فى قرية ميت كنعان ، قرية من قرى الريف المصرى الأصيل. وفى بيت من بيوته اللى لسه ماوصلتلهاش إيد التغيير والتحديث، كان بيت بسيط مبنى بالطوب النى. وسط بيوت كتيرة مبنية بالمسلح من كل ناحية، بشكل خلاه زى القزم اللى بين مجموعة من العمالقة. كانت قاعدة الست تفيدة متربعة فوق مصطبة فى صحن دارهم، وهى بتكلم مراة ابنها وبتنده عليها بزعيق وبتقول: "انتى ياللى اسمك سِليمة، انتى فين يا اللى ينخفى أتراك من على وش الدنيا." سِليمة وهى
بتهرول من على سطح البيت: "انا أهوه يا أمه." تفيدة بنرفزة: "بقالك ساعة يا اللى تنطعنى بتعملى إيه عندك؟ سِليمة: "كنت بنشر الغسيل وبأكل الطير يا أمه." تفيدة: "سنة بتنشرى الهدمتين، أومال لو كان عندك عيل ولا اتنين وبتنشرى هدومهم راخرين كنتى باييتى عندك على كده." سِليمة بخفوت: "معلش يا أمه.. حقك عليا." تفيدة: "اخلصى شوفى الأكل اللى على الوابور ولا ناوية تأكليهولنا محروق زى قلبك." سِليمة: "حاضر يا أمه هشوفه أهوهو."
راحت سِليمة ناحية الوابور، بصت على الأكل وكملته وطفت عليه ورجعت لحماتها. قالت لها: "الأكل خلص يا أمه، أجيب لك تاكلى دلوقتى ولا تستنى السيد على ما يعاود من الغيط." تفيدة بتهكم: "يعنى لاهيبقى له ضنى يستناه ولا أمه كمان تستناه، هينكتب عليه يبقى وحدانى ومقطوع يا قلب أمه كده من كل ناحية." سِليمة وعيونها مليانة دموع: "يا أمه ما أنا قلت لك نروح للحكيم وانتِ اللى ما رضيتيش."
تفيدة بغضب: "حكيم إيه اللى عاوزة تروحى له يا بنت المركوب، هو انتى لو كان فيكى رجا كنتى هتحتاجى لحوكمة، ولا تقصدى إن السيد هو اللى ما بيخلفش، لا يا أختى، أخواته كلهم عيالهم فى رجليهم بيرمحوا، الدور والباقى عليكى انتى يا اللى اتبلينا بيكى، منه لله شيخ الجامع، بلانا بيكى." سِليمة بعياط: "ليه بس كده يا أمه، هو أنا عملت حاجة للكلام اللى بتسمى بيه بدنى ده يومياتى."
تفيدة بتهكم: "ويا ريته محوق فيكى، الا انتى عاملة زى القراضة اللى لبدت فينا ومش عاوزة تطلع ولا تفارقنا أبداً." سِليمة راحت قعدت جنب تفيدة على المصطبة وبوست كتفها وقالت وهى لسه بتعيط: "أسيبكم وأروح فين بس يا أمه، هو أنا ليا غيركم فى الدنيا دي، وبعدين أسيب جوزى إزاي." تفيدة بغيظ: "تغورى مطرح ما تغورى، أنا عاوزة أشوف عياله قبل ما أموت."
سِليمة: "خلاص يا أمه لو السيد له كيف يتجوز عليا أنا موافقة، ومش هفتح بقى بكلمة واحدة." تفيدة: "وهو قادر عليكي لما يجيب واحدة كمان، لا.. البيت ده ما يساعش ضرتين أبداً." سِليمة بخوف: "يعنى إيه يا أمه." تفيدة بحزم: "يعنى شيخ الجامع زى ما بلانا بيكى ياخدك تانى وهو حر فيكى، مالناش صالح." سِليمة وهى بتعيط على آخرها: "انتى عاوزة السيد يطلقنى يا أمه."
