الفصل 5 | من 31 فصل

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الخامس 5 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر

المشاهدات
26
كلمة
3,533
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

ابتلعت ريقها من التوتر. لماذا تشعر بالبرودة كلما رأته؟ قطع تفكيرها وهو يقول: -مساء الخير. هزت رأسها ردًا على سلامه، وبؤبؤ عينيها يتحرك بتوتر، ويداها التي تمسك بها الباب ترتعش. كانت ملهمة بهذه المنامة القصيرة المرسوم عليها شخصية كارتونية. لم يخفَ عليها نظراته الجريئة لتفاصيل جسدها وانحناءاتها. قال: -إيه مش هتقوليلي اتفضل ادخل؟

راقب رد فعلها فوجدها عقدت حاجبيها، وأنفها بدأ يتحرك مثل القطط كأنها تشم شيئًا، لدرجة أنه ظن أن رائحته بها شيء، فبدأ برفع ذراعه يشتم نفسه ليرى ما المشكلة وقال: -فيه حاجة؟ اتسعت عيناها فجأة، وقفزت تجري من أمامه للداخل. بعد لحظات سمع شيئًا يقع مع صراخ مكتوم من الداخل. تصلب جسده بسبب صراخها، فأسرع للداخل اتجاه الصوت، ووجدها تمسك يدها وتبكي بشدة، وأشياء مبعثرة على الأرض. اتجه يمسك يدها يقول: -حصل إيه؟ افتحي إيدك.

كانت تبكي بشدة من الألم، فامسك بكفها بقوة وتوجه لصنبور المياه ليضع كفها أسفل المياه الجارية، ثم ذهب يبحث بالبرادة عن ثلج ليضعه على يدها وهو يقول: -خلاص متعيطيش، حصل خير. رفعت عينيها لتنظر له بامتنان. فيصدح صوت غاضب يقول: -انت بتعمل إيه هنا؟ ترك يديها، ثم وضع يديه في جيبه وهو يقول بثقة: -كنت جاي أزور الأنسة غزل.. فيها حاجة؟ قال محمد بسخرية: -كده من غير ميعاد ومن غير استئذان؟ ثم أكمل محمد:

-واللي يزور حد بيزوره في المطبخ؟ يوسف: -بيتهيألي صاحبة الشأن ما اعترضتش. ونظر إليها بجنب عينه. فقاطع حديثهما صوت يتساءل: -في إيه ياولاد؟ جرت غزل اتجاه الخالة صفا تحتمي بها، فقال محمد وهو يرفع حاجبه بتحدي: -مافيش يا خالتي، ده البشمهندس يوسف كان جاي يطمن على غزل وماشي على طول. صفا: -أهلًا وسهلًا يابني، يمشي إزاي يابني من غير ما ياخد الضيافة بتاعته. قال يوسف بابتسامة ماكرة وتحدي لمحمد:

-تسلمي ياهانم، أكيد مش هكسفك وأشرب قهوتي معاكي. -اتفضل يابني اتفضل في الصالون. قالتها صفا وهي تتكئ على عكازها متجهة به لغرفة الضيوف.

كان الكل مجتمعًا بالغرفة، الخالة صفا التي أعدت ليوسف قهوته ويجلس يتناولها وهو ينظر بتحدي لمحمد، وتجلس غزل بجوار محمد بعد أن أبدلت منامتها ببنطلون جينز وقميص قطني بعد أن نبهها محمد بعينه لذلك الأمر. فلم يخفَ على يوسف النظرة التي رماها بها لتدخل مسرعة تبدل ملابسها. وها هي تجلس بجواره ليمسك كفها بكل وقاحة وأريحية ويقوم بدهن كريم للحروق لكفها وهي مستسلمة لمسكة يده وملامسته. ظل شيطانه يخيل له أن هناك تجاوزات تصير بينهما من خلف ظهر هذه العجوز. قاطع

شروده كلمة الخالة صفا: -نورتنا يا ابني. يوسف وهو يضع فنجان القهوة من يديه على الطاولة: -بنورك ياهانم، الحقيقة أنا كنت جاي النهاردة لسببين، السبب الأول أني أطمن على الأنسة غزل، والسبب التاني.. إني محتاجها معايا في الشغل، بصراحة هي ليها الفضل في إنقاذ الشركة من آخر صفقة. صمت لثوانٍ معدودة يقرأ معالم وجوههم، ثم أكمل قائلًا:

