بسط كفه إليها، لتتشبث بها.

تحركت بجواره ليغمز بعينيه على ذراعه. "فيه عروسة برضو تمشي جنب جوزها من غير حضن." أفلتت ابتسامة وهتفت بضحكة ناعمة. "رايق أوي." "وليه ماروقش." لف ذراعه حول خصرها وتحرك بجوارها وهو يرتدي نظارته السوداء يخفي بها نظرة الغل والحقد التي تربعت بقلبه. توقف أحد رجال راجح أمامهما. "ممنوع حد يدخل هنا، دي أوامر الباشا."

حك أنفه يتجول بأنظاره بالمكان إلى أن وصلت سيارة الشرطة وتوجهت إلى وقوف يزن. ترجل جواد حازم بجهازه اللاسلكي يشير إلى الرجال الذين حاوطوا يزن وراحيل، ليشير جواد إلى قوته. "لموا العيال دي في البوكس، شكلهم عيال خارجين على القانون." ثم اتجه بنظره إلى يزن. "هتنقلوه فين؟ توسعت أعين راحيل بذهول مرددة. "إنت عايز تنقل بابا من المستشفى؟ أومأت لها وتحرك بجوار جواد حازم قائلًا.

"عندك مستشفيين ودول مفيش غيرهم تثقي فيهم، مستشفى الألفي ودي مديرها دكتور غزل الألفي ومستشفى البنداري، ودي مديرها دكتور يونس البنداري." توقف أمامها. "راحيل متثقيش في أي مخلوق مهما كانت درجة القرابة، حتى أنا متثقيش فيَّا أوي، لازم والدك يكون في إيد أمينة فهمتني؟

أومأت بعيون متلألئة. تم تجهيز سيارة إسعاف لنقل مالك العمري إلى مستشفى الألفي. دلف للداخل وهي تجاوره تسأل عن مكتب دكتور غزل الألفي، بعد قليل قابلتهم غزل، توقفوا أمامها لتحيتها معرفًا عن نفسه. "يزن السوهاجي جاي عن طريق حضرة الظابط جاسر الألفي." أشارت إليهم بالجلوس. "أهلًا يا ابني اتفضل." انتقلت بعينيها لراحيل فأشار عليها.

"أستاذة راحيل السوهاجي، باباها تعبان، جلطة أدت لتوقف أعضائه. عنده أعداء من كل حزب ولون، فكنا محتاجين الحماية، عشان كدا حضرة الظابط نصحنا نجي لحضرتك." تراجعت بجسدها ووزعت عينيها عليهما قائلة.

"اعتبريه في أمان بدل جاسر قال لك هيكون هنا في أمان فثقي يا ابنتي، أنا باجي يومين بس في الأسبوع وساعات يوم واحد، بس متخافيش الدكاترة هنا على الثقة التامة، يعني لو جيتي في يوم ومكنتش موجودة ماتخافيش، أي دكتور هنا غزل الألفي لو مش واثقة في كلامي اسألي برة عن غزل الألفي." حمحم يزن مجيبًا. "طبعًا حضرتك مش عايزة سؤال، وكمان حضرتك عن طريق المستشار راكان البنداري، يعني مستحيل يرشح حد مش واثق فيه."

"خلاص أنا هعدي على المريض، وأرشح لك أفضل الدكاترة عندنا." بعد فترة خرجت من المشفى وجدت زوجها ينتظرها بالسيارة، ترجل مبتسمًا، رفع نظارته الشمسية على خصلاته المختلطة بالشعر الأبيض. "حبيبتي اتأخرتي ليه." قالها وهو يحتضن كفيها بين راحتيه. "بقالك كتير." فتح باب السيارة، لتستقلها مع استدارته لمحل القيادة. "لسه واصل من ربع ساعة بس، حتى لو من زمان مستعد أستناكي العمر كله يا غزالي." التفتت ضحكة ناعمة. "مش هتزهق يعني يا جواد."

رفع كفيها يلثمها. "تعتقدي جواد ممكن يزهق يا غزل، إنت بس اللي مفكراني كبرت ومبقتش نافع." اقتربت تعانق ذراعه. "فشر يا حضرة اللوا مين دا اللي كبر، إنت هتفضل جواد الظابط الصغير اللي خطف عقل وقلب غزل بنت سبعتاشر سنة." قاطعهم طرقات على باب السيارة. فتحت زجاج النافذة لترتفع ضحكاتها، انحنى بجسده. "مش عيب يا سيادة اللوا توقف قدام المستشفى بفعل فاضح كدا، اتصل بالآداب." "امشي يا حيوان من هنا، إيه اللي جاب الجربوع دا هنا."

