تحميل رواية «صماء لا تعرف الغزل» PDF
بقلم الكاتبة وسام الأشقر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في غرفة مظلمة يحيط بها الظلام الذي يكاد أن يخترقه ضوء الشمس الحار من خلف الستائر البالية التي تدل على قدمها وكثرة استعمالها، تظهر هذه الأشعة التي تكاد تنبعث من النافذة بخجل داخل غرفة صغيرة مكونة من خزانة ملابس صغيرة ومكتب صغير مبعثر عليه بعض الكتب في جهة الباب. أما بجواره نجد سرير صغير يكاد يتحمل شخص واحد تدل معالمه على قدمه وفوقه تنام أنثى صغيرة الحجم نحيلة متوسطة القامة بيضاء البشرة ذات شعر بني طويل. تململت هذه الفتاة في نومها بسبب شعورها بالانزعاج من اهتزاز عنيف تحت وسادتها فبدأت بفتح عينيها...
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الأول 1 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
في غرفة مظلمة يحيط بها الظلام الذي يكاد أن يخترقه ضوء الشمس الحار من خلف الستائر البالية التي تدل على قدمها وكثرة استعمالها، تظهر هذه الأشعة التي تكاد تنبعث من النافذة بخجل داخل غرفة صغيرة مكونة من خزانة ملابس صغيرة ومكتب صغير مبعثر عليه بعض الكتب في جهة الباب. أما بجواره نجد سرير صغير يكاد يتحمل شخص واحد تدل معالمه على قدمه وفوقه تنام أنثى صغيرة الحجم نحيلة متوسطة القامة بيضاء البشرة ذات شعر بني طويل.
تململت هذه الفتاة في نومها بسبب شعورها بالانزعاج من اهتزاز عنيف تحت وسادتها فبدأت بفتح عينيها بصعوبة ليظهر من خلف أهدابها البنية عيون رمادية صافية. يقسم من يرى هذه الملامح يقول أن هذه ملامح فتاة أجنبية وليست من أهل البلدة فمن في مكانها يجب أن يكون سعيدًا أنه يملك مثل هذه الملامح الهادئة لكثرة المعجبين بها ولكن للأسف أنها آخر شخص تتمنى أن يعجب بها أحد بسبب ظروفها الخاصة.
قامت غزل من نومها لتمد يدها أسفل وسادتها لتجذب هاتفها المخصص على خاصية الاهتزاز دائمًا لتغلقه. فلولا هذه الخاصية ما استفاقت أبدًا من نومها. استقامت للتوجه إلى النافذة لتفتحها على مصراعيها ليخترق ضوء الشمس الغرفة وتتطاير خصلات شعرها الذي بلون العسل الناعم على وجهها، فتتجه للخروج لدخول دورة المياه وتصلي فرضها.
بعد الانتهاء من فرضها توجهت لغرفة مجاورة لتفتح ضوئها لتوقظ سيدة في أواخر عقدها الرابع ولكن ما يراها يجد امرأة نهشها الزمن وقسى عليها. قامت غزل بوضع يديها اليمنى على كتفها لتوقظها. مع الحركة الثانية، استجابت لتقول بحبور:
- صباح النور يا عيوني.
قالتها وبعينيها الكثير من الحب. لتبتسم غزل وتقوم بسحبها من يديها لتساعدها على الوقوف والتوجه للاغتسال.
- يابنتي أنا هعرف أتحرك لوحدي أنا لسه ما عجِزتش.
قامت غزل بتحريك رأسها ورفع كتفيها برفض أن تتركها. بعد فترة كانت غزل بالمطبخ الصغير تعد الإفطار المكون من فول وطعمية والعيش البلدي والجبن وشرعت في وضع الطعام على المائدة وعندما بدأ الإفطار رأت ضوء أحمر من مصباح مخصص يضيء وينطفئ. فأسرعت إلى باب المنزل لتنظر من عينه وتفتح الباب مسرعة تقفز كالأطفال بسعادة عند رؤية الواقف أمامها.
- صباح الخير يا غُزغُز.
عبست غزل وانعقد حاجباها من هذا التدليل السخيف فأشارت بيدها رافضة لهذا التدليل.
- خلاص خلاص ماتزعليش يا غُزالي.
ابتسمت غزل وحثته على الدخول. فسمع صوت صفا يقول:
- تعالي يا محمد حماتك بتحبك زي ما بيقولوا هنا.
- تسلمي يا خالتي والله. أنا نزلت من فوق جري عشان ما أتأخر. بس مدام حلفتي أقعد آكل معاكم.
ابتسمت غزل وأسرعت بجلب ما يكفيهم من الخبز واندفعت تجلس بجواره وهي تأكل بسعادة وتشاهد محمد يأكل باستمتاع وينظر إليها بحب فشردت في أول مرة رأت فيها هذا الشاب. إنها لا تتذكر متى تحديدًا. نعم، لأنها نشأت على يديه. كانت صغيرة في سن خمس سنوات عندما أتت بها صفا لهذا الحي الشعبي والسكن بهذه الشقة منخفضة الإيجار. أفاقت من شرودها على صوت محمد وهو يقول:
- الحمد لله. ادعيلي يا خالتي أنا رايح مقابلة شغل دلوقتي في شركة كبيرة. ادعي أن ربنا يوفقني فيها.
- ربنا معاك يا ابني ويكتبلك كل خير.
قالتها الخالة صفا بحبور فقد كانت تتمنى محمد ابنًا لها أو زوجًا لغزل ولكن لا تأتي الرياح كما تشتهي السفن.
استقام محمد وربت على رأس غزل واقترب منها ولثم جبينها بقبلة تحمل فيها كل معاني الأمان والحماية. قال محمد وهو يتجه جهة الباب:
- مش محتاجين حاجة وأنا راجع.
أجابته الحاجة صفا:
- تسلم يابني ربنا يوفقك.
قفزت غزل واتجهت جهة روزنامة ورقية وكتبت بها:
- ربنا يوفقك ويكتبلك كل اللي بتتمناه. هفضل أدعيلك. أنا آه مش قادرة أتكلم بس ربنا سامع صوت قلبي. آه متنساش. هستنى منك رسالة تطمني عملت إيه.
- حاضر يا أحلى غزل في الدنيا.
في مكان آخر بفيلا صغيرة مكونة من طابقين ولكنها ليست شديدة الاتساع. نجد بالطابق السفلي به واسع يتكون من عدة حجرات. حجرة مكتب يمين المدخل. وبالداخل حجرة الاستقبال يسارًا يليها حجرة الطعام وحجرة الطهي بالقرب من الدرج.
أما بالدور العلوي نجد أربع حجرات. حجرة لفتاة عشرينية تشع حيوية يغلب عليها اللون الوردي. أما الحجرة الثانية لرجل كبير بالسن في العقد الخامس من عمره. والحجرة الثالثة لشاب في أوائل العقد الثالث. والرابعة مغلقة دائمًا لا تفتح إلا لتنظيفها فقط.
يصدح صوت رجولي خشن يزعج من بالبيت. أنه يوسف نجيب الشافعي. عصبي المزاج. كثير الشك في من حوله. غير اجتماعي إلا مع من يعرفهم فقط. حذر جدًا لا يسمح بأن يعبث بأشيائه. شعره أسود ناعم. ذو لحية خفيفة وعيون بنية صقرية يظهر العبث فيهما.
- انت يا زفتة. انت يا هانم.
قالها يوسف وهو خارج من حجرته مندفعًا.
- إيه في إيه على الصبح.
قالتها ملك بارتباك من صوته.
- أنا قولتلك كام مرة ما تاخديش حاجة من عندي.
- حاجة إيه اللي بتتكلم عنها!
- استهبلي بقى. مافيش غيرك دخل وأخد أقلام الفحم بتوعي من جوه.
قالها بغيظ شديد.
- أنت بتهرج يا يوسف. كل الدوشة دي عشان قلم مش لاقيه.
- آه دا على أساس إنك متعرفيش إنهم مجموعة أقلام. اتفضلي هاتيهم بسرعة.
- والله يا يو...
قبل أن تكمل وجدت الخادمة تقطع حديثهم وتمد يديها له بالأقلام وبعض الأوراق الخاصة. نظر لها يوسف بتعجب كأنه يسألها ما هذا. أجابته هناء مسرعة:
- حضرتك جيت امبارح متأخر وسبتهم في المكتب وأنا بنضف لقيتهم وحضرتك محرج علينا ما ندخلش أوضة حضرتك إلا لما تصحي.
ابتلع يوسف ريقه بتوتر من هذا الموقف فهو دائمًا سريع الانفعال والظن بالآخرين. أجلى صوته وقال:
- معلش يا ملك جت فيكي المرة دي.
- وماله يا جنرال ما أنت أخويا برضه ولازم أستحمل رخامتك.
- ملك.
قالها بانفعال واضح.
- خلاص. خلاص يا جنرال.
ضحك الاثنان على هذا اللقب الذي دائمًا ما تطلقه عليه دون ملل.
في الشارع الشعبي الذي تسكن به غزل. يوجد أمام المنزل مقهى حديث فيما يسمى (كافيه) بعد موت صاحب المقهى المعلم ناصر وتركه لابنه الوحيد عامر خريج كلية الطب. فعامر شاب ثلاثيني يتميز بجسده الرياضي والذي يظهر دائمًا أسفل قمصانه القطنية على سراويل الجينز. فمن يراه ينجذب لملامحه الشرقية. أقام عامر ببعض التعديلات ليكون مكون من طابقين. السفلي يقدم طلبات الزبائن مثلما كان يحدث قديمًا مع الفرق في الديكورات العصرية. والعلوي به شاشة عرض وخاص أكثر للشباب ويحتوي على ألعاب الحديثة مثل البلايستيشن وألعاب الجيم. فهذا المقهى كل ما يملكه بعد موت المعلم ناصر. وهذا باب رزقه الوحيد بعد أن تخلى عن تخصصه. نجد شاب جالس بداخل هذا المقهى يتابع العمال بعينيه ويراقبهم بعين صقر. ولكن باله ليس معهم. وإنما مع من سلبت عقله وقلبه. منذ نعومة أظافرها وهي تجذبه بطريقة غريبة. حاول كثيرًا إبعادها عن محيط تفكيره ولكنها تقفز له في أحلامه وكوابيسه تستنجد به مما يؤذيها. الغريب أنه يسمع صوتها في الكابوس وصراخها مع أنه لم يستمع لها مرة واحدة في حياته.
يدفع عمره كله ليسمع صوتها. أحيانًا يتخيل إذا كان ناعمًا مثلها أم به بحة. أم غليظ. يكاد أن يجزم أنه ناعم مثلها. أفاق من شروده على صبي صغير يسمي سيد وهو يمد يده بمبلغ تم دفعه لأحد الزبائن بعد أخذ مشروبه. تنهد وقال:
- يارب قرب البعيد.
في منزل الخالة صفا انشغلت غزل بإعداد وجبة الغداء وأصرت أن تحضر بعض المخبوزات الساخنة المشهورة بوطنها الأصلي الذي كتب عليها من وهي طفلة ذات الخمس سنوات تركه وترك عائلتها هروبًا من تبعات الحروب والخراب الذي حل ببلدها. فتنهدت بحزن. دائمًا يأتي أمام رؤيتها خيال طفلة أخرى كثيرة الشبه بها تقفز معها وتجري في فناء منزل بسيط لا تتذكر لمن هذا المنزل ولكنها تتذكر وجه جميل كثير الشبه بها. دائمًا تتذكر امرأة تخرج من الباب وتصيح بهم للدخول لتناول الطعام بلهجتها الخاصة بوطنهم. فاقت من شرودها على إضاءة حمراء تبلغها بأنه يوجد من يريدها. اتجهت إلى حجرة خالتها صفا أمها الثانية. وجدتها نائمة وفي يديها بعض الصور كالعادة تستعيد ذكرياتها. ثم توجهت إلى الباب بعد التأكد من الطارق من العين السحرية ووجدت سيد يبتسم لها ويرفع يده يحييها سلام عسكري. ابتسمت له وكررت ما فعله. فمد يده بكيس صغير. عقدت حاجبها متسائلة عن ما بالكيس فقال لها سيد أنه (بن) محوج مخصوص من الأستاذ عامر من المقهى كما طلبته من قبل. فتذكرت غزل أنها طلبت من قبل من محمد أن يشتري لها بن مخصوص لها فمن المؤكد أنه من أبلغ عامر.
أخذت من سيد البن وأشارت له بأن ينتظر قليلًا. دخلت مسرعة وعادت بيديها صحنان مليئتان بالمعجنات الساخنة الطيبة التي تذهب العقل كما تعلمتها من أمها صفا. وقدمت صحن لسيد وأشارت له أنه له. أما الصحن الآخر للأستاذ عامر وكتبت ورقة له لكي يفهم. فشكرها وذهب مسرعًا سعيد بهذه الوجبة الساخنة الذي من الصعب أكلها إلا بمحلات خاصة تقدم أكلات شعبية لأهل بلدها.
في المساء ظلت جالسة على سريرها تنظر بهذا الكتاب المكتوب باللغة الفرنسية. نعم فهي رغم ظروفها إلا أنها لم تستسلم لإعاقتها التي لم تولد بها. فهي كانت طفلة مفعمة بالحيوية تسمع وتتكلم مثل باقي الأطفال بسنها وكانت أمها صفا تهتم بتعليمها اللغات الإنجليزية والفرنسية منذ الصغر. رغم عدم التحاقها بالمدرسة في هذا السن بسبب الحروب والمناوشات وخوف أمها الشديد من شيء أصبحت تعلمه الآن. هذه هي وسيلتها الوحيدة لمحاربة مللها اليومي. فمن الصعب أن تبحث عن عمل بإعاقتها. من سيقبل بعمل بكماء يكاد تستطيع السمع. إنها لا تعترض على قدرها وإنما هي سعيدة أنها لا تستمع لصوت المنافقين. بل تستمع لقلوب من حولها.
قلوب طيبة لا تعرف الخبث.
أفاقت من شرودها على اهتزاز جوالها لتعرف المتصل قبل أن ترى اسمه.
ثم وصلها رسالة:
محمد: نمتي؟
غزل: ...
محمد: مش بتردي ليه؟ أنا عارف إنك زعلانة بس والله غصب عني مبعتلكيش بعد ما خلصت.
غزل: ...
محمد: كده يا غزل أهون عليكي أنام زعلان؟ طيب مش هتسألي عملت إيه في الوظيفة.
غزل: عملت إيه؟
محمد: ...
غزل: محمد؟
بعد لحظات رأت رسالته:
محمد: افتحي أنا بره.
قفزت غزل مسرعة بمنامتها الطفولية القصيرة فوق ركبتها لتفتح الباب لمحمد.
وعندما رآها بهذا الشكل اندفع داخل الشقة ليغلق الباب بعنف ويصيح بوجهها:
"إنت إزاي تفتحي الباب بالشكل ده؟ افرضي حد طالع أو نازل شافك كده."
كانت غزل تنظر لشفتاه وهو يتحدث لتفهم ما يقول وتعرف سبب غضبه وثورته.
وعندما أحست أنه على وشك ضربها حبست الدموع بعينيها وشعرت بخوف شديد جعل جسدها ينتفض بدون سبب.
زفر زفرة ساخنة تنم عن غضبه المشتعل وقال بهدوء مفتعل:
"خلاص يا غزل حقك عليا."
شاهدت شفتاه وفهمت ما يقول. هذه هي طريقتها لتعرف ما يقوله من يتحدث معها بعد سماع الأذن التي خربت وتحتاج تصليح ولكن لا يوجد مال لإصلاحها حاليًا.
جذبها من يديها وجلس على أقرب أريكة بصالونهم القديم.
وجلست بالقرب منه مطاطة الرأس فرفع وجهها بيديه وقال لها:
"مش هتسأليني عملت إيه؟ طيب ياستي أحب أبشرك إنهم وافقوا عليا واتقبلت في الوظيفة وعلى وعدي أول فلوس تجيلي أجيب لك اللي تطلبيه."
هزت رأسها بالرفض وكتبت له أنها لا تريد إلا سعادته وتوفيقه.
ثم هبت واقفة تصفق بيديها وتجري إلى المطبخ.
ثم عادت وبيدها صحن مملوء بالمعجنات المشهورة بوطنها وعصير لتحتفل معه بطريقتها البسيطة لحصوله على الوظيفة.
فمد يده التقط قطعة وهو يبتسم لها ابتسامة مهزوزة متحسرًا على حالها.
كيف لهذا الجمال وهذه البراءة تفني بسبب إعاقة.
***
في قصر الشافعي وبالأخص بحجرة يوسف الشافعي، يستيقظ على رنين هاتفه فيلقي بوسادته أرضًا ويستقيم بجزعه ليلتقط الهاتف ويجيب بصوت ناعس.
ليقفز من فوق السرير عندما يأتيه صوت غليظ من الجهة الأخرى:
"إنت لسه نايم لحد دلوقتي؟ طبعًا ماهي طابونة.. وأنا ماسك الشركة لشوية عيال."
"يا عمي والله أنا نايم متأخر عش..."
قاطعه قائلًا:
"عشان إيه يا محترم؟ إنت مش هتبطل هلس بقى.. على العموم بسرعة تلبس وتكون في الشركة أنا في الطريق. لو وصلت قبلك إنت عارف هيجرالك إيه. ومش هتقدر تضحك عليا زي كل مرة يا بشمهندس يوسف."
"حاضر يا عمي حاضر."
أغلق الخط ومسك شعر رأسه. فهو يريد ضرب أحدهم اليوم.
"ماشي يا عمي منا مقدرش أقول غير كده أما أشوف يا نج نج."
وابتسم وتحرك لدورة المياه الملحقة بالغرفة.
***
في منزل الريس صابر.
تجلس امرأة في العقد الخمسين ويديها يملأها الذهب الذي يرن كلما حركت يديها عند حديثها.
ولكن هذه المرأة ذات ملامح طيبة تنم عن نشأتها البسيطة.
كل حياتها زوجها رحمة الله عليه وابنها عامر الذي يبلغ 32 عامًا.
أملها في الدنيا أن تزوجه فتاة مناسبة له لتصونه وترعاه.
ولكنها تتعجب منه كلما ذكرت له أمر الزواج يراوغ من الحديث ويقول عبارته الشهيرة "إن الله لم يأذن بعد".
ولكنها تشعر بميله اتجاه فتاة بعينيها.
ورغم أنها تحب هذه الفتاة إلا أنها كانت تتمنى لابنها أفضل فتاة.
ولا يكون بها عيب.
ولكنها لن تفاتحه وتواجهه بشكوكها حتى لا تفتح أبوابًا لا تريد فتحها مطلقًا.
وبالنسبة لغزل فتتمنى لها الخير كله وأن يأتي لها نصيبها ولكن ليس ابنها.
في حجرة عامر يجلس أمام مكتبه شارد في هذا الصحن المملوء بالمعجنات صنع يديها وبيده اليمنى ورقة كتب عليها اسمه بخط يديها لتعلم سيد أن هذا الصحن خاصته.
ما هذا الجمال والروعة هل اسمه بهذه الروعة والإبداع؟
كان أول مرة يشعر أن لأسمه رونق خاص.
أول مرة يشعر بجمال حروف اسمه.
"آه" صدرت منه هذه الكلمة من صدره تنم على مدى الألم الذي يشعر به.
يعلم أنه صعب الوصول لها بسبب ظروفها.
لما لا يحاول مجرد محاولة؟
لعلها تستجيب وتريحه من عذابه.
ولكن إذا حاول ووافق هل أمه ستوافق؟
يعلم أن غزل لا يعيبها شيء وأن إعاقتها ليست بيدها.
إنه قدرها.
ولكن أمه هل تتقبلها زوجة لابنها ليريح قلبه؟
***
في الصباح لاحظت غزل المصباح يضيء فأسرعت لتفتح الباب لتستقبل محمد بابتسامة هادئة.
فقال لها:
"أنا مش لوحدي أنا معايا ضيف تقيل شوية."
رفعت حاجبها باندهاش لتجده يجذب من وراء ظهره فتاة عابسة تفرك بيدها وملامحها غاضبة في نفس عمرها.
قال:
"إنتوا هتفضلوا زي العيال لحد إمتى؟ مش هتكبروا بقى؟"
"أنا كبيرة على فكرة، أنا عندي عشرين سنة" قالتها تقى بكبرياء.
فهزت غزل رأسها بيأس ورفعت عينيها لأعلى وجذبتها لأحضانها وهي تلاعب وجنتيها التي تشتهر بها تقى وتميزها.
مدت غزل يدها لتصافح تقى لتزيل الخلاف.
فتقى من صفاتها غيورة جدًا على أخيها محمد.
وتغير أكثر عندما تراه يهتم بغزل أكثر منها.
ويرعاها أكثر منها.
فقال ليقطع مزاحهم:
"بقول إيه رأيكم ننزل ناكل آيس كريم؟"
انتبهت غزل لكلمة آيس كريم على شفتاه فقفزت بسعادة.
إنها تعشق الحلوى والآيس كريم ككل الأطفال، لا.. لا ككل الفتيات.
بعد ساعة كان الثلاثة ينظرون إلى البحر أمامهم ويأكلون بمتعة كبيرة.
قاطع استمتاعها يد على كتفها لتنتبه لما يقول.
قال محمد:
"ابقي أديني سماعة الأذن يا غزل ما تنسيش. أنا عرفت مكان ممكن يصلحها هي تقريبًا ممكن تحتاج بطارية بس."
هزت رأسها بالموافقة.
مر الوقت بينهم وهي تضحك على مزاح محمد وتقى.
كانت تتمنى أن تنطق وتمازحهم.
وأن تستمع لصوتها.
إنها تتذكر أن كان لها ضحكة رنانة تتميز بها كأنغام الموسيقى.
قطع تأملها بائع الفريسكا يسير على الجهة الأخرى من الطريق.
فهي منذ فترة تشتهيها.
قفزت من مكانها لتعبر الطريق وقامت بمراقبة الطريق.
وأثناء مرورها شعرت بسقوط سلسال رقبتها.
الذي لم يفارقها منذ الصغر.
فانحنت لتأخذه ولم تستمع إلى أبواق السيارة ولا صوت فراملها الذي أصدر صريرًا جعل كل من بالمكان ينتبه حتى محمد وتقى.
نزل سائق السيارة بغضب ليقول:
"إنت مجنونة؟ إزاي تقفي في نص الشارع كده! إيه البلاوي دي."
لم تلتفت إليه فظن أنها تعانده.
فاتجه إليها بغضب وجدها تنظر أسفل قدمها تبحث عن شيء ولا تجيبه.
فأمسكها من ذراعها ليجبرها للانتباه وهو يصرخ بوجهها.
فانتفضت مذعورة وبدأ جسدها في الارتعاش وعينها تهتزان من الرعب.
لا تعلم ماذا فعلت حتى يمسكها هذا الرجل!
قطع تفكيرها يد امتدت لجذبها بقوة تنم عن غضب كامن لتجد محمد يقربها له ويعنف سائق السيارة.
وللحظة فهمت أنها تسببت في مشكلة بسبب تسرعها.
فنظرت لهم ووجدت محمد يصيح بوجه السائق وأمسكه من مقدمة قميصه دفاعًا عنها.
ولكن ملامح هذا السائق الشاب ونظراته إليها لم تريحها.
فابتلعت ريقها بصعوبة بسبب التوتر.
فكان يسلط نظره عليها من رأسها لقدميها كأنه يقيمها.
وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
حاول الناس الفك بينهم وأنتهى الأمر أن السائق ذهب لوجهته بعد أن ألقى نظرة أخيرة عليها.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثاني 2 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
أفاقت من شرودها على صوت محمد:
- يلا هي خروجه باينه من أولها.
أحست غزل بغضب محمد منها لأنها تسرعت وتحركت دون تنتبه للسيارات فأرادت أن تخفف عنه واقتربت منه ورفعت يديها اليمنى أمام عينيه ليتدلى سلسالها أمامه.
عقد حاجبيه يسألها ماذا تقصد فسريعًا فهم أن سلسالها لا يوجد به دلايته فسألها:
- الدلاية فين؟
رفعت كتفيها بأنها لا تعرف وظهر الحزن على وجهها. في هذا الوقت كانت تقى تقف بعيدًا تشاهد ما حدث وهي تغلي من الغضب لاهتمام محمد أخيها بغزل أكثر منها كالمعتاد.
بعد بحث وجد محمد دلايتها بمكان ما، وأعطاها لها لترتديها ويتألق على صدرها سلسال متوسط باسم (غزل).