-الحقيقة بردوا ذكية جدًا، وأتمنى تقبل تشتغل معايا.. وأرجو ماترفضش طلبي وطبعًا هخصص لها راتب كويس مش هتلاقيه في أي شركة تانية. كان يكمل حديثه وعينه على انفعالات غزل التي فهمت كلامه جيدًا، وظهر عليها التوتر جليًا. فقالت صفا: -والله يابني مقدرش أدي رأي في الموضوع ده، دي حياتها وهي حرة. محمد بغيظ: -هو ياخالتي أنا قصرت معاكم في حاجة؟ غزل مش محتاجة للشغل ولا تتعب نفسها. صفا: -لا ياحبيبي مش ده قصدي، أنا اق...

قاطع يوسف حديثهم بثقة قائلًا: -خلاص نشوف رأيها هي. ساد الصمت للحظة لتتوجه إلى الروزنامة وتكتب بها لمحمد أنها تريد هذا العمل، تريد التعامل مع الغير والخروج من هذه الشرنقة. نظر محمد بعينيها ليعبر لها عن مدى ألمه لحالتها، كم يتمنى أن تشفى من مرضها ويسلمها لعريسها بنفسه. ثم أخذ نفس وقال: "غزل للأسف وافقت تشتغل في الشركة، أهو تروح معايا وترجع معايا ياخالتي." ثم نظر محمد إلى يوسف قائلًا: -كان نفسي أقولك لا يا بشمهندس.

ضحك يوسف وأكمل حديثه: -طيب بالمناسبة دي أنا عازم الأنسة غزل والأستاذ محمد على حفلة يوم الخميس في الفيلا، وأهي فرصة تتعرفوا على صاحب الشركة.. وعلى فكرة مش هقبل اعتذار عن الحضور. ثم وقف يغلق سترة بدلته ليهُم بالانصراف على وعد منهم بالحضور. -تقى، تقى لو سمحت، ممكن كلمة؟ قالها زميلها بلهفة وابتسامة براقة على وجهه. لقد كان (علي) من أوائل دفعته، فهو شاب بسيط من أسرة بسيطة، مكافح يعمل في مطعم مشويات ليساعد أسرته ووالده.

-فيه إيه يا علي؟ مش هتخلص بقى من الحوار ده، كل ما تشوفني تندهلي! وقولتلك مائة مرة ما تندهليش في الكلية كده! شحب وجه علي من هجوم تقى غير المبرر. من الواضح أنها في مزاج سيء اليوم ولن يستطع اخبارها بالذي يريده منها. فقال بتوتر ليخفي إحراجه: -احم، أنا آسف يا تقى ياريت متزعليش مني.. أنا كنت خايف تمشي وملحقكيش بس. تقى بقلة صبر: -خلاص يا علي مافيش مشكلة.. ها في حاجة؟ علي وهو يبتلع ريقه بصعوبة وعيونه على عينيها البندقية:

-كنت.. كـنت عايز أديك ده! ومد يديه لها بشيء جعلها تخفض عيونها ليديه وتتساءل: -إيه ده؟ علي وهو يتباطأ في إخراج الحروف: -دي ملخص كتاب مادة، أنا عارف إنك مالكيش خلق التلخيص فقولت تكوني أول واحدة أديهولها. ابتسمت تقى ابتسامة مجاملة له: -شكرًا يا علي أنا مش عارفة أقولك إيه. علي: -شكرًا؟ شكرًا إيه يا تقى أنا معملتش حاجة، انتِ.. انتِ ماتعرفيش انتِ إيه بالنسبالي. استشعرت تقى أن الحديث سيأخذ منحنى لا تحبذه، فقالت مسرعة:

-معلش يا علي ملك مستنياني، نكمل كلامنا بعدين.