قهقهت تضع كفيها على وجنة جاسر. "بس يا جواد دا جربوع، دا عسل." سبها بداخله. "عسل أسود على دماغك ودماغه يا دكتورة، وأنا اللي ابن." ارتفعت ضحكات جاسر يشير إليه بالتحرك. "خلاص خلاص هسامحك المرة دي." أشار إليه بغضب. "الواد دا جاي هنا ليه." خرج برأسه من نافذة السيارة. "ولا روح شوف مراتك فين بدل ما أنت ماشي تلف زي العاطل كدا." قالها وقاد السيارة ليطالعه جاسر جاحظ العينين مرددًا. "أنا ولا عاطل. كله بحسابه يا حضرة اللوا."

وصل إليه يزن، استدار متسائلًا. "كله تمام." أومأ له بالإيجاب، تحرك معه للداخل قائلًا. "عشان تطمن أكتر هنحط كاميرا، ودا تصريح من راكان البنداري يعني قانوني." بفيلا الجارحي، دلف إسحاق إلى غرفة مكتبه، توقف فاروق يطالعه باستفهام. "مالك فيه إيه؟ قول لي عايزني ضروري." أشار إليه بالجلوس، فتح زر حلته وجلس يسحب نفسًا، ثم زفره بهدوء بعدما شعر بالاختناق. فرك جبينه يهز رأسه بعنف. "مصيبة يا فاروق."

تأرجحت أعين فاروق بقلق من حالته التي يراها به لأول مرة، مما جعله ينهض من فوق مقعده واتجه يجلس بجواره. "مالك فيه إيه؟ مسح وجهه بعنف يضع كفوفه بنصف وجهه، ينظر أمامه بشرود. "أرسلان." ارتفعت دقات قلبه يرمقه بطرف عينيه بنظرة زائغة، وأردف بلسان ثقيل. "ماله أرسلان، أوعى تقول لي عرف حاجة؟ هب من مكانه يدور حول نفسه بالغرفة وأنفاسه بالارتفاع.

"قريب، كل حاجة هتنكشف قريب، أنا عاجز ومش عارف أفكر، لازم تفكر معايا، إنت عارف أنا عند أرسلان أعجز ودماغي بتوقف." شعر برجفة قوية تعتصر فؤاده ليتساءل بحروف ممزوجة بالألم. "دا وعدك ليَّا يا إسحاق، فضلت تقول أنا عندي استعداد أعمل وأعمل وجاي دلوقتي تقول لي عاجز! اقترب منه وغرز عينيه بأعين أخيه. "دا قبل ما أعرف إنه ابن مرات مصطفى السيوفي، والمصيبة الأكبر إنها عرفت إنه ابنها." التقط الملف الذي كان بين يديه وألقاه إلى فاروق.

"بص شوف صورة الراجل دا وركّز فيها أوي." فتحه بأيدي مرتعشة، نظر إلى الصورة المحفوظة بداخل الملف، ثم رفع عينيه إلى أخيه. "مش فاهم حاجة، دي صورة طفل وصورة ست ورجل." ضرب على الملف بقوة أصابت عقل فاروق بالجنون حينما انبثقت أحرفه التي شعر حينها بتمزق روحه وهو يردف. "ركّز يا فاروق في صورة الراجل، الولد نسخة تانية من أبوه الحقيقي، وخد المفاجأة الكبيرة. الطفل التاني دا بيكون إلياس السيوفي." تشتت حيرة بنظرات ضائعة يهز كتفيه.

"أنا مش فاهم حاجة، مال السيوفي بأرسلان والراجل اللي في الصورة؟ ثارت جيوش غضب إسحاق وفقد السيطرة حتى أرجع خصلاته للخلف وكاد أن يقتلعها وهو يشير إلى الملف مرة وإليه مرة.

"أرسلان بيكون ابن الراجل اللي في الصورة، والطفل دا أخوه، لأنهم اتخطفوا الاتنين وطبعًا إحنا لقينا أرسلان، ومصطفى لقي إلياس، إيه يا فاروق أومال لو ما اشتغلتش مخابرات، الدماغ دي فين، ركّز ودقّق في ملامح الولد، أمُّه جات لي من شهرين ووقفت قدامي وهددتني، ورغم كدا حاولت وقطعت كل السبل اللي تقدر تثبت فيها أي حاجة تخصُّه، ومنعته عن بيت السيوفي، لكن المصيبة الولد مقدرتش عليه، الدم بيحن يا فاروق ولأول مرة أرسلان يعارضني."

عدت دقائق من الصمت المميت بالغرفة بعد إلقائه قنبلة حديثه، التي جعلت فاروق يشعر بانسحاب أنفاسه وكأن الهواء سُحب من المكان بأكمله. تراجع يفتح زر قميصه، وارتجف جسده بالكامل، هرول إسحاق إليه بكوب من الماء الموضوع على سطح المكتب. "فاروق اشرب، خد نفس." زاغت أبصاره يردف بتقطع. "متخليهم ياخدوه يا إسحاق أنا هموت لو حاولوا يبعدوه عن حضني."