تفيدة: "أيوة، ما بدهاش بقى، انتى بقالك على ذمته فوق التلات سنين دلوقتى، بكفايانا فقر بقى لحد كده." كان السيد وصل من الغيط ومعاه الحمار بتاعه اللى على ضهره شايل حمل برسيم علشان أكل الجاموسة بتاعتهم. وأول ما دخل وشاف عياط سِليمة نفخ وقال: "ييييه.. أعوذ بالله، هو أنا ما أشوفش خلقتك غير وإنتى معيطة، صحيح وش نكد، فزى قومى خدى الحمار على الزريبة وحطى أكل وميّة للجاموسة." سِليمة قامت من سكات تنفذ اللى السيد قال عليه.
وبعدها جابت له ميّة علشان يتشطف ويغير هدومه قبل ما تحط الغدا. بعد ما غير هدومه وقعد جنب أمه على المصطبة قال لأمه: "مالها البومة دى بتعيط ليه تانى." تفيدة بقرف: "عشان بقول لها إننا هنرجعها لشيخ الجامع من تانى." السيد بتريقة: "هو فستان يا أمه هترجعيه." تفيدة بزهق: "ما إحنا لو كنا نعرف لها أهل كنا رجعناهالهم." السيد بصوت واطى: "ما إنتى عارفة يا أمه إنها يتيمة ومالهاش حد."
تفيدة: "وإشمعنا إحنا يعنى اللى نتبلى بيها، وهى أرض بور ما منهاش رجا." السيد بفضول: "إنتى عاوزانى أطلقها يا أمه." تفيدة: "أيوة طبعاً، أومال أنا بهاتى من الصبح فى إيه أنا." السيد: "طب والغلبانة دى هتروح فين بس يا أمه." تفيدة بزهق: "هو اللى هنقوله هنعيده، شيخ الجامع.. زى ما كان شايل حملها من زمان يرجع يشيله من تانى، إحنا مالناش صالح." السيد بخفوت: "يا أمه البت غلبانة ومنكسرة وما بنسمعش منها غير حاضر ونعمت."
تفيدة بنرفزة: "خلفتلك فار حتى." السيد وهو موطى راسه: "يا أمه ده رزق من المولى." تفيدة بحزم: "والمولى قال اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك." السيد بتردد: "طب ما نحاول نوديها لحكيم يمكن…." تفيدة قاطعته بشدة وقالت: "ونروح نصرف فلوس أد كده على كشف وعلاج ما إحنا عارفين هيجيب فايدة ولا لأ، الفلوس اللى تتصرف على العلاج أجوزك بيه." السيد: "منين بس يا أمه، ما إنتى شايفة الحالة عاملة إزاي."
تفيدة: "مالكش انت صالح، إنت تاخدها آخر النهار للشيخ مدبولى وترمى عليها اليمين وتتنك راجع، وسيبنى أنا أتصرف." وبعدها قالت بعلو صوتها: "انتى ياللى تندعقى، فين الأكل." سِليمة خرجت تجرى من المندرة بتاعتها، وراحت تحط الأكل لجوزها وحماتها. وسابتهم ياكلوا ورجعت من تانى على المندرة بتاعتها تلم هدومها اللى قالت لها عليها حماتها.
لأنها حكمت عليها ما ترجعش غير بالهدوم اللى اتجوزت بيها وماتاخدش أي حاجة من اللى جتلها بعد الجواز ولا حتى حاجة من جهازها اللى اتجهزت بيه وهى عروسة. السيد كان من جواه متضايق عشان سِليمة، طول التلات سنين ما شافش منها أي حاجة وحشة، كانت طيبة ولسانها حلو، وصبورة، وعمرها ما شاكلت أمه رغم طبع أمه الشديد جداً. لكن كانت على طول مطاوعاها فى كل أوامره.
لكن فى نفس الوقت كان نفسه فى عيال زى ما أمه دايماً بتقول له، ومن كتر كلامها اقتنع فعلاً إن سِليمة مابتخلفش ومش هتخلف أبداً. أخدها بعد ما اتغدا وراح بيها لشيخ الجامع، الشيخ مدبولى. كان راجل فوق الستين، وكان عايش مع مراته الحاجة نبوية فى بيت صغير جنب الجامع، وما كانش عندهم ولاد. وكانوا بيعتبروا سِليمة بنتهم، هما اللى مربينها من وهى عندها خمس سنين. سِليمة أبوها وأمها مش من البلد.