لم تنتظر رده واختفت من أمامه. فهي دائمًا تهرب منه. نعم هي تعلم أن علي زميلها يكن لها مشاعر خاصة، والحق يقال أنه محترم وليس مثل شاكلة الشباب الذين تراهم. فهو من القلة الملتزمة بكليتها. وكان من السهل عليها صده من البداية وقطع الطريق عليه حتى لا يأمل بها. ولكن بداخلها شعور غريب، ليس اهتمام بعلي وإنما شعور بالغرور والثقة التي تشبع نفسها بها. كلما اهتم بها علي تشعر بالثقة والكبرياء أنه يوجد من يهتم بها ويرغب بها. أما هي فعقلها وقلبها مع شخص واحد تريده ملكها. عقلها أوهمها أنها تستطيع إيقاعه بشباكها.

جلست تنتظر قدوم ملك وشردت فيما حدث بينها وبين أخيها محمد عندما كان يبحث عن شركة جديدة للعمل بها، واستغلت فرصة أن ملك أبلغتها في وسط حديثها عن يوسف أنه أعلن بالجريدة أنه يحتاج محاسبين شباب. فقامت بشراء الجريدة ووضعتها أمام محمد كأنه هو من وجد هذا الإعلان. وعندما أخبرهما اسم الشركة استطاعت إظهار رد فعل معاكس كأنها فوجئت باسم الشركة التي يملكها عم صديقتها المقربة. فهي تعتبر دخول محمد الشركة والتعامل مع يوسف خطوة في سبيل غايتها.

-ها عملت إيه؟ قالها شادي ليوسف الجالس أمامه ممسكًا بكأس من الخمر وساقيه على طاولة بيضاوية أمامه. ارتشف يوسف من الكأس ثم أجاب شادي وقال: -وانت مالك مهتم أوي كده ليه؟ شادي: -يا أخي أنا لحد دلوقتي مش مصدق إن الملاك ده يطلع منه كل ده! مش يمكن نكون ظالمينها؟ يوسف: -إزاي مش فاهم؟ أنت لو شوفتها النهاردة والبيه ماسك إيديها إزاي مش هتقول كده.. وكمان تعالا هنا، أنت عجبتك ولا إيه؟ عمال تدافع أوي! انت وقعت؟

شادي وهو يفتح علبة سجائره الموضوعة على الطاولة: -هي من ناحية عجبتني.. فهي تعجب أي حد، بس مش عارف حاسس إن فيه حاجة غلط. وكمان موضوع إنها طلعت مش بتتكلم ده صدمني شوية. يوسف بضحكة ساخرة: -ميصعبش عليك غالي. تقى وهي تسترق السمع خلف باب غرفة محمد: -إن شاء الله بكرة فيه حفلة في فيلا البشمهندس يوسف، متعمليش حسابي على الغدا لإني يدوب هرجع ألبس وأمشي. الحاجة راوية: -ماشي يابني هبقى أسيبلك الأكل في المطبخ لو جعت بليل. لاحظت

راوية شرود ابنها فتساءلت: -مالك سرحت فإيه؟ محمد: -مفيش، قلقان شوية على غزل. الراجل اللي اسمه يوسف ده مش مستريح له، بيبص كده لغزل نظرات مش طبيعية، واللي زاد إنه طلبها تشتغل في الشركة في قسم الترجمة وعزمها بكرة على الحفلة معايا. راوية: -طيب يابني بلاش الشغل معاه مدام قلقان منه. محمد: -ما ده اللي كنت ناوي، بس هي لقيتها نفسها تشتغل وأنا الصراحة قولت فرصة تتعامل مع ناس غيرنا مش هتفضل كده على طول. رواية:

-ربنا يستر عليها يابني. محمد بشرود: -آمين. في داخل الغرفة قبضت يدها على مفرش سريرها بقوة وهي تنظر للاشيء، يتردد في أذنها كلمات أخيها عن غزل (بيبص لغزل نظرات مش طبيعية) . كانت تشتعل من داخلها منها. تريد التخلص منها، الكل يهتم بغزل، الكل يخاف عليها، حتى من تسعى إليه يهتم بها. قالت تهمس بصوت منخفض يملئه الحقد والكراهية: –اخلص منك إزاي! *** في يوم الحفل