ربت على كتفه وأظلمت عيناه بالأسى على أخيه، سحب بصره بعيدًا عنه وأطرق رأسه خجلًا وعينيه تحولت لجليد. "هوَّ ميعرفش حاجة، كنت بسأله عن حالة إلياس، من وقت ما مرات السيوفي جات لي وأنا بَـراقبهم كلهم، عرفت فيه مشكلة عندهم بس معرفش إيه هي، أرسلان حكى شوية كلام عن حالة إلياس، بس هو ميعرفش، ربطت الكلام مع التقرير، وجمعت الأخبار كلها، ودلوقتي أنا شاكك 99% إنُّه أخوه، منتظر التحليل، كلام إلياس اللي أرسلان قاله بيوحي بكدا."

رفع رأسه يتمتم بتقطع. "ممكن يكون مشكلة تانية ومش أخوه." هز رأسه بالنفي وأجابه.

"فاروق راجل زي إلياس، لما يوصل به الحال للتدهور دا يبقى اعرف الموضوع كبير، وتخبطُّه بالكلام، وكمان إنه يروح مستشفى هوَّ وأخوه دا مش طبيعي، أنا كلمت المستشفى عشان أعرف هو كان بيعمل إيه، وبكرة الصبح الأخبار هتكون عندي، بس أنا من خبرتي بقول لك الاتنين دول أخوات، ولو كدا يبقى إلياس مش هيسكت عشان البلاوي اللي ورا دا كله عمُّهم، ودا أخباره كلها بتقول إنه مجرم، وفيه شك كبير يكون له علاقة بمنظَّمات. أنا وراه، كان لازم أعرفك، عشان نفكر إزاي نبعد الشك عن إلياس أو."

صمت للحظات ثم تابع حديثه. "نزوّر التحليل اللي هيحاولوا يعملوه، نحاول بكل الطرق ما يوصلوش لحاجة، بس طبعًا دي هتكون مغامرة كبيرة جدًا ولو أرسلان عرف ممكن نخسره للأبد." توقف مترنحًا يشير بيديه. "لا لا.. إياك تعمل حاجة زي كدا، أنا لازم أقابل أمُّه الحقيقة." توسعت عينا إسحاق بذهول ولم يشعر بنفسه وهو يهتف. "تبقى مجنون!

مرت عدة أيام ولم يعرف مكانه، حتى شعر مصطفى بالعجز، رغم سلطته والبحث عنه، بينما فريدة التي التزمت الفراش ولسان حالها يردد اسمه. جلس بمكتبه مع أحد الضباط المقربين إليه. "مفيش مكان إلا ما دورنا فيه، مش عايزين ننزل صورته للجهاز، تليفونه مقفول وعربيته هنا." قاطعه إسلام. "طيب نشوف المستشفيات يابابا، يمكن." هب من مكانه مفزوعًا وشعر بتوقف نبضه. "متكمِّلش يا ابني الله لا يسيئك."

دار بالمكتب محاولًا أخذ نفس، استمع إلى هاتفه. رفعه وأجاب سريعًا. "إيه يا أرسلان مفيش جديد؟ أجابه قائلًا. "للأسف يا سيادة اللوا مفيش أي أخبار، لو فتح تليفونه هيكون سهل نوصل له، لكن مفيش أي أمل نمشي عليه، وكمان العربية." تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه ليجيبه بأسى وقلب محفور بحروف الألم. "تمام يا ابني، ربنا يرد الغائب."

بالأعلى بغرفتها متمددة على فراشها تحتضن نفسها بوضع الجنين، تضم قميصه لأحضانها، دلف إليها غادة تحمل طعامها، اتجهت إلى فراشها بعدما وضعت الطعام على الطاولة. "ميرال." قومي حبيبتي عشان تاكلي، بقالك يومين ما أكلتيش، حرام عليكي متنسيش إنك حامل. قاطعهم طرقات على باب الغرفة، دلف رؤى تطالع ميرال بعيون حزينة، كأنها جثة على فراش الوداع. "مفيش جديد يا غادة." هزت رأسها بالرفض وترقرق عيناها بالدموع.

"مفيش بابا بيحاول يوصل له، أنا خايفة على ماما فريدة." نهضت ميرال من مكانها بعدما استمعت إلى حديث غادة، تحركت بخطوات واهنة تستند على الجدار بأقدام حافية، دفعت الباب ودلفت للداخل، وجدتها تغفو وبكفها إبرة مغروزة، يبدو أنها مهدئ أو مغذي، لم تكترث لذلك اتجهت إليها وجلست بجوارها على الفراش، مع متابعة غادة ورؤى إليها، توقفتا على باب الغرفة يطالعونها بعيون ينبثق منها الحزن. مسحت على خصلات فريدة. "ماما."