تجد نفسها بفستان أبيض مملوء بزهور وردية وشريط ستان حول خصرها لينزل باتساع فوق ركبتها وفوق رأسها شريط مماثل ليتدلى شعرها الطويل البني العسلي على كتفيها الذي يصل لبعد منتصف ظهرها.
تقوم بالالتفاف حول نفسها بسعادة في وسط حديقة صغيرة لمنزل بسيط من طابقين وفجأة تجد فتاة أخرى بنفس ملامحها ونفس الفستان، تقف أمام المنزل وتشير إليها وتبتسم وتدور مثلها حول نفسها، فتعلو ضحكاتهما معًا. تنتهي هذه الضحكات بصوت انفجار عالي، لتجد المنزل أصبح كتلة من اللهب فتصرخ وتصرخ ولكن فجأة اكتشف أن صوتها لا يخرج من حنجرتها فتنتفض من نومها لتجد نفسها بسريرها المتهالك تتصبب عرقًا من هذا الكابوس الذي يلازمها دائمًا، فتعود بظهرها مرة أخرى وتشرد في ما قالته لها الخالة صفا من قبل.
- إيه يا هندسه مالك مش مظبوط النهاردة.
قالها شادي وهو يمد يده بسيجارة فشادي صديق يوسف المقرب ومساعده بالعمل وكاتم أسراره.
يوسف:
- ولا حاجة هو اليوم لما يقفل من أوله بيفضل قافل لآخره.
شادي:
- خير يابني وهو في حاجة تقدر تقفلك؟ ده حتى السهرة لسه بتقول يا هادي والبت نانسي في الطريق.
فاقترب منه وهو يهمس له:
- ما تخليك جدع وتقولها تعرفني على حد من أصحابها؟
ضحك يوسف ثم قال:
- هو لازم من صحابها، ما انت مش عاتق.
شادي:
- يا عم دول حريم نانسي برده، حاجة تانية ومستوى تاني والبت بتموت فيك.. أنا عايز واحدة زيها ..يا أخي كل مرة تتخانقوا والغريب إنها أول ما أقولها يوسف تيجي جري.
قهقه يوسف:
- يابني إمكانيات لما تكبر ابقي أعلمك.
**
في منزل محمد
- عاجبك الكلام اللي بتقوله بنتك ده يا امي؟
راويه:
- لا مش عاجبني ولا انت عاجبني.
محمد:
- ليه يا امي هو أنا عملت حاجة؟
راويه:
- حبيبي انت لازم توازن في تعاملك، أنا عارفه انك بتحب أخواتك بس لازم تعدل.
رفع حاجبه وقال:
- أعدل هو أنا متجوز اتنين عشان أعدل دول أخواتي.
- يابني لازم تتعود على أنك تعدل في كل شيء، مش الجواز بس.. عمومًا أنا عارفه انت بتحب غزل زيادة بسبب ظروفها بس حاول ما تحسسش تقى بكده روح بقى صالحها.
- خلاص بعد ما أرجع من الشغل عشان هستلم النهاردة، ادعيلي يا أمي يوفقني.. ابنك نفسه يستقر بقى في شغلانه.
راويه:
- دعيالك يابني من قلبي، وبدعي لإخواتك.
لثم رأسها وودعها وتركها في ذكرياتها عندما تعرفت على صفا وشقيقتها صفوه من عشرون عامًا.
**
في قصر الشافعي.
في حجرة الطعام بالأخص، تحدث ناجي بضيق:
- هو لسه البيه ما صحيش؟
- لا لسه شكله رجع متأخر كالعادة.
قالتها ملك وفمها مملوء بالطعام.
ناجي:
- أنا قولت قبل كده ماتتكلميش والأكل في بوقك كده.
ملك:
- سوري يا عمي مأخدتش بالي.
- جايبين في سيرة مين على الصبح؟
قالها يوسف وهو يتجه للجلوس بجوار عمه الذي رباه بعد موت والديه هو وملك.
ناجي:
- في سيرة واحد معندوش أدنى مسؤولية، تقدر تقولي ايه اللي آخرك بره امبارح كده؟
يوسف بابتسامة مغتصبة:
- كنت سهران مع شادي.
زفر ناجي وقال:
- عايزك تفوق شوية للشغل الفترة دي، هكون مشغول عندي حاجات هتشغلني شوية.
نظر ملك ويوسف لبعضهما نظرة ذات معنى، ثم قال يوسف وهو يبتلع الطعام:
- مفهوم، بس ياعمي أنت لسه عندك أمل انك تلاقيهم؟
ناجي:
- لحد آخر نفس عندي أمل.
يوسف:
- بس أنت قولت أن كل الدلائل بتأكد أنهم ماتوا.
ناجي بشرود:
- بس قلبي بيأكد أنهم لسه موجودين.
يوسف في سره:
(هتفضل عايش في الوهم).
ناجي: بتقول حاجة؟
يوسف:
- لا أبدًا، بقول ربنا يقرب البعيد.
ثم هب واقفًا وقال لملك:
- تروحي جامعتك بالسواق، وهيستناكي لحد ما تخلصي، ويا ريت بقى نخلص، مش كل سنة تجيبي مواد.
ملك بضيق:
- خلاص بقى يا يوسف مش كل شوية تفكرني، خلاص فهمت.
**
في نفس الوقت بمنزل الريس صابر.
يخرج عامر من حجرته مرتديًا سرواله الجينز وقميص قطني يظهر من خلفه عضلات صدره فهو ذات جسد رياضي وذو ملامح شرقية تجذب أي فتاة من أول نظرة، فمن يراه لا يصدق أن هذا الشاب المتخرج من كلية الطب صاحب مقهى ورثه من أبيه الريس صابر.
لقد اختار ملء إرادته ترك العمل في مجال النسا والتوليد، ليتابع مال أبيه الذي كافح كثيرًا للحصول عليه واكتفى بإدارة هذا المقهى الذي تحول إلى كافيه حديث بعد التعديل.
- صباح الخير يا أمي.
قالها عامر وهو يقبل يديها، فربتت على رأسه بيدها الحرة وقالت:
- صباح النور عليك ياحبيبي، هتفطر معايا ولا هتفطر في القهوة؟
عامر:
- لا هفطر في القهوة، افطري انتِ وما تنسيش الدواء عشان ما تتعبيش.
- خايف عليا يا عامر؟
عامر:
- أنتِ بتسالي يا أمي؟ أمال أخاف على مين لو مخوفتش عليكي!
ام عامر:
- لو بتخاف عليا حقيقي كنت ريحت قلبي وطمنتني قبل ما أموت.
عامر:
- ليه بس السيرة دي؟ ألف بعيد الشر عنك وكمان إحنا مش قولنا كل شيء بأوانه مستعجله ليه؟ عليا ياستي اتجوز وأخليكي تصدعي من كتر العيال.
قالها وهو يداعب وجنتيها فقالت:
- أيوه كلني زي كل مرة، أديني مستنية أما أشوف امتى هيجي اليوم ده.
عامر:
- إن شاء الله قريب، بس ادعيلي أنتِ، يلا سلام أنا عشان اتأخرت.
ام عامر بتنهيدة ونظرها معلق مع ابنها الذي تركها وتوجه للباب:
- دعيالك يابني يجعلك في كل خطوة سلامة.
**
أمام المقهى كان يقف عامر وواضع يده اليمنى بجيبه وكل ثانية ينظر إلى ساعته، فقطع تفكيره سيد وهو يقول:
- دكتور عامر أنت مستني حد؟
رفع عامر نظره للسماء بقله صبر وزفر:
"كام مرة أقولك ما تقوليش دكتور، أنت مابتفهمش ولا عايزني أعلقك جوه؟ أنا هنا تقولي ريس عامر أو أستاذ عامر بلاش دكتور دي الله يسترك."
سيد:
- خلاص مش هقول تاني بس أنت مستني حد؟
- يا الله، يعني مش بتفهم وحشري؟ اجري شوف الزباين.
تلفت سيد يمينًا ويسارًا وهو يرفع حاجبيه متعجبًا، فحتى الآن المقهى خالي من الزبائن.
فهم عامر ما يدور بعقله، فقال بغضب:
- روح امسح الأرض.
فهز سيد رأسه سريعًا وانصرف حتى لا يتعرض لصراخ عامر.
بعد لحظات وقف عامر منتبهًا لمرور محمد وهو يلقي عليه السلام فجري اتجاهه يرد التحية:
- وعليكم السلام يامحمد.
قالها عامر بتوتر يحاول إخفاءه.
محمد:
- أخبارك إيه والحاجة ام عامر صحتها عاملة إيه؟
هز رأسه وهو يقول:
- الحمد لله بخير.
محمد:
- يارب دايمًا، طيب بلغها سلامي.. عن إذنك.
"وهم بالانصراف، إلا أن يد عامر منعته ليقول عامر:
- محمد كنت عايزك في موضوع.
ضيق محمد عينه قال له:
- دلوقت؟ خير يارب.
- معلش مش هعطلك.
قالها عامر بتوتر فأجابه محمد:
- طيب قول بسرعة على السريع أصل متأخر.
عامر وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
- احم، اممم اه كنت عايز أخد رأيك في…
- إيه يا عامر مالك متوتر ليه؟
قالها محمد فمسح عامر بأصابع يديه المرتعشة عرق جبينه وقال:
- لا مافيش توتر، أنا كنت عايز أقولك لو ينفع الآنسة غزل تعملنا للقهوة المعجنات والأكلات بتاعتهم دي، أصل بصراحة كانت بعتت لي طبق منهم وكان حلو أوي، فبقول لو ينفع تعمل وننزلها بالقهوة و أهي مساعدة برضوا.
تحول وجه محمد إلى اللون الأحمر من شدة الغيظ وقال:
- أنا مش مخليها محتاجة حاجة، ولا أنت شايف أنها محتاجة عشان كده عرضت عرضك؟
رد عامر سريعًا وهو يبرر طلبه:
- لا أبدًا والله، أنا قولت تشغل وقتها…
أنا عارف أن وقت فراغها كبير ومأقصدش اللي انت فهمته.
أشار له محمد بيده ليتوقف وقال:
– خلاص ياعامر حصل خير. على العموم انت وصلك ردي في الموضوع ده.
طأطأ عامر رأسه بسبب فشل الخطوة التي كان يظن انها ستقربه منها، فودع محمد وتوجه إلى المقهى ليكمل عمله.
***
في شركة الشافعي
كان يوسف منهمك في عمله في قراءة العقود التي تحتاج مراجعة قبل الالتقاء بالوفد الفرنسي للتعاقد معهم، دخل عليه شادي وقال:
– إيه ياعم المدخنة اللي قاعد فيها دي؟ ارحم نفسك شويه أنا لو مكان سوزان السكرتيرة كنت قدمت استقالتي بسبب ريحة السجاير.
رفع يوسف نظره عن الأوراق وقال:
– أتلهي واكتم أنا مش ناقصك.
شادي:
– ليه كده يا بوص دا أنا حبيبك.
فجلس أمام مكتب يوسف ينتظر أوامره فزفر يوسف باختناق:
– دلوقتي قدامنا مشكلة المفروض الأستاذ إسماعيل في قسم الترجمة واخد إجازة لمدة شهر والعقود المفروض حد يترجمها قبل ما نمضيها عشان تتراجع قبل التعاقد.
شادي:
– طيب الحل؟ إحنا لو عملنا إعلان إننا محتاجين مترجمين مش هنلحق، الوفد جاي الأسبوع ده.. هو كده مفيش حل غير إننا نعمل إعلان على وجه السرعة، أو نأجل التعاقد.
يوسف:
– مش هينفع نأجل كده هنخسر كتير.
شادي:
– ما تشيلش هم، هحلها إن شاء الله.
في نفس الوقت كان محمد أمام مكتب سوزان.
محمد:
– من فضلك، حضرتك متعرفيش الأستاذ شادي فين؟
أجابته دون أن ترفع نظرها عن شاشة الحاسوب:
– مين حضرتك؟
محمد بحرج:
– أنا المحاسب الجديد، والمفروض أقابل أستاذ شادي وأدخل للبشمهندس يوسف.
رفعت نظرها من على شاشة الحاسوب وظلت تنظر إليه بهيام ثم تداركت نفسها وقالت:
– احم آه .. حضرتك.. احم آه.. حضرتك اتفضل ثواني، أستاذ شادي عند البشمهندس، ثواني أديه خبر.
وأشارت له للجلوس.
داخل الحجرة طرقت سوزان الباب، فأعطاها يوسف الإذن بالدخول.
سوزان:
– آسفة يا فندم بس في واحد بره اسمه أستاذ محمد، بيقول إنه المحاسب الجديد وطالب يشوف أستاذ شادي.
شادي: "آه ده أنا نسيت خالص كنت المفروض استناه في مكتبي كويس إنه جه، معلش دخليه بسرعة يا سوزان."
ثم وجه حديثه ليوسف:
– ده المحاسب الجديد، بس إيه شكله ملتزم جدًا؟ يارب يعجبك شغله وماتطردهوش زي اللي قبله.
– أما نشوف.
محمد:
– السلام عليكم.
شادي:
– وعليكم السلام، تعالى أعرفك على البشمهندس يوسف رئيس مجلس إدارة الشركة ونائب عن الأستاذ ناجي الشافعي صاحب الشركة.
نظر كل من يوسف ومحمد لبعضهما بغضب وفي نفس اللحظة قالوا:
– أنت؟
نظر لهما شادي وقال:
– انتوا تعرفوا بعض؟
ألقى يوسف نظرة ساخرة على محمد وقال:
– معرفة مهببة على دماغك، ملاقتش غير ده؟
انفعل محمد:
– احترم نفسك يابني آدم انت.
قال شادي بتعجب:
– لا لا لا استهدوا بالله فهموني في إيه الأول؟
يوسف:
– ولا أفهمك ولا أنيل، الزفت ده يطلع بره معندناش شغل ليه.
تحرك محمد جهة الباب وتلفت له وقال:
– أنا اللي ما أقبلش اشتغل مع واحد همجي زيك.
– عندك مش معاك اسمها عندك.
قالها يوسف بثقة وهو يضع يديه بجيوبه.
شادي:
– استنى بس يا محمد، لو سمحت انتظرني بس شوية عند سوزان وأنا جايلك.
بعد خروج محمد قال شادي:
– ممكن أفهم في إيه؟ ده رابع محاسب تمشيه أبوس إيدك ارحم أمي العيانة وفهمني إيه الحكاية ورافضة ليه؟
يوسف:
– الزفت ده اتخانقت معاه في الشارع، ومسك فيا كل ده عشان واحدة ملهاش لازمة كنت هدوسها بسبب غبائها، وأكلمها تتجاهلني كأنها مش شايفة، فجأة ألاقي البيه عايز يعمل قدامها راجل وبيتخانق عشانها.
– حلوة؟
قالها شادي بخبث وغمز بعينه ليوسف.
يوسف:
– ما أخدتش بالي أوي، هي بيضا وشعرها بني زي العسل كده وعيونها رمادي أوف صاروخ بنت الإيه.
همس بها يوسف دون أن يدرك أن شادي يسمعه فضحك شادي قائلاً:
– كل ده وما أخدتش بالك؟ أومال لو أخدت كنت عملت إيه؟
يوسف:
– يوه بقي ياشادي، ما أنت عارفني مغناطيس جنس ناعم وما بحبش أعدي حاجة جميلة من تحت إيدي.
شادي:
– خلينا في المهم أمشي محمد ولا إيه دلوقتي؟
يوسف وهو شارد أمامه وبمغزي لا يفهمه إلا هو:
– لا خليه يمكن يجي من وراه مصلحة.
***
في منزل الخالة صفا، بحجرتها كانت تجلس غزل فوق سرير الخالة صفا تقوم بتدليك قدم خالتها لتزيل عنها آلامها، أما الخالة فتستند بظهرها على السرير وبيديها صورة قديمة تتأملها.
أشارت لها غزل بيديها لتنتبه لها الخالة.
فكتبت بريشتها الورقية:
– احكي لي مرة ثانية عنهم.
قالت الخالة:
– ألم تملي من تكرار القصة؟
فهمتها غزل من شفتيها فهزت رأسها بطريقة طفولية بلا، فنظرت صفا في الصورة القديمة وقالت:
– كنا فتاتين صفا وصفوة، كنت أكبر من صفوة بخمس سنين وكتب لي الله أني أتزوج من عبدالله الزايد.
أما صفوة فكانت تشبهك كثير في جمالها وبياض بشرتها وعيونها وشعرها البني، كانت جميلة تجذب كل اللي يبصلها.
وفي يوم شافها شاب أعجب بها جدًا، كان الشاب ده مهندس ابن صاحب الشركة الذي يعمل بها والدنا ساعي رحمة الله عليه، وحاول يقرب لها وحبته وأقنعها بالزواج رغم اختلاف الجنسية، وأقنع والدي بالزواج وإنه هياخدها معاه لما يبلغ أهله بالزواج.
مع ضغط صفوة على والدي وافق على الجواز، ولكن إحنا ما توقعناش إنه يرسل لها يبلغها بزواجه مكرهًا من بنت خالته، بعد ما عرفوا بجوازه بأختي ببلد أخرى، وإنه يعتذر لها بكل بساطة وطلقها.
طلقها وما كانش يعرف إنها حامل، كانت مستنية لتفاجئه.. ولكن هو أسقط هذه الورقة من حساباته كأنها لم تكن.
حاولت صفوة التواصل معه أكثر من مرة ولكن رفض أن يسمعها حتى، وطلب منها إنها ما تتصلش بيه مرة ثانية، كان خايف من أهله يحرموه من الميراث.
فقررت صفوة إنها تسافر له لتبلغه بحملها، بس مقدرتش.
كتبت غزل:
– لماذا لم تسافري له؟
الخالة صفوه:
– حصل عندنا حروب أهلية وحظر تجول وكانت البلدة بعيدة كل البعد عن الطرق البرية أو الطرق التي توصلنا للمطار، فكنا مهددين فترة كبيرة بالخطر، وصبرنا لحد ما عرفنا إن صفوة حامل بتوأم بنتين، ورزقنا ببنتين غاية بالجمال وسميناهم (بيسان وغزل).
كتبت غزل: أنتِ لم تخبريني كيف اختفت بيسان؟
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، بعد الولادة عانت صفوة بسبب الحالة النفسية السيئة، الوردة الجميلة انطفأت بسبب أنانية شخص.
ومرت الأيام وكان صعب على صفوة إنها ترضعكم، كان لينا جيران بالحي مغتربين، كانت خالتك راوية وزوجها ومعهم محمد تقريبًا العشر سنوات، كانت تقى مولودة بنفس توقيت ولادتك أنتِ وبيسان فتطوعت بإرضاعك وتركت بيسان لصفوة فأصبحت أختًا لتقى ومحمد، ابتسمت غزل وأشارت لها لتكمل، فتنهدت صفا وأكملت اكتشفت بعد جوازي إني مش هخلف بسبب مشاكل بالرحم، فحمدت الله واعتبرتكم بناتي، وكنا نعيش بسعادة وكبرتم أمامنا حتى صار عمركما أربع سنوات، وحصل ما لم نتوقعه.
فجأة لقينا طليق صفا يطلب منها الرجوع وأن يأخذها هي وبناته لبلده بعد علمه بأنها أنجبت منه بنتين، فرفضت صفوه الرجوع لأن كرامتها مجروحة منه، وسكت الموضوع واختفى مرة ثانية، وبس ما كناش نعرف باللي يدبره ليكم، ولكن في ليلة كانت أختك بيسان تعبانة ودرجة حرارتها مرتفعة، فطلبت صفوة مني أن آخذك معي عشان ما تمرضيش، وبليل لقيتها بتتصل تبكي بانهيار لأن طليقها اتهجم عليها وخطف منها بيسان، وهي خايفة عليكِ، ليعرف مكانك أنتِ كمان، تنهدت صفا والدموع محبوسة ترفض الخروج:
– قلت لها إنه ما يعرفش مكاني، وفجأة سمعت صوت انفجار شديد جريت أنا وعبد الله في الشارع. وجرينا بالشوارع بليل بس انصدمنا.. حصل قذف على منزل والدي وكانت صفوة جواه. بكت صفا بحرقة على هذه الذكريات الأليمة فربتت غزل على يديها وهي بعينيها الدموع، فكتبت غزل:
– كيف جئنا إلى هنا؟ ولماذا لا أتذكر شيئًا؟ كثيرًا أحلم أنني أتكلم وأصرخ. ردت صفا:
– لا أنتِ كنت كويسة، بس بسبب القذف والقنابل أثرت على سمعك، فهذه الحروب تخلف أجيال مريضة ومصابة بإصابات نفسية وجسدية.
– كيف أتينا إلى هنا؟ وكيف وصلتي لخالتي راوية أم محمد؟
كتبت جملتها بريشتها، أكملت صفوة بعد هدوء الخطر، كان يوجد شبه استقرار، فقررت أن أغير شهادة ميلادك باسم غزل عبدالله الزايد بدل اسمك الحقيقي عشان أقدر أخرج بيكي من البلد مع عبدالله رحمه الله، وعشان ما يوصلش ليكي ويأخذك أنتِ كمان مني، وبعد رجوع راوية هي وجوزها لبلدهم كانت سايبة لي عنوانها من قبل، وقدرت أوصل لها بعد ما سبنا وطننا. وإدينا زي ما إحنا من أكتر من خمسة عشر سنة نسكن معهم ببيتهم وساعدوني نأجر منهم الشقة دي، وأنتِ عارفة كنت بدرس فرنسي وإنجليزي في البيت والأكلات بتاعتنا كنت ببيعها كان الله ييسرها معانا، عارفة إيه اللي قلقني يا غزل؟ إن يوصلك والدك وياخدك مني. هزت غزل رأسها بالرفض وكتبت:
– لن أعود معه أبدًا وأتركك أنتِ أمي.
بكافتيريا الجامعة، تجلس تقى تشرب كوبًا من الشاي وتسجل بعض الملاحظات بدفترها، وانتفضت فجأة على صوت تعرفه جيدًا ثم قالت:
– حرام عليكِ يا بنتي، أنا عايزة أتزوج وأخلف، كده مش نافعة في حاجة.
ردت ملك وهي تقهقه:
– أعملك إيه؟ ما أنتِ بتركبي الهوا على طول، يابنتي فكك شوية بلاش تكشيرة العسكري دي، هو بغبائه.
تسألت تقى وهي تشرب الشاي:
– هو مين؟
ملك:
– جنرال يوسف، هيكون مين، نسخة ياربي في التكشيرة ولا حب الامتلاك لما يمتلك حاجة محدش يقدر يلمسها.
– هو صحيح يوسف عامل إيه؟ بقالي كتير ما شفتهوش ييجي ياخدك زي الأول!
ملك وهي تنظم كتبها أمامها:
– لا أبدًا، أصل ياستي عمي سايب كل الشغل على يوسف وبيسافر كتير فتلاقي يوسف في الشركة الصبح ومع أصحابه بليل، ومش بيرجع إلا متأخر، ربنا يتوب عليه بقى بيبقى راجع مش شايف قدامه.
– تساءلت تقى:
– ليه للدرجة دي بيتعب في الشغل؟
ضحكت ملك وقالت:
– شغل إيه انتِ طيبة أوي، قولي بيتعب من السهر والشرب، هيييح ربنا يهديك يا يوسف وتيجي اللي تهديك بقى يارب.
– أمين يارب.
قالتها تقى وكأنها كانت تنتظر هذه الدعوة التي داعبت قلبها بأمل.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث 3 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
كان محمد يرتشف كوب الشاي الذي أعدته غزل له ويتذكر كيف اعتذر شادي نيابة عن يوسف وبرر أنه متوتر بسبب تعاقد جديد، لذلك لم يستطع أن يسيطر على أعصابه معه وأرشده إلى مكتبه ليستلم عمله.
قاطع شروده شيء بجانب قدمه، فاكتشف أنها غزل التي تجلس على الأرض بجوار رجليه، فهي تعشق هذه الجلسة حتى يمسح على رأسها كالقطط. وانتبه للصحن الذي أتت به من المطبخ، آه إنها المعجنات التي ذكرها عامر.
فاقترب يلتهم منها قطعة ووجه نظره لها وقال:
- تخيلي عامر عرض عليّ أنك تعملي أكلات زي دي للقهوة بتاعته.
انتبهت لما قاله وانفرجت شفتاها، تعجبت في بداية الأمر وبعدها ظهرت ابتسامة شقت شفتيها كأن طابت لها الفكرة وأسرت لتكتب:
- وليه لا؟ أنت عارف أن ماما صفا من ساعة ما جينا هنا وهي كانت بتعمل أكل زي ده وتبيعه والناس كانت بتحب أكلها، بس لولا رجليها وتعبها كانت فضلت للآن بتشتغل.
