دخل بخطوات بطيئة مترددة للعيادة، يخشى أن يصل إليها ويضطر لابعادها عن أحضانه. يضطر لفقدان ذلك الدفء الذي يحيط قلبه. تحرك هادي خلف الممرضة التي أتت له سريعا ترشده لغرفة جوار مكتب الطبيب، بها فراش صغير يشبه ذلك الذي في المستشفى، مع كلمة بسيطة وبسمة بشوشة مطمئنة: _ثواني والدكتور يكون موجود. انهت حديثها لتخرج بهدوء، تاركة خلفها هذا الثنائي الغريب بنظرات اغرب.
فشيماء كانت ترمق هادي بنظرات تبدو وكأنها تصادف وجهه للمرة الأولى، بينما هادي كان لا ينظر إليها، يخشى أن تفضحه نظراته كما فعلت خفقات قلبه قبل قليل. لذا كان يدعي شروده بعيدًا عنها، وفي الحقيقة هذا سهل الأمر على شيماء لتتفحصه أكثر، محاولة تبين أي علامة تدل على إدمانه. هالات سوداء، أي نحافة زائدة، أو أي شيء يثبت إدمانه كما علمت. لكن لا شيء هو كما يبدو عادة، بجسد قوي شامخ، وجه غير ذابل، وعيون طبيعية.
قاطع هذا الهدوء المريب والمرهق للأعصاب دخول الطبيب، تتبعه الممرضة، وهو ينظر لشادي ببسمة، فهو جاره في نفس العمارة: _أستاذ هادي، أهلاً بك. نظر له هادي ببسمة بسيطة وهو يرحب به. استدار الطبيب جهة شيماء واقترب منها وأخذ يفحص قدمها، تحت تأوهاتها التي تحاول كتمها، لكن يبدو أن دموعها كانت متمردة، لذا لم تستطع منعها أبداً. كم آلمه قلبه لرؤية تلك الدموع، لذا سريعا خرج من الغرفة وهو يتحجج أنه سيجري مكالمة لرشدي.
خرج من الغرفة تاركاً الطبيب مع الممرضة وشيماء، ثم أخرج هاتفه وهو يحاول تهدئة نفسه، وأجرى اتصالاً برشدي الذي صرخ برعب وهو يخبره أنه سيأتي سريعاً. لتمر دقائق تقريباً ويجد رشدي يقتحم المكان بعنف، وكأنه في إحدى غاراته على وكر عصابات، صارخاً: _شيماء، حصلها إيه يا هادي؟ أشار له هادي أن يهدأ وهو يحاول التحدث والابتعاد عن تلك الحالة التي تلبسته بمجرد قربها منه:
_اهدى، هي كويسة. الدكتور قال مجرد التواء مش أكتر، وهو بيرده جوا. وكمان شوية خدوش في رجليها هتتعالج مع الوقت. لو كان يظن أن كلماته تلك هدأت من روع رشدي، فهو مخطئ، حيث أخذ رشدي يتحدث بجنون وهو يسب ذلك الذي أذى صغيرته اللطيفة. يبدو الأمر كأب تأذت ابنته.
خرج الطبيب من الغرفة بعد صرخات عالية من شيماء، كاد رشدي يدخل على إثرها للغرفة ليجعلها حطاماً، لكن هادي منعه وأخبره أن هذا طبيعي لأن الطبيب يقوم برد قدمها مجدداً في وضعها الطبيعي لعلاج الالتواء. _الحمد لله، الآنسة كويسة وزي ما بلغت الأستاذ هادي، مفيش أي خطر. أنا هكتبلها على مسكنات ومراهم للجروح. هتحاول بس تتفادى أنها تمشي أو تضغط على رجليها لفترة دي. ألف سلامة عليها.
أنهى الطبيب الحديث ببسمة عملية هادئة، ثم تحرك جهة مكتبه ليستكمل عمله الذي تركه لأجل تلك الحالة الطارئة. بينما ركض رشدي للغرفة سريعاً وهو يرى صغيرته تتسطح بوجه متألم، ويلتف حول قدمها رباط أبيض كبير. تقدم منها سريعاً وهو يقبل جبينها بحنان شديد، هامساً باسمها بلطف: _شيماء. فتحت شيماء عينها ونظرت لرشدي ببسمة متوجعة وهي تقول بهدوء: _أنا كويسة يا رشدي والله، هو بس رجلي اتلوت، متخافش.