كررتها عدة مرات لتفتح فريدة عينيها بوهن، دقيقة تطالعها بعيون تحمل من الألم ما ينشق له الصدر، اختلج صدرها بقبضة كادت أن تزهق روحها، كيف تلومها على ما فعلته بهما، وهي تحمل من الغصص ما لا يتحمله أحد. انسابت دموعها كغزارة المطر تشهق بصوتها الباكي. "أنا عايزة جوزي يا ماما، ليه عملتوا فينا كدا، قلبي وجعني ومش قادرة أتنفس." كانت دموعها تنصهر على خديها من حديث ميرال المؤذي لروحها، هل اقتص ربها بما فعلته بالماضي؟

ظلَّت عيناها متعلقة بأعين ميرال التي ارتجف جسدها وهي تحتضن أحشاءها. "عايزاه يرجع يا ماما وهاخده ونهاجر من هنا خلاص مبقاش ينفع نقعد هنا، خلي عمو مصطفى يرجع لي جوزي لو سمحتي، هسامحك والله." أزالت عبراتها تهز رأسها مقتربة من فريدة تحتضن كفيها ثم انحنت عليهما تقبلهما. "أبوس على إيدك مش قادرة أتنفس يا ماما." رفعت كفيها على رأسها وأردفت بتقطع. "هيرجع حبيبتي، أنا متأكدة إنه هيرجع، مش هيقدر يبعد كتير."

عند إلياس قبل عدة أيام، بعد حديثه مع فريدة، خرج من المنزل سيرًا على الأقدام. حاول حرسه أن يتابع سيره ولكنَّه رفض، ظل يتمشى بالشوارع دون هدى، اختلى بنفسه مثل الطفل التائه، جلس أمام النيل ينظر إليه بدموع تخط على وجنتيه، كالفتاة التي فقدت والديها وهي بعمر العاشرة، ظل لبعض الوقت ومازالت دموعه تنساب بصمت، انهارت حصونه، وهو يتذكر ذكريات طفولته، هنا شعر بخناجر تغرز بصدره. آه.

خرجت بقيح جروحه، ومازالت ملامحه لوحة من الألم والحزن. ابتسامة حزينة يهمس لنفسه بحروف الألم. "حياتي ضاعت، بقيت مهشم، ماليش وجود، لا حصَّلت إلياس السيوفي ولا حصَّلت يوسف الشافعي. إنت مهشم يا إلياس مالكش وجود، تحمل ماضي مشوه وبقايا لحياتك اللي مش عارف هتكون إزاي، إنت ضعت، لا إنت مت، موتوك وإنت عايش." آه. صرخة توغلت صدره يحرك كفه عليه عله يزيل كم الألم الذي يشعر به.

دقائق بل ساعات مرت وهو مازال جالسًا ينظر بشرود للنيل. قاطعه رنين هاتفه، عينًا ممزوجة بالدموع والوجع العميق، يمرر أنامله على صورتها التي أنارت شاشة هاتفه. قلبه يحنو إليها ويتعاطف لنبضها باسمه، ولكن عقله وآه من عقله وتخبطه، ليجعل شيطانه يتلون به، ولكن كيف للعقل أن يتغلب على القلب وهو الذي لا يشعر بالحياة إلا بقربها، رغم قساوته معها، إلا أنه يتنفس عشقها. رفع الهاتف وأجاب. "أيوة."

استمع إلى شهقاتها التي شقت صدره، ناهيك عن دموعها التي شعر وكأنها شظايا تشحذ جلد صدره. "إلياس. إلياس." كررتها عدة مرات مع بكائها المستمر. "قول إننا في كابوس مستحيل اللي سمعته دا، إلياس قول لي إنك بتحلمي وهتفيقي منه، ماما فريدة مستحيل تعمل فينا كدا، مستحيل، أنا بنتها يا إلياس، أنا بنتها." كررتها ببكاء صارخة حتى انهارت حصونه بالكامل. لتصرخ.

"مستحيل أكون بنت الراجل دا، إنت سامعني، أنا ماليش ذنب يا إلياس أنا معرفوش، لا أنا مش هيَّ لا أنا بنت مدام فريدة صح كدا، مش إنت كنت بتقول لي كدا." صرخت به. "إنت ساكت ليه، أوعى تقول لي إنك مصدق، أنا موافقة تقول لي يا بنت مدام فريدة بس متقول لييش بنت الراجل دا." صرخة بآهة عالية خرجت من جوف شعورها بكم الألم وكأن عظام صدرها تنصهر.