هز محمد رأسه بالرفض:
- لا يا غزل أنت مش هتشتغلي طول ما أنا أقدر أتكفل بيكي، هو أنا اشتكيت ولا أنتِ محتاجة حاجة؟
هزت رأسها سريعًا وأشارت بيدها بلا وكتبت:
- بس أنا زهقانة أوي ومش بعمل حاجة غير الغداء وأقرأ كتب.. بالله عليك توافق.
محمد:
- خلاص موافق بس بشرط ما ترهقيش نفسك ولو حسيتي أنك تعبتي قولي لي، وأنا هتصل بعامر وأقوله أننا موافقين.
صفقت غزل بيديها وقفزت تحتضن محمد فربت على ظهرها بحنان يدعو لها في سره بصلاح الحال.
***
- قولت لك ما تتصلش بيا تاني، أنت مب تفهمش ولا إيه؟
الشخص:
- اسمعيني بس يا ملك، والله بحبك أديني فرصة واحدة نتقابل فيها ومش هتندمي صدقيني.
ملك:
- شكلك مش بتفهم، لو اتصلت بيا تاني هقول ليوسف وأنت عارف يوسف ممكن يتصرف إزاي.
أغلقت الخط في وجهه.
الشخص نظر للهاتف بتعجب وقال:
- ماشي يا بنت الشافعي، هتروحي مني فين؟
- عرفت حاجة؟ أو وصلت لأي معلومة جديدة؟
قالها ناجي وهو يضع الهاتف على أذنه، فقال عيسى:
- لا يا ناجي لسه موصلناش لحاجة، كل اللي قدرنا نوصله إن مفيش حد باسم غزل ناجي الشافعي موجود هناك في السجلات، يعني معنى كده يا إما خرجت من البلد أو.. أو ماتت.
- لا ممتتش، أنا قلبي حاسس إنها عايشة، بس مع مين مش عارف.
عيسى:
- طيب ما تحاول تدور على أي حد من عيلة المرحومة صفوة.
ناجي:
- بحاول يا عيسى زي ما يكون بدور على إبرة في كوم قش.
عيسى:
- إن شاء الله توصل لهم.
ناجي:
- يارب آمين.
ارتدت غزل ملابسها المكونة من سروال من جينز يظهر قوامها وقميص نسائي قصير أصفر يظهرها طفلة أكثر من أنثى، وتركت شعرها ليغطي جانبي وجهها كما اعتادت لتخفي أسفله سماعة أذنها اليسرى، ولكنها الآن تحت الصيانة فتستطع استبدال ذلك بقراءة الشفاه مؤقتًا.. فالناس تعتقد صمها التام إلا أنها تستطع السمع بأذنها اليسرى بنسبة بسيطة جدًا. نظرت لنفسها نظرة أخيرة في المرأة ثم ارتدت حذائها الرياضي الأبيض وحقيبتها الصغيرة الجانبية.
في المقهى.
يجلس عامر بمكانه المعتاد ليباشر عمله وفجأة دخل عليه سيد يصرخ بطريقة أفزعت عامر وجعلت كوب القهوة الذي كان يرتشف منه يسقط على قميصه القطني.
سيد:
- الحق يا أستاذ عامر!.. الحق.
- في إيه يا لهوي حد يصرخ بالشكل ده، ما تنطق فيه إيه؟
قالها عامر بصراخ بوجهه فقال سيد:
- وهو يلهث ويشير للخارج الأنسة غزل ف..
هب عامر من مكانه مفزوعًا وانقبض قلبه وقال:
- مالها انطق أنت هتتنقطني؟
سيد وهو يلهث:
- الأنسة غزل حد بيتعرض لها بره.
لم يكمل سيد حديثه ولم يشعر إلا بيد عامر تمسكه من خلف قميصه كالمجرمين ويجري به خارج المقهى ليدله على مكان وجودها.
في نفس اللحظة كانت تقف غزل مرتعبة وكلما حاولت السير هذا السمج يسد الطريق عليها بجسده حتى لا تمر، في محاولة منه الحديث معها.
- طيب ردي عليا، أنت اسمك إيه؟ طيب بلاش اسمك ساكنة فين؟ طيب؟
قالها الشخص بترجي وعيون تملأها إعجاب.
- أنا مش أقصد أعاكس أنا عا..
قطع حديثه لكمة قوية بوجهه ويد قوية تسحبها من ذراعها خلفه، لحظة لم تستوعب ما حدث ولكنها اكتشفت أنها خلف عامر يحميها خلف ظهره لم تستفهم ما يقوله لهذا السمج لكن طريقة وقفته وانعقاد حاجبيه وصراخه واستعداده للهجوم مدافعًا عن شيء يخصه أنبأها أنها ستكون سبب لمشكلة قادمة.
- ده أنت أمك داعية عليك النهاردة.. عايز منها إيه؟
قالها عامر بشراسة، فقال الشخص وهو يمسح أنفه من الدماء:
- أنت مين أنت؟ وإزاي تمد إيدك عليا، أنت متعرفش أنا مين؟
- مين يا حيلتها؟ اللي يتعدى على اللي يخص المنطقة ما يلومش إلا نفسه.
وتحرك ليسدد له لكمة أخرى إلا أن يد صغيرة متشبثة بذراعه أوقفته، يد مرتعشة تحاول منعه مما هو مقدم عليه.. التفت عامر وضربات قلبه تقفز من صدره من هذه اللمسة، ليصطدم بعيون رمادية برموشها البنية العائمة في بحر من الدموع تترجاه أن يتوقف. ابتلع عامر ريقه بصعوبة لا يعلم هل يسعد للمستها أم يحزن لحزنها فقال:
- عملك حاجة؟ جه جنبك أو حاول يلمسك؟
قالها عامر ببطء لتفهمه، فهزت رأسها بالنفي على أسئلته فزفر بقوة ونظر للشخص ووجده يقترب ويقول:
- أحب أعتذر، أنا فعلًا غلطان أن حاولت أوقفها، أنا بس كنت عايز أعرف ساكنة فين وهي مش عايزة ترد عليا يمكن طريقتي غلط فأحب أصلح غلطي.
ومد يده يصافح عامر الواقف كالتمثال يقول:
- أنا شادي عبد الحميد بشتغل في شركة الشافعي للاستيراد والتصدير.
فاعتدل عامر في وقفته ووضع يده في جيبه وهو ينظر من علو ليد شادي الممدودة بازدراء:
- أحم أنا كنت جاي لصديق هنا، هقابله والأنسة أحم أه.. كنت عايز أعرف مكان بيتها.
- ليه؟
قالها عامر دون أن يتحرك من وقفته التمثالية فقال شادي:
- أنا الحقيقة كنت حابب أتعرف على الأنسة و..
- الأنسة مخطوبة.
قالها عامر وهو يقبض على يده بقوة داخل جيبه.
شادي بصدمة:
- مخطوبة! أنا آسف جدًا على سوء التفاهم ده، بجد أصل ما شفتش دبلة في إيديها أنا بعتذر مرة تانية.
وهب لينصرف لكن أوقفه سؤال عامر:
- جاي لمين هنا؟
- جاي للأستاذ محمد الشريف وقالي استنّاه في قهوة عامر.
ظهرت الصدمة جلية على وجه عامر من هذا المأزق، من المؤكد أنه سيقص على محمد ما حدث. فأراد إثنائه عن ذلك فقال:
- الأستاذ محمد يبقى أخو الأنسة وأشار بطرف عينيه لها بمغزى فهمه شادي.
قال عامر:
- عمومًا حصل خير، ولا كأن حصل حاجة دلوقتي، مالوش لازمة تخسر صاحبك وتاخد ضربة تانية في وشك.
فوضع شادي سريعًا يده مكان لكمة عامر وقال بتوتر:
- طبعًا مالوش لازمة نعمل موضوع ده كان سوء تفاهم مش كده؟
هز عامر رأسه بثقة وبقي ثابتًا إلى أن اختفى شادي من أمامه، فالتف ليرى هذه المرتعبة خلفه.
وجدها فارغة الفم تنظر له بتعجب مما قاله، لقد فهمت كلام شادي لأنها كانت بوجهته.
فأسرعت تخرج دفترها تسأله:
- أنت قولتله أني مخطوبة ليه؟ وهو عايز يعرف بيتي ليه؟
رفع عينه للسماء من هذه الغبية ألم تفهم أنه أعجب بها؟ هل هي غبية دائمًا هكذا؟
آفاق على سؤالها:
- هو صاحب محمد بجد؟
هز عامر رأسه بنعم وهو يسرح بملامحها التي لن تتوفر له الفرصة مرة ثانية لهذا الاقتراب، ففاق من شروده بها وسألها:
- أنتِ كنتِ رايحة فين؟
كتبت:
- كنت هشتري طلبات الوجبات اللي أنت حددتها لمحمد عشان أعملها للقهوة..
ابتسم عامر ابتسامة جانبية وتذكر عندما ملأته الفرحة حين أخبره بموافقتها على طلبه.
- طيب تعالي هوصلك وأشتري الحاجة معاكي.
قالها عامر بسعادة، فهزت رأسها بالرفض فأصر أن يوصلها ويتسوق معها فوافقت بإحراج.
في مطبخ الخالة صفا تقف غزل به تعد ما طلبه منها عامر، فقد طلب منها أربع أصناف وطلب أن يكون كل صنف في صحن منفصل وتغلفه تغليفًا شفافًا وأنه سوف يتعامل مع الطلبات بالمقهى، فتذكرت عندما أصر على دفع ثمن المشتريات وأعطاها مبلغًا مقابل ما ستعده من الأكلات. وبعد إلحاح منه وافقت بإحراج منه. قطع شرودها الإضاءة الحمراء فقد خصص محمد لها إضاءة بكل مكان حتى تنتبه لمن بالباب. توجهت للباب فوجدته محمد.
محمد:
- السلام عليكم.
أشارت غزل بيدها له ردًا على سلامه.
محمد:
- اتفضلي ياستي السماعة أهي.
قالها وهو يمد يديه إليها بها، فأخذتها منه بسعادة.. أخيرًا ستستمع إلى بعض الأصوات حتى لو كانت ضعيفة.
ولكنها تحمد الله أنها تستطع سماع القليل.
فأسرعت لتقبل وجنته بخجل لتشكره. فربت على رأسها فهي أخته التي لم تلدها أمه.
"هي جميلة الجميلات بتعمل ايه؟"
قالها محمد وهو يقرص وجنتيها بيديه.
ضحكت غزل بصوت ضعيف وأشارت إلى المطبخ ففهم أنها تعد الطعام. فأشارت له بالدخول وعرضت عليه شرب كوب من الشاي.
محمد:
"والله يا غزل لسه شارب عند عامر، بس لو لازم اعمليلي قهوتك الحلوة."
فأسرعت لتعدها وبعد دقائق كانت تحملها وتضعها جانبه. ووجدته مشغول بقراءة بعض الأوراق والحسابات وهو عاقد حاجبه ويظهر عليه الإرهاق فكتبت له:
"ايه الورق ده؟ هو ده ورق شغل؟"
رد محمد بابتسامة يتخللها الإرهاق:
"آه في حاجات عايزة تتراجع ولازم تخلص قبل بكرة."
كتبت:
"ربنا يوفقك بس اشرب القهوة."
محمد:
"حاضر هشربها."
وشرد عندما اتصل به شادي يطلب منه أن يقابله ليراجع العقود التي سيتم إمضائها غدًا، ولكن حتى الآن تقابلهم مشكلة ترجمة العقد المكتوب بالفرنسية.
يستند بجسده العاري على السرير وبيده اليمنى السيجارة يدخنها بشراسة فينظر لنانسي التي تنام عارية بجواره على بطنها وهو يفكر كيف سيحل مشكلة غدًا مع الوفد الفرنسي.
قطع تفكيره نانسي التي تداعب صدره بأصابعها وتقول:
"ايه يا روحي سرحان إيه؟"
ظل ينظر أمامه وهو يزفر الدخان من فمه ولم يجبها.
أصرت أن تلفت انتباهه إليها فاقتربت منه وقبلت صدره وقالت:
"هو انت ما اتبسطش النهاردة معايا؟"
نظر إليها يوسف نظرة طويلة فامسك شعرها من مؤخرة رأسها وقربها له لتلامس شفتاه خاصتها ويقول:
"انتِ الوحيدة اللي تقدري تبسطني."
فالتهما شفتاها بقبلة حارقة ليغوص معها في بحرها العميق.
في شركة الشافعي.
"اتصرفي يا سوزان، يوسف مش هيسكت.. ابعتي لأي شركة تانية من اللي متعاقدين معاها يبعتوا حد من طرفهم."
قالها شادي بتوتر.
"يا بشمهندس شركة الراعي اللي داخلة شغل معانا بالفعل اتفقت معاها انها تبعتلنا المترجم اللي عندهم، بس للأسف المترجم في المستشفى رجله اتكسرت النهاردة الصبح."
قالتها سوزان بخوف مما سيحدث. فقال شادي:
"يادي الليلة اللي مش فايته!"
قالت سوزان وهي ترفع سماعة التليفون:
"والأستاذ محمد فين؟ هو كمان اتأخر ليه؟ ده معاه الورق."
"أنا اتصلت بيه أكتر من مرة مش بيرد، هحاول مرة تانية."
"حاولي تاني وتالت، احنا هنتفجر النهاردة."
قالها شادي وهو يشد خصلات شعره بيده... ولم يكمل إلا ووجد محمد يدخل المكتب:
"السلام عليكم."
"انت فين من بدري؟ مش بترد علي تليفونك ليه؟!"
قالها شادي بصوت غاضب.
"معلش مش سامعه أنا بعتذر."
قالها محمد بتعجب ثم أضاف: "هو فيه حاجة؟"
"إحنا معرضين نخسر أكبر صفقة لو ملحقناش نراجع على العقود قبل التوقيع، ولو اتأخرنا هيشوفوا حد غيرنا.. صحيح فين الورق؟"
قالها شادي وهو ينظر ليد محمد الفارغة. فنظر له فوجد محمد ينظر له بصدمة ويضرب بيده على جبينه:
"اوف نسيت الورق!"
شادي:
"هو يوم باين من اوله.. يوسف والحمد لله هنتنفخ على ايده."
بمنزل الخالة صفا.
كانت تقوم بترتيب المنزل كالعادة اليومية لها ولكنها لاحظت بعض الأوراق التي تخص محمد على الطاولة. فمدت يدها لترتبها وتحتفظ بها ولكن ما لفت نظرها في هذه الأوراق جعلها ترفع حاجبها باندهاش.
"حاضر يامحمد حاضر بطل صريخ حالاً اهو."
قالها عامر وهو يصعد درجات السلم سريعاً حتى وصل لمكان سكن غزل. أخذ نفساً ودق الجرس وانتظر. فجأة فتحت له غزل وهي تنظر له باندهاش تتساءل عن سبب حضور عامر.
"محمد كلمني وقال في ورق مهم نسيه وطلب مني ابعتهوله الشركة لأنه مش هينفع يسيب الشركة دلوقت."
انتظر ردها لدرجة أنه هيئ له أنها لم تفهم حركة شفتاه. فكاد أن يعيد مرة أخرى إلا أنها قاطعته عندما تحركت للداخل وأحضرت روزماتها وكتبت له أن ينتظرها بالأسفل وأغلقت الباب دون أن تنتظر رده.
انعقد حاجب عامر من تصرفها الغريب ورفع كتفه وقال:
"مجنونة! طلعت كمان مجنونه! بس هتجنني معاها."
أسفل البيت كان ينتظر عامر مستنداً على سيارته. هب يقف معتدلاً عندما لمحها تخرج من البيت ترتدي بنطالها الجينز وقميص قطني فوقه وتركت شعرها البني الناعم يخفي جانبي وجهها. قال لها باندهاش:
"انتِ رايحه فين؟"
كتبت بثقة:
"لمحمد طبعاً."
أجابها عامر وهو متعجب من قرارها:
"مالوش لزوم انا كنت هروح بسرعه وجاي متتعبيش نفسك."
هزت رأسها بالرفض. فقال باستسلام:
"طيب امري لله اتفضلي."
واسرع يفتح لها باب السيارة المجاور له وانطلقا إلى وجهتهما.
في السيارة كانت غزل شاردة في يديه القابضة فوق طارة القيادة التي تظهر مدى تصلب جسده. احست من هيكله كأنه يحارب شيء يكاد لا يستطع السيطرة عليه. كانت تحاول قراءة أفكاره وتسألت "لماذا دائماً تشعر بشعور خاص اتجاه عامر لا تستطع تفسيره. فعندما تراه تشعر بالأمان والاحتواء رغم قلة كلماته التي يوجهها لها إلا انها ترى بعينيه شيء يصعب تفسيره فهو دائم الارتباك والتوتر عند رؤيتها. كيف لشاب بسنه وحجمه وشخصيته المعروفة الصارمة أن يرتبك هكذا. فهل هذا طبعاً به ام شيء خاص يخصها به؟"
أفاقت من شرودها على يد عامر التي امتدت اتجاهها فانتفضت تلتصق ظهرها بالباب إلا أنها وجدته يسحب بيده اليمنى حزام أمانها ليثبته لها. لحظة، اثنان بقت على حالها حتى تستوعب ما فعله. فنظر متعجباً من رد فعلها فهو دائماً حريص على التعامل معها في إطار محدد. ولم يتجاوز معها من قبل في أي فعل أو قول. وقال وهو يوزع نظره بينها وبين الطريق:
"انا اسف بس أنا حاولت أنبهك للحزام اكتر من مرة بس كنتِ سرحانه."
ساد الصمت. بينما وقعت عينيه على بنطالها الجينز الذي يظهر ساقيها بدقة مثيرة فأشاح بوجهه عنها ليستغفر ربه. لماذا لا ترتدي شيئا يخفي ساقيها أو... جحظت عيناه وقال في نفسه:
"ما هذا يا الله! هذه الفتاة ستصيبه بسكتة قلبية. كيف لم ينتبه لهذا القميص الذي يظهر بياض ذراعيها كيف تخرج بهذا الشكل. وكيف لم ينتبه من قبل. أ يستطيع توبيخها على ملابسها. هل له الحق في ذلك. كم شخص الآن رآها. وكم سيراها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يضرب طارة القيادة بقبضته بغضب."
في نفس الوقت كانت غزل تراقبه بجانب عينيها تشعر بسخونة في جسدها. راقبت ملامحه التي انعقدت ثم شقت ابتسامة شفتاه. ماذا انها انعقدت ثانية. ثم أشاح وجهه عنها.. هل هو مجنون أم غير طبيعي هل يصاب بما يسمى الانفصام يسير بشخصيتين متناقضتين. انتفضت عندما سمعت ضربة لطارة القيادة. لاحظ انتقاضها وقال معتذراً:
"انا اسف سرحت شويه."
هزت رأسها بسرعة بالموافقة وظلت تضم يديها في حجرها بتوتر. ثم لاحظت توقفه فجأة وهو يخلع حزام أمانه ثم التفت لها يمد يده اتجاهها:
"وصلنا هاتي الأوراق ابعتها لمحمد."
نظرت ليده ثم هزت رأسها بالرفض. عقد حاجبيه وقال:
"لا ليه! ما تتعبيش نفسك أنا هروح بسرعه وأرجع."
كيف يبلغها أنه يحترق إذا نظر إليها شخص غيره وخصوصاً بهذه الملابس. سيجن بالتأكيد لكن هو ليس له عليها بسلطان. فانتبه لخروجها من السيارة وقت شروده. فخرج واقترب منها يقول:
"مصممة؟"
ردت غزال بهزة من رأسها بالإيجاب. فقال:
"طيب تعالي."
صارت بجواره كالطفلة التائه الغريبة. فانتظرت حتى استفسر من الاستعلامات عن مكان محمد وتوجها للمصعد.
أمام المصعد.
في انتظار المصعد وضع عامر يده على جيبه ليبحث عن هاتفه فاكتشف تركه بالسيارة. فقال:
"غزل معلش أنا هروح بسرعة اجيب التليفون عشان اكلم محمد وأبلغه أن احنا وصلنا وراجع بسرعة."
هزت رأسها بالموافقة. وهي تنتظره داهمتها رائحة ازكمتها. أشعرتها بعدم الراحة. يبدو أن هناك من يكثر في استخدام عطره بطريقة تثير الغثيان.
فتح باب المصعد. دخلته وقررت أن تسبق عامر للطابق الذي يعمل به محمد. لم تنتبه للعيون التي تتفحصها من رأسها مروراً بجسدها لأرجلها.
فدخل بعدها هذا الشخص.
انكمشت بجانب الحائط تحاول عدم النظر إليه. يكفيها رائحة عطره القوي الذي أصاب معدتها بألم. ونظرت لقدمها ليختفي وجهها أكثر بين شعرها فهي حريصة دائماً على إطلاق شعرها هكذا لتخفي سماعة أذنها خلفه.
أما على الجانب الآخر استند بظهره في أخر المصعد وظل يراقبها ويراقب حركاتها وطريقة وقوفها المنكمشة وعلى شفتيه ابتسامة جانبية خبيثة.
لحظة، لحظتان، ثلاثة في انتظار الطابق التي طلبته فهو لم يطلب طابقه اكتفى بطلبها هي. فتح المصعد وخرجت مسرعة لا تعرف وجهتها. كان الهواء نفذ من حولها. تحاول التنفس لتهدئ من اختناقها الذي شعرت به.
أما هو فتوجه سريعاً إلى مكتبه مروراً دون توقف بسكرتيرته الخاصة يقول بطريقة صارمة دون أن ينظر لها:
"صباح الخير يا سوزان.. في وحدة هتيجي تسأل على الأستاذ محمد بتاع الحسابات دلوقت، تدخليها بس بلغيني قبل ما تدخل ومتبلغيش حد."
سوزان:
"أمرك يافندم."
دخل مكتبه وارتخى على مقعده خلف المكتب وهو يشرد عندما لمحها عند دخوله الشركة يحدثها شخص ما وتبتسم له لينصرف سريعاً.
وقال في نفسه "شكلك مش سهل ابداً، وماله أدينا بنتسلى".
"ايوه يامحمد أنا في الشركة وغزل صممت انها تيجي معايا، بس مش عارف راحت فين.. قولتلها استني قدام الاسانسير واختفت."
"يعني ايه الكلام ده! اختفت فين! استنى انا جايلك."
قالها محمد بتوتر.
دخلت غزل غرفة سوزان وظلت لبعض الوقت صامته. فعندما انتبهت لها سوزان قالت:
"ايوه يافندم محتاجة حاجة؟"
كيف ستجيبها غزل الآن. ظلت تفرك بيدها للحظة ثم فتحت حقيبتها لتخرج روزماتها الورقية لتكتب ما تريد.
تعجبت سوزان من تصرفها ورفعت حاجبها للأعلى. فعندما علمت بطلبها.
طلبت منها سوزان الانتظار للحظة.
دخلت سوزان وعلى وجهها علامات التعجب وقالت وهي تشير خلفها بتعجب:
"اللي حضرتك قولت عليها بره."
قال يوسف باستنكار:
"مالك بتقوليها كده؟"
ردت سوزان وهي تهز رأسها:
"مش عارفة.. أقصد لا مافيش."
قال يوسف:
"طيب دخليها، وما تدخليش حد دلوقت."
قال يوسف بصرامة:
– أيوه عارف وبرضه ما تدخليش حد.
وقف محمد وعامر وعلى وجههما علامات الارتباك:
– طيب وبعدين إحنا دورنا في كل حتة ملهاش أثر؟
قالها محمد وهو يشد خصلات شعره، فقال عامر:
– طيب اتصل تاني بيها أو ابعت رسالة.
– الشبكة هنا زفت وتليفونها مقفول.
قالها محمد بعصبية.
عامر:
– معلش في السؤال هي هتعرف إزاي إنك بتتصل؟
محمد بعصبية:
– عامر! ده وقت سؤالك؟
شعر عامر بالإحراج من رد فعل محمد إلا أنه سمعه بعد وقت من الصمت وهو يقول:
– فايبريشن.
انتبه عامر له وعقد حاجبيه، فأكمل محمد:
– بتعمل التليفون خاصية اهتزاز عشان مش هتقدر تسمعه.
هز عامر رأسه بتفهم، لقد فهم الآن.
في نفس الوقت دخلت غزل للمكتب وهي تتلفت يمينًا ويسارًا في منتصف الحجرة معتقدة أنها في مكتب محمد أخيها، فهي تريد إبلاغه بشيء مهم يخص العقود التي تركها على الطاولة. بدأت تداهمها نفس الرائحة التي أزكمتها من قبل، فهزت رأسها بأنها تهذي ورجعت خطوة للخلف لتلتف حول نفسها فتصطدم بصدر بشري، لتبتلع صرختها التي خرجت منها. لقد شل الموقف حركاتها ليقول:
– ما تحاسبي، كنتِ هتقعي.