نهض رشدي بهدوء وحملها ببطء شديد، يخشى أن يؤلم قدمها. لتلف هي يدها حول رقبته، لا تخشى شيئاً ولا تخجل كما حدث مع هادي منذ قليل، فهذا رشدي الذي حملها في حياتها أكثر مما كان يتنفس، لذا لا ضير من إغماد عينها والسكون قليلاً لكتفه الذي طالما استقبل دموعها. خرج رشدي وهو يحمل شيماء بحنان، ثم نظر لصديقه بامتنان شديد، وكاد يتحدث لولا هادي الذي قاطعه وهو يلقي نظرة سريعة على ملاكه الصغير، فقط ليطمئن قلبه لا أكثر.
_خد شيماء أنت، وأنا هجيب العلاج وأحصلكم. ابتسم له رشدي وهو يهز رأسه، ثم تحرك بهدوء جهة الخارج، بينما تحرك هادي صوب الشخص الذي يسجل الأسماء وقام بدفع الأموال له، ثم انتظر في الخارج حتى أحضرت له الممرضة الورقة المدون بها أسماء الأدوية وذهب ليحضرها سريعاً بعد أن مر على مكتبه وتأكد أن لا أحد في انتظاره، ثم أبلغ مساعده أن يهتم بالشؤون هنا حتى يعود، وهو لن يتأخر. وسريعاً اتجه لإحضار الأدوية لصغيرته. ماسة؟
ابتسمت لها ماسة وهي تدخل للشقة وخلفها والدتها وماجد أخاها الذي يحمل هاتفه طوال الوقت لا ينزع عينه عليه. _مفاجأة مش كده؟ ابتسمت أسماء بشدة وهي تهز رأسها بتأكيد، ثم اتجهت لهم تعانقهما بحب شديد، وكيف لا وهي لا تملك في هذه الحياة سواهما بعد عائلتها، ولا تملك أغلى منهما بعد عائلتها. وهذه الشقية ماسة التي لا تنفك تخرجها عن هدوئها، تعدها بمثابة ابنة لم تنجبها. لذا قالت بحب شديد:
_مفاجأة قمر يا روحي. بس مش قولتم هتكونوا هنا بكرة؟ ابتسمت سحر مشيرة لابنتها بغيظ شديد: _المفروض فعلاً على أساس العربية بتاعة المرحوم هتخلص تصليح بكرة، بس أقول إيه على بنتي. راحت وقفت فوق دماغ الميكانيكي لغاية ما خلصها وجات وراسها ألف سيف تيجي انهاردة وتعمل مفاجأة. ابتسمت لها أسماء بحب: _جدعة يابت يا ماسة، كويس إنك عملتي كده. ألا فين الواد ماجد؟
أشارت ماسة بضيق لأخيها الذي سارع باحتلال الأريكة وهو ما يزال ينظر في هاتفه الذي يصدر أصوات طلقات نارية وأسلحة وكأنه في حرب. _اهو متنيل بيلعب. ضحكت أسماء وهي تتجه له ساحبة إياه لتضمه بعنف، مربتة على ظهره بحب. ليخرج هو يده من خلف ظهرها ويكمل لعب وهو يقول: _إيه يا خالتي، هخسر كده. اصبري. زجرته سحر بعنف على وقاحته، لتضحك أسماء، فهي لا تغضب أبداً من ذلك المشاكس الصغير.
فهو تربى برفقتها حينما توفي والده فجأة وتعرضت أختها لمصاعب كثيرة هي وابنتها، لذا أخذت هي الصغير وربته رفقة أولادها حتى كتب الله لأختها الاستقرار وجاءت لتأخذه مجدداً. _إيه يا سحر، براحة على الواد. العب راحتك يا قلبي. أنهت أسماء حديثها وهي تمسك يد أختها بحماس شديد، مشيرة لماسة ببسمة:
_أنا هاخد أمك يا ماسة نجهز أكلة حلوة كده لينا كلنا، وكمان أتكلم معاها لاحسن وحشتني. وأنتِ خدي راحتك، البيت بيتك، مفيش حد هنا. وشيماء خرجت تجيب طلبات وزمانها جاية، مش عارفة اتأخرت ليه؟ أنهت حديثها وهي تسحب أختها للمطبخ، مقررة الاتصال بابنتها لتطمئن. ولكن بمجرد اتصالها صدر صوت هاتف من غرفة شيماء. لتتحدث ماسة بصوت عالٍ وهي تتجه لإحدى الغرف: _التليفون بتاع شيماء هنا يا خالتي.