أبوها كان بيلف على البلاد بمخلة على كتفه بيبقى فيها طرح ومناديل وفوط وملايات. وكان بيبيع بالقسط للناس وبييجى مرة كل أسبوع يلم الفلوس بتاعته. وفى آخر سنة من عمره كان بيلف على البلاد ومعاه سِليمة بنته عشان أمها ماتت وما كان لهومش حد يسيبها معاه، خصوصاً إنه داير سواح فى بلاد الله. لحد ما فى مرة وهو فى بلد الشيخ مدبولى، دخل الجامع يصلى العصر جماعة. وبعد الصلاة ما خلصت، الناس اتفاجئوا إن أبو سِليمة مات وهو بيصلى.
وكانت سِليمة قاعدة عند باب الجامع جنب المخلة بتاعة أبوها. الناس قاموا بالواجب ودفنوا أبوها، والشيخ مدبولى اتكفل بسِليمة لحد ما جوزها للسيد. السيد كمان ظروفه كانت على قده، وما زالت، وما كانش قادر يتجوز. فالشيخ مدبولى اقترح عليه يجوزه سِليمة، واللى السيد طار بيها من الفرحة. وخصوصاً إن سِليمة ملامحها مليحة، ولسانها حلو، وكمان الشيخ مدبولى علمها تقرا وتكتب ودخلها المدرسة وعلمها وحفظها أكتر من نص المصحف كمان.
وماحدش يقدر ينكر أبداً إن قدمها عليهم كان قدم السعد. بعد كام شهر بس، قدر يجيب جاموسة، وشوية بشوية سِليمة ابتدت تربى طيور. وبقت تروح السوق تبيع جبنة وزبدة وبيض. لكن كانت دايماً تفيدة بتسممها بكلامها ومش بتديها أبداً أي تقدير للي بتعمله معاهم. السيد وصل بسِليمة لبيت الشيخ مدبولى. وقبل ما يخبط على الباب التفت لسِليمة اللى ما بطلتش عياط من ساعة ما حماتها قالت لها تلم هدومها.
فقال لها: "حقك عليا يا سِليمة، ربنا اللى يعلم إنى حاولت مع أمى بس مارضيتش أبداً." سِليمة بعياط: "وهنت عليك يا سيد، طب كنت اتجوز عليا وسيبنى على ذمتك، لكن تطلقنى يا سيد." السيد بتنهيدة: "ادعى ربنا إنها تهدى شوية من ناحيتك، يمكن ترضى إنى أردك." والتفت خبط على باب الشيخ. واللى أول ما مراته فتحت وشافتهم قالت بحب وترحاب: "سِليمة… كده برضة يا بنتى تقاطعينى المدة دى كلها، أمك مابتوحشكيش يا بت."
سِليمة اترمت فى حضن نبوية وهى بتعيط أوى، فنبوية اتخضت وبصت للسيد بفضول وقالت له: "مراتك مالها يا سيد.. فيه إيه." السيد: "هو الشيخ مدبولى فين أومال يا خالة نبوية." نبوية وهى بتشاور له يدخل: "جوة، ادخل على ما أنده لك عليه." وأخدت سِليمة تحت باطها ولفت دخلت معاها وهى بتنده على جوزها وبتقول: "يا شيخ مدبولى، تعالى جوز بنتك هنا وعاوزك." خرج مدبولى وعلى وشه ابتسامة وقال بترحاب: "يا أهلا بالحبايب."