حاولت التحرك إلا أن يديه التي يضعها خلف ظهرها لم تسمح لها بالتحرك والابتعاد، فبدأت بدفعه من صدره لتحاول الفكاك منه. ليصدر منها أصوات غريبة عليه، ليتركها بتسلية ويقول وهو يرفع يده عنها باستسلام:
– اهدي، ما حصلش حاجة.
فابتعدت للخلف وهي مرعوبة من نظرته تريد الخروج من هذه الحجرة. فنظرت إلى الباب خلفه ففهم ما تفكر به فباغتته بتحركها بحركة كان يتوقعها فسبقها ليسد عليها الخروج من الباب.
بدأت تشعر بألم معدتها من عطره القوي، حتى شعر بتوترها فزاد الأمر تسلية، ليقول وهو يمد كف يده اليمنى:
– أنا المهندس يوسف الشافعي.
نظرت إلى يديه دون أن تتحرك، فانتظر يوسف أن تبادله السلام إلا أنها تجاهلته. ما هذا؟ تتجاهله للمرة الثانية؟ ألم يرتقِ لمستوى الرجال التي تعرفهم؟ قطع تفكيره رفع يده ومبادلته المصافحة دون النطق بأي كلمة منها ثم سحبت يدها بسرعة. قفال يوسف وهو يضع يده بجيبه يقول:
– مش هتعرفيني بنفسك؟
توترت غزل وبدأت تشعر بدوار يداهمها من عطره فأخذت تفتش بحقيبتها على الروزمانة الورقية تحت عينيه المراقبة لها. أعجبه سكونها وشعرها البني العسلي الذي يخفي جوانب وجهها كأنها تريد إخفاء نفسها من خلفه، ووجدها تخرج روزمانة ورقية تكتب بها:
– أنا بدور على الأستاذ محمد بيشتغل في الحسابات.
لتقدمها له وانتظرت رده. اشتعل غيظًا من تجاهلها لسؤاله وقال باستنكار:
– وإنتِ مين بقى عشان نبلغ البيه بضيوفه؟
– شعرت غزل بدوار يداهمها أكثر والرؤية بدأت تتلاشى فتحاملت لتكتب اسمها بصعوبة:
– غزل.
ومدت يدها ليقرأ اسمها، لتنكب على وجهها وتسقط الروزمانة فيلحقها بذراعه قبل أن ترتطم بوجهها على الأرض ليسقط رأسها على صدره وذراعه تحيط بها يحاول إيقافها. حملها ليمددها على أريكة جانبية بالمكتب وهو يحاول أن يستغل هذه الفرصة لمراقبة ملامح وجهها التي يخفيها خلف شعرها فمد يده ليزيح شعرها المبعثر عن وجهها ليرى وجهًا دائريًا وبشرة بيضاء كالحليب وأهداب كثيفة بنية ملامحها قريبة من الأتراك ولكن جسدها ضئيل رغم انحناءاته الأنثوية، فهو يرى أنثى بجسد طفلة. حاول ضرب وجنتها بأصابعه بقوة ليفيقها من حالة الإغماء التي انتابتها فلم تستجب. استقام ليقترب منها حتى يرفع رأسها لأعلى قليلًا فلفت نظره طرف شيء أحمر أعلى صدرها أسفل عظمة الترقوة فمد أصابعه ليستكشف ما هذا ليتضح له كلما رفع طرف قميصها اشتعل بقعة باللون الأحمر أكثر فأكثر ليجد بما يسمي بوحمة حمراء تشبه الفراولة صغيرة في حجم العنبة فابتسم بخبث وهو يكتشف سرًا من أسرارها.
– بالخارج أمام مكتب سوزان وقف محمد بتوتر هو وعامر يسأل سوزان:
– مافيش حد سأل عليا هنا يا سوزان؟
أجابته في أثناء دخول شادي عليهم وتعجب من وضعهما:
– آه في بنت من ربع ساعة جت سألت عليك وهي عند البشمهندس يوسف جوه.
– رد محمد بعصبية: نـــعم!
فندفع الثلاثة للداخل في لحظة واحدة، وعند رؤيتها ممددة وأعلاها يوسف.. صرخوا بصوت واحد:
– غــــزل.
رفع يوسف رأسه ليشاهد هجوم الثلاثة عليه ودفعه من جانبها، فهو كان يحاول إفاقتها. وقف ذاهلًا مما يحدث وزاد تعجبه من شادي. أضمت شادي لقائمتها الذكورية؟ كيف تعرف عليها؟ رأي محمد يجلس أرضًا على ركبتيه ويضرب بتوتر على خدها بأصابعه يحاول إفاقتها وينادي عليها بصوت ملتاع متألم:
– غزل.. غزل ردي عليا يا حبيبتي.. غزل.. غزل.
قاطع كلامه صوت رجل لأول مرة يراه، لا بل رآه معها أمام المصعد يقول بتوتر:
– مافيش برفان هنا؟ مش هينفع نستنى كده شيلها يا محمد نوديها للمستشفى.
رد شادي:
– شيلها يا محمد وأنا عارف مستشفى قريبة هنا.
رفع يوسف حاجبه باستنكار وقال في نفسه "حتى أنت يا شادي".
– وجه عامر نظره إلى يوسف فامسكه من مقدمة قميصه ليهزه بعنف:
– إنت عملت فيها إيه؟ وربي لأقتلك.. انطق عملت إيه؟
يوسف: نزل إيدك يا حيوان أنت.. إنت اتجننت.
شادي اقترب ليفك النزاع:
– سيبه يا عامر.. خلينا نشوفها الأول مالها، مش وقته اللي بتعمله.
– انتبه الأخير وعامر ويوسف لمحمد وهو يقول:
– غزل حبيبتي إنتِ كويسة؟
– حاسة بإيه؟ حد عملك حاجة؟
ووجه نظره ليوسف بتحدي.
هزت رأسها بضعف بلا.
توجه يوسف ليرفع سماعة الهاتف ويقول:
– سوزان كوباية عصير وكوباية مايه بسرعة.
كانت تجلس ترتشف العصير بين محمد الذي يحيطها بذراعه وعامر الذي لم يتوقف عن هز ساقه وإلقائه بنظرات حادة فيبادلها يوسف ببرود وشادي الذي ينظر لها بإعجاب مخفي، والكل يحدثها وتنظر لهم عند حديثهم بشدة لشفاههم كعادتها بفم منفرج.
ولكن ما أثار تعجبه أنه لم يستمع إلى ردها على أي واحد منهم، تقوم بتحريك رأسها فقط وهم ليسوا معترضين.
وجدها تبحث عن شيء بتوتر ثم أخرجت هاتفها تكتب عليه فيقرأ محمد ويقول:
– دفترك ضاع.. مش مهم أجيب لك غيرها.
استغرب يوسف من هذا الوضع وتسال في نفسه "ليه ما بتتكلمش؟".
ثم بحث بعينه بالغرفة ووجد ضالتها فانحنى والتقتها ثم تصفح بعض أوراقها فعقد حاجبه بتعجب مما رآه، هناك بعض الكلمات والجمل غير المترابطة تملأ هذه الروزنامة فصار يشك في أمر ما، ليمد يده بها إليها وتأخذها مسرعة. وتكتب بها شيء لمحمد، أما يوسف بدأ يتأكد من شكوكه.. إنها بكماء لا تتحدث. نظر لهم ذاهلًا مما اكتشفه ووصل إليه ومسح بيده على شعره بسبب صدمته. إنها لم تتجاهله.. وإنما لم تستطع الرد عليه.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الرابع 4 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
نظر لهم ذاهلاً مما اكتشفه ووصل إليه، ومسح بيده على شعره بسبب صدمته! إنها لم تتجاهله، بل لم تستطع الرد عليه.
سمع محمد يقول:
– حاجات إيه اللي مش مظبوطة في العقود؟ وعرفتي إزاي؟
في قاعة الاجتماعات جلس يوسف على مقدمة الطاولة وعلى يمينه شادي ثم سوزان وهي ترتب بعض الأوراق، وعلى الجانب الأخر محمد وبجواره غزل التي تتعلق بيده بخوف وتوتر وهو يربت على يديها كل ثانية ليهدئها.
ما قالته غزل أو ما أبلغتهم به صدمهم كثيراً. الصدمة الأولى أنها قرأت العقود بالنسختين وقارنت بينهما لتكتشف أن النسخة الفرنسية غير مطابقة للعربية، وأشارت لهم لأكثر من بند في العقد الفرنسي تم التلاعب فيه ليكون في صالحهم والعكس صحيح، نفس البنود بالعربية تكون ظاهرية لصالح شركة الشافعي. الصدمة الثانية عندما أبلغتهم أنها تتقن الإنجليزية والفرنسية والتركية ببراعة. لقد علمتها الخالة صفا حيث كانت تعمل ببلدها معلمة الفرنسية قبل الهروب من وطنهم. فسرح فيما حدث منذ نص ساعة وهي تجلس أمامها ورق أبيض قام بجلبه لها لتشرح فيه لمحمد تجاوزات الشركة الفرنسية. كانت هيأتهم وهم ملتفين حولها كالتي تضع خطة للموساد والكل من حولها يتلقى الأوامر (غريبه هذه الغزل!).
فاق على دخول الوفد الفرنسي فرحب بهم وكان مع هذا الوفد مترجم خاص بهم ليترجم اللغة الفرنسية ما يحدث. فرحب يوسف بمقدمة استهلالية بالميكروفون فظهر الصوت واضح أكثر لغزل فنظرت إليه فوجدته ينظر لها باهتمام ظاهر ويغمز لها بطرف عينه يعاكسها. فنظرت لأسفل بارتباك. هذا الرجل يخيفها بل يخنقها. تشعر أنها محاصرة منه. ما الذي أتى بها اليوم؟ ليتها ما تركت بيتها!
تنبهت لحديث المندوب الشركة الفرنسية لحديثه وبدأت تترجم حواره على الأوراق واستمر الوضع هكذا حتى انتبهت للمترجم خاصتهم يترجم ما يقوله المندوب العربية بطريقة خاطئة فتعجبت من ذلك.
فتكرر الموقف مرة أخرى فالشركة الفرنسية علمت أن شركة الشافعي تفتقد لمترجم فمن الصعب فهم ما يدور من أحاديث جانبية وتشملها السخرية والاستهزاء بالجانب العربي. فهبت واقفة وانتبه لها الجميع قبلهم يوسف الذي لم يخفض نظره عنها لدقيقة. ونظرت لتهز رأسها بالرفض فعقد حاجبه واستقام من جلسته ليعتذر لهم بأنه يقوم باتصال هام ثم يعود وأشار لها بالخروج معه.
في قهوة عامر.
يكاد أن يشتعل. لم يتوقف عن الصراخ منذ عودته من الشركة وتركها بعد إفاقتها:
– سيد انت يا زفت.. هات لي قهوة.
رد سيد:
– دي خامس كوباية قهوة في ساعة!
قال عامر بقلة صبر:
– وانت مالك روح غور.
– قولتيلي بقى؟ أتاريكي كل ما اجيب سيرة الجنيرال تتهبلي وترتبكي.
قالتها ملك بضحك وهي على سريرها، فقالت تقى:
– خلاص بقى يا ملك انتِ هتفضحيني وطي صوتك لحد يسمعك تبقى مصيبة.
ملك:
– بس من امتى الكلام ده؟
تقى:
– من زمان أوي بس مش عارفة من امتي بالتحديد. لما بشوفه كده يجي ياخدك بحس انه فارس دنجوان مشوفتش زيه الحقيقة.
ملك: تيرارارا.
تقى:
– بقى كده يا ملك؟ طيب أنا غلطانه إني قولتلك..
ملك:
– بصي يا تقى انتِ أختي وحبيبتي، بس مش عايزاكي تعيشي في الوهم. هو اه يوسف اخويا وحبيبي.. بس مش بتاع جواز ومقضيها سهرات وانحلال. فيا بنت الحلال أنا نصحتك وادعيله يتعدل.
ردت تقى بأمل:
– إن شاء الله يتعدل ويحبني.
خارج غرفة الاجتماعات
وقف يوسف وغزل يتسأل:
– فيه ايه؟
فنظرت لشفاه وهو يتحدث كعادتها رغم أنها تستمع بفضل السماعة لكنها لا تستطع إبطال هذه العادة الغبية.
لاحظ يوسف عينيها التي نظرت لشفاه فابتسم بخبث وغمز لها وقال:
– ايه عجبتك؟
عقدت حاجبها بعدم فهم...
فتنحنح يغير مسار الحديث ليفهم منها ما حدث فكتبت له ما أردت لينفعل يوسف ويقول:
– لا دول زودوها أوي.
دخل القاعة بغضب وهي خلفه ليقول بصوته الجهوري للمترجم:
– بلغ مندوب شركتكم أن مش يوسف الشافعي اللي يتضحك عليه. أنا عارف إن حصل تلاعب بالعقود والبنود من ناحيتكم وقولت اجيب اخركم لكن اكتشف أنكم مصممين تتلاعبوا وتسخروا مننا. وإن الشركة الفرنسية مجرد واجهه فده اللي مش هقبله.
ومد يده بالأوراق التي أمامه وقام بتمزيقها بتحدي لهم ثم قال:
– اتفضلوا الاجتماع انتهى.
خرج يوسف متجهاً لمكتبه تارك كل من بالقاعة فارغ الفاه. خلع جاكيت البدلة وفك رابطة عنقه وفتح أزرار قميصه لمنتصفه وأغمض عينيه ليسترجع ما حدث من أول النهار. ثم فتح عينيه يقول:
– بنت الإيه مطلعتش سهلة ابداً.
مر اسبوع على هذه الأحداث. يجلس شادي أمامه ويقوم بشرح بعض الأوراق فيرفع عينيه ليجده غير منتبه له. يدخن سيجارته بشرود. ليقول شادي:
– هو أنا بكلم نفسي؟ مالك يا يوسف بقالك مدة ملاحظ أنك مش مظبوط.
نظر له يوسف بجانب عينيه وقال:
– مش عايزه تطلع من دماغي ابداً ياشادي. أنا مش ههدى إلا لما اكسر مناخيرها..
– يا أخي طلعها من دماغك بقى.. البنت معملتش حاجة فيك بالعكس دي خدمتك وأنقذتك من خسارة وشيكة. وكمان أنا حاسس انها مش بتاعة الكلام اللي بتقوله ده. دي بنت محترمة ومؤدبة فسيبها في حالها.
– مؤدبة ومحترمة الاتنين؟ ده أنت كنت حاضر والبيه محمد عمال يحضن فيها ويبوس فيها قدامنا. إذا كان ده بيحصل قدامنا اومال ورانا بيحصل ايه؟
ليعترض شادي على حديثه:
– لا لا أنت كده فاهم غلط. محمد مش غريب ده أخوها.
ضحك يوسف ضحكة عالية ثم قال:
– انت بتقول ايه؟
قهقه مجدداً:
– أنت اكيد بتعمل مقلب صح؟ مش قادر بجد.
كان يضحك ساخراً غير مصدقاً لما يقوله شادي. فقال شادي بغيظ:
– ممكن أعرف انت بتضحك على ايه؟ ايه في كلامي يضحكك بالشكل ده؟
أشار له يوسف بيده حتى يهدأ ويستطيع السيطرة على نوبة الضحك التي انطلقت منه عندما سمع كلام شادي عن غزل.
بعد أن هدأت نوبة الضحك. مد يوسف يده داخل مكتبه ليخرج ملف به ورقة اخرجها يوسف ليقول:
– اسمع ياسيدي. الإسم غزل عبد الله الزايد السن ٢٠ سنة وحيدة. ليس لها أشقاء. امها صفا الراعي محبوبة جداً من أهل المنطقة منذ تركت بلدها لم تتحرك من هذا البيت.
تسكن في (...) ببيت يملكه الشريف الدسوقي وانتقل ملكية البيت لأولاده تقى الشريف الدسوقي طالبة في الفرقة الثانية كليه تجارة.
محمد الشريف الدسوقي محاسب يعمل بشركة الشافعي حالياً.
قال كلماته الأخيرة ببطء شديد ليراقب ذهول شادي وانفراج شفتاه. ثم ألجم يوسف سؤال شادي المفاجئ:
– وخطيبها؟
عقد يوسف حاجبيه بتعجب:
– مش فاهم خطيبها إيه؟
ابتلع شادي ريقه:
– هي مخطوبة؟
هز يوسف رأسه بالرفض ليقول:
-المعلومات اللي عندي بتقول انها مش مخطوبة.
وألقى نظرة على الورقة ليعيد قراءتها مرة أخرى ليتأكد:
– اه ياولاد ال...
قالها شادي وهو يضغط على اسنانه بغيظ...
– ممكن تفهمني فيه إيه؟
رد شادي وهو شارد:
– هحكيلك اللي حصل.
– انت بتقول إيه؟ انت تنسى الموضوع ده نهائي!
قالتها أم عامر بانفعال. فقال عامر بهدوء:
– ليه يا امي؟ ايه في كلامي غلط ومش عاجبك.
قالت أم عامر:
– بقولك إيه يابني.. انت ابني الوحيد وماليش غيرك في الدنيا. ويوم ما احب افرح بيك اجوزك ست البنات. انت مش قليل ياعامر أنت دكتور وصاحب أملاك. دي البنات بتتلهف عليك وانت اللي مش راضي.
عامر:
– يا أمي أنا عايزها وبحبها. واللي فيها مالهاش ذنب فيه. انتِ شايفه حاجة في أخلاقها عشان كده بترفضي؟
ردت سريعاً:
– لالا استغفر الله يابني ماتركبنيش الغلط. غزل مافيش زيها في الدنيا واخلاق ومتربية وسطنا. بس كل فوله وليها كيال يابني. طيب نفرض خلفتوا الأولاد هيبقوا زيها طيب؟ قولي هتعلمهم إزاي؟
قال عامر:
– انتِ بس وافقي وكل الأمور دي تتحل.
ردت عليه:
– لا ياعامر لا. الأمر ده مرفوض.
بغرفة محمد دخلت عليه الحاجة راوية تتساءل:
– مالك يابني من ساعة ما رجعت قافل على نفسك ليه كده؟
اعتدل من نومته وأجاب:
– مافيش يا راوية. موضوع كده شاغلني.
ضحكت راوية على ابنها فعندما يناديها باسمها تعرف أنه يريد أثناها عن ما تسأل ولكنها صممت وقالت:
– بقولك إيه! ماتكولنيش وقولي مالك بجد؟
ربت بكف يده على السرير بجانبه يدعوها للجلوس. فلبت رغبته وقال:
– في حاجة كده تخص غزل.
– مالها غزل يابني!
محمد:
– عامر يا ست الكل كان فاتحني بانه عايز يتقدم لغزل ويخطبها.
راويه:
– وأنت ايه رايك يابني؟
محمد:
– انتِ ايه رايك؟
رواية بتنهيدة:
– عامر ما يتعيبش ودكتور وصاحب قهوة وليه دخله وعارفنا كويس وعارف ظروفها بس...
محمد:
– كملي يا أمي سامعك.
ردت رواية:
– فيه حاجات كتير انت متعرفهاش. وكمان ما اعتقدتش ام عامر توافق بسبب ظروف غزل.
فسيب الموضوع لوقته يحلها حلال.
أجاب محمد:
"عشان كده طلبت منه ياخد موافقة الحاجة الأول ولو وافقت آخد رأي غزل. ما حبتش أعرفها قبل موافقة أمه حفاظًا على شكلها ونفسيتها."
ربتت الحاجة راوية على كتفه:
"خير ما عملت يابني."
***
أوقف سيارته أسفل البناية التي تسكن بها، فهو حتى الآن لا يعرف ما الذي أتى به إليها. ما قصه له شادي أشعل غضبه، فهو يشعر أنها تقلل منه وتقلل من مكانته رغم المرات القليلة التي رآها فيها. يشعر أنها تستفزه بسكونها.
خرج من سيارته وانحنى للمقعد الخلفي ليجلب باقة من الورد الجوري الأحمر، واتجه إلى حيث تسكن.
انتبهت للضوء فعلمت أن محمد قد حضر مثلما وعدها. اندفعت تفتح الباب ظنًا منها أنه محمد. ولكن تلاشت ابتسامتها عندما رأت هذا السمج يقف يسد باب المنزل بطوله وبيده باقة من الورد ويبتسم ببرود. ابتلعت ريقها من التوتر، لماذا تشعر بالبرودة كلما رأته؟
قطع تفكيرها وهو يقول:
"مساء الخير."
هزت رأسها إيجابًا ردًا على سلامه، وبؤبؤ عينيها يتحرك بتوتر ويديها التي تمسك بها الباب ترتعش. كانت ملهمة بهذه المنامة القصيرة المرسوم عليها شخصية كارتونية. لم يخفَ عليها نظراته الجريئة لتفاصيل جسدها وانحناءاتها. قال:
"إيه مش هتقوليلي اتفضل ادخل؟"
راقب رد فعلها فوجدها عقدت حاجبها وأنفها بدأ يتحرك مثل القطط كأنها تشتم شيئًا لدرجة أنه ظن أن رائحته بها شيء. فبدأ برفع ذراعه يشتم نفسه ليرى ما المشكلة وقال:
"فيه حاجة؟"
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الخامس 5 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
ابتلعت ريقها من التوتر. لماذا تشعر بالبرودة كلما رأته؟ قطع تفكيرها وهو يقول:
- مساء الخير.
هزت رأسها ردًا على سلامه، وبؤبؤ عينيها يتحرك بتوتر، ويداها التي تمسك بها الباب ترتعش. كانت ملهمة بهذه المنامة القصيرة المرسوم عليها شخصية كارتونية. لم يخفَ عليها نظراته الجريئة لتفاصيل جسدها وانحناءاتها. قال:
- إيه مش هتقوليلي اتفضل ادخل؟
راقب رد فعلها فوجدها عقدت حاجبيها، وأنفها بدأ يتحرك مثل القطط كأنها تشم شيئًا، لدرجة أنه ظن أن رائحته بها شيء، فبدأ برفع ذراعه يشتم نفسه ليرى ما المشكلة وقال:
- فيه حاجة؟
اتسعت عيناها فجأة، وقفزت تجري من أمامه للداخل. بعد لحظات سمع شيئًا يقع مع صراخ مكتوم من الداخل. تصلب جسده بسبب صراخها، فأسرع للداخل اتجاه الصوت، ووجدها تمسك يدها وتبكي بشدة، وأشياء مبعثرة على الأرض. اتجه يمسك يدها يقول:
- حصل إيه؟ افتحي إيدك.
كانت تبكي بشدة من الألم، فامسك بكفها بقوة وتوجه لصنبور المياه ليضع كفها أسفل المياه الجارية، ثم ذهب يبحث بالبرادة عن ثلج ليضعه على يدها وهو يقول:
- خلاص متعيطيش، حصل خير.
رفعت عينيها لتنظر له بامتنان. فيصدح صوت غاضب يقول:
- انت بتعمل إيه هنا؟
ترك يديها، ثم وضع يديه في جيبه وهو يقول بثقة:
- كنت جاي أزور الأنسة غزل.. فيها حاجة؟
قال محمد بسخرية:
- كده من غير ميعاد ومن غير استئذان؟
ثم أكمل محمد:
- واللي يزور حد بيزوره في المطبخ؟
يوسف:
- بيتهيألي صاحبة الشأن ما اعترضتش.
ونظر إليها بجنب عينه. فقاطع حديثهما صوت يتساءل:
- في إيه ياولاد؟
جرت غزل اتجاه الخالة صفا تحتمي بها، فقال محمد وهو يرفع حاجبه بتحدي:
- مافيش يا خالتي، ده البشمهندس يوسف كان جاي يطمن على غزل وماشي على طول.
صفا:
- أهلًا وسهلًا يابني، يمشي إزاي يابني من غير ما ياخد الضيافة بتاعته.
قال يوسف بابتسامة ماكرة وتحدي لمحمد:
- تسلمي ياهانم، أكيد مش هكسفك وأشرب قهوتي معاكي.
- اتفضل يابني اتفضل في الصالون.
قالتها صفا وهي تتكئ على عكازها متجهة به لغرفة الضيوف.