أنهت حديثها وهي تفتح الخزانة في تلك الغرفة، ثم نظرت لها بنظرات مفكرة. وسريعاً مدت يدها وسحبت بعض الثياب المريحة وتحركت خارج الغرفة لغرفتها هي ووالدتها لتبدل ثيابها بتلك التي أخذتها منذ قليل. فللحق هي متعبة لدرجة عدم قدرتها على إفراغ الحقائب والبحث فيها عما يناسب المنزل. لذا لا ضير في استعارة بعض الثياب. أثناء تبديل ثيابها سمعت صوت الباب الخارجي يفتح ثم يغلق مجدداً.
لتسرع في ارتداء الثياب ببسمة وهي تنطلق من غرفتها لرؤية ابنة خالتها الصغيرة ببسمة واسعة. بينما في الخارج تحرك رشدي بأخته التي غفت على يده من كثرة البكاء. كعادتها عندما تبكي كثيراً. لذا تحرك نحو غرفتها بهدوء ووضعها في فراشها وقبل جبينها بحنان شديد، ثم استدار ليخرج وهو ما يزال ينظر إليها.
أغلق الباب ببطء وحرص، ثم استدار وما كاد يعتدل في وقفته حتى وجد شخصاً يصرخ في وجهه وهو يهجم عليه بالأحضان، ليفزع ويعود للخلف كردة فعل طبيعية صارخاً برعب. بينما ماسة كانت تنتظر أمام الباب، وحينما وجدته يُفتح لم تمنح نفسها حتى الفرصة لرؤية من خرج، وسرعان ما هجمت عليه تحتضنه بعنف. ليعود ذلك الشخص للخلف، والذي تقسم أنه ليس شيماء. فمنذ متى كانت شيماء تمتلك معدة مسطحة تستشعر تقاسيمها من ذلك الحضن؟
ومنذ متى كان جسد شيماء صلباً بهذه الدرجة؟ وبعد تفكير لم يستمر ثوانٍ كانت تعلم هوية ذلك الشخص، ولم تكد تبتعد عنه حتى شعرت بيد حديدية تقيدها إليه أكثر، جاذبة إياها لغرفة مجاورة، وسرعان ما أغلق الباب ليشدد ذلك الشخص العناق وهو يهتف ببسمة وعشق: _والله ما هو راجع. فزعت ماسة لما حدث خلال ثوانٍ ولم تستوعبه سوى الآن، لتهدأ قليلاً وهي تسكن في ذلك الحضن الدافئ، هامسة بنبرة جعلته يشدد عناقها حتى كاد يدخلها لصدره:
_وحشتني أوي يا أباظة. وهذه ميزة تتفرد بها تلك القطة، كما تفردت بعرش قلبه. فهي الوحيدة المسموح لها بذكر ذلك الاسم أمامه، بل أنه وللغرابة يشعر بلذة غريبة حينما يخرج من فمها هي، وفي أكثر لحظاتهم حميمية. ابتسم بعشق: _وأباظة ميت من غير قطته. ضحكت بخوف وهي تحاول الابتعاد: _بس يا رشدي، بغير والله. ضحك رشدي وهو يهمس لها بعشق: _وحشتيني يا ماستي. ابتسمت ماسة وهي تهمس له بغيظ:
_ولما أنا اتنيلت على عين أهلي ووحشتك، مكلفتش نفسك تيجي وتزرني ليه؟ عض رشدي على شفتيه بغيظ من تلك التي تتفنن في إخراجه من أكثر لحظاته انسجاماً. ليجيب عليها بحنق وهو يبتعد قليلاً دون تركها: _عشان اتنيل على عين أهلي واستريح من لسانك اللي عايز يتخلع من جذوره. ضحكت ماسة بشدة على حدثه، ثم ضمته لها مجدداً وهي تهمس بدلال تتقنه جيداً وتعلم أنه يلعب على أوتار ثباته كما لم يفعل شيء قبلاً:
_بس إنت عارف يا أباظة إن إنت بالذات اللي مقدرش أكلمه كلمة من لساني اللي عايز خلعه من جذوره ده. ابتسم رشدي وهو يرتب شعرها بحنان: _وحتى لو قلتي يا ماستي، فأنا عارف إزاي أسكتك. ابتسمت له ماسة وهي تغمز له بوقاحة: _أيوه أيوه، قلة أدب. عارفة. طول عمرك سافل ياض يا رشدي وما شوفتش تربية من أيام ما كنت بتقولي هاتي بوسة واحنا في حضانة. فتح رشدي عينه بصدمة، هذه الفتاة لن تتوقف يوماً عن مفاجئته. ليبعدها عنه وهو يرفعها من ثيابها:
_إنتِ لسه بتذلي أهلي بيها؟ وياريتني خدت البوسة، ده إنتِ فضحتِ أمي وقتها. بعدين قلة أدب مين يا ختي، ليه شاقطك من على الدائري ولا جايبك من كازينو؟ ده إنتِ مراتي يا معفنة. أبعدت ماسة يد رشدي عنها وهي تتخصر ساخرة: _وهل لآني مراتك ده يديك حق إنك تقل أدبك؟ نظر رشدي لوضعيتها بحاجب مرفوع، ثم هز رأسه برفض: _لا طبعاً ميدنيش الحق، بس يديني الحق إني أديكي بالجزمة. رمقته ماسة بشر، ليصرخ بها: _بت، اتعدلي وأنتِ بتكلميني.