وقطع كلامه أول ما شاف سِليمة منهارة من العياط وقال: "مراتك مالها يا سيد، فيه حاجة حصلت ولا إيه يا ابنى، إنتوا متخانقين سوا ولا إيه." السيد وهو مطاطى راسه قال بخفوت: "سامحنى يا شيخنا، بس أنا وأمى نفسنا فى حتة عيل، وعشان كده أنا جيبتلك سِليمة، بيتك أولى بيها." وبعدين بص على سِليمة وقال: "إنتى طالق يا سِليمة." والتفت ومشى بسرعة جداً كأن فيه حد بيجرى وراه. ومدبولى ونبوية فى حالة ذهول من اللى حصل. وأول ما نبوية ابتدت
تستوعب اللي حصل قالت: "اخص عليك يا سيد، بقى كده يا ابنى برضة." مدبولى وهو بيضرب كف على كف: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." سِليمة كل ده مش مبطلة عياط. فمدبولى قال لها: "بطلى عياط يا بنتى واصبرى واحتسبى، كله خير من عند المولى." سِليمة: "والله يا ابه قايدالهم صوابعى العشرة شمع، بس أمى تفيدة الله يسامحها بقى." نبوية: "هو انتى روحتى للحكيم يا سِليمة." سِليمة هزت راسها بالنفي
وقالت من بين عياطها: "لا يا أمه، أمى تفيدة مارضيتش." نبوية: "لا إله إلا الله، خير يا بنتى على رأى أبوكي." سِليمة بعياط هستيري: "السيد ما كانش عاوز يطلقنى، بس أمى تفيدة اللي صممت إنه يطلقنى." نبوية: "هم الخسرانين يا بنتى، قومى قومى اغسلى وشك، وروحى ارتاحيلك شوية على ما أجيب لك لقمة تاكليها، تلاقيّك ما دوقتيش الزاد طول اليوم." سِليمة
بصت لهم بحزن وقالت: "أنا مش جعانة يا أمه، أنا قلبى واجعنى عشان هرجع من تانى حمل عليكم من بعد ما انزاحت بحملى من على أكتافكم." مدبولى بابتسامة: "لو تعرفى أد إيه ربنا كان مزود فى رزقي طول ما إنتى كنتى وسطينا ما كنتيش قلتى الكلمتين الخايبين دول، روحى يا بنتى اعملى زى ما أمك قالت لك روحي." نبوية بصت على البؤجة اللي فى إيد سِليمة وقالت لها: "وإنتى ما جبتيش حاجتك ليه وإنتى ماشية من عندهم." سِليمة
بعياط: "أمى تفيدة حكمت عليا ما أخرجش غير بالهدمتين دول." نبوية: "وحاجتك اللي اتجوزتى بيها." سِليمة: "ما أعرفش يا أمه، زى ما قالت لي عملت." مدبولى: "سيبيها تروح ترتاح بقى يا نبوية، وأنا ليا كلام تانى بعدين معاهم." سِليمة: "قول له يتجوز يا ابه بس يسيبنى معاهم أخدمهم، مش هقول." مدبولى بحزم: "يمين الله ما يحصل أبداً، اللي باعك بالرخيص، ما نشتريهوش أبداً، ما تحمليش هم إنتى وسيبها على الله."
سِليمة: "ونعم بالله، فوضت له حالي كله." مدبولى: "أيوه كده، أنا هروح أتوضا عشان المغرب قرب." سِليمة دخلت على الأوضة اللي كانت طول عمرها عايشة جواها واللي كانت فاكرة إنها فارقتها للأبد. دخلت على فرشتها ورقدت وهى بتشكى حالها لربنا وبتدعيله إنه يفك كربها. كانت بتقوم تصلي وترقد تاني لحد ما سمعت آذان الفجر. قامت اتوضت وصلت وخرجت من الأوضة لقت نبوية قاعدة على الكنبة بتسبح بعد ما ختمت صلاتها. قربت منها سِليمة
وقالت لها: "يسعد صباحك يا أمه." نبوية بحنان: "يسعد صباحك يا قلب أمك، عاملة إيه دلوقتى." سِليمة: "هعمل إيه يا أمه، هو أنا في إيدي إيه يتعمل وما عملتوش." نبوية: "أنا بسألك عن حالك يا بنتى، نمتى كويس، ولا قضيتيها بكى ونواح." سِليمة: "والله يا أمه ما أعرف أنا نمت إزاي بعد ما صليت العشاء، رغم إني كنت مفكرة إن النوم هيجافيني بالشهور."