كان الكل مجتمعًا بالغرفة، الخالة صفا التي أعدت ليوسف قهوته ويجلس يتناولها وهو ينظر بتحدي لمحمد، وتجلس غزل بجوار محمد بعد أن أبدلت منامتها ببنطلون جينز وقميص قطني بعد أن نبهها محمد بعينه لذلك الأمر. فلم يخفَ على يوسف النظرة التي رماها بها لتدخل مسرعة تبدل ملابسها. وها هي تجلس بجواره ليمسك كفها بكل وقاحة وأريحية ويقوم بدهن كريم للحروق لكفها وهي مستسلمة لمسكة يده وملامسته. ظل شيطانه يخيل له أن هناك تجاوزات تصير بينهما من خلف ظهر هذه العجوز. قاطع شروده كلمة الخالة صفا:
- نورتنا يا ابني.
يوسف وهو يضع فنجان القهوة من يديه على الطاولة:
- بنورك ياهانم، الحقيقة أنا كنت جاي النهاردة لسببين، السبب الأول أني أطمن على الأنسة غزل، والسبب التاني.. إني محتاجها معايا في الشغل، بصراحة هي ليها الفضل في إنقاذ الشركة من آخر صفقة.
صمت لثوانٍ معدودة يقرأ معالم وجوههم، ثم أكمل قائلًا:
- الحقيقة بردوا ذكية جدًا، وأتمنى تقبل تشتغل معايا.. وأرجو ماترفضش طلبي وطبعًا هخصص لها راتب كويس مش هتلاقيه في أي شركة تانية.
كان يكمل حديثه وعينه على انفعالات غزل التي فهمت كلامه جيدًا، وظهر عليها التوتر جليًا.
فقالت صفا:
- والله يابني مقدرش أدي رأي في الموضوع ده، دي حياتها وهي حرة.
محمد بغيظ:
- هو ياخالتي أنا قصرت معاكم في حاجة؟ غزل مش محتاجة للشغل ولا تتعب نفسها.
صفا:
- لا ياحبيبي مش ده قصدي، أنا اق...
قاطع يوسف حديثهم بثقة قائلًا:
- خلاص نشوف رأيها هي.
ساد الصمت للحظة لتتوجه إلى الروزنامة وتكتب بها لمحمد أنها تريد هذا العمل، تريد التعامل مع الغير والخروج من هذه الشرنقة. نظر محمد بعينيها ليعبر لها عن مدى ألمه لحالتها، كم يتمنى أن تشفى من مرضها ويسلمها لعريسها بنفسه. ثم أخذ نفس وقال:
"غزل للأسف وافقت تشتغل في الشركة، أهو تروح معايا وترجع معايا ياخالتي."
ثم نظر محمد إلى يوسف قائلًا:
- كان نفسي أقولك لا يا بشمهندس.
ضحك يوسف وأكمل حديثه:
- طيب بالمناسبة دي أنا عازم الأنسة غزل والأستاذ محمد على حفلة يوم الخميس في الفيلا، وأهي فرصة تتعرفوا على صاحب الشركة.. وعلى فكرة مش هقبل اعتذار عن الحضور.
ثم وقف يغلق سترة بدلته ليهُم بالانصراف على وعد منهم بالحضور.
- تقى، تقى لو سمحت، ممكن كلمة؟
قالها زميلها بلهفة وابتسامة براقة على وجهه. لقد كان (علي) من أوائل دفعته، فهو شاب بسيط من أسرة بسيطة، مكافح يعمل في مطعم مشويات ليساعد أسرته ووالده.
- فيه إيه يا علي؟ مش هتخلص بقى من الحوار ده، كل ما تشوفني تندهلي! وقولتلك مائة مرة ما تندهليش في الكلية كده!
شحب وجه علي من هجوم تقى غير المبرر. من الواضح أنها في مزاج سيء اليوم ولن يستطع اخبارها بالذي يريده منها. فقال بتوتر ليخفي إحراجه:
- احم، أنا آسف يا تقى ياريت متزعليش مني.. أنا كنت خايف تمشي وملحقكيش بس.
تقى بقلة صبر:
- خلاص يا علي مافيش مشكلة.. ها في حاجة؟
علي وهو يبتلع ريقه بصعوبة وعيونه على عينيها البندقية:
- كنت.. كـنت عايز أديك ده!
ومد يديه لها بشيء جعلها تخفض عيونها ليديه وتتساءل:
- إيه ده؟
علي وهو يتباطأ في إخراج الحروف:
- دي ملخص كتاب مادة، أنا عارف إنك مالكيش خلق التلخيص فقولت تكوني أول واحدة أديهولها.
ابتسمت تقى ابتسامة مجاملة له:
- شكرًا يا علي أنا مش عارفة أقولك إيه.
علي:
- شكرًا؟ شكرًا إيه يا تقى أنا معملتش حاجة، انتِ.. انتِ ماتعرفيش انتِ إيه بالنسبالي.
استشعرت تقى أن الحديث سيأخذ منحنى لا تحبذه، فقالت مسرعة:
- معلش يا علي ملك مستنياني، نكمل كلامنا بعدين.
لم تنتظر رده واختفت من أمامه. فهي دائمًا تهرب منه. نعم هي تعلم أن علي زميلها يكن لها مشاعر خاصة، والحق يقال أنه محترم وليس مثل شاكلة الشباب الذين تراهم. فهو من القلة الملتزمة بكليتها. وكان من السهل عليها صده من البداية وقطع الطريق عليه حتى لا يأمل بها. ولكن بداخلها شعور غريب، ليس اهتمام بعلي وإنما شعور بالغرور والثقة التي تشبع نفسها بها. كلما اهتم بها علي تشعر بالثقة والكبرياء أنه يوجد من يهتم بها ويرغب بها. أما هي فعقلها وقلبها مع شخص واحد تريده ملكها. عقلها أوهمها أنها تستطيع إيقاعه بشباكها.
جلست تنتظر قدوم ملك وشردت فيما حدث بينها وبين أخيها محمد عندما كان يبحث عن شركة جديدة للعمل بها، واستغلت فرصة أن ملك أبلغتها في وسط حديثها عن يوسف أنه أعلن بالجريدة أنه يحتاج محاسبين شباب. فقامت بشراء الجريدة ووضعتها أمام محمد كأنه هو من وجد هذا الإعلان. وعندما أخبرهما اسم الشركة استطاعت إظهار رد فعل معاكس كأنها فوجئت باسم الشركة التي يملكها عم صديقتها المقربة. فهي تعتبر دخول محمد الشركة والتعامل مع يوسف خطوة في سبيل غايتها.
- ها عملت إيه؟
قالها شادي ليوسف الجالس أمامه ممسكًا بكأس من الخمر وساقيه على طاولة بيضاوية أمامه. ارتشف يوسف من الكأس ثم أجاب شادي وقال:
- وانت مالك مهتم أوي كده ليه؟
شادي:
- يا أخي أنا لحد دلوقتي مش مصدق إن الملاك ده يطلع منه كل ده! مش يمكن نكون ظالمينها؟
يوسف:
- إزاي مش فاهم؟ أنت لو شوفتها النهاردة والبيه ماسك إيديها إزاي مش هتقول كده.. وكمان تعالا هنا، أنت عجبتك ولا إيه؟ عمال تدافع أوي! انت وقعت؟
شادي وهو يفتح علبة سجائره الموضوعة على الطاولة:
- هي من ناحية عجبتني.. فهي تعجب أي حد، بس مش عارف حاسس إن فيه حاجة غلط. وكمان موضوع إنها طلعت مش بتتكلم ده صدمني شوية.
يوسف بضحكة ساخرة:
- ميصعبش عليك غالي.
تقى وهي تسترق السمع خلف باب غرفة محمد:
- إن شاء الله بكرة فيه حفلة في فيلا البشمهندس يوسف، متعمليش حسابي على الغدا لإني يدوب هرجع ألبس وأمشي.
الحاجة راوية:
- ماشي يابني هبقى أسيبلك الأكل في المطبخ لو جعت بليل.
لاحظت راوية شرود ابنها فتساءلت:
- مالك سرحت فإيه؟
محمد:
- مفيش، قلقان شوية على غزل. الراجل اللي اسمه يوسف ده مش مستريح له، بيبص كده لغزل نظرات مش طبيعية، واللي زاد إنه طلبها تشتغل في الشركة في قسم الترجمة وعزمها بكرة على الحفلة معايا.
راوية:
- طيب يابني بلاش الشغل معاه مدام قلقان منه.
محمد:
- ما ده اللي كنت ناوي، بس هي لقيتها نفسها تشتغل وأنا الصراحة قولت فرصة تتعامل مع ناس غيرنا مش هتفضل كده على طول.
رواية:
- ربنا يستر عليها يابني.
محمد بشرود:
- آمين.
في داخل الغرفة
قبضت يدها على مفرش سريرها بقوة وهي تنظر للاشيء، يتردد في أذنها كلمات أخيها عن غزل (بيبص لغزل نظرات مش طبيعية). كانت تشتعل من داخلها منها.
تريد التخلص منها، الكل يهتم بغزل، الكل يخاف عليها، حتى من تسعى إليه يهتم بها.
قالت تهمس بصوت منخفض يملئه الحقد والكراهية:
– اخلص منك إزاي!
***
في يوم الحفل
– يا محمد، قولتلك ملك صاحبتي اللي عزمتني على الحفلة والله، تحب أتصل بيها تتأكد؟
– ياستي ولا تتصلي ولا تتكلمي، مش هتيجي معايا، أنا هاخد بالي منك ولا من غزل!
قالها محمد وهو يتجه إلى خزانته ليخرج بدلته.
– إيه العيشة دي؟ كل حاجة غزل غزل!
قالتها وهي تضرب قدمها في الأرض اعتراضًا على ما يقوله، وخرجت من حجرتها لتنفذ ما هيأه لها عقلها.
***
في فيلا الشافعي
وقف يوسف وبجواره شادي، وكلاهما يرتديان بذلتين باللون الأسود وقميص أبيض أسفل البدلة، وببيون بدل الكرافات. كانا شديدان الأناقة، ولكن يوسف شخصيته تطبع على أناقته. هيأته وطريقة وقوفه كانت تلفت إليه الكثير من الأعين المحيطة به. يقف في وسط القاعة بشموخ وكبرياء، عيناه عيون صقر يقف يراقب كل أفعال الضيوف ونظراتهم بنصف ابتسامة على فمه، كأنه يعرف ما يدور بأذهانهم. يسخر أكثر من هؤلاء النساء مبتذلات الملابس، يطبعن على وجوههن الكثير من مواد الطلاء، كما يقول على أدوات زينتهن، وكل واحدة تنظر له نظرات لا يفهمها إلا رجل مثله، رجل خبير بأمر النساء. لسان حاله يقول: كلهن عاهرات، كلهن خائنات، كلهن يبحثن عن المال والمتعة.
– إيه بتفكر في إيه؟
قالها شادي الواقف بجواره بعد لكزه في كتفه.
فقال يوسف وهو شارد أمامه:
– مفيش.
ثم رفع حاجبه الأيمن ونظر لشادي ليقول:
– تفتكر هتيجي؟
شادي بتساؤل:
– هس مين؟
يوسف بسخرية:
– الآنسة غزل.
شادي:
– مش أنت عزمتها هي ومحمد؟ يبقى أكيد هتيجي.
قاطع حديثهم ملك:
– إيه يا جينيرال، مش تشوف ضيوفك بدل ما أنت واقف كده.
شادي:
– ملك، أزيك؟ إيه الحلاوة دي!
ملك بوجه أحمر:
– ميرسي يا شادي، ده من ذوقك.
– لا بجد دي مش مجاملة، طالعة النهاردة تحفة، بس كده إحنا نعمل حسابنا على عربيتين إسعاف.
ملك باستغراب:
– إسعاف ليه؟
شادي بضحك:
– عشان نشيل الغلابة اللي هيتقتلوا على إيد أخوكي لما يعكسوكي.
ضحكت ملك:
– لا متخافش، أنا اللي هقوم بالواجب وأخرم عين اللي يبصلي.
قال شادي بمزاح:
– يا متوحش أنت، لا دا أنا أخاف على عيوني بقى.
قاطع حديثه نداء يوسف ونظره موجهًا للمدخل. نظر شادي لما ينظر إليه يوسف ثم قال:
– اوعا، ده اللعب هيحلو أوي.
***
وقف يوسف بعيدًا يراقب الحفل وهو يستشيط غضبًا مما يحدث. لقد فوجئ بدخول محمد مع أخته التي عرف اسمها بعد ذلك، إنها (تقى) صديقة أخته ملك في الجامعة كما أخبرته ملك. ولكن هي لما لم تأتي؟
إنها تتحداه. هل تلاعبه بطريقتها؟ نعم تتحداه، ولم يخلق من يتحداه. لتتحمل نتائج أفعالها إذن.
تذكر عندما سأل محمد عن سبب عدم حضورها، فأجابه أنها تشعر بالمرض ولم تستطع الحضور. فلم يخفى عليه نظرات أخته تقى وابتسامتها التهكمية عندما ذكر أن غزل مريضة. هذه الفتاة تعرف الكثير، ويظهر ذلك في عينيها.
***
– ها احكيلي، عملتي إيه فيها؟ وإزاي خليتها ما تجيش؟
قالتها ملك لتقى بلهفة، فقالت تقي باضطراب:
– ششش، وطي صوتك انت هتفضحيني.
ملك:
– طيب احكي بسرعة.
تقي:
– مافيش ياستي، هقولك.
ثم قصت عليها ما حدث.
***
قبل الحفل بساعتين
نزلت تقى لغزل وقالت:
– ها يا غزل جاهزة للحفلة ولا لسه؟
ابتسمت غزل وأشارت لها بالدخول، ثم كتبت:
– شوية وهلبس، بس مش عارفة حاسة إني تعبانة وبطني بتوجعني.
تقي بمكر:
– هو انت عندك.. احم يعني؟
حركت غزل رأسها بإيجاب.
تقي مصطنعة اللطف:
– طيب ثواني هطلع أجيبلك مسكن وأرجع.
أمسكت غزل يدها وأشارت لها بلا، فصممت تقى للذهاب.
رجعت بعد فترة لغزل ومعها مسكن للآلام وطلبت منها أن تذهب لتجهز نفسها للحفل، واتجهت تقى للمطبخ وقامت بوضع دواء جلبته من الصيدلية عندما تركت غزل، يسبب سيولة شديدة للدماء، ووضعته بكوب عصير مع علمها بالحالة المرضية لدى غزل المسبقة، فهي تعاني من سيولة بالدم.
دخلت تقى على غزل ونظرت لها بحقد:
– اتفضلي يا غزل اشربي العصير وخذي المسكن هيريحك.
قامت غزل بتقبيل تقى تعبيرًا عن شكرها لها.
كانت تقى على علم أن غزل تعاني من سيولة بالدم، وأن ما وضعته لها بالعصير سيسبب لها سيولة شديدة ولن تستطع الذهاب للحفل.
***
– يابنت الإيه، دا انت شيطان.
قالتها ملك بذهول شديد، فقالت تقى:
– أعمل إيه؟ ماهي واقفة في سكتي على طول، ولولا أنها اعتذرت لمحمد مكنتش قدرت أجي، المهم سيبك منها، قوليلي كلمتي يوسف عني ولا لا.
ملك وهي تزفر من إلحاح تقى المستمر:
– يابنتي طلعي يوسف من دماغك، يوسف مش بتاع جواز.
تقى:
– ملكيش دعوة، سيبي الموضوع ده عليا، بس اللي عليكي قربيني ليه.
ملك:
– حاضر يا تقى، حاضر.
***
في منزل غزل
كانت تتألم بشدة من هذا المغص، تشعر بأن روحها تخرج من جسدها، تتألم بصمت لا يستطيع أحد الشعور بها. وعندما لاحظت غزارة الدماء رفضت حضور الحفل واعتذرت لمحمد، فاصطحب تقى معه بدلًا منها. لا تستطع التحرك، تريد أن يساعدها أحد، فالدمار تغرقها وتشعر بالدوار الشديد. جسدها ومعدتها تتألم، وللأسف أمها صفا صعدت للخالة رواية لزيارتها. كأن الظروف تعاندها، تشعر بأنها إذا تركت نفسها هكذا ستموت.
ستتحامل حتى تستطع الوصول لهاتفها، لعل محمد يسمع رسالتها أو اتصالها وينقذها من هذا الألم.
***
في الحفل كان يقف يوسف مع بعض المستثمرين وعينه على محمد وهذه المدعوة (بتقى) التي لم تخفض عيناها عنه طول مدة الحفل. فلم يخفى عليه هذه النظرات المملوءة بالإعجاب. فاستغل انشغال محمد عنها وابتعاده واتجه إليها كالنمر الذي يحدد مكان فريسته. شعر بتوترها وارتعاشها عندما اقترب منها، ثم قال:
– آنسة تقى مش كدة؟
تقى بتوتر وهي تحاول النظر في مكان آخر:
– أيوه.
ابتسم يوسف وقال:
– انتِ اخت محمد صح؟
– أيوة.
يوسف:
– أنا عرفت من ملك إن انتِ صديقتها المقربة.
تق بإحراج:
– أيوة.
ضحك يوسف بشدة، فعقدت حاجبها وقالت:
– بتضحك ليه؟
– رد يوسف وهو ينظر بعينيها:
– اصلك من ساعة ما اتكلمنا مافيش غير أيوة اللي بتقوليها.
ضحك مجددًا، فغضبت تقى من ضحكته وقالت:
– عن إذنك.
وهمت تقى بالانصراف، ولكن يد يوسف على ذراعها أوقفتها، فسحبت يديها منه ونظرت له وهو يقول:
– أنا بعتذر، شكلك مش بتحبي الهزار.
قالت وهي تنظر لقدميها:
– لا عادي.
يوسف:
– طيب ياستي نبدأ من الأول، أنا يوسف نجيب الشافعي وماليش أخوات إلا اختي ملك، ومد يده بالسلام لها وقال:
– وانتِ؟
فقالت براحة:
– أنا تقى الشريف، وماليش أخوات إلا محمد.
تنحنح يوسف وقال:
– أومال غزل تبقى مين؟
شعرت بأن يوسف كان يقصد السؤال عنها، فاستغلت الفرصة لتسيء لها وقالت:
– شكلك مهتم أوي.
فأكملت بغل وقالت:
– عمومًا أنا عايزة أعرفك، هي غزل أختي بس بالرضاعة، بس أنا عمري ما اعتبرتها أختي.
عقد يوسف حاجبه وقال:
– ليه؟
– تقي بشر مخفي خلف معالمها البريئة:
– عشان دي واحدة مش سهلة، بتحب تلفت أنظار الرجالة حواليها تحت قناع البراءة اللي على وشها. تفتكر هي اعتذرت ليه النهاردة؟ عشان تعبانة زي ما محمد قال؟ لا طبعًا، دي خطة منها عشان تلفت الأنظار ليها، بدليل إنك اهتميت وجيت تسألني عنها، وأكدلك إنها هتتصل بمحمد دلوقتي تقوله (الحقني يا محمد بموت) عشان يجري عليها.
جز يوسف على أسنانه غيظًا مما سمعه، كيف له أن يقع في خيوط عنكبوتيها التي تغزلها. فكلام تقى عنها يؤكد ما شعر به أنها وجه ملاك بداخله شيطان. قطع شروده حضور محمد المتوتر يقول:
– يلا يا تقى بسرعة لازم نرجع البيت.
ابتسمت تقى بخبث ونظرت ليوسف لتؤكد له حديثها ثم قالت بلهفة زائفة:
– ليه في إيه يا محمد؟
محمد:
– غزل تعبانة أوي. عامر اتصل بيا بيقول إنها تعبانة.
تقى:
– عامر! وإيه عرف عامر إنها تعبانة؟
محمد:
– مش وقته، هفهمك بعدين.
عندما هم محمد بالتحرك أوقفه يوسف وقال:
– استنى أنا جاي معاك، انت مش معاك عربية، يلا.
***
في السيارة
كان كلٌ منهم شاردًا فيما يشغله. يوسف يضغط على المقود بغيظ، فإنها تجيد التمثيل كما قالت أختها.
أما تقى كانت تفكر كيف أن خطتها نجحت، ولكن خائفة أن يكشفها محمد.
ومحمد شرد فيما قاله عامر، أنها أرسلت له أكثر من مرة ولم يجبها، فاضطرت للاتصال بعامر وأرسلت له أن يتصل بمحمد، فشعر عامر بالقلق واتصل به يخبره وذهب مسرعًا يطرق الباب ولكنها لم تجيبه، فتفاجأ أن الخالة صفا نزلت بسبب صوت طرق الباب ولكنها نسيت مفتاحها بالداخل، فاسرع عامر لكسر الباب ليتفاجأ بغزل على الأرض وتحيطها بركة من الدماء وهي غائبة عن الوعي، فقام بحملها إلى أقرب مستشفى، ثم أبلغه باسمها حتى لا يتوجه للمنزل.
***
أمام غرفة غزل كان يقف عامر المستند بظهره على الحائط خلفه وملابسه مملوءة بالدماء. من ينظر إليه يعتقد أن به إصابة بجسده. وأمامه تجلس الخالة صفا تستند على عكازها وبجوارها الخالة راوية تربت على كتفها لتهدئها.
دخل محمد وخلفه يوسف وتقى، ليتجه إلى عامر. صدم محمد من منظر ملابس عامر وقال باختناق:
– إيه اللي حصل يا عامر؟ غزل مالها؟ وإيه الدم ده؟
تعجب يوسف من شكل ملابس عامر واضطربت تقى من هذا، فالآن سيصدق يوسف مرضها.
ماذا تفعل؟
افاقت عندما خرج الطبيب من غرفتها وبعض الممرضات. فاتجه محمد وعامر وقال محمد:
مالها؟ طمني عليها أرجوك.
الدكتور:
متقلقش الحالة كويسة، بس هي كانت جاية لنا عندها نزيف حاد، واحنا خدنا عينة دم عشان نعرف أسبابه، ده غير إنها ضعيفة جدًا ما اتحملتش النزيف فحصلها هبوط مبدئيًا هي كويسة مركبينلها محاليل تغذيها وتعوضها الدم اللي فقدته، وشويه هكتب التقرير بعد نتيجة التحاليل.
عامر: نقدر نشوفها؟
الدكتور: آه اتفضلوا بس ما تطولوش عشان ميعاد الزيارة.
***
يقف يوسف بغرفته أمام شرفته يدخن سيجارته بشرود. يتذكر عندما دخل الجميع للغرفة والتفوا حولها ونظر لوجهها الشاحب وابتسامتها الصغيرة التي تريد بها طمأنينة من حولها من خلالها. تقول لهم أنها بخير. شرد في لهفة عامر عليها رغم عدم اقترابه منها إلا أن يكفيه نظرته لها التي تقول الكثير. ومنظر ملابسه الذي يعبر عن مدي سوء حالتها.
خرج بصمت بعد أن أرسلت له نظرة تعبر عن شكرها له يشوبها الخجل من حالتها. ليقابل طبيبها الذي بدأ بشرح حالتها له اعتقادًا منه انه من أقاربها.
للطبيب:
حضرتك نتيجة الدم طلعت وظهر إن في نسبة كبيرة من دواء (...) اللي بيسبب السيولة والكمية الموجودة بتدل على إن المريضة وأخذها عن قصد لأنها كمية كبيرة وللأسف المريضة عندها سيول وممنوعة من الأدوية زي دي.
استمع له يوسف وهو فارغ الفم. أيعقل أنها تناولت أدوية لتؤذي نفسها عن قصد لتلفت انتباه ما يحيطها تقتل نفسها؟
قطع شروده صوت تقى وهي تقول باضطراب:
سمعت بنفسك..
واكملت:
الهانم خدت دوا سيوله عشان يحصلها نزيف وتتصل بعامر عشان ينقذها وتلم الرجالة حوليها.
تركها يوسف ولم يجبها. لم يشعر بنفسه إلا وهو بغرفته شارد في هذه المخلوقة.. أو الشيطانة.
كانت تسير في أروقه الشركة بخفة كالفراشة. الكل ينظر إليها بإعجاب من رقتها وخجلها الذي يظهر جليا عليها من أقل حركة. الكل عشقها. النساء قبل الرجال. تجعل في المكان طاقة من المرح رغم عدم خروج صوتها إلا ان أن الجميع مهتم بها. تتذكر عندما حضرت أول أسبوع بالشركة ولاحظت توعك الساعي عم رمضان وعدم مقدرته لتلبيه طلبات الموظفين فقامت بمساعدته في عمل القهوة والشاي وكانت تقدمها بمرح للموظفين بالشركة. فكانت لفته إنسانية منها.