–يا محمد، قولتلك ملك صاحبتي اللي عزمتني على الحفلة والله، تحب أتصل بيها تتأكد؟ –ياستي ولا تتصلي ولا تتكلمي، مش هتيجي معايا، أنا هاخد بالي منك ولا من غزل! قالها محمد وهو يتجه إلى خزانته ليخرج بدلته. –إيه العيشة دي؟ كل حاجة غزل غزل! قالتها وهي تضرب قدمها في الأرض اعتراضًا على ما يقوله، وخرجت من حجرتها لتنفذ ما هيأه لها عقلها. *** في فيلا الشافعي

وقف يوسف وبجواره شادي، وكلاهما يرتديان بذلتين باللون الأسود وقميص أبيض أسفل البدلة، وببيون بدل الكرافات. كانا شديدان الأناقة، ولكن يوسف شخصيته تطبع على أناقته. هيأته وطريقة وقوفه كانت تلفت إليه الكثير من الأعين المحيطة به. يقف في وسط القاعة بشموخ وكبرياء، عيناه عيون صقر يقف يراقب كل أفعال الضيوف ونظراتهم بنصف ابتسامة على فمه، كأنه يعرف ما يدور بأذهانهم. يسخر أكثر من هؤلاء النساء مبتذلات الملابس، يطبعن على وجوههن الكثير من مواد الطلاء، كما يقول على أدوات زينتهن، وكل واحدة تنظر له نظرات لا يفهمها إلا رجل مثله، رجل خبير بأمر النساء.

لسان حاله يقول: كلهن عاهرات، كلهن خائنات، كلهن يبحثن عن المال والمتعة. –إيه بتفكر في إيه؟ قالها شادي الواقف بجواره بعد لكزه في كتفه. فقال يوسف وهو شارد أمامه: –مفيش. ثم رفع حاجبه الأيمن ونظر لشادي ليقول: –تفتكر هتيجي؟ شادي بتساؤل: –هس مين؟ يوسف بسخرية: –الآنسة غزل. شادي: –مش أنت عزمتها هي ومحمد؟ يبقى أكيد هتيجي. قاطع حديثهم ملك: –إيه يا جينيرال، مش تشوف ضيوفك بدل ما أنت واقف كده. شادي: –ملك، أزيك؟ إيه الحلاوة دي!

ملك بوجه أحمر: –ميرسي يا شادي، ده من ذوقك. –لا بجد دي مش مجاملة، طالعة النهاردة تحفة، بس كده إحنا نعمل حسابنا على عربيتين إسعاف. ملك باستغراب: –إسعاف ليه؟ شادي بضحك: –عشان نشيل الغلابة اللي هيتقتلوا على إيد أخوكي لما يعكسوكي. ضحكت ملك: –لا متخافش، أنا اللي هقوم بالواجب وأخرم عين اللي يبصلي. قال شادي بمزاح: –يا متوحش أنت، لا دا أنا أخاف على عيوني بقى. قاطع حديثه نداء يوسف ونظره موجهًا للمدخل. نظر شادي

لما ينظر إليه يوسف ثم قال: –اوعا، ده اللعب هيحلو أوي. *** وقف يوسف بعيدًا يراقب الحفل وهو يستشيط غضبًا مما يحدث. لقد فوجئ بدخول محمد مع أخته التي عرف اسمها بعد ذلك، إنها (تقى) صديقة أخته ملك في الجامعة كما أخبرته ملك. ولكن هي لما لم تأتي؟ إنها تتحداه. هل تلاعبه بطريقتها؟ نعم تتحداه، ولم يخلق من يتحداه. لتتحمل نتائج أفعالها إذن.

تذكر عندما سأل محمد عن سبب عدم حضورها، فأجابه أنها تشعر بالمرض ولم تستطع الحضور. فلم يخفى عليه نظرات أخته تقى وابتسامتها التهكمية عندما ذكر أن غزل مريضة. هذه الفتاة تعرف الكثير، ويظهر ذلك في عينيها. *** –ها احكيلي، عملتي إيه فيها؟ وإزاي خليتها ما تجيش؟ قالتها ملك لتقى بلهفة، فقالت تقي باضطراب: –ششش، وطي صوتك انت هتفضحيني. ملك: –طيب احكي بسرعة. تقي: –مافيش ياستي، هقولك. ثم قصت عليها ما حدث. *** قبل الحفل بساعتين

نزلت تقى لغزل وقالت: –ها يا غزل جاهزة للحفلة ولا لسه؟ ابتسمت غزل وأشارت لها بالدخول، ثم كتبت: –شوية وهلبس، بس مش عارفة حاسة إني تعبانة وبطني بتوجعني. تقي بمكر: –هو انت عندك.. احم يعني؟ حركت غزل رأسها بإيجاب. تقي مصطنعة اللطف: –طيب ثواني هطلع أجيبلك مسكن وأرجع. أمسكت غزل يدها وأشارت لها بلا، فصممت تقى للذهاب.