نبوية: "ربك عالم بحالك يا بنتى، وأبوكي كمان ما رضيش يقلقك امبارح بعد ما رجع من صلاة العشاء، وقال يبقى يقول لك لما تصحي." سِليمة بفضول: "يقول لي إيه يا أمه، هو حصل حاجة." نبوية: "أيوه طبعاً، ده حصل وحصل كمان، لا هو انتى فاكرة إن أبوكي كان هيسيب حقك كده من غير ما يجيبهولك." سِليمة باستغراب: "إنهي حق ده اللي تقصديه يا أمه." نبوية: "حاجتك يا بنتى اللي اتجوزتى بيها."
سِليمة: "ما هي أمي تفيدة قالت لي إن جهازي البلد كلها مشاركة فيه عشان خاطرها هي وإن ماليش حق فيه." نبوية: "لا حول ولا قوة إلا بالله، الواحد مش عاوز يشيل ذنوب على الصبح، بس أبوكي ليلة امبارح لم كبارات البلد وراحوا للسيد وأمه، وحكموا عليهم إن كل قشاية تخصك تجيلك ومؤخرك ونفقتك بما يرضي الله، كل حقك يا بنتى هيجيلك لحد عندك." سِليمة بحزن: "وأستفيد إيه يا أمه بشوية كراكيب بعد ما بيتي اتخرب." نبوية
وهى بتطبطب على رجلها: "بلاش عبط، أوعاكي في يوم تفرطي في حقك لجل حد ما يستاهلش، وعاوزاكي تشدي ضهرك كده وتفوقي لروحك أوام أوام، ماتخليش البكا يضيع صحتك." سِليمة قامت وقفت وقالت: "حاضر يا أمه، أنا هروح أحضر الفطار على ما أبويا ييجي من برة." وفعلاً، الشيخ مدبولى ما هديش باله قبل ما يرجع لسِليمة كل حقوقها.
وقال لها: "احتفظي باللي عاوزة تحتفظي بيه وبيعي الباقي وخلّي قرشك معاكي، وأنا هاخدك البوسطة أفتح لك دفتر حطي فيه القرشين اللي معاكي يبقوا ليكي للزمن." وعدت الأيام لحد ما مر على طلاق السيد وسِليمة حوالي سنة. وكانت سِليمة ما بتبخلش بصحتها أبداً على أي حد محتاج مساعدتها في أي حاجة.
وكانت ساعات تخبز بالفلوس، لكن كان الشيخ مدبولى يصمم إنها ما تدخلش قرش واحد على بيته، وإن كل مليم بتكسبه.. يا إما تصرفه على روحها، يا إما تحوشه في الدفتر اللي فتحهوله. لحد ما في يوم كانت بتخبز عند ناس وبعد ما خلصت وجت تمشي. ولسه خارجة من البيت لقت بنت صغيرة بتجرى وهى خايفة وكان فى بنت أكبر منها بتجرى وراها وعاوزة تضربها. البنت الصغيرة مسكت هدوم سِليمة تتحامى فيها. سِليمة وقفت قدام البنت التانية وقالت لها بالراحة:
"ليه كدا بس يا عزة، هو انتي على طول كده عمالة تضربي في العيال عمال على بطال بالشكل ده." عزة بغيظ: "سيبيني أضربها يا خالة سِليمة، هي جاية تعمل علينا ألفة هنا في بلدنا ولا إيه." سِليمة بضحك: "لا وطبعاً إنتي ماحدش يقدر ييجي ناحيتك، بس هي مين دي." قالتها وهى بتحاول تشد البنت الصغيرة من ورا ضهرها بالراحة. والبنت عمالة تصرخ وتقول: "أنا عاوزة بابا، يا بابا، يا بابا." سِليمة باستغراب: "بنت مين دي يا بت يا عزة."