وتذكرت أيضًا عندما جلبت بعض المعجنات الخاصة بها للإفطار وكل ما يمر عليها من الزملاء يقوم بتذوق هذه المعجنات الرائعة ويشيد بها حتى اكتشفت أنها نفذت دون ان تتناول وجبتها. حركت رأسها بسعادة لهذه الذكريات التي كونتها في مدة قصيرة. أسبوعان فقط. أسبوعان غيروا من حياتها أصبحت أكثر تفاؤلًا وأكثر حيوية. ولكن ما يؤرقها شيء واحد اسمه (يوسف). هذا الاسم كفيل أن يقبض قلبها ويسبب لها الاختناق. يكفيها كل ما يصادف وجوده معها بالمصعد. تختنق من عطره القوي وتشعر أنها ستصاب بإغماء. فهي لا ترتاح في وجوده حتى نظراته التي تتجاهلها لا تريحها. ولكن ما يسعدها اكثر أنه لا يعلم أنها تستطيع السمع بسماعة الأذن التي تخفيها خلف شعرها الناعم. لا تعلم من أين كون فكرته أنها صماء. هل كل أبكم أصم؟ يتحدث بكل أريحية في وجودها فهو يعتقد أنها تفهم اللغة بحركة الشفاه.
ضحكت عندما تذكرت وهو يحاول الشرح لها ما تقوم به ويقوم بتحريك شفاه ببطء لتفهم ما تقوله كأنه يعلم طفل صغير. كانت تحاول كبت ضحكها من شكله. فهو يفعل ذلك بشكل مضحك لينتهي الأمر كعادته أن يلقي نظرة على شفتاها المنفرجتين بنظرة جائعة.
مرت على حجرة سوزان المشغولة بملف أمامها. وطرقت الباب لتنتبه لها فتقول:
تعالي يختي ده قالب عليكي الدنيا من الصبح.
قالتها سوزان بضيق. ضحكت غزل على شكلها وربتت على كتفها تصبرها ثم كتبت لها غزل:
في حد معاه؟
سوزان:
آه الاستاذ شادي معاه جوه ادخلي ده صدعني. ربنا يعينك.
غزل هزت رأسها مداعبه سوزان واتجهت للغرفة.
***
بالداخل كان يجلس يوسف على مكتبه وأمامه شادي يراجع بعض الأوراق. قطع انشغالهم صوت طرقات على الباب ودخول غزل عليهم. رفع يوسف عينه عن الملف لتلتقي بعيني غزل الرمادي ليمشط عينه على قوامها وملابسها. فدائمًا ملابسها تظهر الكثير من مفاتنها وشعرها الذي تطلقه دائمًا بأريحيه حول وجهها لتخفي وجهها خلفه.
فانزل عينه على عنقها المزين بسلسال باسمها مرورًا بباقي جسدها ليصل إلى هذا البنطال الضيق الذي يظهر ساقين رشيقتين.
كانت في هذه اللحظة تقف مرتبكة من نظراته الوقحة التي اعتادت عليها كلما طلبها للحضور يقيمها بعينيه من أعلى لأسفل.
قطع شرودها شادي الذي رحب بها. أما يوسف أشار لها بيده لتتقدم ثم قال ببطء:
ترجمتي الملف اللي ادتهولك إمبارح؟
هزت رأسها بنعم فأشار لها لتسبقه لطاولة الاجتماعات بنفس الغرفة.
يوسف:
كنت فين إمبارح؟ اتصلت بيك مردتش!
شادي بصوت منخفض:
كنت سهران. سهرة كانت عايزاك.
قالها وهو ينظر اتجاه غزل المشغولة بأوراقها. فقال يوسف وهو يضيق عينيه وهو ينظر لشادي وبصوت منخفض أيضًا:
انت موطي صوتك ليه؟
شادي وهو ينظر لغزل المشغولة:
احم. عشان متسمعناش يا جينيرال.
يوسف بنفس الصوت:
هو انت فاكر انها سمعانا؟
شادي:
أومال إيه!
أتكلم براحتك على الاخر. هي أساسًا مش سمعانا خالص.
كانت في نفس اللحظة غزل مشغولة بأوراقها إلا أن حديث يوسف وشادي لبعضهما لفت انتباهها. فابتسمت بداخلها على ظنهم بأنها لا تستطع سمعهما.
ولكن هذه فرصتها لتعرف بماذا يفكر هذا اليوسف. فجعلتهما بالفعل يظنا أنها لا تسمعهم.
***
اثناء جلوسهم على هذه الطاولة كان يوسف على رأس الطاولة وتجلس غزل على يمينه وشادي بجوارها. وبدأت بشرح ليوسف الأوراق التي طلب منها ترجمتها وأنها قامت بترجمتها باللغة العربية وقدمتها إلى كلًا منهما. وكانت تقوم بالإجابة على يوسف عن طريق الكتابة.
وكان يلقي عليها أسئلته بطريقة مثيره للضحك فهو يظن أنها تستطع قراءة حركة الشفاه فقط فيحرك شفاه بطريقه بطيئة تثير ضحكها.
قاطع تركيزها على الأوراق حديث شادي ليوسف:
إيه يا باشا شكلك رجعت في اللي كان في دماغك معاها.
رفع يوسف وجهه ونظر لها وهي مخفضة رأسها للأوراق وقال:
مين قال اني رجعت؟ أنا بس سايبها تستوي على الاخر.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السادس 6 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
قاطع تركيزها على الأوراق حديث شادي ليوسف:
- إيه يا باشا، شكلك رجعت عن اللي كان في دماغك معاها.
رفع يوسف وجهه ونظر لها وهي مخفضة رأسها للأوراق وقال:
- مين قال اني رجعت، أنا بس سايبها تستوي على الآخر.
شادي:
- مش فاهمك يا يوسف بصراحة، ما تكبر دماغك وتسيبها في حالها بقي، شكلها مش من النوعية اللي انت فاكرها.
يوسف بسخرية:
- دي غير! هو انت فاكر اني حاطتها في دماغي حبًا فيها، يعني على آخر الزمن يوسف الشافعي يحب واحدة خرسة وطرشة، أنا بس عايز أعلمها الأدب.
- انت متعرفش الهانم دي بتفكر في ايه وبتخطط لإيه.
تراهن ياشادي انها في اقل من شهر هتكون في سريري زي اللي قبلها.
نظر شادي لها وقال:
- مش عارف يا يوسف نفسي اصدقك بس حاسس أن غزل مش من النوع ده.
يوسف:
- بكره نشوف!
ولم يلاحظ كلاهما تصلب جسد غزل عندما ذكر اسمها وهذه الدموع المتحجرة في عيونها تأبي الخروج، ألهذه الدرجة يراها سيئة، يراها فتاة لعوب، لماذا؟ هل صدر منها ما يشينها، ما يعيبها، إنها دائمًا تتجنبه وتتجنب الحديث معه خارج إطار العمل.
وما الشيء الذي تخطط هي إليه كما قال! صدق حدسها اتجاهه أن نواياه غير سليمة اتجاهها، يجب ان تترك هذا العمل في أسرع وقت هذا ما قررت فعله.
- إيه يا ملك هتحايل عليك عشان تردي، مش بتردي على تليفونك ليه.
قالها الشخص بغضب، فقالت ملك بتوتر:
- بقولك إيه أنا مش بحب حد يكلمني بالطريقة دي وكمان أنا، أنا خايفة.
الشخص:
- من ايه، مني.
ملك وهي تقضم أظافرها:
- لا مش الفكرة، أنا خايفة من، من يوسف، دا لو عرف إني بكلمك ممكن يقتلني.
زفر الشخص وأغمض عينيه بقوة وقال:
- يا ملك قولتلك اللي بيني وبين يوسف ملكيش دخل بيه، انا بحبك ونفسي النهاردة قبل بكره اروح ليوسف وأقوله بس انت عارفه لازم استني شوية، في ترتيبات لازم أعملها معاه عشان اضمن انه ميرفضنيش.
ملك:
- خلاص لحد ما تكلمه بلاش نتقابل ولا نتكلم أنا خايفة ومرعوبة.
الشخص:
- لو على المقابلات انا موافق لكن التليفون ده الحاجة الوحيدة اللي مصبراني، مش هقدر لازم اسمع صوتك.
ملك:
- خلاص موافقه بس اتصالاتنا تكون بليل ولما ارنلك انا، ماشي.
الشخص:
- ماشي، هو انا اقدر أرفض.
قطع شرودها تقى:
- كنتي بتكلمي مين.
ملك بارتباك:
- ها مافيش دي، دي واحدة صحبتي.
تقى ولم يخف عليها ارتباكها: صاحبتك، اممم طيب.
- آنسة غزل، آنسه غزل.
انتبهت غزل اثناء سيريها لشراء بعض الطلبات لإعداد المعجنات الخاصة بعامر و هو ما يناديها بلهفه وهو قريب منها شعرت بالتوتر فهي دائمًا تشعر بالألفة معه ونظرات تقول الكثير نظرات حب واحتواء تشعر بالأمان في وجوده، حركت رأسها له تلقى عليه السلام بصمت فقال بابتسامة جلية:
- صباح الأنوار عليكي، انا كده ضمنت إن يومي من اوله هيكون زي الفل.
ضحكت غزل على ملاطفته الدائمة، فقاطع تفكيرها وقال:
- هو محمد مقلكيش حاجة بخصوصي.
عقدت حاجبها بتعجب وتحرك رأسها بالنفي، رد عامر مسرعًا:
- طيب في موضوع كنت فتحت محمد فيه، كنت عايز أخد رايك فيه لو ينفع نتقابل في مكان عام بعيد عن المنطقة عشان محدش يتكلم و متقلقيش مش هاخد من وقتك كتير.
قلقت غزل من طلبه الغريب ولكنها اضطرت للموافقة فضولها يقتلها.
- ايه ياعمي كل ده في تركيا، يعني ينفع أعمل الحفلة عشان رجوعك واتفاجأ قبلها بساعتين انك مش جاي.
قالها يوسف وهو يمضي بعض الأوراق أمامه.
ناجي:
- معلش يايوسف أنا عارف اني سايب راجل ورايا والحمل كله عليك متزعلش، وكمان هو مسك فيا أقعد يومين معاه.
يوسف:
- ايه اللي بتقوله ده بس دا أنا ابنك اللي مخلفتوش، أنا بس قلقان عليك وعلى صحتك، ولو عايز تقعد يومين كمان معاه براحتك، عمومًا طمني وصلت لحاجه.
ناجي:
- لسه يابني، أدينا بندور وربنا يرد الغايب.
يوسف بابتسامة:
- كله بأوانه ياعمي.
ثم انهى المكالمة ليستمع اللي بعض الضوضاء والجلبة بالخارج، فتوجه للباب ليتفاجأ بسوزان وأمامها علبة متوسطة مملوءة بالمعجنات الشهية الساخنة، وتقوم بقضم قطعة وهي مغمضة عينها وتمضغها باستمتاع، وتخرج خلال المضغ أصوات تدل على استمتاعها، فرفع حاجبه الأيمن باستغراب على وضعها الذي أول مرة يراها فيه واقترب بهدوء ليقف أمامه ليمد يده بقطعة من نفس المعجنات ليتذوق منها، ليتوقف فجأة عن أكلها ويرفع حاجباه ويقول:
- لذيذة جدًا.
لتنتفض سوزان اثر صوت يوسف وتفتح عيناها باتساع وتقف برعب وبيدها قطعه متبقيه من المعجنات، فيقول:
- ممكن أفهم إيه اللي أنا شايفه ده.
سوزان بتوتر:
- ده.. ده..
يوسف بعصبية:
- اخلصي.
سوزان:
- والله يافندم أول مرة أكل أثناء الشغل، وبستني البريك، بس الأكل لسه جايلي فقولت أدوق.
- مممم تدوقي، قالها يوسف وهو يكمل أكله منها، ثم اكمل وفمه مملوء بالطعام:
- عمومًا هي مش بطالة، بس أبقي زودي حبة زعتر علي الوش.
وتركها ليعود للمكتب فأوقفه كلام سوزان:
- هبقى اقولها.
التف إليها وتساءل:
- تقولي لمين.
سوزان بثقه:
- لغزل.
عقد حاجباه بتساؤل فأجابته سريعًا:
- ماهي اللي عاملة الحاجات دي، ده كل الشركة بتستناها كل يوم. وأكملت بسعادة:
- اصلها بتوزع على الزملاء كل يوم منها وبنديها فلوس، أصلها جميله أوي.
لم تلاحظ الغضب الذي اعتلى وجه يوسف وخروجه من حجرة سوزان مندفعًا ليرى هذه المهزلة الموجودة بشركته.
مر يوسف على جميع المكاتب ليجد الرجال قبل النساء يتناولون من معجناتها هذه الشيطانة تعدت القوانين الخاصة بالشركة، اليوم تبيع المعجنات وغدا سيجدها تحمل حقيبة سفر مملوءة بشربات وقمصان بيبي دول وفرش للأطفال ما هذه المهزلة التي تحدث!
عند مروره لمحها في مكتب من المكاتب يحدثها موظف في الشئون القانونية وترسل له ابتسامه وهو ممسك بعلبه مشابهه لعلبه سوزان استشاط غضبًا عندما لاحظ هذا البارد الذي يحاول التقرب منها بخفه ظله دخل مندفعًا:
- ايه المهزلة اللي بتحصل هنا.
اهتزت غزل عند رؤيته وتشبثت بالعلبة الأخيرة بأحضانها ونظرت له بخوف، فأكمل:
- الشركة متحولة للتحقيق عشان المهزلة دي، وانت تعالي معايا على المكتب.
واتجه بغضب يمسكها من ذراعها بغضب فحاولت إزالة يديه فلم تستطع.
داخل المكتب الخاص بيوسف وقفت ترتعش من منظره وتحتضن علبتها كأنها درع يحميها منه هي لم تقصد المتاجرة بل انتشر خبر إعدادها المعجنات من إحدي الموظفات التي كانت تتذوق طعمها من قبل وأعجبت به، فألح الجميع عليها إعدادها لهم مقابل المال وهي لم تخطئ في شيء، وقف أمامها يعتليه الغضب ولكن لا يعرف سبب الغضب الحقيقي هل لأنها تظهر دور الملاك، ام لأنها تتجاهله دائمًا، أم لأنها باعت طعام بالشركة، أم لأنها لم تعرض عليه معجناتها لتذوقها مثل الغير، لام نفسه علي تفكيره الذي أخذ منحنى مختلف.
فأجلي صوته وقال:
- ممكن أفهم اللي حصل ده، إزاي واحدة المفروض محترمة بتشتغل في شركة ليها اسمها تعمل الأعمال السوقية دي، أنت ولا كأنك واحدة من الشارع جيبنها تشتغل، أنت المكان اللي عايشه فيه نساكي انت بتشتغلي عند مين.
كانت تنظر له وتتلقى كلماته المؤلمة الذي يلمح فيها عن مستواها الذي لا يشرفه فاكمل بسخرية وهو يقترب منها:
- لو كنت طمعانة في قرشين زيادة كنت قولتيلي وانا كنت زودتلك مرتبك أو اديتك اللي انت عايزاه من غير ما حد يعرف.
وأكمل كلامه وهو يضع أنامله أسفل ذقنها، أرتفع صدرها وانخفض من توترها ومن اقترابه الذي يخنقها، انه عطره القاتل الذي يخنقها، أكمل بسخرية:
- إيه مش هتدافعي عن نفسك، بيتهيألي نلعب على المكشوف أحسن.
رجعت غزل خطوتين للخلف لتجد نفسها ملتصقة بالجدار ومحاصرة بيوسف، حاصرها بذراعيه ولفحت أنفاسه الساخنة وجهها فارتعشت بسبب هذا الاقتراب المخجل وعطره الخانق لها، قطع شرودها يده التي رفعها ليلمس جانب شعرها كالمغيب وبندقيته تلتقي برماديتها المهتزة.
ماذا تفعل الآن، لماذا تشعر بشلل اطرافها، لما لا تبعده بقوة، فاقترب أكثر من وجهها ليطبع قبلة شهوانية على شفاها الوردية المنفرجة ليأسرها مثلما أسر غيرها، ولكن لم تدم هذه اللحظات إلا وآفاق على يدين صغيرتان تدفع بكل قوة حركته للخلف خطوة، وصفعة على وجهه شلت حركته من الصدمة لم يستوعب ما حدث إلا وهو يرد لها صفعتها بكل قوة على وجنتها كرد فعل فجائي منه.
لتسقط أسفل قدميه من قوة الصفعة.
انحنى إليها وأمسكها من مؤخرة رأسها وقبض على شعرها ليقول بصوت يملأه الكره:
– بقى تمدي إيديك عليا أنا يا حثالة؟ عملالي فيها خضرة الشريفة يا وسخة.
سالت دموعها على وجنتيها بدون صوت لصدمتها من كلامه ورد فعله، هو من أخطأ وليست هي، حاولت التخلص من يديه الممسكة بشعرها دون جدوى لتئن بصوت مكتوم ليدفعها بكل قوته لتصطدم مرة أخرى بالأرض ليقول بغضب:
– اطلعي بره مش عايز أشوفك قدامي.
تحركت غزل وهي تتحامل على نفسها بسبب آلامها الجسدية والنفسية أكثر واتجهت إلى الباب لتفتحه ببكاء فتوقفت على صوته الجهوري يقول:
– استني.. اتفضلي روحي الحمام. ظبطي شكلك ده متخرجيش للموظفين بالمنظر ده.
فاتجهت بأرجل مهتزة لا تستطيع حملها إلى الحمام لتغسل وجهها بالمياه لعلها تهدئ من روعها، لقد اتخذت قرارا بعدم الرجوع إلى هذه الشركة مرة أخرى، خلعت سماعة أذنها لتسندها على رف أعلى الحوض وقامت برفع جانب شعرها بأناملها لتصدم بآثار أصابعه على وجنتها، فرتبت شعرها سريعًا ومسحت دموعها وخبأت وجهها كما اعتادت خلف شعرها، فتحت الباب فتحة بسيطة لتراقبه منها خوفًا من أن ينقض عليها مرة أخرى، تريد أن تهرب تريد الارتماء على السرير والبكاء حتى تنفذ دموعها.
أما هو لم يكن حاله أقل حالًا منها، جلس خلف مكتبه بقميصه بعد أن رمى جاكيت البدلة بإهمال على الأرض وترك أزرار كميه وصدره مفتوحين ودفن وجهه بين يديه يظهر للناظر كأنه تمثال لولا حركة جسده الظاهر الناتجة عن قوة تنفسه، يحاول كبت غضبه منها ومن نفسه، كيف فقد السيطرة وضربها حتى لو كانت تستحق هذا؟ لما لم يسيطر على غضبه؟ يشعر دائمًا أنها تقصد إهانته والتقليل منه، لا يوجد واحدة رفضته دائمًا يتقربن منه ويتوددن.. إلا هي.. يشعر بنار تأكله منذ متى لا يعلم!
كل ما يعلمه أن ناره اشتعلت أكثر منها عندما رآها بعد انتهاء الدوام تركب بسيارة ما يسمى عامر والابتسامة على وجهيهما لا يعرف وقتها كيف ركب سيارته ليتبعها إلى هذا المطعم كأنه يريد أن يؤكد لنفسه أنها لعوب ليست كما تظهر لغيره، لم يقطع شروده إلا سماع صوت إغلاق بالباب.. ناره تزيد يريد إطفائها فاتجه بغضب للحمام الملحق ليغسل وجهه لعله يهدأ، وقف لينظر إلى وجهه بالمرآة ولكن لفت نظره شيء على الرف شيء غريب امسكه بأصابعه ورفعه أمام ناظريه ليقول بتعجب:
– إيه ده؟
بعد مرور خمسة أيام.
تجلس على سريرها شاردة في الأحداث التي مرت عليها في هذه الأيام وكيف تغير حالها عندما أرسلت رسالة مختصرة لعامر تقول:
– أنا موافقة ياعامر.
هذه الجملة القصيرة غيرت حال الجميع من بين قلق للبعض وكره للبعض وحب وأمان ورغبة للبعض، فعامر بالنسبة لها أمانها ملجأها بعد ما تعرضت له على يد يوسف شعرت بالخواء والبرودة، ليس لديها من يساندها تعلم أنها إذا أخبرت محمد سيهدم المعبد على رأس هذا المتعجرف ولكنها تخشى عليه هو نفسه، لا تريده أن يفقد وظيفته بعد أن استقر بها.. لا تريد خطف سعادته وقد لاحظت عليه اهتمامه بسوزان وسعدت لذلك.. أخيرًا سيجد شريكة حياته، دخلت صفا لتجلس أمامها ثم قالت:
– عاملة إيه يا غزل دلوقتي؟
ردت غزل من تحت وسادتها لتكتب:
– الحمد لله يا ماما.
صفا:
– الحمد لله.. مش هتروحي شغلك النهاردة كمان يا غزل؟
حركت غزل رأسها بلا، فتنهدت صفا ووضعت كف يدها على ساق غزل تربت عليها وتقول:
– طيب ريحيني يابنتي في حاجة ضايقتك في الشغل؟ انتِ من ساعة ما رجعتي من الشركة معيطة ووشك غريب وانتِ مش بتخرجي من أوضتك ولما محمد سألِك قولتي له إنك وقعتي على وشك عشان كده تعبانة ومش هتروحي الشغل.. ريحيني لو في حاجة مضيقاكي؟
كتبت لها:
– مافيش يا ماما اطمني.. أنا حاسة إني خلاص مش محتاجه الشغل ده وهقدم استقالتي.
رن هاتف المكتب لتزفر سوزان بقوة تقول لنفسها قبل أن تجيب:
– أنا كان مالي ومال الشغلانه دي ياربي.. كل شويه يتصل.
ثم أجابت وقالت:
– أيوه يا بشمهندس.. لا يافندم ماجتش برضه.
فبعدت السماعة عن أذنها لتتفادى صريخه لتقول:
– يافندم أنا ذنبي إيه حضرتك.. هي مش بتيجي بقالها كام يوم! حاضر يافندم حاضر هحاول أجيب تليفونها.. خلاص يافندم هبعتلها رسالة.
اغلقت الخط ثم زفرت:
– كان يوم مهبب يوم ما عرفتك يا غزل.
ضحك شادي بشدة قائلاً:
– انتِ اتجننتي ولا إيه يا سوزي؟ قالها شادي وهو على باب المكتب.
سوزان:
– هو اللي يشتغل معاكم هيبقى عنده عقل! أنا خلاص شوية وهقدم استقالتي.
شادي:
– ليه كل ده؟ مش قادرة تستحملي الجنرال.
سوزان:
– يا أستاذ شادي إحنا مستحملين بس ما توصلش أن البشمهندس يتصل بيا كل ساعة يسألني غزل جت ولا لا؟ بقالي خمس أيام على كده.. وكمان أنا بلغته إن أستاذ محمد قال أنها تعبانة ومش قادرة تيجي ومع ذلك بيسأل أنا عمري ما شفته كده.
شادي وهو يحاول التقليل من توترها:
– معلش ياسوزان، هو متوتر اليومين دول أنا داخلة.
سوزان:
– اتفضل.
كان يجلس شارد في شيء ما يتفحصه بأصابع يده دخل عليه شادي ليقول:
– السلام عليكم، إيه يا جينيرال مالك؟ قالب زعابيب أمشير ليه؟
لم يجبه، فقال شادي:
– انت لسه ماسك البتاعة دي؟ خلاص يا يوسف طلعها من دماغك بقى.
رفع يوسف عينيه ليواجهه شادي ويقول:
– أنت عارف إني أكبر حمار في الدنيا.. الهانم كانت بتسمع ومستهبلاني ياشادي.
شادي:
– تسمع ماتسمعش هي حرة، إيه اللي يضايقك في كده؟
رد يوسف باحتقان:
– معناها إنها كانت بتسمع كل كلمة بنقولها عليها ونلمح بيها يا أستاذ.
– آها..
ثم فجأة جحظت عين شادي من كلام يوسف وقال:
– إيـــــه؟
يوسف بابتسامة ساخرة:
– أيوه زي ما فهمت بالضبط.
شادي بتوتر مما سمعه:
– يعني هي سمعت الكلام اللي انت قلته عليها انها…
يهز يوسف رأسه مجيبًا:
– للأسف.. سمعت أومال تفسر وجود سماعتها في حمامي بعد خروجها إيه؟
شادي وهو يحك رأسه:
– يمكن مش بتاعتها؟
زفر يوسف بضيق يقول:
– يابني آدم مافيش حد بيدخل حمامي غيري، والمرة اللي هي دخلت فيها بعد خروجها لقيت السماعة جوه تبقى أكيد بتاعتها.
شادي:
– دي كده باظت على الأخر.. طيب هتعمل إيه؟ وهتصلح اللي أنت عملته إزاي؟ دي بقالها خمس أيام مش بتيجي وشكلها كده مش راجعة تاني.