"حياتنا كدا خلاص، يعني إحنا مابقاش ننفع نكمل مع بعض، أنا بنت الراجل اللي سرق حياتك، وإنت ابن الست اللي سرقت حياتي." توقفت تدور بالغرفة بترنح كشجرة مكسورة الأغصان تدفعها الرياح لتهوي على الأرضية وترتفع شهقاتها. "إنت فين حبيبي ارجع لي لو سمحت، إلياس إنت فين." ظلَّت تردِّد اسمه بلسان ثقيل إلى أن أغلقت الهاتف.

هنا شعر وكأن أحدهم ألقاه بضربة موجعة قسمت ظهره لنصفين، وهشمت عموده الفقري ليشعر بالعجز وعدم القدرة على النهوض. حديثها كصاعقة أصابت قلبه الممزق، أمسك هاتفه وظل يقلب به إلى أن تذكر مقابلته لإسراء. "نعم ياباشا، والله ما عملت حاجة." أشار إليها بالجلوس يستدعي ساعي مكتبه. "اعملي قهوة والمدام ليمونادا." "تحت أمرك ياباشا."

أخرج سيجارته وأشعلها وعينيه تحاصر جلوسها، ابتلعت ريقها خوفًا من نظراته، ورغم هدوئه إلا أن تلك النظرات المميتة جعلت قلبها يسقط بين أقدامها، نفث رماد سيجارته وعينيه على تحرك أعضاء جسدها، ظلَّت تفرك بكفيها مبتعدة عن نظراته الافتراسية، وصل الساعي بالقهوة، أشار إليه. "ادي المدام ليمونادا." هزت رأسها رافضة ثم أردفت بتقطع. "شكرًا ياباشا، أنا عندي بنت زمانها على وصول من الجامعة وهتقلق عليَّا لو."

قاطعه متوقفًا ثم اقترب وجلس بالمقعد الذي يقابلها ثم دنا بجسده للأمام هامسًا بسؤال. "فريدة الشافعي فكراها." توسعت عيناها بذهول، تهز رأسها مرة بالرفض ومرة بالإيجاب. زفر بغضب وصاح قائلًا. "وبعدين معاكي، جاوبي آه ولَّا لأ؟ "أيوه ياباشا، فريدة كانت جارة وصديقة، بس انقطعت أخبارها بعد جوازي، آخر مرة شفتها فيها بعد جوازها من أخو جوزها بكام شهر." صمتت للحظات تلتفت حولها.

"حضرتك عايز منها إيه، أنا ماليش دعوة، أنا ست على باب الله ماليش غير بنتي وابني." أشار بإصبعه أن تصمت. "ردي على قد السؤال وبس، وعايز الصدق، هتكذبي." هزت رأسها سريعًا بالنفي. "هو كل شوية حد يجي يسألني عليها ليه، والله ما أعرف مكانها ولا أعرف إنها عايشة ولَّا لأ." قبضة قوية اعتصرت فؤاده متسائلًا بخفوت. "احكي لي تعرفي عنها إيه، ووعد مني مش هعمل لك حاجة." قصت له كل شيء من موت جمال إلى زواجها ومعاناتها مع راجح.

انحبست أنفاسه بصدره، ولم يشعر سوى بالألم الحاد الذي تسلل إلى جسده بالكامل ليرفع كفه وبأنامله المرتعشة محاولًا فتح زر قميصه، بعدما أشار للعسكري قائلًا بصوت متقطع. "رجعوها مكان ما جبتوها." خرجت وعيناها عليه إلى أن توقفت على باب مكتبه.

"يمكن تموتوني بس راجح دا شيطان وربنا ينتقم منه، أنا مش خايفة منه ولا منك، الراجل اللي يذل ست يبقى مش راجل، واطي راجح وبدل ما يلملم ولاد أخوه ضيعهم هو والزبالة مراته، ولو حضرتك عايز توصل لفريدة عشان تكمل انتقامك منها بأوامره أنا معرفش وحتى لو أعرف مش هقول لك، الرب واحد والعمر واحد يا ابني، شكلك ابن حلال وربنا منحك وظيفة عشان تدافع عن حق المظلوم متعملش زي أهل البلد اللي رموها بالباطل، فريدة أشرف ست، كانت أم وأخت وجارة، والناس اللي خافت من راجح زمان بسبب جبروته روح شوف حالتهم إزاي، ربنا عمره ما يسكت على الظالم بيسلطه على نفسه، ربنا يكفينا شركم يا ابني.. ربنا يكفينا شركم."

قالتها وتحركت للخارج تدعو عليهم ليخترق صوت دعائها أذنيه وهي تبوح بمرارة. "ربنا على الظالم والمفترى، ربنا على الظالم والمفترى." خرج من شروده على رنين هاتفه مرة أخرى، أغلقه واعتدل ينهض بتخبط يشير إلى سيارة أجرة، استقل السيارة قائلًا. "وديني السويس."