رجعت بعد فترة لغزل ومعها مسكن للآلام وطلبت منها أن تذهب لتجهز نفسها للحفل، واتجهت تقى للمطبخ وقامت بوضع دواء جلبته من الصيدلية عندما تركت غزل، يسبب سيولة شديدة للدماء، ووضعته بكوب عصير مع علمها بالحالة المرضية لدى غزل المسبقة، فهي تعاني من سيولة بالدم. دخلت تقى على غزل ونظرت لها بحقد: –اتفضلي يا غزل اشربي العصير وخذي المسكن هيريحك. قامت غزل بتقبيل تقى تعبيرًا عن شكرها لها.

كانت تقى على علم أن غزل تعاني من سيولة بالدم، وأن ما وضعته لها بالعصير سيسبب لها سيولة شديدة ولن تستطع الذهاب للحفل. *** –يابنت الإيه، دا انت شيطان. قالتها ملك بذهول شديد، فقالت تقى: –أعمل إيه؟ ماهي واقفة في سكتي على طول، ولولا أنها اعتذرت لمحمد مكنتش قدرت أجي، المهم سيبك منها، قوليلي كلمتي يوسف عني ولا لا. ملك وهي تزفر من إلحاح تقى المستمر: –يابنتي طلعي يوسف من دماغك، يوسف مش بتاع جواز. تقى:

–ملكيش دعوة، سيبي الموضوع ده عليا، بس اللي عليكي قربيني ليه. ملك: –حاضر يا تقى، حاضر. *** في منزل غزل

كانت تتألم بشدة من هذا المغص، تشعر بأن روحها تخرج من جسدها، تتألم بصمت لا يستطيع أحد الشعور بها. وعندما لاحظت غزارة الدماء رفضت حضور الحفل واعتذرت لمحمد، فاصطحب تقى معه بدلًا منها. لا تستطع التحرك، تريد أن يساعدها أحد، فالدمار تغرقها وتشعر بالدوار الشديد. جسدها ومعدتها تتألم، وللأسف أمها صفا صعدت للخالة رواية لزيارتها. كأن الظروف تعاندها، تشعر بأنها إذا تركت نفسها هكذا ستموت.

ستتحامل حتى تستطع الوصول لهاتفها، لعل محمد يسمع رسالتها أو اتصالها وينقذها من هذا الألم. *** في الحفل كان يقف يوسف مع بعض المستثمرين وعينه على محمد وهذه المدعوة (بتقى) التي لم تخفض عيناها عنه طول مدة الحفل. فلم يخفى عليه هذه النظرات المملوءة بالإعجاب. فاستغل انشغال محمد عنها وابتعاده واتجه إليها كالنمر الذي يحدد مكان فريسته. شعر بتوترها وارتعاشها عندما اقترب منها، ثم قال: –آنسة تقى مش كدة؟ تقى بتوتر وهي

تحاول النظر في مكان آخر: –أيوه. ابتسم يوسف وقال: –انتِ اخت محمد صح؟ –أيوة. يوسف: –أنا عرفت من ملك إن انتِ صديقتها المقربة. تق بإحراج: –أيوة. ضحك يوسف بشدة، فعقدت حاجبها وقالت: –بتضحك ليه؟ –رد يوسف وهو ينظر بعينيها: –اصلك من ساعة ما اتكلمنا مافيش غير أيوة اللي بتقوليها. ضحك مجددًا، فغضبت تقى من ضحكته وقالت: –عن إذنك. وهمت تقى بالانصراف، ولكن يد يوسف على ذراعها أوقفتها، فسحبت يديها منه ونظرت له وهو يقول:

–أنا بعتذر، شكلك مش بتحبي الهزار. قالت وهي تنظر لقدميها: –لا عادي. يوسف: –طيب ياستي نبدأ من الأول، أنا يوسف نجيب الشافعي وماليش أخوات إلا اختي ملك، ومد يده بالسلام لها وقال: –وانتِ؟ فقالت براحة: –أنا تقى الشريف، وماليش أخوات إلا محمد. تنحنح يوسف وقال: –أومال غزل تبقى مين؟ شعرت بأن يوسف كان يقصد السؤال عنها، فاستغلت الفرصة لتسيء لها وقالت: –شكلك مهتم أوي. فأكملت بغل وقالت:

–عمومًا أنا عايزة أعرفك، هي غزل أختي بس بالرضاعة، بس أنا عمري ما اعتبرتها أختي. عقد يوسف حاجبه وقال: –ليه؟ –تقي بشر مخفي خلف معالمها البريئة: –عشان دي واحدة مش سهلة، بتحب تلفت أنظار الرجالة حواليها تحت قناع البراءة اللي على وشها. تفتكر هي اعتذرت ليه النهاردة؟ عشان تعبانة زي ما محمد قال؟ لا طبعًا، دي خطة منها عشان تلفت الأنظار ليها، بدليل إنك اهتميت وجيت تسألني عنها، وأكدلك إنها هتتصل بمحمد دلوقتي تقوله

(الحقني يا محمد بموت) عشان يجري عليها. جز يوسف على أسنانه غيظًا مما سمعه، كيف له أن يقع في خيوط عنكبوتيها التي تغزلها. فكلام تقى عنها يؤكد ما شعر به أنها وجه ملاك بداخله شيطان. قطع شروده حضور محمد المتوتر يقول: –يلا يا تقى بسرعة لازم نرجع البيت. ابتسمت تقى بخبث ونظرت ليوسف لتؤكد له حديثها ثم قالت بلهفة زائفة: –ليه في إيه يا محمد؟ محمد: –غزل تعبانة أوي. عامر اتصل بيا بيقول إنها تعبانة. تقى: –عامر!

وإيه عرف عامر إنها تعبانة؟ محمد: –مش وقته، هفهمك بعدين. عندما هم محمد بالتحرك أوقفه يوسف وقال: –استنى أنا جاي معاك، انت مش معاك عربية، يلا. *** في السيارة كان كلٌ منهم شاردًا فيما يشغله. يوسف يضغط على المقود بغيظ، فإنها تجيد التمثيل كما قالت أختها. أما تقى كانت تفكر كيف أن خطتها نجحت، ولكن خائفة أن يكشفها محمد.

ومحمد شرد فيما قاله عامر، أنها أرسلت له أكثر من مرة ولم يجبها، فاضطرت للاتصال بعامر وأرسلت له أن يتصل بمحمد، فشعر عامر بالقلق واتصل به يخبره وذهب مسرعًا يطرق الباب ولكنها لم تجيبه، فتفاجأ أن الخالة صفا نزلت بسبب صوت طرق الباب ولكنها نسيت مفتاحها بالداخل، فاسرع عامر لكسر الباب ليتفاجأ بغزل على الأرض وتحيطها بركة من الدماء وهي غائبة عن الوعي، فقام بحملها إلى أقرب مستشفى، ثم أبلغه باسمها حتى لا يتوجه للمنزل. ***

أمام غرفة غزل كان يقف عامر المستند بظهره على الحائط خلفه وملابسه مملوءة بالدماء. من ينظر إليه يعتقد أن به إصابة بجسده. وأمامه تجلس الخالة صفا تستند على عكازها وبجوارها الخالة راوية تربت على كتفها لتهدئها. دخل محمد وخلفه يوسف وتقى، ليتجه إلى عامر. صدم محمد من منظر ملابس عامر وقال باختناق: –إيه اللي حصل يا عامر؟ غزل مالها؟ وإيه الدم ده؟ تعجب يوسف من شكل ملابس عامر واضطربت تقى من هذا، فالآن سيصدق يوسف مرضها. ماذا تفعل؟