اعتدلت ماسة سريعاً وهي تنظر له بحنق شديد وهي تنفخ، ثم قالت وهي تتجه للخارج: _إنت بجد بقيت لا تطاق و… توقفت عن الحديث وهي تشعر به يجذبها من ثيابها من الخلف، وهو يتحدث بصدمة يرمقها من أعلى لأسفل وكأنه لاحظها للتو: _يا مصيبتك السودة؟ ده التيشيرت الجديد بتاعي؟ نظرت له ببسمة غبية وهي تنظر لما ترتديه بصدمة: _هو ده جديد؟ يا راجل وأنا أقول الورقة اللي في الضهر دي إيه؟ فكرتك سايبها عشان ميفقدش قيمته. صرخ بها رشدي وقد ملّ
من ارتدائها الدائم لثيابه: _ده أنا اللي هخلي قيمتك في الأرض دلوقتي يا صعلوقة يا شحاتة. يابت ده أنا بقيت أجيب لبسي وأنا خايف مكنش أول واحد أجربه. أعمل فيكِ إيه؟ ربتت ماسة على صدره بحنان: _أهدى بس إنت متعصبش نفسك عشان واحدة زيي، أهدى بس الضغط هيعلى عليك. _ما يتنيل يا ختي، ما يتنيل، وأنتِ مالك؟ بعدين إيه ده؟ كان يتحدث وهو يسحب حزام تضعه هي في منتصف التيشيرت لتضيقه من عند الخصر كفستان. _حتى حزامي يا مؤمنة، حتى حزامي؟
ابتسمت ماسة وهي تبعد يده وتدور حول نفسها بفرحة: _بزمتك مش ستايل حلو، كمان الحزام لايق عليه. ابتسم رشدي وهو يهز رأسه برفض، متحدثاً بهدوء مصطنع: _على فكرة أنا عندي حزام تاني أحلى ويليق عليه أكتر. ضيقت ماسة عينيها بتفكير: _إزاي ده؟ إنت قلبت دولابك كله ملقتش حاجة. كان رشدي يهز رأسه لها وهو يخلع حزامه الذي يرتديه، لتلاحظه هي وتبتسم بتوتر وهي تبتلع ريقها متراجعة للخلف: _آه صح، تصدقي إن ده أحلى؟
بس مش مشكلة، خليك لابسة، لما تقلعه يبقى أخده، مش مهم. هز رشدي رأسه برفض: _والله ما يحصل، هتاخديه دلوقتي يعني هتاخديه دلوقتي. _ياراجل، هامشي يعني مسقط البنطلون عشاني؟ خلاص، خليه. تحركت ماسة جهة الباب تزامناً مع انتهاء رشدي من فك الحزام، ثم سريعا كانت تركض وهو خلفها وصياحهم يعلو في المنزل. فكانت تركض حول الأريكة وهو يركض خلفها، بينما ماجد يجلس على الأريكة وما يزال يلعب في هاتفه، ده غير مهتم لما يحدث حوله.
وسحر وأسماء لم تتدخل أي واحدة منهما، فيبدو أنهما اعتادا كل هذا حينما يجتمع الاثنان سوياً. _اصبر بس هفهمك، أصل أنا كسلت أفضي الشنطة وأدور على لبس، فملقتش غير لبسك. يعني هتستخسر فيا تيشرت يا أباظة؟ هدر رشدي فيها بغيظ وقد أمسك بها: _أقولك على حاجة؟ أنا هقفل دولابي ده بقفل، وإياك سامعة؟ إياك المحك في محيط دولابي باتنين متر. ابتسمت له ماسة وهي تهز رأسها بإيجاب، ثم اندفعت وقبلت خده سريعاً وهي تبتسم له بحب: _خلاص، قلبك طيب.
نظر رشدي سريعاً لماجد بطرف عينه ليجده ما يزال ينظر في الهاتف الخاص به. لذا اقترب منها سريعاً وضمها بحب شديد وهمس لها ببسمة خبيثة: _طب ت… قاطعه حديثه صوت رنين الباب، ليبعدها رشدي سريعاً مشيراً لغرفتها بحزم: _ملمحش طيفك برة يا ماسة. هزت ماسة رأسها ببسمة هادئة، ثم تحركت بهدوء ودون عناد كعادتها نحو غرفتها، فهي تعلم جيداً أنها لا يجب أن تعارضه في هكذا أمور.
