الفصل 1 | من 4 فصل

رواية سل الغرام الفصل الأول 1 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
57
كلمة
2,637
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

لم تنقطع "سمر" عن البكاء لحظة، بعد أن قام أخيها عن طاولة العشاء وانسحب غاضبًا إلى غرفته. أبت هي الأخرى أن تضع لقمة واحدة بفمها، وهربت إلى غرفتها أيضًا. كانت "ملك" تجلس إلى جوارها على السرير الوثير الجديد الذي اشترته منذ عودتها إلى المنزل. لم تكن تعرف سبب حزن أختها أو ماهية الخلاف الذي دب بينها وبين "فادي" قبل قليل.

لكنها استمرت في محاولاتها البريئة للتخفيف عنها، ولم تنفك تحتضنها من حين لآخر وتمسح لها دموعها بأناملها الصغيرة. ظلتا على هذا الوضع، حتى دق باب الغرفة فجأة. ارتعدت "سمر" مكفكفة دموعها في كميها بسرعة، وصاحت وهي تحاول إزالة آثار بكائها كلها: "ادخل! لحظة أخرى وظهر "فادي" من وراء الباب. "صاحية يا سمر؟ " قالها "فادي" بلهجة محايدة.

لم تجسر "سمر" على التطلع إليه وهي بهذه الحالة المزرية. خشيت لو تنهار من جديد أمامه فتسوأ نفسيته أكثر بسببها، فقالت بصوت شبه طبيعي وهي تتظاهر بالاهتمام بشقيقتها: "آه يا حبيبي. كنت هاسرح لملك عشان تنام. إنت إيه جوعت أحضرلك عشا تاني؟ صمت "فادي" ولم يرد عليها. فتح الباب عن آخره ونظر نحو "ملك" وهو يقول آمرًا بلطف: "ملك لو سمحتي اطلعي اتفرجي على الكارتون بتاعك برا شوية. عايز أتكلم مع أختك."

حملقت "ملك" فيه ملء عينيها، ثم نظرت إلى "سمر" التي ابتسمت لها ببساطة ثم أومأت لها بمعنى أن تذعن لطلب أخيها. فعلت "ملك" ما قاله "فادي" وسرعان ما ركضت إلى الخارج بحماسة كي تشاهد أفلام الرسوم المتحركة الجديدة التي اشتراها لها أختها. يغلق "فادي" الباب من وراءها، ثم يمشي ناحية "سمر" بثبات. كانت لا تزال مشيحة عنه بوجهها، فجلس على طرف الفراش إلى جوارها وانتظر لثوانٍ، ثم قال مباغتًا: "إنتي كنتي بتعيطي يا سمر؟

هزت "سمر" رأسها نفيًا وغالبت توترها قائلة بصوت مختلج: "لأ أبدًا. أعيط ليه بس؟ ربنا ما يجيب عياط ولا زعل يا حبيبي." وشعرت بيده باللحظة التالية تمسك بذقنها، حبست أنفاسها عندما رفع وجهها ليقبض على نظراتها الدامعة بنظراته الثاقبة. "عمرك ما عرفتي تكدبي عليا. ولا هاتعرفي يا سمر." قالها "فادي" بنصف ابتسامة.

تسيل الدموع من عينيها في هذه اللحظة لا إراديًا، فيفقد "فادي" تماسكه ويجتذبها إلى صدره بيده السليمة ويضمها بقوة، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر بشدة، وكأنها تفرغ كل الحزن اللا نهائي بداخلها ولا تفلح بالتخلص منه. أبدًا مهما حاولت. "أنا السبب في كل ده! " تمتم "فادي" بصوت ملؤه الغضب والنقمة على نفسه.