افاقت عندما خرج الطبيب من غرفتها وبعض الممرضات. فاتجه محمد وعامر وقال محمد: مالها؟ طمني عليها أرجوك. الدكتور: متقلقش الحالة كويسة، بس هي كانت جاية لنا عندها نزيف حاد، واحنا خدنا عينة دم عشان نعرف أسبابه، ده غير إنها ضعيفة جدًا ما اتحملتش النزيف فحصلها هبوط مبدئيًا هي كويسة مركبينلها محاليل تغذيها وتعوضها الدم اللي فقدته، وشويه هكتب التقرير بعد نتيجة التحاليل. عامر: نقدر نشوفها؟

الدكتور: آه اتفضلوا بس ما تطولوش عشان ميعاد الزيارة. *** يقف يوسف بغرفته أمام شرفته يدخن سيجارته بشرود. يتذكر عندما دخل الجميع للغرفة والتفوا حولها ونظر لوجهها الشاحب وابتسامتها الصغيرة التي تريد بها طمأنينة من حولها من خلالها. تقول لهم أنها بخير. شرد في لهفة عامر عليها رغم عدم اقترابه منها إلا أن يكفيه نظرته لها التي تقول الكثير. ومنظر ملابسه الذي يعبر عن مدي سوء حالتها.

خرج بصمت بعد أن أرسلت له نظرة تعبر عن شكرها له يشوبها الخجل من حالتها. ليقابل طبيبها الذي بدأ بشرح حالتها له اعتقادًا منه انه من أقاربها. للطبيب: حضرتك نتيجة الدم طلعت وظهر إن في نسبة كبيرة من دواء (... اللي بيسبب السيولة والكمية الموجودة بتدل على إن المريضة وأخذها عن قصد لأنها كمية كبيرة وللأسف المريضة عندها سيول وممنوعة من الأدوية زي دي.

استمع له يوسف وهو فارغ الفم. أيعقل أنها تناولت أدوية لتؤذي نفسها عن قصد لتلفت انتباه ما يحيطها تقتل نفسها؟ قطع شروده صوت تقى وهي تقول باضطراب: سمعت بنفسك.. واكملت: الهانم خدت دوا سيوله عشان يحصلها نزيف وتتصل بعامر عشان ينقذها وتلم الرجالة حوليها. تركها يوسف ولم يجبها. لم يشعر بنفسه إلا وهو بغرفته شارد في هذه المخلوقة.. أو الشيطانة.

كانت تسير في أروقه الشركة بخفة كالفراشة. الكل ينظر إليها بإعجاب من رقتها وخجلها الذي يظهر جليا عليها من أقل حركة. الكل عشقها. النساء قبل الرجال. تجعل في المكان طاقة من المرح رغم عدم خروج صوتها إلا ان أن الجميع مهتم بها. تتذكر عندما حضرت أول أسبوع بالشركة ولاحظت توعك الساعي عم رمضان وعدم مقدرته لتلبيه طلبات الموظفين فقامت بمساعدته في عمل القهوة والشاي وكانت تقدمها بمرح للموظفين بالشركة. فكانت لفته إنسانية منها.

وتذكرت أيضًا عندما جلبت بعض المعجنات الخاصة بها للإفطار وكل ما يمر عليها من الزملاء يقوم بتذوق هذه المعجنات الرائعة ويشيد بها حتى اكتشفت أنها نفذت دون ان تتناول وجبتها. حركت رأسها بسعادة لهذه الذكريات التي كونتها في مدة قصيرة. أسبوعان فقط. أسبوعان غيروا من حياتها أصبحت أكثر تفاؤلًا وأكثر حيوية. ولكن ما يؤرقها شيء واحد اسمه (يوسف)

. هذا الاسم كفيل أن يقبض قلبها ويسبب لها الاختناق. يكفيها كل ما يصادف وجوده معها بالمصعد. تختنق من عطره القوي وتشعر أنها ستصاب بإغماء. فهي لا ترتاح في وجوده حتى نظراته التي تتجاهلها لا تريحها. ولكن ما يسعدها اكثر أنه لا يعلم أنها تستطيع السمع بسماعة الأذن التي تخفيها خلف شعرها الناعم. لا تعلم من أين كون فكرته أنها صماء. هل كل أبكم أصم؟ يتحدث بكل أريحية في وجودها فهو يعتقد أنها تفهم اللغة بحركة الشفاه.