نعم، تمزح وتعاند وتشاكس، لكنها تمتلك من النضج ما يجعلها تفرق بين المزاح والجد، وهي تثق برشدي كثيراً، لذا تطيعه دائماً، حتى لو تركت روحها بين كفيه، ستكون واثقة أنه سيحافظ عليها بروحه. وأن أوامره كلها تكون لأجلها ولمصلحتها هي. تحرك رشدي صوب الباب وهو يعلم الطارق جيداً. نظر خلفه يتأكد من دخول ماسة للغرفة. حتى فتح الباب وهو يبتسم لهادي داعياً إياه للدخول بهدوء شديد وبسمة.
ليدخل هادي وهو يبادله الابتسام، وعينه تدور في المكان على أمل أن يلمحها. يعلم أن هذا مستحيل، لكن هذا القلب الأحمق ما زال يبحث عن أي أمل ليروي ظمأه بمحياها. أبوكِ اتصل. وكانت تلك الكلمة كفيلة لتنقلب ملامح فاطمة من التوتر الشديد للمقابلة بعد العشاء للغضب المكتوم. لتهمهم بعدم اهتمام: _اممم. استمرت منيرة في التحدث رغم معرفتها لكره ابنتها ذلك، لكن في النهاية هذا والدها بحق الله:
_سأل عنك وقال هيبعتلك فلوس عشان تجيبي لبس للشتا و… توقفت وترددت عن إكمال حديثها لرؤية دموع ابنتها الحبيسة تتناول الطعام وكأنها تبتلع أشواك. _خلاص، كملي أكل، مش هفتح الموضوع ده تاني. هزت فاطمة رأسها بإيجاب وهي تمسح دموعها بثيابها، تحاول إخفاء وجعها من ذلك الذي يسمى ظلماً والدها.
لكم هي الحياة قاسية، لا تعطيك كل شيء، وإن فعلت لا تأمن غدرها، فستجدها متربصة لك في أحد الأركان بانتظار أن تطمئن لها، حتى تسحب أغلى شيء على قلبك بعيداً عنك، مستمتعة برؤية تلك النظرة الموجوعة على وجهك. نهضت بهدوء من مقعدها تتجه لغرفتها وهي تردد بنبرة منخفضة: _هجهز عشان أروح للشيخ. واتبعت كلمتها وهي تختفي من أمام والدتها التي ندمت التحدث في ذلك الأمر، فيبدو أن جرح ابنتها لم يبرأ بعد من جهة والدها.
كان الجميع يتناول العشاء بهدوء شديد، ليقطع هذا الهدوء صوت بثينة الحانق وهي تصب بعض الطعام للجميع: _مش الدكتورة شرفت؟ انتبهت لها والدتها وزوجة عمها بعدم فهم، لتجلس وهي ترمق هادي الذي يتناول طعاماً بهدوء شديد دون أدنى اهتمام. _قصدي ماسة بنت سحر. زفرت والدتها بضيق كبير وهي تتناول طعامها محذرة إياها:
_وإحنا مالنا بيهم يابنتي. اسمعي يا بثينة بلاش مشاكل زي كل مرة مع ماسة، أنتِ عارفاها مش بتسكت، لا هي ولا أمها، وإحنا مش ناقصين وجع قلب، الله يسترك. _إيه ياما، وأنا قولت حاجة يعني؟ أنا بقول إنها جات انهاردة. نظرت لها والدتها نظرة ساخرة: _لا ياحبيبتي مقولتيش حاجة، بس أنا عارفاكي كويس أوي يا بنت بطني، وعشان كده بقولك بلاش مشاكل. زفرت بثينة وهي تهز رأسها بعدم اقتناع، ثم نظرت لهادي الذي لم يبدي أدنى اهتمام بما يقولون:
_كل يا هادي بطاطس، إنت بتحبها. ابتسم لها هادي بهدوء وهو يهز رأسه: _بأكل يا بثينة، تسلم إيدك. ابتسمت بثينة باتساع من حديثه، بينما هو كان شارداً في ذلك الملاك الصغير الذي يقع على بعد منزلين من منزله. رمقت والدة هادي بثينة بضيق وهي تمضغ طعامها، لا يعجبها أبداً تصرفاتها اللزجة تلك تجاه ابنها. لكن ماذا تفعل، لا يمكنها قول شيء، فهي حتى الآن لم تخطئ على الأقل أمامها.