بعد فترة وصل إلى الحي الذي كان يسكنه والديه، نزل من السيارة ينظر حوله بضياع. تحرك إلى عدة أماكن يتفحصها وجلس مع بعض الأشخاص الذين بعمر فريدة أو أكبر منها بسنوات معدودة، ظل يتنقل هنا وهناك إلى أن جلس أمام البحر ينظر إليه بضياع. مر يومين وهو بالسويس إلى أن خطر في ذهنه الذهاب إلى قبر والده، تحرك يبحث عن المقابر. سأل المسؤول عن المقابر. "لو سمحت فين مقابر عيلة الشافعي هنا؟

دله الرجل على مكان قبر والده، سحب قدمه بصعوبة يتحرك بتثاقل يحمل على ظهره الكثير من الألم الذي علمه بما أخبره به البعض، وصل إلى المقبرة، ينظر إليها بتوهان. هل هنا دُفن والده، هل هنا دُفنت ذكريات حياته، فيوم وفاة والده هو يوم دفنه حيًا. ظل لدقائق معدودة ينظر إلى القبر بعيون خاوية، لقد جفت دموعه من كثرة بكائها، كم صعب أن أخبرك عن ما أشعر به، هنا كتبت عليه حياة الضياع، هنا دُفنت أحلامه وهويته، ليته ظل لبعض السنوات كي

يعلمه كيف يكون الحضن الحامي. هل ما شعر به بأحضان مصطفى كانت سراب. هوى أمام القبر بركبتيه عندما تلاشت ساقيه وأصبحت هلاميتين. بسط كفيه بارتجاف على قبر والده، ظل يمرر يديه على المقبرة يعاني من قيح نزيفه الداخلي. لم يشعر بنفسه وهو يستند برأسه عليها وتساقط الدم مرة أخرى يتمتم بخفوت.

"با... با." أخرجها بثقل وتقطع، شهقة من جوفه يغمض عينيه. "موتنا من بعدك يا بابا، شوفت الراجل اللي المفروض يكون حمانا ويكون أبونا التاني عمل إيه، هو للدرجة دي الدنيا بقت وحشة، هو ممكن عم يعمل في ولاد أخوه كدا." بكاء حارق وصرخات يتبعها لكمة بالأرض، وكأنه يزيح الألم الذي غزا حياته، ليجعله ميتًا وهو على قيد الحياة من غدر بلا شفقة من الأقربون إليه.

"ليييييه، ليه كل الغل والحقد دا، إيه اللي حصل يوصل العم يقتل ولاد أخوه وهمَّا على وش الدنيا، ياريتك أخدتنا معاك يا بابا، على الأقل كان هيكون لينا شهادة وفاة واحدة، حرمونا منك وحرموك منا، أنا ضايع يا بابا، هويتي فين، مقسوم نصين لا عارف أكون يوسف ولا عارف أكون إلياس، وأخويا اللي معرفش عنُّه حاجة." ياترى عايش ولَّا لأ، ياترى حياته إزاي؟

ظل لعدة ساعات لم يشعر بالوقت الذي مر عليه وهو جالس بتلك الحالة إلى أن استمع إلى صوت مصطفى. "كذا يا إلياس باباك هان عليك تعمل فيَّا كدا." "بابا." قالها متوقفًا بمقابلته بجسد واهن، ضمه مصطفى لأحضانه بقوة وكأنه سيذهب ويتركه. "حبيب بابا، ينفع تعمل فيَّا كدا يا ابني، طفل إنت عشان تتوِّهني وراك." "آسف." أخرجها بصوت خافت، وعيون تلمع بالانكسار، ضم وجهه يفركه بكفيه. "فين إلياس مين اللي واقف قدامي دا."

قالها وهو يطوف بنظراته عليه، وهاتفه بنبرة منكسرة. "فين إلياس ابني، إنت مستحيل تكون ابني." ابتعد عن محاوطة كفيه ورفع عينيه الجريحتين بمياه الألم قائلًا. "لسة مصر تقول ابنك يا سيادة اللوا، مش كفاية سرقك لهويتي." شعر مصطفى بالذنب من ضعفه وانكسار روحه، ليقترب يحاوط أكتافه. "تعال حبيبي مراتك بتموت وأمك كمان بلاش تعمل كدا لو سمحت يا ابني، افتكر لي حاجة كويسة."

لم يستطع كبح هياج مشاعره بذكره لأغلى اثنين على قلبه، شعر بالخوف والقلق ليجذبه من ذراعه يتحرك به عائدًا إلى القاهرة. وصل إلى فيلا السيوفي، كانت تغفو كعادتها تحتضن نفسها، دلف للداخل وعينيه تتعمق بملامحها التي اشتاقها حد الجحيم، خطا خطوة إلا أن أحدهم دفع الباب يصيح باسمه. "إلياس." قالتها فريدة وهي تهرول تضمُّه بأحضانها وتبكي بصوت مرتفع. "كدا يا إلياس، هان عليك يابني."