ضحكت عندما تذكرت وهو يحاول الشرح لها ما تقوم به ويقوم بتحريك شفاه ببطء لتفهم ما تقوله كأنه يعلم طفل صغير. كانت تحاول كبت ضحكها من شكله. فهو يفعل ذلك بشكل مضحك لينتهي الأمر كعادته أن يلقي نظرة على شفتاها المنفرجتين بنظرة جائعة. مرت على حجرة سوزان المشغولة بملف أمامها. وطرقت الباب لتنتبه لها فتقول: تعالي يختي ده قالب عليكي الدنيا من الصبح. قالتها سوزان بضيق. ضحكت غزل على شكلها وربتت على كتفها تصبرها ثم كتبت لها غزل:

في حد معاه؟ سوزان: آه الاستاذ شادي معاه جوه ادخلي ده صدعني. ربنا يعينك. غزل هزت رأسها مداعبه سوزان واتجهت للغرفة. *** بالداخل كان يجلس يوسف على مكتبه وأمامه شادي يراجع بعض الأوراق. قطع انشغالهم صوت طرقات على الباب ودخول غزل عليهم. رفع يوسف عينه عن الملف لتلتقي بعيني غزل الرمادي ليمشط عينه على قوامها وملابسها. فدائمًا ملابسها تظهر الكثير من مفاتنها وشعرها الذي تطلقه دائمًا بأريحيه حول وجهها لتخفي وجهها خلفه.

فانزل عينه على عنقها المزين بسلسال باسمها مرورًا بباقي جسدها ليصل إلى هذا البنطال الضيق الذي يظهر ساقين رشيقتين. كانت في هذه اللحظة تقف مرتبكة من نظراته الوقحة التي اعتادت عليها كلما طلبها للحضور يقيمها بعينيه من أعلى لأسفل. قطع شرودها شادي الذي رحب بها. أما يوسف أشار لها بيده لتتقدم ثم قال ببطء: ترجمتي الملف اللي ادتهولك إمبارح؟ هزت رأسها بنعم فأشار لها لتسبقه لطاولة الاجتماعات بنفس الغرفة. يوسف: كنت فين إمبارح؟

اتصلت بيك مردتش! شادي بصوت منخفض: كنت سهران. سهرة كانت عايزاك. قالها وهو ينظر اتجاه غزل المشغولة بأوراقها. فقال يوسف وهو يضيق عينيه وهو ينظر لشادي وبصوت منخفض أيضًا: انت موطي صوتك ليه؟ شادي وهو ينظر لغزل المشغولة: احم. عشان متسمعناش يا جينيرال. يوسف بنفس الصوت: هو انت فاكر انها سمعانا؟ شادي: أومال إيه! أتكلم براحتك على الاخر. هي أساسًا مش سمعانا خالص.

كانت في نفس اللحظة غزل مشغولة بأوراقها إلا أن حديث يوسف وشادي لبعضهما لفت انتباهها. فابتسمت بداخلها على ظنهم بأنها لا تستطع سمعهما. ولكن هذه فرصتها لتعرف بماذا يفكر هذا اليوسف. فجعلتهما بالفعل يظنا أنها لا تسمعهم. ***

اثناء جلوسهم على هذه الطاولة كان يوسف على رأس الطاولة وتجلس غزل على يمينه وشادي بجوارها. وبدأت بشرح ليوسف الأوراق التي طلب منها ترجمتها وأنها قامت بترجمتها باللغة العربية وقدمتها إلى كلًا منهما. وكانت تقوم بالإجابة على يوسف عن طريق الكتابة. وكان يلقي عليها أسئلته بطريقة مثيره للضحك فهو يظن أنها تستطع قراءة حركة الشفاه فقط فيحرك شفاه بطريقه بطيئة تثير ضحكها. قاطع تركيزها على الأوراق حديث شادي ليوسف:

إيه يا باشا شكلك رجعت في اللي كان في دماغك معاها. رفع يوسف وجهه ونظر لها وهي مخفضة رأسها للأوراق وقال: مين قال اني رجعت؟ أنا بس سايبها تستوي على الاخر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...