كانت تقف وهي تشعر أنه إن تأخر فتح الباب فستركض عودة لمنزلها ولن تهتم بأي شيء. هي في الأساس أتت لهنا دون إرادة. زفرت بضيق وهي تستدير للذهاب، لولا سماعها لصوت وداد خلفها وهي تقول: _تعالي يابنتي، معلش كنت بصلي المغرب عشان اتأخرت. تعالي ادخلي، زكريا مستنيكِ جوا. أنهت حديثها وهي تتنحى جانباً مفسحة لها الطريق لتدخل. وبمجرد دخولها وصل لها صوت جدال عالٍ نسبياً، لتنظر بخجل صوب وداد التي تقدمتها بحنق شديد مردفة:
_تعالي يا حبيبتي، دول شوية عيال بتتخانق، متقلقيش. تقدمت فاطمة خلفها بتعجب تتساءل أي أطفال تقصد؟ فهي تسمع صوت رجال. وحينما وصلت لمصدر الصوت أدركت جيداً ما تقصده وداد بحديثها. _هل تغش؟ يالله، هل تغش بهذا العمر؟ كان هذا صوت زكريا الذي خرج متعجباً مما فعل والده، فهما يلعبان لعبة معلومات دينية.
فاستغل لؤي استدارة زكريا وذهابه لإحضار ماء ودخل على الإنترنت للتأكد من إجابته، فحتى الآن زكريا متفوق عليه بنقطتين، وبهذا الشكل سيخسر لا محالة. لكن ما لم يتوقعه هو أن زكريا أمسك به وهو يحاول الغش ليبدأ الصراخ. أجابه لؤي بحنق وهو يرفع رأسه له: _مش فاهم، إيه يعني أغش في العمر ده؟ هو أنا بركب عجل؟ رمقه زكريا بغيظ: _وتمزح؟ مابك يا أبي، المفترض أنك قدوتي هنا. لما لجئت للغش؟ نظر له لؤي بتفكير ثم قال مستهزئاً:
_يمكن عشان إنت سابقني بنقط كتير؟ _ليس مبرراً، أرجوك. سوف نلغي هذا السؤال ونعيده منذ البداية، وذكرني أن نتحدث فيما بعد عن عواقب الغش سيد لؤي. ألا تخجل من نفسك يا أبي؟ هز لؤي رأسه ببسمة قائلاً ببرود: _لا. كانت فاطمة تقف بالقرب منهما ولم ينتبه لها أحد، تفكر هل هذا الشخص طبيعي؟ هل يتحدث الفصحى دائماً أم ماذا؟ خرجت من شرودها على صوت وداد التي سحبت يدها برفق متجهة صوب طاولة الطعام التي تقابل مقاعدهم وقالت بصوت حانق:
_زكريا. فاطمة جات. تحنح زكريا بحرج، فهو لم ينتبه لها منذ دخلت، لينهض بهدوء متجهاً لطاولة الطعام ويجلس على بعد مناسب منها، بينما جلست والدته مقابلهم وهي تقوم بخياطة بعض الملابس، ولؤي في الخلف يتصفح هاتف زكريا بعدما تركه له. أجلّ زكريا حلقه وهو يحمل أحد المصاحف من على الطاولة متحدثاً بهدوء: _هل حفظتي ما طلبته منكِ؟ رمقته فاطمة بتوتر ثم أخرجت مصحفها الخاص وهي تضعه أمامها مجيبة: _هو أنا كنت… أصل…
رفع زكريا عينه يرمقها بترقب ثم أنزلها مجدداً وقال ببسمة: _محفظتيش؟ تعجبت فاطمة بسمته لتهز رأسها بإيجاب. أغلق زكريا المصحف وهو يتنهد بتعب، ثم قال ببسمة لم تنمحي من وجهه: _حسناً، اليوم سندرس الأحكام سوياً قبل البدء في أي شيء. حسناً؟ هزت فاطمة رأسها بخجل. ولم تخبره أنها بالفعل حفظت، لكنها متوترة وبشدة، لذا سعدت وارتاحت كثيراً حينما أجل الأمر.