هبت من نومها بعدما استمعت إلى بكاء فريدة، لتعتدل فوق الفراش تتابعه بعينين جريحتين من كثرة الحزن، تقابلت النظرات بينهما في عتاب طويل، جذب مصطفى فريدة قائلًا. "سبيه حبيبتي خليه ياخد شاور ويرتاح شوية." ربت على كتفه. "حبيبي خد شاور هنستناك نتعشى كلنا مع بعض، أخواتك قافلين على نفسهم وزعلانين، بترجاك يا ابني بلاش توجع قلبي عليك، أنا مش هسمح لك تتكسر كدا، أنا ربيت راجل أسد ومش هتنازل عن كدا."

كانت عيناه عليها وكأنه لم يستمع إلى حديث مصطفى الذي سحب فريدة وتحرك يغلق الباب خلفه بهدوء. جلس على المقعد يحتوي رأسه بين راحتيه، ظلَّت تتابعه بصمت إلى أن توقفت مترنحةً وبجسدٍ مرتعشٍ همست اسمه بتقطع. "كنت فين، نسيت إنك سايب واحدة حامل وراك." نزل بعينيه على بطنها ثم نهض من مكانه واتجه إلى الحمام دون حديث.

انسابت عبراتها على حياتهما التي انهارت وأصبحت شظايا، خرج بعد قليل يلف نفسه بمنشفة، اقتربت منه تضع كفيها على كتفه العاري، تراجع كالملسوع يشير إليها. "ماتلمسنيش ولا تقربي مني." دلف لداخل غرفة ثيابه وخرج بعد دقائق، متجهًا إلى غرفته، هرولت خلفه تتشبث بكفه. "رايح فين يا إلياس." نزع كفه ورفع عينيه إليها. "مش عايز أكرهك، لو سمحتي ابعدي عني، متخليش غضبي يحرقك بذنب أبوكي."

دنت منه تضم وجهه بين راحتيها، وعيناها التي تكونت بها خط من الدموع، ناهيك عن ذبولها قائلة. "إنت اللي متقولش كدا عشان مكرهكش يا إلياس، مش بكفيك يا حضرة الظابط، أنا بنت قلبك يا ابن السيوفي." رفعت نفسها وطبعت قبلة على خاصته تضع رأسها بحناياه، تحاول أن تفيق من أسوأ كوابيسها وخرج صوتها متقطع. "إحنا قدرنا واحد، لا إنت مسموح لك تبعد وأنا مسموح لي أبعد عنك." رفعت عينيها المتلألئة بنيران الألم.

"أنا اسمي ميرال جمال الدين، اللي هي مرات إلياس السيوفي، ماليش دعوة باللي اتقال." تراجع بعيدًا وغادر المكان وهو يردد. "أبوكي هقتله يا ميرال، سمعتيني موته هيكون على إيدي، بس مش هموته موت عادي، ياريتك تنسحبي من حياتي." قالها وتحرك يغلق الباب خلفه دون أن ينظر إليها، لتهوي على الأرض تبكي بشهقات وهي تحاوط بطنها. مر يومين وهو حاليًا نفسه بغرفته لم يختلط بأحد.

دلف مصطفى إليه وقلبه يتمزق على حالته، اقترب منه وجده جالسًا بالأرضية وحوله صور مراحله منذ الطفولة، ربت على كتفه. "إلياس." رفع رأسه وليته لم يرفعها، هل هذا إلياس السيوفي، ابتلع آلامه وهتف بتقطع. "حبيبي قاعد كدا ليه، قوم يا إلياس. مينفعش اللي بتعمله في نفسك دا، إنت كدا بتموت نفسك يا ابني." ابتسم بسخرية يهز رأسه بجمود. "إلياس ابنك! طيب إزاي، إيه دا يا سيادة اللوا العظيم الموقر صاحب الأخلاق لسه مصر إنِّي إلياس."

ارتفعت ضحكاته وتمدد على الأرض كالذي فقد عقله. "تلاتين سنة وأنا عايش في كدبة، أب غير الأب وأم غير الأم." أم اعتدل ينظر إلى مصطفى. "هو أنا بحلم." هز رأسه يتجول بنظراته. "أيوه أنا بحلم، أيوه بحلم مستحيل دا يكون حقيقي، دا مش حلم دا كابوس. مراتي تطلع بنت أسوأ راجل، وكمان حامل بابني." نظر للخارج. "ابني، ياترى هختار ابني ولَّا أختار أبويا وسيرته، ولَّا أمي. آه وأمي تطلع أكتر شخص كرهته." نظر لأعين مصطفى.