تجلس بجواره بتوتر وجنتيها كحبات الفراولة.. تتساءل لما اليوم ازدادت توترها عن ذي قبل؟
فهي ليست المرة الأولى التي تكون معه وعن هذا القرب.. شعرت بيد تقبض على كف يده لتنتبه له فسحبت يدها منه بخجل تنظر إليه وهو يقول بابتسامة جلية تزيد من حلاوته:
– سرحانة في إيه؟ ابتسمت وهزت رأسها بلا شيء.
فاكمل حديثه:
– أنا فرحان أوي يا غزل أنا مش مصدق إننا رايحين نشتري الدبل.
أرسلت له غزل ابتسامة هادئة لا تعرف إذا كانت هذه الخطوة صحيحة أم لا.
دخلت المصعد وقامت بتحديد رقم الطابق الذي يوجد به مكتبه فهي قد طلبت من عامر أن يوصلها الشركة بعد الانتهاء من انتقاء الدبل، تذكرت كيف أصر عليها أن تختار خاتم بجوار دبلتها، فخضعت لطلبه بعد إلحاحه، فتحت باب المصعد واتجهت إلى مكتب سوزان.
كان يقف أمام النافذة الزجاجية شارد بالطريق أسفل البناية ينفث الدخان من سيجارته ويده الأخرى في جيب سرواله، انتبه لطرق الباب وصوت سوزان يقول:
– بشمهندس يوسف في أوراق محتاجة حضرتك…
قاطعها يوسف بدون أن يلتف إليها:
– سبيهم عندك وروحي على مكتبك.
انتبه يوسف ان سوزان تحاول قول شيء فالتفت لها يقول:
– فيه حاجة تانية؟
سوزان بتوتر:
– أيوه يافندم اصل حضرتك طلبت لو الآنسة غزل جت ابلغ حضرتك وهي جت وسابت لحضرتك استقالتها.
ومدت يدها بها بالورقة، فاتسعت عين يوسف ويقول:
– نعـــم؟
– هي فيــــن؟
أشارت سوزان بخوف من صوته وقالت:
– كانت بره لسه ماشية…
لم تكمل حديثها لتجده يندفع خارجًا من مكتبه يجري باتجاه المصعد ليراها تدخل المصعد فتفاجئ هي بمن يضع قدمه ليمنعه من الانغلاق، لم تفق من صدمتها إلا على ضغطه على زر توقيف المصعد لتجد نفسها هي وهو داخل المصعد لا يفصلهم إلا مسافة بسيطة وهو مشرف عليها بجسده وصدره الذي يعلو وينخفض بشدة كأنه خارج من سباق وعينه مثبتة على عينيها، فيقطع هذا السكون صوته الهامس:
– هو اللي يقدم استقالته مش يسلمها بردوا لصاحب الشركة ويستنى أمضته عليها؟
اهتزت حدقتها برعب منه فهي لن تتحمل إيذائه مرة أخرى، فتلاحظ حركة يده التي أدخلها داخل جيبه ليخرج يده مقبوضة على شيء ما ويرفعها مام وجهها فتنتفض من الخوف وترفع ذراعها أمام وجهها لتحميه من اعتدائه…
اتسعت عينيه لخوفها ليقول لنفسه أتعتقد انه سيضربها مرة أخرى؟
يخفض يدها بيده ويشير لها بشيء بين أصابعه ويقول:
– عارفة إيه ده ولا مش عارفة؟ سماعتك ناسيتها في الحمام.
اتسعت عينها لتنظر لسماعتها بتوتر فابتسم يوسف نصف ابتسامة لتوترها ليقربها أكثر لها فتأخذها بأصابع مرتعشة وتضعها على أذنها اليسرى ثم تخفي أذنها خلف شعرها.
يوسف:
– بيتهيألي أنتِ دلوقتي سمعاني كويس؟
هزت غزل رأسها بنعم، رفعت رأسها لتجد المصعد يفتح مرة أخرى ويقول بأسلوب آمر:
– ورايا على المكتب.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع 7 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
داخل المكتب جلس يوسف خلف مكتبه وأمامه غزل التي تجلس ترتشف عصير الفراولة الذي طلبه لها مع قهوته لتهدئ انفعالاتها ليقول:
- ها هديتي؟
لتجيبه غزل بإشارة من رأسها بنعم، ليكمل:
- مبدئيًا أحب أعتذر عن اللي صدر مني من كام يوم وياريت تقبلي اعتذاري، وياريت ننسي اللي حصل ونفتح صفحة جديدة مع بعض.
انتظر يوسف أي إشارة منها تدل على تقبل اعتذاره فقطع الصمت ليكمل:
- وبالنسبة للاستقالة اللي قدمتها فللأسف أحب أبلغك إن الاستقالة مرفوضة، وياريت من بكرة تبدأي شغلك انت عندك شغل كتير متراكم.
قبضت على حقيبتها الصغيرة بتوتر ليطرق الباب وتدخل سوزان لتقول:
- أستاذ محمد بره يافندم.
أذن يوسف له بالدخول، فقال محمد باندهاش:
- غزل انتِ هنا ياحبيبتي؟ ليحتضن محمد غزل ويربت على ظهرها. فيشتعل غضبًا من هذه الحميمية، ليقطع يوسف هذه اللحظة:
- أومال المفروض تكون فين يامحمد؟ مش المفروض الأنسة بتشتغل في الشركة زيك!
محمد:
- أكيد طبعًا، أصل عامر أتصل بيا لما تأخرت عليه كان قلقان عليها.
يوسف باندهاش:
- عامر.. مين عامر؟
محمد:
- حضرتك شوفته في المكتب والمستشفى.. اللي أنقذ غزل.. أصلهم كانوا بيشتروا الدبل النهاردة.
لاحظ محمد اندهاش يوسف، فقال موجهًا حديثه لغزل:
- إيه ياغزل انتِ ما عزمتيش البشمهندس على الخطوبة ولا إيه؟
عقد يوسف حاجبيه قائلًا:
- خطوبة؟
محمد:
- خطوبة غزل على عامر.. طبعًا حضرتك أول المعزومين.
صدم يوسف بشدة، فقال محمد:
- بشمهندس يوسف حضرتك سامعني؟
قطع صدمته بندائه ليوجه نظره اتجاه غزل ليجيبه:
- أيوه يامحمد سامعك.
ثم وجهه حديثه لها ببرود:
- مبروك.
***
تخرج غزل ومحمد ويبقى يوسف كما هو، شاردًا لا يشعر بأي شيء، لا يشعر بالسعادة ولا الحزن ولا الهدوء ولا الغضب.. شعور غريب يجعله بلا إحساس كالتمثال.. عقله توقف وأطرافه شلت، لم وصل به الحال لهذه النقطة؟
لما شعر بالصدمة المؤقتة؟ فهي لا تعني له أي شيء هي مجرد فتاة لفتت نظره فقط، يمكن ما أدهشه أن تكون في مثل ظروفها مطلوبة أو مرغوبة.. ليتساءل في نفسه، وهل هو لم يرغب بها من قبل؟
***
يجلس متوترًا على المائدة بالمطعم ينتظر وصولها لينظر للمرة التي لا يعرف عددها في ساعة يده، يخاف أن تخلف وعدها بالحضور.. لمحها عند المدخل تتلفت يمينًا ويسارًا تبحث عنه، وعندما رأته توجهت له مباشرة لتجلس أمامه بتوتر خوفًا من أن يراها أحدًا لتقول:
- فيه إيه يا جاسر طلبت تشوفني ليه؟
جاسر:
- طيب خدي نفسك الأول يا ملك، مالك مستعجله ليه بس.
ملك بشبه عصبية:
- أنت عارف يا جاسر إن المفروض ما نتقابلش، أنا خايفة لو يوسف عرف ولو عرف هتبقى مصيبة.
جاسر:
- يــوه يا ملك، كل شوية يوسف.. يوسف، أنا خلاص مبقتش عارف اتلم عليك، في الجامعة رافضه أجلك ولا عارف أقابلك بره ولا حتى بتكلميني، أنا زهقت من الوضع ده.
ملك واحتبست الدموع بعينها:
- يعني عاوزني أعمل إيه وأنا عارفة إن فيه عداوة بينك وبين أخويا؟ أنا مش عارفة هنواجهه إزاي!
جاسر:
- قولتلك سبيني أروح أتكلم معاه رفضتي.
ملك:
- جاسر انت بتحبني بجد مش بتلعب بيا؟
جاسر وهو يمسك يدها:
- أنا مش بحبك.. أنا بعشقك يا ملك، أنا من لحظة ما شوفتك في النادي وانتِ بتلعبي تنس حسيت إني عايز أشَدك من شعرك عشان محدش يشوفك وانتِ بتلعبي بالشكل ده، من ساعتها وأنا متعلق بيكي.. هو أنتِ لسه عندك شك؟
هزت رأسها بلا، فرفع يدها لفمه ليلثم قبلة تعبر عن اشتياقه لها.
***
يقف أمام مرآته يقوم بربط ربطة عنقه البنية على قميصه السماوي، لتدخل عليه ملك بفستانها الأسود الطويل بدون أكمام
لتقول:
- ها خلصت يا يوسف؟ إحنا اتأخرنا؟
أمسك قنينة عطره القوي ورش منها على قميصه ليلتفت لها يقول:
- أنا جاهز.
ثم أرتدى جاكيت بدلته البني لتقول:
- الناس كده هتفكرك انت العريس.
ضحك يوسف وهو يضربها على مؤخرة رأسها ثم قال:
- طيب يلا ياغلاباويه.
دق هاتفها المحمول لتقول:
- دي تقى، لعاشر مرة تتصل تسألني نزلنا ولا لسه.
رد يوسف:
- مش دي أخت محمد وغزل؟
ملك:
- آه هي.
يوسف:
- مش عارف ليه مش مستريحلها وبحس إنها مش بتحب غزل.
قالت ملك تدافع عنها:
- والله يا يوسف تقى دي طيبة بس انت لو عرفتها هتحبها والله.
يوسف:
- وأعرفها ليه.. مالي بيها، عمومًا خلي بالك منها حاسس إنها مش طبيعية، كفاية إنها في الأول أنكرت إنها أخت غزل بالرضاعة، ولولا إنك كنتِ قولتيلي مكنتش عرفت إن غزل أخت محمد ولا إيه؟
نظر لها بطرف عينيه فلم تجيبه، فقال:
- عمومًا يلا، عشان منتأخرش.
***
في صالون الخالة صفا اجتمعت الحاجة راوية وأم عامر الذي يظهر عليها الضيق ومحمد وعامر الذي ينتظر عروسه كجمر من النار وتقى التي لم تكل من النظر لباب الشقة ولهاتفها. وبعض الجيران ومعارف عامر، كانت خطبة عائلية بسيطة.
الكل بانتظار العروس، دخل يوسف وفي يده باقة من الورد الأبيض والأحمر ليجد من تستقبله بابتسامة وتقول:
أهلا يا بشمهندس يوسف، اتفضلوا.. حضرتك مش غريب.
ومدت يدها لتأخذ باقة الورد منه إلا أنه تشبث بها ليقول:
- معلش أفضل أقدمها للعروسة بنفسي.
ابتلعت تقى ريقها بصعوبة بسبب إحراجه لها، لتشير له وتقول:
- اتفضل كلهم جوه.
دخل يوسف واستقبله محمد يحيه، ثم بارك للعريس ليجلس بالقرب منهم منتظر معهم العروس.. قامت تقى بتوزيع العصائر والمياه الغازية ولم تخفى على يوسف نظراتها واهتمامها به، ليصمت الجميع للحظة أثر دخول هذه الهالة الملائكية باللون الوردي، كانت ترتدي فستانًا قصيرًا يصل لركبتها يظهر عظمة الترقوة ليظهر سلسالها الذهبي باسمها ويضيق من أعلى حتى الخصر الملفوف حوله شريط ستان عريض، ينتهي بعقدة بالخلف وينزل بعدة طبقات متسعة لتظهر بياض قوامها وذراعيها وفِي قدمها حذاء كعبه عالي لونه وردي بلون الفستان وقد أطلقت شعرها كما تفعل إلا أنها رفعت جوانبه لتزين رأسها بتاج ماسي صغير يظهرها كالأميرات التي تخرج من الروايات، لم يفق إلا على صوت الزغاريط التي علت عند دخولها، وعامر يقف أمامها ليمسك يدها ويطبع قبلة رقيقة على ظهر كفها ويجلسها بمكانها المخصص بجواره، ليقترب يوسف منها ويمد يده بالباقة وعينيه مثبتة على عينيها ليقول:
- مبروك يا غزل.
أمسكت الباقة لتهز رأسها بالشكر، أبتعد يوسف ليقف على مدخل الحجرة يراقب انفعالاتها وانفعالات عامر. كان جليًا على عامر أنه كالذي حصل على نجمة من السماء، سعادته تظهر بعينيه. تساءل يوسف في نفسه ولما لا يسعد! وقد حصل على هذا الجمال المحطم للقلوب؟ كانت مرتبكة وسعيدة وعيونها زائغة حتى التقت عيناها بخاصته المثبتة عليها، لتفرك يديها وتنظر لأصابعها المزين بدبلة عامر بسعادة واضحة للجميع.
***
مرت عدة أسابيع وكل يدور في فلكه.
مر محمد على مكتب سوزان كعادته مؤخرًا يتحجج بأي طلب أو سؤال، ليمر عليها ويخطف منها نظرة أو كلمة ولكن هذه المرة وجدها تجلس وأمامها موظف من الشركة يلقي النكات عليها فيثير ضحكها التي لا تستطيع السيطرة عليه ليقول بغضب مكتوم:
- ما تضحكونا معاكم.
لينظر الشاب لمحمد ويقول:
- أهلاً يا محمد تعالى ياجدع، دي سوزان طلعت خفيفة أوي مش عارف أوقف ضحكها.
فينظر محمد لها بغضب ليقول:
- معلش أصل مش فاضي للمسخرة دي.
اتسعت عين سوزان من قوله فاستأذن الشاب بإحراج ليقف محمد أمام مكتبها يستند بيديه عليه ليقول:
- ممكن أفهم إيه اللي شوفته ده؟
لترد بغضب:
- وأنا ممكن أفهم اللي حضرتك قولته ده.
محمد:
- ما ترديش عليا بسؤال.. إزاي تسمحي لنفسك تقعدي تضحكي معاه بالشكل ده؟
أجابته ببرود تقول:
- وانت مالك بتدخل بصفتك إيه؟
محمد بغضب:
- بصفتي إني موظف محترم بيشتغل في شركة محترمة، لما أشوف شيء مش محترم لازم أعترض يا محترمة.
وقال آخر كلمة ببطء، لتنتفض من كرسيها وترفع سبابتها بوجهه لتقول:
- أنا محترمة غصب عنك، وانت مالكش دعوة بيا ولو عندك حاجة معترض عليها قدم فيها شكوى رسمية، غير كده ما تجيش المكتب ده إلا عشان الشغل بس.. انت فاهم؟
ابتلع محمد ريقه لينظر لها بصدمة من حديثها ليخرج صافق الباب بقوة وتجلس هي تبكي على ما آلت إليه الأمور.
***
قبل ساعة كانت غزل بمكتب يوسف لتترجم له بعض الأوراق الفرنسية، كانت تشعر بالراحة نوعًا ما بسبب تغير معاملة يوسف لها لقد أصبح ودودًا لطيفًا يسيطر على غضبه كثيرًا لا يرهقها بالعمل، فعندما يشعر بإجهادها يطلب منها وقت راحة ليطلب قهوته وعصير فراولة لها.
ما باله بالفراولة!
ولكن ما يوترها بوجوده نظراته التي لا تستطيع تفسيرها. ليخرجها من أفكارها وضع علبة مستطيلة مخملية سوداء على أوراقها.
لترفع نظرها له متسائلة فيقول:
هزت غزل رأسها بالرفض ووضعت العلبة أمامه ليقول بصرامة:
"وبعدين يا غزل مش قولنا نفتح صفحة جديدة مع بعض؟ وكمان يا ستي افتحيها الأول ولو ما عجبتكيش ارفضيها."
توترت غزل من الموقف. ليفتح يوسف العلبة ويظهر منها سوار ماسي رفيع مرصع بالألماس. ويتوسط هذا السوار الماسي ماسة حمراء على شكل قلب منقوش بالليزر عليه اسمها غزل.
رفضت غزل مرة أخرى. إلا أنه مد يده ليمسك بيدها ويقربها له. ويلبسها السوار الماسي. وهي مغيبة ولم تشعر بنفسها إلا على انتفاضها وسحب يدها منه كالملسوعة. أثر قبلته التي طبعها على ظهر يدها بدون إدراك منه.
ليتدارك نفسه سريعًا ويمسح على شعره ويقول:
"أحم. نرجع لشغلنا بقى. بيتهيألي أخدنا راحة كفاية."
هزت رأسها أكثر من مرة بتوتر. لترفع الأوراق أمام وجهها لتداري احمرار وجنتيها وخجلها.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثامن 8 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
كان يجلس بحديقة ڤيلته يدخن السيجارة العاشرة وأمامه فنجان قهوته التي بردت ليقطع شروده رنين هاتف لينظر على الاسم فيزفر بشدة ليقول:
– مش وقتك خالص يا نانسي.
ثم يجيب:
– أيوه يا نانسي.. أنت مبتزهقيش؟
نانسي:
– إيه يا يوسف منا مش عارفة اتلم عليك بقالي مدة وحضرتك مش بترد على اتصالي! هو أنا زعلتك في حاجه يا يويو؟
يوسف بتأفف:
– نانسي اخلصي.. عايزه إيه مش فايق للحوارات.
نانسي:
– عايزه أشوفك يا يوسف.. هو أنا ما وحشتكش؟
يوسف:
– خلاص يا نانسي هبقى أشوف وقتي وأبلغك.. يلا سلام.
ليتفاجأ بدخول عمه من البوابة ليقف ويقول بسعادة:
– حمد لله على السلامة ياعمي.. السفرية المرة دي طولت أوي.. شكل وشك بيقول في أخبار كويسة.
احتضن ناجي ابن أخيه ليقول:
– فعلًا وصلت لأخبار كويسة.. أخد نفسي بس وأحكي لك على كل حاجة.
أرتبك يوسف بخوف ليقول:
– أنت لقيتها؟
ضحك ناجي ليربت على وجنته ويقول:
-الصبر.. الصبر يا يوسف هحكيلك متستعجلش.
دخلت الشركة بكبرياء تتأمل جوانب هذا الصرح الكبير.. تتأمل أن تملك هذا الصرح في يوم من الأيام.. لتتجه إلى الاستقبال لتسأل الموظفة عن مكان الاستاذ محمد لتبلغها بالطابق فتتجه إلى المصعد لتنتظر وصوله.. ليفتح بابه ليفاجأ بمن يتخطاها للدخول قبلها لترفع عيناها وتقول بحدة:
– إيه قلة الذوق دي انت مش شايفني واقفه مستنية قبلك؟
نظر شادي يمينًا ويسارًا ليقول:
– أنت بتكلميني أنا؟
تقى:
– أومال بكلم خيالك؟
شادي:
– أنت عايزه إيه بالظبط؟
تقى بتحدي:
– اتفضل أخرج من الاسانسير.. المفروض ده دوري.
رفع شادي حاجبه:
– هو إحنا في فصل؟ يلا ياشاطره من هنا.. وشيلي رجلك دي عشان اطلع.
تقى:
– بارد على فكرة.
شادي:
– وانت عيله على فكرة.. روحي شوفي أنت تايهة من أي حضانة.. يلا يا ماما.
تقى بغضب:
– أنا مش عيله.
شادي:
– استغفر الله العظيم على الصبح.. أنت عايزه إيه دلوقت؟ أنا متأخر يا تدخلي نتهبب نطلع.. يا تشيلي رجلك خليني أتنيل أطلع.
تقى بثقة:
– مش بركب مع حد غريب الأسانسير.
شادي بتفكير وهو ينظر خلفها ويقول فجأة:
– حاسبي!
لتنتفض تقى بعيدًا ويغلق الاسانسير وتشاهد ابتسامة انتصار على وجهه وحاجبيه يتلاعبان وبابه يغلق.
كانت منتبهه لشاشة الحاسوب لتنتفض فجأة على من يضع ملف من الأوراق بقوة على مكتبها لتجز على أسنانها لتقول سوزان:
– فيه حد يعمل كده! إيه قلة الذوق دي؟
ليقترب محمد من المكتب ويستند بذراعيه ويشير بسبابته لها ويقول:
– قلة أدب مش عايز.
كادت أن تنطق ليكمل:
– خمس دقايق.. خمس دقايق بس ألاقيكي في اوضة الأرشيف.. لو اتأخرت ثانية ماتلوميش إلا نفسك فاهمه؟
ليقول الكلمة الأخيرة بصوت عالي يجعلها تنتفض من الرعب.. فينصرف وعلي وجهه ابتسامة خبث.
كانت تبحث عنه لم تجده لقد حضرت اليوم لتأخذ منه مبلغ من المال الذي نفذ منها لتشتري بعض الكتب المهمة قبل أن تنفذ لتصطدم بحائط بشري يفقدها توازنها لتسندها ذراع قوية قبل سقوطها.. فترفع نظرها لتجده:
– أنت؟
شادي:
– إيه كمان.. متعلمتيش المشي كويس؟
قالت تقى وهي تصر على أسنانها بغضب:
– أنت بارد.
شادي:
– وأنت عيلة.
ليقطع نزاعهم صوت محمد:
– تقى! إيه اللي جابك هنا؟
تقى بضيق:
– إيه يامحمد المقابلة دي!
محمد:
– فيه حاجه حصلت؟
نظرت تقى بطرف عينيها لشادي:
– كنت عايزه فلوس.. في كتب مهمة لازم اشتريها النهاردة.
ليقاطعهم شادي:
– مش هتعرفنا يامحمد؟
محمد:
– آه.. لا إزاي.. دي تقى أختي الصغيرة.
شادي:
– مممم الصغيرة.. تشرفنا يا آنسه تقى.. أنا البشمهندس شادي.
تقي بتكبر واضح:
– تشرفنا.
في الطريق كان يجلس يوسف بجوار عمه شارد في الحديث الذي ألقاه عليه عمه قبل تحركهم بخصوص بنت عمه المفقودة.. ليقول في نفسه (وبعدين في القلق ده بقى)
– بعدين يا أم عامر هتفضلي زعلانه كدة؟
قالها عامر بتودد فلم تجيب.. فقال مرة أخرى:
– طيب ردي على ابنك حبيبك.. أنت مش وافقتي وكل حاجه كانت برضاكي؟
أم عامر:
– أيوه بس قلبي مش مستريح برضوا.. أنا وافقت يابني عشان خاطرك.. لكن قلبي مقبوض ومش مستريح.
لثم يديها يقول:
– إن شاء الله خير.. ادعيلي ربنا يجمعني بيها على خير.
أم عامر:
– ربنا يريح بالك يا ابني.
مرت غزل على سوزان لتمسكها سوزان وتقول:
– أنا فرحانه أوي يا غزل.. فرحانه أوي.
تساءلت غزل بعينيها لتجيبها:
– اخوكي ياستي طلب إيدي.. ابو الهول نطق.. المهم هحكيلك بعدين ادخلي البشمهندس طلبك.
هزت رأسها بنعم واتجهت إلى مكتبه لتتفاجأ بشخص في العقد الخامس من عمره يشبه يوسف في هيبته وقوته وشعره البياض في خصلاتها أكثر من السواد.. وعلى عينيه نظارة للقراءة مستطيلة.. انتبه لدخولها فرفع عينه عن الأوراق وتعجب لصمتها ليقول:
– أيوه يابنتي في حاجة؟
توترت وبدأت تبحث يمينًا ويسارًا على يوسف.. فعقد حاجبيه ليقف ويتقدم اتجاهها ببطء يتأملها.. ولكن لم يستطع رؤيه وجهها بوضوح بسبب توترها ونظرها لقدمها ليقول:
– أنت سمعاني؟ بقول عايزه حاجة!
ليخرج يوسف من الحمام ليجدها فيقول:
– أنت جيتي؟
نظرت له بارتياح لوجوده.. فقال:
– كويس عشان أعرفك على عمي صاحب الشركة الأصلي "ناجي بيه الشافعي"
فتوجهت بنظرها لناجي وهزت رأسها بترحاب له.. ليقطع الصمت ناجي وهو يتأملها:
-ها مش هتعرفيني بنفسك يابنتي؟
فيجيب يوسف:
– دي الآنسة غزل عبدالله ياعمي.. اللي انقذت الشركة زي ما حكيتلك من شوية.
هز ناجي راسه بتفهم ليسألها:
– أنت عندك كام سنة ياغزل؟
ليقول يوسف بثقة:
– تقريبًا عشرين.