عزة بزهق: "أنا عارفالها بقى، أهى بنت عم عبد الهادي، الراجل اللي فتح الدكان اللي على أول البلد." سِليمة بحنية قالت للبنت: "إنتي اسمك إيه حلوة." البنت وهى عينها من عزة اللي كانت بتبصلها بوعيد: "أنا اسمي فاطمة." سِليمة: "وبنت مين يا فاطمة." فاطمة وهى بتشاور على عزة بخوف: "بنت بابا اللي قالت عليه البنت دي." سِليمة باستغراب: "طب وإنتي إيه اللي جابك لحد هنا، ده زمان أبوكي قالب الدنيا عليكي." فاطمة وهى بتشاور على
بيت مبنى بالطوب الأحمر: "ما هو بابا اشترى البيت اللي هناك ده وبقى بتاعنا، وأنا كنت قاعدة ألعب مع أخويا فهمي، لحد ما هي جت حبست أخويا في البيت وقعدت تجري ورايا عاوزة تضربني." سِليمة ضحكت جامد وقالت لعزة: "أنا نفسي أعرف إنتي إيه الجبروت اللي إنتي فيه ده، مالك وإيهم يا مفترية إنتي حرام عليكي." عزة بعنفوان: "دى دار خالي أحمد، إزاي تقول إنه دارهم." سِليمة شدت فاطمة في إيدها بقلة
حيلة وقالت لها بالراحة: "تعالى نفتح لأخوكي يا فاطمة عشان ما يخاف." عزة بزعيق: "يا خالة سِليمة دي دار خالي." سِليمة بحزم: "وخالك باعها يا عزة، وروحي اجرى.. روحي لأمك أحسن هقول لها على كل بلاويكي." عزة بمحايلة: "خلاص والنبي يا خالة سِليمة، أوعي تقولي لها أحسن بتحبسني في الدار." سِليمة: "تستاهلي، عشان تبطلي بلطجة على العيال." وأول ما سِليمة قربت من باب البيت سمعت صوت طفل صغير عمال بيعيط ومش عارف يفتح الباب. سِليمة
بامتعاض: "آه منك يا عزة يا مؤذية، ربنا يهديكي." وقالت بصوت عالي: "يا فهمي، ما تعيطش يا حبيبي، أنا هفتح لك بس ابعد عن الباب لا تتخبط." فهمي من جوة: "أنا عاوز بابا واختي فاطمة." فاطمة بصوت عالي: "أنا هنا يا فهمي وطنط هتفتح لنا الباب بس استنى." سِليمة فتحت الباب بشويش، لقت طفل صغير أصغر من فاطمة وكان خايف وعمال بيعيط على أخره.
وأول ما شافهم جرى على فاطمة اللي رغم صغر سنها إلا إنها فتحت دراعاتها وأخدته في حضنها وقعدت تطبطب عليه. سِليمة بصت بعتاب لعزة وقالت لها: "عاجبك كده.. الواد يا قلب أمه كان يموت روحه من العياط." عزة بندم لما شافت حالة فهمي: "خلاص معلش، بس أوعى تقولي لأمي يا خالة سِليمة عشان خاطري." سِليمة قالت لها: "طب يا للا روحي على داركم وعلى الله أشوفك النهاردة في حتة." ورجعت بصت
لفاطمة وفهمي وقالت لهم: "إنما إنتوا لوحدكم هنا يا عيال، أومال فين أمكم." فاطمة وهى لسه بتطبطب على فهمي: "مامتنا ماتت وهى بتولد فهمي." سِليمة بحزن: "يا نضري، طب وإنتوا قاعدين لحالكم كده ما معاكومش حد." فاطمة: "بابا قال لنا نستناه وهو هيروح يبص على شوية حاجات ويجيب لنا أكل وييجي." سِليمة: "لا هو إنتوا جعانين." فاطمة: "لما بابا ييجي هيجيب لنا معاه أكل." فهمي خرج من حضن أخته وقال: "أنا جعان يا فاطمة."
سِليمة بحزن مدت إيدها في القفة اللي كانت شايلها على راسها وخرجت منها عيش من اللي الناس ادوهولها بعد ما خلصت خبيز. وناولته لفهمي اللي كان خايف ياخده، فقالت له: "خد من خالتك سِليمة، ده أنا لسه خبزاه بإيديا، حتى دوق كده وقول لي رأيك عشان لو عجبك أجيب لك منه تاني." فاطمة: "أصل بابا ممكن يزعلنا." سِليمة: "لا يا ستي إن شاء الله مش هيزعل، وخذي إنتي كمان يالا حتة كده ودوقي وقولي لي."