"أنا السبب في كل إللي حصل من البداية. من يوم ما لومتك وإنتي مالكيش ذنب على ظروفنا وخليتك تروحي برجليكي للنار. ولما ربنا سترها عليكي وبدأت حياتك تبقى طبيعية، طلعت أنا في وشك تاني وبوظتهالك للمرة التانية بحجة عجزي. أنا مش عايش إلا عشان أخرب حياتك يا سمر. أنا بقيت متأكد أكتر من الأول إن حياتي مالهاش أي لازمة ولا وجودي له قيمة في حياتك أو حياة ملك." غمغمت "سمر" منتحبة دون أن تفلت من بين أحضانه:

"ماتقولش كده. أنا فداك. فداكوا إنتوا الاتنين. أنا عملت كل حاجة عشانكوا. أنا ليا مين في الدنيا غيركوا بس؟!! "ابنك! ابنك وجوزك يا سمر. أنا آسف إني سرقتك منهم كل المدة دي. آسف إني كنت أناني واستغليت الفرصة عشان أعاقب جوزك بيكي ونسيت إن ابنك هو إللي هايتظلم في النص. آسف يا سمر. سامحيني على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. جايز إللي جرالي ده عقاب من ربنا عشان أنا إللي جنيت عليكي وعلينا كلنا! " قالها "فادي" بجمود. "لأ يا فادي!

" هتفت "سمر" من بين أسنانها معترضة. ارتدت للخلف ممسكة بكفه بكلتا يداها وهي تستطرد: "إوعى تفكر في كده. إللي حصلك ده مقدر ومكتوب. مالوش علاقة بإللي حصل. وبعدين أنا إللي غلطت. أنا إللي اتصرفت بغباء وضيعت نفسي أول مرة. إنت مالكش دعوة بحاجة! وتابعت بلهجة خاضعة: "ولو على ابني فهو مش لوحده يعني. معاه أيوه وجدته. عايش وسط أهله أحسن عيشة. هاعوزله إيه أكتر من كده؟

أنا مقدرش أتخلى عن حد فيكوا. لا عنه ولا عنك. عشان كده بحاول أكون معاه باستمرار من غير ما أقصر في حقك يا حبيبي. أنا أشيلك في عنيا وفي قلبي عمري كله." ابتسم "فادي" لها، ثم قال وهو يحيط جانب وجهها بكفه: "أنا طبعًا مهما أقول مش هاعرف أوفيكي فضلك. متشكر أوي يا سمر. أنا تعبتك معايا كتير وعذبتك." كادت تفتح فمها لتحتج على كلامه من جديد، فوضع إصبعه فوق شفاهها قائلًا بصرامة:

"إنتي لازم تسيبيني وترجعي لجوزك وابنك وتكملي حياتك إللي وقفت بسببي. وقبل ما تردي على كلامي وتعترضي على أي حاجة قولتها. أنا موافق على حوار الجواز ده." حملقت فيه مشدوهة، فأردف مؤكدًا إنما بلهجة لا تخلو من التهكم المرير: "شوفي كده مين دي إللي ممكن تقبل بظروف واحد زيي. لو لاقتيها مش هاخبطها زي ما قولتي. هاتجوزها فورًا!

جلس كلًا من "عثمان" و"صالح" إلى مقعدين متجاورين، بينما يجلس مقابلهما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية، و"مراد" الذي ما زال صامتًا حتى الآن ولم ينطق بحرف. هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء، حتى أن بعض تململ أصاب "صالح" وشعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه. إلا أن صوت المدعو "أدهم" سرعان ما برز قالبًا موازين الجلسة إلى صالحه فقط. "منورين مكاني المتواضع يا سادة!

" قالها "أدهم" بصوته القوي مزيدًا الترحيب بضيوفه. رد "عثمان" التحية بنفسه ونيابة عن ابن عمه الغضوب: "بنورك يا دكتور أدهم. متشكرين أوي على حسن استقبالك لينا وخاصةً إننا أغراب عنك." "عيب تقول كده يا أستاذ عثمان. مراد ده يبقى ابن عمي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة." قالها "أدهم" معاتبًا بحليمية. وضحك مكملًا: "وحضرتك تبقى صاحبه وصديق عمره زي ما حكالي. يعني تقريبًا بقيت مننا وعلينا زي ما بيقولوا."