بدأ زكريا حديثه بهدوء شديد، وقد أحضر سبورة صغيرة يحتفظ بها وشرع يشرح لها كافة الأحكام، وهي تراقبه باهتمام شديد تحاول أن تستوعب كل شيء يقوله. لكن فجأة صدح صوت عالٍ في المكان يكسر هذا الجو الهادئ، والذي كان صادراً من هاتف زكريا الذي يحتل يد والده، ليرمق زكريا والده بحنق وهو يتحدث بهدوء واحترام: _حاج لؤي، اعتذر على إزعاجك وتخريب جلستك، لكن أنا أتحدث هنا، لذا رجاءً…
ابتسم لؤي له وهو يغلق الهاتف بخجل، فقد فتح فيديو لمباراة قدم دون أن ينتبه وانسجم فيها. _آه بعتذر، ما أخدتش بالي. كملوا خلاص. زفر زكريا وأعاد نظره لفاطمة التي كانت تضيق بين حاجبيها بتعجب شديد من الاسم الذي سمعته للتو. هل قال لؤي؟ حسناً، الأمر ليس غريباً أبداً، لكن الغريب هو أنه سمى ابنه زكريا، وهو اسمه لؤي. _أيوه، اسمي زكريا لؤي. انتبهت فاطمة على صوت زكريا الذي تحدث ببساطة لها، يعلم جيداً بما تفكر.
لتتنحنح بخجل وهي تعتدل في جلستها وتكمل معه درس اليوم. بينما نهضت وداد متجهة للمطبخ وقد اشتمت رائحة نضج الكعكة التي صنعتها لتقدم منها لفاطمة إلى جانب العصير. مرت دقائق أخرى ليتحدث زكريا وهو يلاحظ حيرة فاطمة وترددها: _فيه حاجة صعبة أو محتاجة تتعاد تاني؟ نظرت فاطمة أرضاً بخجل تهز رأسها بلا، فهي أرهقته حقاً كل دقيقة يعيد لها نفس الشيء. علم زكريا أنها تكذب عليه، ولم يكد يتحدث لها حتى سمع صوت صراخ يصدح في المنزل.
كويسة دلوقتي؟ نظرت شيماء جوارها تبتسم لماسة التي لم تتركها منذ علمت بحادثتها وهي تلازمها. _والله يا ماسة أنا كويسة. روحي ارتاحي يابنتي، أنتِ جاية من سفر ومرتاحتيش لغاية دلوقتي. هزت ماسة رأسها برفض للأمر وهي تنهض وتعدل من وضع الوسادة أسفل قدمها: _ملحوق على النوم يا بنتي، المهم نقعد سوا زي زمان. ابتسمت لها شيماء بحب شديد، لكم تحترم ماسة وتقدرها دائماً.
لكن ما ينغص عليها الأمر هو شجارها الدائم مع بثينة التي كلما أتت تسبب لها المشاكل. وقفت ماسة أمام شيماء وهي تبتسم لها مفكرة في شيء: _إيه رأيك نعمل سهرة حلوة ونتفرج على فيلم رومانسي؟ كادت شيماء تجيبها لولا رؤيتها لأخيها يقف خلف ماسة وهو يبتسم، لتتحدث وهي تشير لماسة: _وليه ما تعيشي الفيلم حصري؟ لم تفهم ماسة حديثها حتى شعرت بهمساً في أذنها: _البنت شيماء دي بتفهم والله.
كان ذلك رشدي الذي استند بذقنه على كتف ماسة، ثم همس لها مجدداً: _تعالي عايزك. أنهى حديثه وهو يعتدل جاذباً إياها، ثم ابتسم لشيماء ووضع لها حقيبة كبيرة: _جهزي السهرة وأنا معاكم، بس هاخد ماسة دقايق. أنهى حديثه مقبلاً رأس شيماء، ثم خرج رفقة ماسة وهو يجذبها لغرفته، ملقياً التحية على والدته ووالده وخالته. ثم دخل الغرفة وأغلق الباب، ليتحدث والده بحنق: _شوف الواد واخد البنت عيني عينك كده قدامنا، مفيش احترام أبداً. ضحكت أسماء
وهي تعطيه بعض التسالي: _مراته يا إبراهيم، مراته يا حبيبي، وكله عارف كده وعملوا إشهار وكتبوا الكتاب، يعني شرعاً وقانوناً وكل حاجة مراته. كل أنت بس واتفرج. رمقه إبراهيم بغيظ وهو يأكل. ليسمع الجميع جرس الباب. نهض إبراهيم لفتح الباب بتعجب، فالجميع هنا إذاً من الطارق؟ بمجرد فتح الباب ابتسم بلطف مرحبا بالزائر: _أهلاً يا بوسي، ادخلي، شيماء جوا. دخلت بثينة ببسمة وهي تحمل حقائب بها فاكهة:
_هادي بلغني إن شيماء تعبانة فجيت أشوفها. ابتسم لها إبراهيم وهو يحمل الحقائب معاتباً: _ليه بس كده يابنتي، تعبتي نفسك. _تعبك راحة يا عمي. هي فين شيماء؟ أشار لها إبراهيم: _في أوضتها يابنتي، ادخلي ليها. ابتسمت له ثم دخلت للغرفة بعد أن ألقت التحية على الجالسين، لترد عليها أسماء بود وبسمة عكس سحر. دخلت بثينة لغرفة شيماء وهي تبتسم لها: _القمر اللي تعبان. ابتسمت شيماء بلطف لبثينة وهي تشير لها بالتقدم:
_بوسي تعالي. مين اللي قالك؟ جلست بثينة ثم أجابت وهي تحاول أن تداري حنقها: _هادي بلغني إن فيه سواق ابن حرام خبطك وجري. _الحمد لله، أنا بخير، متقلقيش. ثم صمتت قليلاً وقالت بتردد وخجل بعض الشيء: _هادي، ربنا يسعده، لولاه كنت فضلت كتير لغاية ما يوصل رشدي. همهمت لها بثينة بغيظ مخفي، ثم قالت وهي تحاول تصنع البسمة والمشاكسة: _شالك ولا إيه؟ نظرت لها شيماء بتفاجئ وخجل شديد، لتكمل بثينة بضحكة ومزاح مصطنع تخفي خلفه غل وحقد:
_أصل يعني أنتِ مكنتيش قادرة تمشي، فاكيد يعني شالك. أنهت حديثها لتنظر شيماء ليدها وهي تحركها بخجل، ثم هزت رأسها بإيجاب، لتشتعل بثينة من ردها وتقول دون تفكير: _طب كويس إنه مكنش لسه واخد جرعة، لاحسن كان اتسطل ووقع بيكِ. رمقتها شيماء بصدمة، لا تصدق أنها تقول هذا على ابن عمها حتى لو كان مدمناً بحق. لذا قالت وهي تفكر في حديثها ذاك: _تعرفي مش باين خالص عليه أي حاجة. _قصدك مدمن يعني؟
هزت شيماء رأسها بإيجاب، لتبتسم بثينة وهي على وشك بث المزيد من السموم، لولا ذلك الصوت الذي تبغضه وبشدة. كانت ماسة على وشك الدخول لغرفة شيماء حتى سمعت حديث بثينة على هادي، لتغضب وبشدة. تعلم جيداً أنها تضع عينها على هادي. وهادي عاشق لتلك الحمقاء التي تستمع لها كالمغيبة، لذا لابد أنها تحاول أن تجعل شيماء تكرهه، لكن هل وصلت لهذه الدرجة من الانحطاط؟ دخلت سريعاً وهي تشهق بتفاجئ: _يا مصيبتي. هادي مدمن؟
التفتت بثينة لماسة بصدمة وهي تنظر لها بتوتر، فهي لم تكن ترغب في نشر الأمر، فقط شيماء لتكرهه. كادت تفتح فمها لولا صوت بثينة العالي: _لا لازم رشدي يعرف، ده صاحبه برضه وكمان لازم ينصحه. رشدي… يا رشدي… رشدي تعالى بسرعة لو سمحت. أنهت حديثها وهي تنظر ببسمة خبيثة لماسة جعلت بثينة تبتلع ريقها برعب. انتفض زكريا سريعاً بسبب ذلك الصراخ والذي لم يكن سوى صراخ والدته. ركض سريعاً جهة المطبخ، وقبل أن يصل له وجد
والدته تخرج وهي تصرخ برعب: _فار… فار في المطبخ يا زكريا، فار. وعلى ذكر الفأر انتفضت فاطمة بفزع وهي تركض بعيداً عن الطاولة، ليشير لهم زكريا بالهدوء ويتجه مع والده للمطبخ تتبعه والدته. لكن استطاع الفأر الفرار منه وخرج من المطبخ للصالون حيث فاطمة التي أخذت تتحرك بخوف في المكان دون إصدار أي صوت. لكن لم تتحمل الأمر، فأخذت تصرخ باشمئزاز وهي تركض صوب المطبخ حيث الجميع.
كان زكريا يبحث في المطبخ عن العصا التي يحتفظون بها تحسباً لأي ظرف كهذا. وأخيراً أمسك بها وما كاد يسحبها من خلف الثلاجة حتى سمع صراخ فاطمة يقترب منهم. كان زكريا يسحب العصا يتجهز للامساك بذلك الفأر، لكن فجأة سمع صوت اصطدام بالرف الذي يمتد بعرض الحائط، وقبل أن يتمكن من رفع رأسه كانت الأواني كلها تسقط على رأسه، ليعلو صراخه في المنزل كله. ضربت وداد على صدرها بفزع وهي تصرخ: _ابني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!