-لم ابتعدتي؟ فعلت ما يجب فعله. -هل اشتقتي لي؟ فالتعلم يا معذبي أنك لم تفارق خيالي. -حقًا ما أسمعه أم أنني أتخيل! لو استطاعت روحي عبور حواجز البلاد لجاءت لتبيت بأحضانك كل ليلة. -لقد أوشكت على اليقين بأنك تبغضين وجودي. كنت أريد أخذ هدنة فقط وها أنا عدت لك لأشاطرك همك وأسريك في حزنك وأنسيك جبال الهموم التي أثقلت عليك. لقد جئت لأعينك على نكبتك.
هدوء في حياتهم جميعًا، ربما ذاك هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وليست كأي عاصفة، بل ستكون عاصفة هوجاء تعج بالخبث وطيات الانتقام. حلها سوء فهم للبعض، والبعض الآخر ربما حلها الموت السحيق. يصيبها الأرق وقلة الراحة، تجهل السبب، ولكن قلبها يبعث بإشارات منذرة مما سيحدث.
تنتصف السرير جالسة وتتأفف: "قلبي حاسس في حاجة هتحصل." قالتها ياسمين، والشك والقلق يراوداها. ثم حاولت طمأنة نفسها وصارت على نهج والدها، فقامت تسبح من مجلسها ودخلت مرحاضها الملحق بغرفتها في الفندق الفاخر، وأتمت وضوءها وصّلت ركعتين لله، وباتت تتلو سورة يس كما كان يفعل قدوتها. فقبل موته قد نقل لها كل معلوماته في دينه ودنياه، وترك لها إرثًا مخفيًا وهو أن العوذ والملاذ هو الله وليس البشر.
"وحشتني أوي يا بابا، عارفة أنك كنت هتزعل مني لو كنت موجود معانا، أنا آسفة، آسفة لنفسي ولأخلاقي ولك. أتمنى أكون بكفر عن ذنبي، مع أني مش عارفة أنهي ذنب. ذنب إني خونت تربيتك فيا ولا ذنب إني غيرت نفسي عشان حد وبقيت واحدة كل حاجة فيها صناعي. نفسي أرجع ياسمين التخينة. مش هنكر أن نظرات الإعجاب اللي بشوفها بترضي غروري وببقى مبسوطة، لكن فين الحقيقة في كل ده؟
شعر مصبوغ ومركب، وحواجب مرسومة، وشفايف وخدود حمرا بلون صناعي، ولبس براندات، ولينسز عشان أبقى حلوة. فين خلقة ربنا في كل ده؟ هو ربنا مدينا شكلنا عشان نداريه ونصلحه؟ ندمانة أوي يا بابا، كنت دايما بتحذرني من التصرف وقت الغضب وأنا مسمعتش كلامك. ياريتني ما كنت اتغيرت. مش عارفة ألوم الناس عشان هما طول عمرهم بيتريقوا عليا وعلى جسمي، وأولهم جوزي وأخويا، ولا ألوم نفسي إني كنت ضعيفة واخترت الطريق السهل."
انزلقت دموع عينيها على وجنتيها، وكانت كالحمم البركانية تحرق وجنتيها، وكأن الدموع كانت فائضًا من شظايا نيران احتراق قلبها. أما عن هذان العشيقان الهائمان وأولادهما الخمسة، فالحال معهم يزج بالتوتر والقلق، بعدما سجلت هاجر المزعومة "أم" حديثها مع زوج ابنتها. وأخبار زوجة أبي مروان عن
مخططتها وتسجيلها لحديثهما: "هاجر: أيوه يا أنجي، بقولك كان بيكلمني كويس وقالي هييجي كمان نتفق. حقًا يا أنجي، لو فعلاً هرب لي الصفقة دي هيوفر عليا كتير أوي." ردت زوجة أبو مروان والحقد والغيرة يحرقان بقلبها الأسود: "إنجي: حلو أوي يا هاجر، ابعتي بقي التسجيل للزفتة همسة." انزعجت هاجر من تفكير صديقتها المنعدم وردت في كبرياء: "هاجر: أنتي غبية ليه؟
بقولك هيهرب لي هيروين من المينا وهييجي يسهر معايا ودماغه لانت. لي أبوظ على نفسي كل ده وأبعت الفويس لمراته؟ هكسب إيه؟ آه، هقهرها زي ما قهرت أبوها زمان، بس دا مش كفاية."