"صحح كلامك يا أدهم من فضلك! " صاح "مراد" بحدة فجأة. تركزت الأنظار عليه، ليتابع بنفس الأسلوب: "الصداقة دي كانت في الماضي وخلاص خلصت. أنا صحابي رجالة. مش زبالة وأنجاس زيه! يتمالك "عثمان" أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة، بينما يلتفت "أدهم" نحو "مراد" موبخًا: "مراد! إحنا قولنا إيه؟ القاعدة دي اتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده ونجرح في الناس كده من غير ما نفهم كل حاجة كويس."

"انت فاكر إن ده بيتجرح؟ ده أبرد من لوح التلج. ده يجيبلك شلل وانت قاعد صلى على النبي يا أدهم انت ماتعرفوش أدي." قال "مراد" بسخرية. "عليه الصلاة والسلام. يا سيدي طبيعي ماعرفوش وانت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك. بس لازم نتكلم ونتناقش بالمعروف. دي مش طريقة يا مراد اهدى عشان تفهم." قال "أدهم" بهدوء. يقطب "مراد" جبينه بشدة مغمغمًا: "أنا مش طايقه. مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته. ومش عارف يا أدهم انت صممت على القاعدة دي ليه؟

ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة وقرف وماستبعدش أبدًا إنه يكون غوى بنت عمه وإنهم استغفلوني هما الاتنين." في هذه اللحظة لم يستطع "صالح" كبح نفسه أكثر، فقفز واقفًا لينقض على "مراد" بلمح البصر، فيكيل له الضرب واللكمات العنيفة.

يهب على الفور كلًا من "عثمان" و"أدهم" للحؤول بينهما، ورغم أن ذلك كان صعبًا في بادئ الأمر خاصةً وأن "مراد" استطاع أن يتغلب على "صالح" في لحظة وكاد ينال منه، ألا أن "عثمان" حال دون ذلك وأمسك بتلابيب ابن عمه واجتذبه بعنف صارخًا: "تعالى هنـــا! انت اتجننت؟ اثبت. ارجع مكانك واوعى تتحرك سامعنـــي؟ يا إما تنزل تستناني تحت!

يتراجع "صالح" مذعنًا لأمر "عثمان". لكن ما زال غضبه يتفاقم، فيدس يده يجيب سترته ويخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائمًا وبدون مقدمات يفتحها ويفرغ منها بقوة داخل جوفه. بنفس اللحظة "أدهم" يترك "مراد" بعد أن ضمن سيطرته على نفسه، يلتفت فيرى "صالح" يتجرع هذا الشيء، فتجحظ عيناه وهو يصيح بلهجة مهددة: "انت بتشرب إيه يا بيـه؟؟؟ أبعد "صالح" القارورة عن فمه، لينقل نظراته بينها وبين ذاك الذي أطلق سؤاله الساذج بالنسبة إليه،

ثم يرد بمنتهى البساطة: "تيكيلا! "خمـــرة!!! " هدر "أدهم" بغضب شديد. "بـــراااااا. اِطلعوا بـــراااااااا كلكوا!!! حاول "عثمان" أن يهدئ "أدهم" عبثًا لم يستطع التفاهم معه، إذ كان مصممًا على طردهم وبدا أن لا نقاش سيجدي معه. ورغم شدة اضطراب "عثمان" إلا أنه أصر ألا يخرج من هنا إلا بالحل النهائي، فهداه عقله إلى تصرف يرضي مضيفهم.

فالتفت نحو ابن عمه بوجهه المحتقن غضبًا، يدفع به إلى خارج الغرفة بطريقته الهمجية ليخفف من غضب "أدهم" عليهم. وهكذا طرد "صالح" وأمره بالبقاء في الأسفل ريثما يهبط إليه، ثم عاد إلى المجلس الصغير وقال وهو يعدل هندامه الذي تشعث كليًا إثر هذه الفوضى: "إللي انت عايزه يا دكتور أدهم. ماتزعلش نفسك. صالح مشي خالص. ممكن بقى نتكلم في المفيد؟ أنا سامع! أغمض "أدهم" عيناه مطلقًا زفيرًا مشحونًا وقال بجفاف شديد:

"أستغفر الله. بص يا أستاذ عثمان. إنتوا بصراحة ماتشجعوش على أي نقاش. لسا ردود أفعالكوا هوجاء وطايشين وده ماينفعش. إذا كنت إنت ولا ابن عمي إنتوا الاتنين غلطانين! "أنا مش جاي أسأل مين الغلطان يا دكتور. أنا جيت عشان حضرتك كلمتني وقلتلي جايز الموضوع يتحل. أنا عايز أعرف بقى هايتحل إزاي؟؟؟ " قال "عثمان" بصلابة. صمت "أدهم" قليلًا يستجمع عقلانيته كاملةً، ثم أشار نحو "مراد" قائلًا:

"البيه ده لسا بيحب بنت عم حضرتك وعايزها وندمان على إللي عمله. سيبك من كلامه ده. أنا متأكد من إللي بقوله هو بس كان رافض يصارحني عشان رجولته ناقحة عليه أوي! عقد "عثمان" حاجبيه ممعنًا النظر بكلماته، تطلع إلى صديقه فوجده يجلس نفس الجلسة المتوترة ومنكمشًا على نفسه بطريقة مضطربة. بعد تأمله لبرهة بدأ يقتنع بأقوال "أدهم" نوعًا ما، لكنه عاد يقول له بجدية:

"الكلام ده جميل. ومن ناحيتي أقسملك بالله إن مافيش حاجة حصلت بيني وبين بنت عمي وإنها طول عمرها زي أختي. وطبعًا رجوعها لمراد شيء هايبسطنا وياريحنا كلنا. بس إزاي يا دكتور؟! "ده إللي كنت عاوزك فيه. مراد زي ما قولتلك رافض يصارحني. هو قالي إنه طلقها أكتر من مرة. بس بيلف ويدور عليا مش عايز يقولي كام مرة بالظبط." قال "أدهم" بجدية مماثلة. "3 مرات يا دكتور! " أجابه "عثمان" بصرامة. عبس "أدهم" قائلًا بلهجة متشددة: "متأكد؟!

أومأ "عثمان": متأكد. وهنا ساد صمت مريب، فتململ "مراد" قلقًا ورغمًا عنه تطلع نحو "أدهم" منتظرًا رده. فلم يجعله ينتظر طويلًا. "كده يبقى الموضوع منتهي! "يعني إيه منتهي يا أدهم؟!! " قال "مراد" بتوتر. نظر "أدهم" له وقال بصوته القوي: "يعني خلاص متحرمة عليك يا مراد. لازم محلل. والمحلل عندنا في الدين لو بغرض الرجوع للزوج الأولاني محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»."

"طيب ما هو زواج المحلل مش محرم يا دكتور! " قالها "عثمان" مستفهمًا. إلتفت "أدهم" إليه، ليكمل موضحًا: "في ناس كتير بتعمل كده. أعتقد إنه شيء مكروه في الدين لكن مش محرم! رفع "أدهم" حاجبيه مدهوشًا من تفكيره وجداله حتى بعد أن آتاه بالبينة. أراد أن يبرهن له أكثر على صحة كلامه، لكنه أمسك بآخر لحظة وعوض ذلك قال بغلظة: "حتى لو ده ينفع. أعتقد مافيش راجل يقبلها على نفسه! "يقبل إيه بالظبط؟ الجواز؟ ومين الزوج ولا المحلل؟!!

" قال "عثمان" بتساؤل. "الإتنين. وبعدين ده مش مجرد جواز على ورق. شروط المحلل عشان ترجع للزوج الأول ماتطلقش "حتى يذوق عُسيلتها وتذوق عُسيلته". ده حديث عن النبي بردو." قال "أدهم" بحدة. "يعني إيه الكلام ده يا أدهم؟؟!!! " قال "مراد" بقلق أكبر. نظر "أدهم" إليه من جديد وفسر له بمنتهى الصراحة: "يعني المحلل ده لازم يدخل عليها يا رايق عشان ترجعلك!

جحظت عيني "مراد" بصدمة وما لبث أن نقل ناظريه نحو "عثمان" وكأنه أخيرًا يناشده الحل والمساعدة. إلا أن "عثمان" لم يكن هنا أبدًا، كان يفكر بعمق. بمسألة حساسة جدًا للغاية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...