"تفتكر دا عدل يا مصطفى باشا؟ "إلياس فوق بقى، مكنتش أعرف إنك ضعيف كدا." انحنى بجسده إلى مصطفى. "إلياس مين يا باشا، حضرتك مش واخد بالك، إلياس بح بح يا مصطفى باشا." حاوطه وحاول أن يهدئ من روعه. "حبيبي اسمعني، أنا مكنش قصدي أدمَّرك زي ما بتقول، ولا قصدي أسرق حياتك."

"عارف مكنش قصدك، وكمان عارف اللي أخد أخويا برضو مكنش قصده، بس ياترى هيكون عايش ولَّا لأ، تعرف خايف أخويا التاني يطلع مجرم، ولو ربنا بيكرهني أكتر أكون دمرت حياته من اللي حكمت عليهم وأنا معرفش، صح يا بابا." توقف عن الحديث واتجه بنظره إليه. "بابا إزاي وإنت مش أبويا، يعني أمي مش أمي وأبويا مش أبويا، ولا إلياس طلع إلياس." توقف بجسد متخبط لم يستطع الثبات، ترنح كالمخمور يردد. "إلياس طلع مش إلياس."

"حياة كلها كدبة، وأمي طلعت مش أمي. إنت مش أبويا. وأنا مش أنا." "إلياس السيوفي طلع وهم لا، طلع كدبة." ظل يرددها وهو يغادر الغرفة. وصلت إليه ميرال. "هتسيبه كدا، لازم تتصرف يا عمو، أنا خايفة عليه دا ممكن يعمل حاجة في نفسه." أحس وكأن أحدهم طعنه بمنتصف ظهره ليشعر بعدم قدرته على الحركة، وانسابت عبراته. "حاولت ومش عارف، مش مهم اللي بيعمله المهم يفضل في البيت ومرجعش أدور عليه تاني."

يوم آخر محمَّل بالأحزان التي شطرت القلوب، نهضت من نومها باكية بصوت مرتفع، لقد اشتاقت إليه حد الجنون، اشتاقت لضحكاته إلى همساته حتى إلى صوته البارد.

نهضت بعدما شعرت بالحزن فكلما تذكرت حالته تشعر بآلام تفوق قدرتها، نهضت متسللة وقامت بتبديل ثيابها لمنامة سوداء اللون، ثم جذبت روبها وارتدته، بعدما أنهت زينتها، وتحركت للخارج متجهة إلى غرفته، بعدما قام بتبديل الغرف. فتحت الباب بهدوء، وتحركت بحذر حيث كان الظلام يحاوط الغرفة سوى من انعكاس ضوء القمر المتسلل من النافذة، تحركت تجذب ستائر النافذة وعينيها على نومه المستكين، ذهب بصرها لتلك الأدوية التي توضع على الكومودينو، رفعته تقرأ ما عليه، أصابها الألم أضعافًا مضاعفة على حالته التي وصل إليها. قامت بنزع روبها وتمددت بجواره تندثر داخل أحضانه، شعر بها ولكن ثقل رأسه جعله لم يحرك ساكنًا، مرت أناملها على وجهه تهمس له.

"دقنك طولت يا إلياس، رغم مبحبهاش كدا بس بكلتا الأحوال بحبك بكل حالاتك." فتح عينيه بتملل وكأنها تراود أحلامه، شعر بملمس أناملها على وجهه ابتسم قائلًا. "أكيد مش بحلم صح." دفنت نفسها بأحضان وردفت بخفوت. "لا مش حلم أنا هنا." أغمض عينيه مرة أخرى مبتسمًا، رفعت رأسها تهمس اسمه. "عايزة أقول لك خبر حلو، بس لازم تفوق مستحيل أقول لك وإنت كدا." رفع ذراعيه يشدد على احتضانها. "مفيش أجمل من إنك تكوني جوَّا حضني."

لمعت عيناها بالسعادة من كلماته حتى فرت دمعة بطرف جفنيها رغمًا عنها لتصل لشهقة، فتح عينيه ولكنَّه غير مسيطر على حالته، دنا برأسه من وجهها. "أنا كويس، المهم إنك كويسة." لمست وجنتيه واحتضنت عينيه. "حبيبي أنا هجب لك ولد، عرفت نوع الجنين، ربنا بيعوِّض أهو، شوفت حب يربط على قلبك فرزقك بمولود." قالتها وهي تضع كفيه على أحشائها. "هنا فيه قطعة منك."

نظرات فقط يطالعها بارتفاع أنفاسه، حتى شعر بقبضة تعتصر فؤاده ليعتدل على فراشه بجسد مترنح. "مش عايزة، الحمل دا لازم ينزل." قالها وتوقف كالمخمور يترنح يردد. "لا مش هقدر أكون أب، لازم ينزل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...