على الرغم من اتفاقهم في سوء الأخلاق وتلوث نواياهم، إلا أن مصالحهم انشطرت هنا. فهاجر تريد المال والفوز بزوج ابنتها، وتعلم أنه يتوافر فيه جميع الشروط المناسبة لها كالمال وحسن المظهر والسن الصغير والنفوذ، والأكبر أنه سيظل يأمن لها صفقاتها المشبوهة ويكون هو المسؤول. فإذا كشفت أوراقه تبكي لتمثل دور الزوجة التي وقعت ضحية قذارة زوجها، وإذا لم يكشف فمرحباً بالنعيم والسرور. وعلاوة على ذلك تكون ضربت زوجها وأولاده في مقتل، لربما يموتون وتتخلص منهم جميعًا.
أما إنجي، فهي طبعة مكررة من هاجر، زوجة أب كريهة الشخصية، الأذى والخبث عنوان حياتها. لكن الآن ما تريده هو تدمير مروان وهمسة. كانت تزعم أن هاجر ستعينها على ذلك، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن. ولكن دهاء إنجي كان الأعظم بينهم، وقالت في انبهار مزيف: "أوه بجد، أكيد عندك حق يا جوجو. متبعتيلي الفويس كدا عشان مش مصدقة خالص إن مروان يعمل كدا." شعرت هاجر بالتحدي
بحديث صديقتها وقالت: "أكيد طبعًا هبعتهولك واتساب حالًا عشان تعرفي بس إني ليا سحر خاص على أي حد." إنجي وقد نجح مخططها، فكيف لا ينجح وهي تعلم نقطة ضعف هاجر: "إنجي: أكيد يا روحي، بدون شك." أرسلت هاجر التسجيل لصديقتها في العهر والأذى، وذهبت لإعداد نفسها من أجل ليلتها مع مروان. وصل التسجيل لإنجي، وما إن سمعته حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، وخلال لحظة، كان التسجيل على هاتف همسة، ومعه رسالة كالآتي:
"جوزك شيخ المنصورة بيروح لأمك، وأنتي مغفلة. اسمعي الفويس كويس، وهبعتلك المكان والوقت. باي يا مغفلة." تُرى ماذا سيحدث لتلك الهمسة، الأم الحديثة لخمسة أطفال، بعد سماعها للتسجيل؟ يجلس ويفكر بمعشوقته، هل بعد انتقاده لها تتغير نظرته وتتحول من عاهرة في نظره لضحية تربية خاطئة؟ هل سَلا قلبه عن حبه الأول بتلك السهولة؟ سبحان من زرع حبها في قلبه، وسبحان من انتزعه. هل يعشق مروة حتى وإن عشقها؟
هل تصلح أن تحمل اسمه وتكون أم لأولاده؟ وحتى إن أصبحت، فعلى ماذا تربيهم وهي جاهلة في الأخلاق؟ تدور الأفكار في رأسه، ولكن قاطعتها مروة بحديثها. "مروة: كريم، أنا متشكرة أوي لاهتمامك بيا بعد الحادثة، أنا حتى أهلي مهتموش بيا كدا. أنا يعني عارفة أن خالتي وجوزها ناس مش كويسين، بس هعمل إيه؟
أبويا وأمي مكنش ليهم حد، فلما ماتوا خالتي وجوزها ربوني. أنا مش هقول إني كنت باكل كويس ولا عايشة كويس، بس إهي عيشة والسلام، أحسن ما كنت أبَات تحت الكباري." وادمعت عيونها ونظرت له نظرة بريئة خالية من التمثيل والتلاعب.