فاطمة وفهمي مدوا إيدهم أخدوا منها العيش وابتدوا ياكلوه بنهم، وكان واضح إنهم جعانين أوي. سِليمة وهى واضح عليها الشفقة: "يا ولداه يا أولاد، العيال يا نضري هتموت من الجوع." "إنتى مين." التفتت سِليمة بفزع على الصوت العالي لقت قدامها راجل ما تعرفوش، وأول مرة تشوفه. كان شكله مرهق جداً، ووشه مرسوم عليه القلق، فسِليمة فهمت إنه أبو الولاد الصغيرين فقالت له بابتسامة عشان تطمنه:
"أنا جارتكم هنا حدا بيت الشيخ مدبولى إمام الجامع، ما تقلقش ولادك بخير." الراجل قرب منهم بتوجس وهو بينقل عينه بين ولاده بيقول: "أهلا بيكي، بس هو حصل حاجة، الولاد عملوا حاجة." فاطمة وهى بتunless اللي في بقها: "دي طنط سِليمة يا بابا، هي خلت عزة تمشي وتسيبني بعد ما حبست فهمي وكانت عاوزة تضربني، وقعدت تقول إن البيت ده يبقى بتاع خالها، وكانت عاوزة تمشينا من هنا." عبد
الهادي ضحك بالراحة وقال: "الله يعينك على عزة يا أبو عزة، ما تأخذنيش يا ست حليمة." فاطمة بتصحيح: "اسمها سِليمة يا بابا." عبد الهادي باستغراب: "لا مؤاخذة يا ست سِليمة." سِليمة بابتسامة: "ولا يهمك، ربنا يخليهوملك، فوتكم بعافية." فهمي بسرعة وهو بيبلع اللي في بقه: "ما فيش معاكي عيش تاني، طعمه حلو أوي." عبد الهادي بحزم: "عيب يا فهمي." سِليمة مدت إيدها خرجت رغيفين كمان ومدت إيدها
لفهمي وقالت له بابتسامة: "بالف هنا على قلبك، ليك عليا كل أما أخبز أعمل حسابك." عبد الهادي: "كتر خيرك بس ما يصحش." سِليمة وهى بتتلفت وتسيبهم شاورت للولاد بحب وقالت لهم: "ده كله من خير ربنا، هشوفكم تاني يا عيال إن شاء الله." بعد ما مشيت، عبد الهادي أخد ولاده ودخلوا البيت وقفل الباب وقال: "احكولي بقى إيه اللي حصل."
فاطمة: "بعد ما انت مشيت قعدت أنا وفهمي نتفرج على البيت ونلعب سوا لحد ما بصينا لقينا البنت اللي اسمها عزة دي جاية تجري بتزعق لنا وبتقول لنا انتوا بتعملوا إيه في بيت خالي، ولما قلت لها إن ده بيتنا، قفلت الباب على فهمي حبسته، وقعدت تجري ورايا وهي عاوزة تضربني لولا طنط سِليمة هي اللي حاشتها عني، وفتحت لفهمي، وقالت لعزة إنها هتقول لمامتها لو عملت حاجة وحشة تاني، ولما عرفت إن فهمي جعان اديتنا العيش اللي أكلناه ده."
فهمي لبراءة: "العيش بتاعها حلو أوي يا بابا." عبد الهادي بابتسامة: "طب ما تدوقوني معاكم." فهمي قطع حتة عيش واداها لأبوه اللي حطها في بقه بعد ما سمى وبعدين قال بابتسامة: "فعلاً والله.. صدقت يا فهمي طعمه حلو أوي." فاطمة: "طب جبت لنا أكل." عبد الهادي بابتسامة: "جبت لكم أكل وما لقيتش عيش، واديني أهو ربنا بعتلنا العيش من عنده، الحمدلله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!