"تعرف، كانوا بيخلوني أخدم عند راجل اسمه كبير، كان هندي وساكن قرب الحارة، بس في مكان علوي كدا زي بيتكم. وكان عندي 12 سنة، أمسح وأروق وأطبخ وهو مش موجود. بس في ليلة جي كبير بدري وكان عمال يطوّح ويقول كلام هندي غريب، بعدين بدأ يقرب مني. أنا صوت ولميت عليه الناس وجريت. بس لما روحت لخالتي وجوزها ضربوني عشان طفشت الزبون، أصلي فهمت بعد كدا أنه متفق معاهم يعمل معايا اللي هو عاوزه، بس على خفيف كدا، إكمني لسه صغيرة. حبسوني
أربع أيام من غير أكل ولا شرب، ومن ساعتها بقيت أخاف أقولهم لأ. كبرت شوية وخراط البنات خرطني، بس أنا قولت لهم لأ، أنا مش عاوزة السكة دي، يمكن ربنا يكرمي وأتجوز. جوز خالتي رفض وضربني، وبعد كام يوم خالتي اتفقت معاهم إني أشتغل في البيوت والحاجات دي على خفيف زي الأول، كأني مكبرتش. تعرف، أنا خرجوني من المدرسة وأنا حلوة كدا، سادسة ابتدائي، بس أنا كنت باخد كتب العيال، كنت بسرقها عشان أذاكر فيها. ساعات مكنتش بفهم حاجة، بس كنت
بحاول. ودخلت الجامعة بكرنيه مضروب، وفهمت خالتي وجوزها إن ده هيساعدني ألاقي عيال مترشين وأجبلهم شغل أكتر. طبعًا إنت خدتني سلم عشان تغيظ صبا، أنا عارفة، واتفقنا كان واضح، بس غصب عني حبيتك. والله العين متعلاش على الحاجب، بس القلب ملوش سلطان يا كريم بيه. أنا عارفة إنك محبتنيش، لكن كفايا عليا أعيش عمري كله على ذكرى وجودك معايا. أنا لو عليا بكرة شغلانتي وبكره ذلتي وبكره خالتي وبكره جوزها وبكره نفسي قبلهم. هو تفتكر يا كريم
بيه ربنا هيسامحني؟
كان يستمع لحديثها، وترقرقت عيناه بالدموع، فكيف لتلك البريئة أن تحتمل كل ذلك وحدها؟ انتظرت الرد منه، ولكنه فاجأها: "كريم: أنا همشي يا مروة، ولو رجعت اعرفي أن ماضيكِ بالنسبالي مش موجود. ولو مرجعتش اعتبري إني كنت حلم، والماضي هو الحاجز بيني وبينك." ذهب وتركها في دوامة آلامها، رغم اعتيادها على الوحدة، إلا أن موقفها الآن يختلف تمامًا، فبعدم وجود كريم ينقطع أمل حياتها في الارتقاء والبعد عن خالتها وزوجها ذو الدم البارد.
وبعد فترة وجيزة، رجعت مروة لمنزلها التي تبغضه بشدة. حادثها زوج خالتها وهو يتجشأ: "إيه، فين الزبون؟ ليكون هرب من وشك الفقر ده؟ تجمعت الدموع بعينيها، ولكنها قررت الصمود. "مروة: إيه مش كل مرة كان بيجيب لك طفح أد كدا، أنت ومراتك؟ "زوج خالتها: بت، أنتِ هو إيه؟ خدواهم بالصوت. فين فلوس النهارده؟ تركته وجرت لغرفتها، نعم، فالنسمي غرفة السردين تلك بالغرفة. لاحقها زوج خالتها وقال: "الظاهر علق، زمان وحشتك يا مروة."
نظرت له بتحدي وقالت: "انت فاكر إنك راجل؟ إنت عمرك ما هتكون راجل أبدًا. الراجل يخاف على أهل بيته، حتى لو غريبة يخاف عليها، لكن إنت بارد. بترميي في حضن الرجالة عشان تقبض بالسم الهاري كل يوم. بحسبن عليك إنت ومراتك، منكو لله بوظتوا حياتي، منكو لله ضيعتوا مستقبلي، ضيعتوا الفرصة الوحيدة اللي كانت هتخليني نضيفة ولو لمرة واحدة." هبط الظلام على عينيها من كثرة الدماء، فإمام كل كلمة تحدثت فيها، صفعة على وجهها الصغير. ....
الآن وقد حل صباح اليوم التالي، ركبت ياسمينتنا طائرة العودة للوطن، صدرها يعلو ويهبط، تندلع حفلة راقصة داخل قلبها. كم تتمنى أن يكون هو مستقبلها في المطار. وبعد عدة ساعات، دبت قدماها أراضي مصر من جديد. وجدت أمها وأخاها الصغير يستقبلانها بحفاوة شديدة، كم اشتاقت لهم. ولكن ظلت عيناها تتفقد المكان، لما لم يأتِ؟ هل نسيها ومُحيت من ذاكرته؟ علمت سلمى ما تبحث عنه ابنتها الكبرى وهمست بأذنها: "مجاش." حزنت ياسمين وارتسمت
اللامبالاة وعدم الفهم: "هو مين ده اللي مجاش؟ سلمى ببسمة بسيطة: "مراد." كيف علمت أنها تبحث عن مراد وليس رامي؟ أكملت سلمى بدهاء: "مراد في باريس، وميعرفش إنك راجعة، ورامي من ساعتها مشوفتهوش." أكملت ياسمين التظاهر باللامبالاة حتى وصلت للمنزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!