لينظر له مرة أخرى بضيق.. ويوجه سؤال آخر ليقول لها:
– ومعاكي كم لغة بقى ياغزل؟
ليسرع يوسف ويقول:
– انجلش وفرنسي وتركي.
– فيه إيه يا يوسف ما تسيب البنت ترد هو أنت المحامي بتاعها؟
قالها ناجي بضيق شديد.. ليرتبك كلًّا من غزل ويوسف وينظران لبعضهما ثم يقول الأخير:
– اصل ياعمي غزل.. غزل مش.. يعني..
لتسرع غزل بكتابة شيء بروزمانتها لتزيل إحراج يوسف وتمرر الورقة لناجي ليصدم ناجي ويقول:
– خرساء؟
– إزاي يا يوسف ماتعرفنيش حاجة زي دي؟ أحرجتني وأحرجت البنت.
قالها ناجي بلوم ليوسف.. ليرد يوسف:
– والله كنت هقولك بعد ما أخرج من الحمام.. ما أعرفش انك هتقابلها قبل ما أقولك! عمومًا حصل خير.. غزل تفهمت الموقف وعدى على خير.
ليشرد ناجي ويقول:
– تعرف إنها مألوفة أوي؟ حاسس زي ما أكون شفتها قبل كدة.. تعرف يا يوسف؟
يوسف:
– إيه ياعمي؟
– لو كانت بيسان بنتي عايشة كانت هتبقى في سنها وتشبهها كدة.
ليجيب يوسف بروتينيه:
– الله يرحمها تعيش وتفتكر.
ضحك ناجي فجأة ليقول يوسف:
– ما تضحكنا معاك.
ليقول ناجي:
– تعرف يابني توأم بيسان كان اسمها إيه؟
يوسف:
– الحقيقية مش فاكر ياعمي.
ليرد ناجي بثقه:
-غزل.. توأمها اسمها غزل.
تجلس أمام التلفاز تشاهد فيلمًا قديمًا وبجوارها صفا التي تسند بجوارها عكازها.. ليقطع انتباهها صوت الرسالة بهاتفها واهتزازه لتبتسم لأنها تعرف المرسل فهو أمانها عامر.. تذكرت عندما غيرت اسمه على هاتفها بأماني.. تعتبره سندها وأمانها من الدنيا.. لتقرأ الرسالة.
عامر: غزلي بيعمل إيه؟
غزل: مش بعمل حاجة بتفرج على فيلم قديم.
عامر: يا بخت الفيلم.
عزل: ليه؟
عامر: عشان واخد عقلك مني.
قوليلي ياغزل..
ضحكت غزل ثم كتبت غزل: ياغزل.
عامر:
– مقصدش.. أنت بتهزري؟ ماشي يا هانم ادلعي براحتك.
– بتحبيني ياغزل؟
غزل: …..
عامر: خلاص.. خلاص أنا متأكد إن وشك زي الفراولة دلوقت.. عمومًا أنا مش مستعجل.. هسمعها منك لما تكوني في بيتي.. ساعتها مش هسمح بكسوف.
لتغلق معه وتقف لتتجه إلى المطبخ لتسألها صفا:
– رايحه فين ياغزل؟
.لتشير لها غزل باتجاه المطبخ لتفهم صبا ما ستقوم به.
ينزل على الدرج مسرعًا ليتجه لغرفة الطعام ويلقي تحية الصباح على عمه وملك ويمسك قطعة من الخبز ويرتشف بعض من الشاي على عجالة ليقول ناجي:
– اقعد يابني افطر.. حد يفطر كده؟
يوسف والطعام بفمه:
– معلش مستعجل لازم أعدي على الشركة الاول.. وبعدين هطلع على المخازن ابص عليها وارجع على الشركة تاني.
ناجي:
– طيب يابني انا هخلص وأروح أنا كمان على الشركة.
لينظر يوسف لملك الشاردة ويقول:
– وأنت يا ملك معلش.. خدي تاكسي النهاردة..
العربية لسه في الصيانة وفي الرجعة هبقى اتصرف وأتصل بيكي.
في سيارة ناجي.
ناجي:
– أيوه ياعيسي.. في جديد؟
عيسي:
ناجي: مش معقول.
يوسف:
– الو أيوه ياعمي.
ناجي بصريخ:
– اللي اسمها غزل.. اسمها غزل إيه؟
يوسف:
– حضرتك بتسأل ليه؟ فيه حاجة؟
ناجي بعصبية:
– رد عليا اسمها إيه؟ فين ملفها؟
يوسف بتوتر:
– مافيش ملف بس هي اسمها غزل عبدالله.
ولقد تذكر شيء ليقول:
– آه في ورق يخص معلومات عنها في تاني درج على اليمين.. بس قولي فيه إيه ياعمي.
ليغلق ناجي الخط بوجهه، وينظر يوسف للهاتف بعيون جاحظة من تصرف عمه ويقول:
– حتى الراجل الكبير ماسبتيهوش في حاله جننتيه ياغزل.
كانت تلهث عندما استدعتها سوزان تبلغها بضرورة حضورها على الفور لمقابلة ناجي بيه.
يأخذ الحجرة ذهابًا وإيابًا كالأسد المكبل. لقد توقف تفكيره.. يجب أن يركز تفكيره أكثر، ماذا سيفعل لو كانت هي ابنته التي يبحث عنها منذ سنين طويلة؟ كيف سيتأكد؟ نعم قد قرأ المعلومات الموجودة بمكتب ابن أخيه.. هناك أسئلة كثيرة تدور في عقله أولها اسم أبيها.
وكيف كيف أصبحت خرساء؟ إنه متأكد أن بناته لم يصبهن أي علة كانتا فتاتين طبيعيتين.. إذن ليست هي غزل ابنته.. طرق الباب وظهرت غزل من خلفه فوقف يناظرها لا يستطيع التحرك، كيف سيبدأ الحديث؟ بدأ يتأملها عن قرب يريد تأمل ملامحها لعله يتأكد من إحساسه.. إنها كثيرة الشبه بصفوة وبيسان.. فأجلى حنجرته ليقول:
– قربي يابنتي.
اقتربت غزل بسيقان مهتزة بسبب نظراته وتسألت في نفسها.. هل سيكون بنفس أخلاق ابن أخيه المتعجرف؟ لم ترحها نظراته التي تتفحصها منذ دخولها.. ليقول:
– ممكن ترفعي وشك عايزه أشوفك.
ابتلعت غزل ريقها من طلبه الغريب ورفعت رأسها لتنظر إليه بتوتر:
– أنت اسمك غزل عبد الله الزايد صح؟
هزت رأسها بنعم، ليبتلع ريقه وهو يقترب منها خطوة وبصوت مهتز:
– أمك اسمها صفا محمد الأصيل؟
ضيقت عينها لتهز رأسها مرة أخرى بنعم.. ليقترب أكثر منها فتتراجع بخوف:
– أنت ليكي أخوات؟
هزت رأسها بلا وهي تتراجع خوفًا من أن ينقض عليها مثلما فعل معها يوسف من قبل، تملكها الخوف من كل من حولها. أرادت الصراخ لتسمع من هم بالخارج لينجدوها مما هي فيه ولكن صوتها للأسف لم يسعفها.
بدأت تتصبب عرقًا ليزداد ارتعاشها. لقد بدأت تشعر بالاختناق والدوار.. إذا استمر الوضع كذلك ستصاب بنوبة قلبية حتمًا.. فأثناء تراجعها تعثرت بطرف السجادة لتفقد توازنها ليسرع ناجي بمسكها قبل سقوطها لتلاحظ انخفاض نظره على عنقها نزولًا لصدرها فتراه يرفع يده اتجاه صدرها لترتعب وتقوم بدفعه عنها برعب.. ونظر ناجي مازال مسلطًا على فتحة قميصها، ليشير لها بيده اتجاه صدرها ويقول:
– غزل.. غزل.. أنت غزل! تعالي ياحبيبتي.. تعالي في حضني.
لتجري من أمامه مرتعبة خلف المكتب وتحاول قذفه بما تطاله يدها من تحف لأوراق.. لم تشعر بدموعها التي تغرق وجهها شهقاتها واهتزازها، تريد الصراخ ولقد ازداد الدوار.. ليدور ناجي كالمجنون فهو لا يستوعب أن أبنته أمامه بعد كل هذه السنين وقد عرفها من سلسالها الذهبي المكتوب باسمها وبنهايته من الأسفل فص أحمر متدلي من آخر الاسم. لقد عرف السلسال فهذا السلسال كانت ترتدي مثله بيسان.. أهداه لهما عندما كان عند صفوه قبل أن يعود ويأخذ منها بيسان يومها.. اليوم المشؤوم.
بالخارج قلقت سوزان من هذه الأصوات بالداخل فاضطرت للاتصال بمحمد فالوضع لم يريحها منذ حضور ناجي وإصراره على استدعاء غزل.
– فيه إيه ياسوزان؟
ليدخل في نفس اللحظة يوسف وكلاهما يستمعان إلى جلبه تصدر وصراخ مرتفع مبحوح من المكتب ليقولا:
– إيه الصوت ده؟
بالداخل اقترب ناجي من غزل يريد طمأنتها من رعبها، ليتحدث معها ولكنها لا تسمع له لتجري من أمامه فيمسكها ويحتضنها من الخلف ليهدأها من انهيارها وخوفها.. كيف سيوضح لها أنه والدها؟
في هذه اللحظة اندفعا محمد ويوسف معا للمكتب لينصدما من المنظر. غزل تحاول الفكاك من ناجي ووجهها منتفخ من البكاء ويصدر منها أصوات أنين وناجي يحتضنها من الخلف ويهمس في أذنها بشيء لم يسمعاه لتتوقف الصورة على هذا الوضع ليدخل محمد مندفعًا يسحبها بقوة منه لحضنه ويقوم بدفع ناجي من صدره ليتراجع ويندفع يوسف للداخل الغضب والدهشة تعتليه مما شاهد.
يوسف:
– اهدى يامحمد نشوف فيه إيه؟
محمد بغضب:
– أنا لسه هشوف فيه إيه؟ منا شفت خلاص.. أنا مش هسكت أنا هعمل محضر وفيه شهود على كده مش هسيب حقها.
يوسف يوجه حديثه لناجي الذي لم يخفض نظره عنها وهي ترتعش بحضن محمد:
– ياعمي فهمني إيه اللي حصل؟ أكيد فيه سوء تفاهم.
ناجي وهو على وشك البكاء:
– قوله يسيبها يا يوسف.. أنا.. أنا عايز آخدها في حضني.
ليقول محمد:
– أنت راجل مهزأ.. قليل الأدب ولولا سنك كنت وريتك.
لينظر يوسف لعمه وهو فارغ فمه ليقول:
– إيه ياعمي أنت شارب حاجة ولا إيه!
ناجي وهو يمسك يوسف:
– غزل يا يوسف.. غزل بنت عمك رجعت.
لينظر يوسف لغزل بصدمة يتخللها الغباء:
– بنت عمي مين؟
ناجي:
– السلسلة اللي في رقبتها يا يوسف.. السلسلة أنا اللي شاريها هي غزل بنتي.
لتستمع غزل للحديث وتشعر بالاختناق فهي تريد الهروب من هذا اليوم، تتمنى أن يكون كابوسًا لتستيقظ منه.. شعرت بارتخاء عضلاتها وشيء يسحبها لهوة سوداء وأصوات متداخلة في أذنها فاستسلمت لهذه الهوة لعلها ترتاح.. سترتاح قليل فقط من هذا الكابوس لتقول بصوت مبحوح:
– مح..مد.
وبدأت أصابعها ترتخي من على قميص محمد لتستسلم لأغمائها.. شعر محمد بثقل جسدها ليجدها تهمس باسمه ثم تغيب عن الوعي، قطع حديث يوسف وناجي صراخ محمد يقول:
– غــزل.
مستلقية بفراش المستشفى جاهلة سبب نقلها لها.. لقد داهمها فقط دوار وحالة إغماء كالمعتاد لتفيق وتجد نفسها يحيط بها العديد من الأطباء والممرضات ذوات الزي الموحد، ولكن عند التدقيق اكتشفت أنها ليست بأي مستشفى وإنما هي مستشفى خاص عالية المستوى.. تكورت على نفسها تحارب البرودة التي سرت بجسدها فجأة عند تذكر ما حدث.. وكيف وقف الزمن صدها، وكان من سوء حظها وجودها بهذه الشركة حتى يصل لها أبيها.
تسمع صوت الباب يفتح ولكنها ظلت ثابتة لا تستطع التفاعل مع من حولها.. فتجد من يقترب بخطوات بطيئة حتى يقف بجوار فراشها ويمد يده يمسح فوق رأسها بحنان قائلاً:
– غزل! طمنيني عليكي يا قلبي.. أنت حاسة بحاجة؟
لم تحرك ساكنة فصدمتها كبيرة وحياتها مهددة.
ليكمل بصوت حزين:
– طيب سمعيني صوتك.. أنا مش مصدق أن سمعت صوتك.
فتشعر بثقل فوق فراشها نتيجة جلوسه على حافته ليهمس لها بأذنها:
– أهون عليكي ما اسمعش اسمي منك تاني؟ على قد زعلي عليكي على قد فرحتي بيكي النهاردة.
يجدها تتحرك لتستلقي على ظهرها ناظرة له تقول بصوت مبحوح مجروح:
-خا...يفة.
– أنا جنبك ياغزل.. كلنا جنبك.
ليسمعا صوت شجار خارج الغرفة فتعقد حاجبها تقول:
– هو فيه إيه؟
بالخارج تجلس الخالة صفا مستندة على عكازها ترمي الواقف أمامها نظرات حقد وكراهية يشوبها الخوف والقلق.. أما الآخر يبادلها بنظرات تحدي وقوة.
يقول:
– مش كفاية كدة يا صفا؟ خلاص لعبتك انكشفت.
فتجيبه صفا بتحدي:
– سبنا اللعب لأصحابه يا ناجي بيه.
ناجي بغضب:
– خلاص كل حاجة بقت واضحة خطفتي بنتي مني وحرمتيها مني طول السنين دي.
لتتلفت حولها بذهول قائلة:
– بنتك؟ هي فين بنتك دي؟ آها تقصد بنتك اللي خطفتها من أمها ولا بنتك اللي ماتت مع صفوة؟ معنديش بنات ليك.
فيصدح صوته بصراخ:
– صفا.. متلعبيش معايا، من السهل أوي أثبت أنها بنتي.. وبنتي هاخدها بالقانون.
يقف يوسف يراقب الحوار بوجه بارد مشغول البال عما ستصل إليه الأمور فيما بعد، بعد عودة الابنة الضالة وكيف سيكون وضعه هو وملك.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل التاسع 9 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
بعد مرور شهر.
متقوقعة على نفسها.. منعزلة عن الآخرين.. ليس لها رغبة في التواصل مع من حولها رغم أن من يراها يحسدها على وضعها الجديد الذي تغير للنقيض في فترة وجيزة لا تتعدى شهرًا.. ولكن هذا الشهر من أثقل وأبغض الشهور التي مرت عليها منذ استنشقت هواء الحياة.. لقد أصبحت في أحسن حال من وجهة نظر الجميع لا يشعرون بخواء نفسها.. كأنها دمية في أيديهم بدون مراعاة لشعورها ومتطلباتها.. ما يقرر ينفذ.
يقطع حالتها صوت طرق الباب الذي اعتادت عليه كل صباح.. ولكنهم لم يملوا.. لتقول بصوت مبحوح متقطع بسبب انقطاعها عن الكلام سنين:
– قوليلهم ياهناء مش هنزل.
لتجد الباب يفتح ورائحة نفاذة دائمًا تلاحقها مثل صاحبها.. لتعلم أنها ليست هناء.. بل ما يبغضه قلبها وتكرهه عينيها حتى أنفها تبغض رائحته لما لا يبدلها بعطر أفضل! فتسمعه يقول ببروده المعتاد:
– والست هانم مش ناوية تشرفنا بإطلالتها مرة وتنزل تأكل معانا زي البني آدمين؟
سمعها تقول بدون الالتفات له:
– هو أنا أذنت لك تدخل أوضتي؟
ليقول بكبرياء:
– أنا أدخل أي مكان يعجبني.. هو أنت فاكرة نفسك بقيتي صاحبة مكان؟
فتتحرك من فوق فراشها وينكشف ساقيها أمامه بسبب منامتها القطنية القصيرة التي انحصرت أثناء جلوسها فيخفض نظره على جسدها متأملًا بياض بشرتها ويبتلع ريقه للحظة فيسمعها تقول:
– أنا فايقة كويس.. وحتة إني فاكرة نفسي صحبة بيت.. محدش قالكم تجبروني أجي أعيش معاكم.. أنا مستعدة النهاردة أرجع بيتي بجد.
لتصدح ضحكته ببرود:
– أنت بتسمي الجحر ده بيت؟
ترفع أنفها بتحدي:
– على الأقل فيه بني آدمين الواحد ياكل معاهم.
يمسك ذراعها بقوة مؤلمة ويقول بين أسنانه:
شوفي يابت أنت.. ألاعيب من ألاعيبك في البيت ده مش هسمح بيها.. وطول لسان مش عايز.. وكلامنا يتسمع وميتقالش منك غير حاضر.. فاهمة؟
كلمة واحدة تغيري هدومك وثواني الأقيكي قدامي تحت على السفرة بتطفحي معانا.
فيدفعها بقوة لتسقط فوق الفراش ويكمل بغضب:
– ثواني لو ملقتكيش قدامي هدخل أغيرلك بنفسي.
لينصرف من أمامها فتنكمش خوفًا منه.
***
يشرد أثناء السير في حديث أخته الذي ألقى الشك في قلبه من ناحية تلك التي تقبع في حجرتها عندما أرسلت له رسالة على هاتفه بضرورة المرور عليها بحجرتها ليعقد حاجبيه متعجبًا.. لما أخته ترسل له رسالة وهما بنفس المكان؟ ليلبي رغبتها ويتفاجأ من حالتها المريرة المتوترة تقول له:
– يوسف إحنا داخلين على مصيبة.
يوسف بتوتر:
– مصيبة إيه؟ ما تتكلمي!
ملك بغضب:
– أنا عرفت من تقى إن ظهور غزل في حياتنا مكنش صدفة زي ما إحنا فاهمين.. دي كانت مخططة لكل ده.. وإن غزل هي اللي جابت الشغل لمحمد وقالتله إنها شافت إعلان الشركة.. وكانت مخططة لكل ده عشان تظهر تاني.
يوسف بعدم اقتناع:
– أنت متأكدة من اللي بتقوليه ده؟ ولنفترض عملت كده.. تعمل كدة ليه؟
ملك بشبه بكاء:
– غزل مخططة تستولى على كل حاجة.. وتطردنا من هنا.. أنا خايفة يا يوسف أوي.
يوسف بغضب:
– ده يبقى آخر يوم في عمرها.. الكلام ده كلام فارغ.. عمك ما يقدرش يستغنى عني.
ملك بهدوء:
– يوسف إحنا فعلاً مانمتلكش حاجة.. كلها فلوس عمك الشركة والفيلا.. أنت ناسي إن أبوك خسر فلوس شركته وعمك اللي ربانا؟ وما أفتكرش إنه هيفضلنا على بنته الوحيدة اللي كان بيدور عليها سنين.
يوسف بتفكير عميق:
– مش لما تطلع بنته الأول؟
ملك باندهاش:
– يعني إيه؟ وهي ممكن تكون..
يوسف بابتسامة خبيثة:
– وليه لا؟ إيه اللي يعرفنا إنها بنته مش يمكن نصباية.
ملك:
– طيب هنعمل إيه؟
يوسف بهدوء:
– هقولك نعمل إيه.. ولو طلعت نصابة.. وحياتك عندي مش هعتقها.
***
تهبط الدرج بتوتر فهي منذ دخولها هذه الفيلا لم تتشارك معهم في أي نشاطات خاصة بهم.. تجدهم مجتمعين على مائدة الطعام.. فيشعر ناجي بحضورها ليقول بفرحة:
– مش معقول أخيرًا حنيتي على أبوكي ونزلتي تاكلي معاه؟
ويقوم باحتضانها بقوة.. تجلس بجواره على يساره ويوسف على يمينه يرمقها بنظرات تحذيرية وتمرر عينيها على التي تقبع بجواره ترمقها بكره ظاهر للعيان.
لما كلما صادفت وتقابلا تشعر باستحقار نظراتها وكرهها لها رغم أنها لم يصدر أي فعل سيء اتجاهها.
فتسمع ناجي يقول:
– كلي يا غزل مش بتكلي ليه؟
فتهز رأسها بنعم وتبدأ بتناول طعامها ليقف الطعام بحنجرتها عند سماع كلمات يوسف يقول:
– إيه؟ أنت اخرسيتي تاني ولا إيه؟
لتضحك ملك بسخرية واضحة.. وترفع عينيها تنظر له ولكنها لم تلاحظ نظرته التي تبدلت من السخرية للألم عند سماع ردها تقول ببرود:
– ساعات الخرس بيكون أحسن لناس كتير.. بدل ما تحدف كلام يجرح مشاعر الغير.. والحمد لله كنت طول عمري راضية بقضاء ربنا وحمداه.
ليقول ناجي:
– دي أيام وعدت خلاص.. أيامك اللي جاية أحسن إن شاء الله.
تجيبه وهي تنظر ليوسف بتأثر:
– تفتكر؟
***
تجلس بالمقعد الخلفي لسيارته لقد أصرت على عدم الجلوس بجواره خوفًا منه.. وقد اعتبر هذا إهانة لشخصه.. فعندما طلبت من أبيها الذهاب لخالتها لزيارتها بسبب امتناعها عن المجيء معها وغضبها منها بسبب تخليها واختيارها الذهاب مع أبيها بكامل إرادتها.. هذا ما يظنوه.. أنها تخلت عنهم واختارت الثراء.. لكنهم لم يعلموا ما الضغوط التي مورست معها لتقبل هذه الحياة.
فتشرد بذاكرتها عندما وجدت هذا السمج يسد عنها باب البيت ليدفعها بكل برود من كتفها ويدخل دون إذن منها ليقف وسط الصالة ويده بجيوبه وعلى وجهه ابتسامة بغيضة ليقول:
– هتفضلي واقفة عندك كتير؟ اقفلي الباب وتعالي.. عايزك.
تقف مكانها لا تتحرك فأمها ليست بالبيت.. كأنه استمع لأفكارها فقال:
– أنا عارف إنك لوحدك.. ادخلي عشان في كلام لازم تفهميه كويس.
تغلق الباب بتردد وتتساءل:
– كلام إيه؟
يقترب بخطوات ثابتة كالفهد وعينيه مثبتة عليها:
– هنعقد اتفاق صغير وافقتي عليه كان بها.. ما وفقتيش يبقى هضطر أنفذ اللي هقوله دلوقت.
لم تفهم قصده.. فبدأ يوضح:
– أحسن لك ما ترفضيش عرض عمي عليكي إنك ترجعي تعيشي معاه.. ده حقه فيكي.. طبعًا لازم حبة إجراءات تتعمل عشان تبقي غزل ناجي الشافعي بدل إبراهيم الزايد.
غزل بتحدي:
– مستحيل.. مستحيل أوافق أعيش معاه أو أعترف إنه والدي.. أنا ماليش أب غير عبد الله الزايد وبس.
يوسف ينحني لينظر في عينيها فتلحفها أنفاسه المقززة لها يقول:
– خلاص يبقى هضطر أنفذ الشيء التاني لو رفضتي للأسف.. هنعرف بسهولة نثبت إنك بنته ونرفع قضية تزوير وطبعًا مش عايز أقولك مين متهم فيها القضية دي وعلي الأقل هتاخد لها خمس سنين سجن.
هزت رأسها بصدمة أيعقل أن يسجن خالتها المسنة؟ أوصل بهم الأمر لهذا الجحود؟ تقف منفرجة الفاه.. تتسارع أنفاسها فيرفع إبهامه يمرره فوق شفاها السفلية يقول بصوت هامس:
- بعد كده تقفلي بوقك ده ومتبصيش على شفايف حد وهو بيتكلم.. فاهمة ولا لا؟
لم تستطع فهمه أو إبطال عادتها السيئة بالنظر إلى شفاه فيجدها تخفض نظرها مرة أخرى لفمه وهو يحدثها.. هذه الحركة البسيطة منها تثيره وتشعل ناره.. تشعره بأنها دعوة صريحة لتقبيله.. لينقض عليها ممسكًا وجهها بيديه بقوة يلتهم شفاها التي أصابته بالجنون.. كأنه يعاقبها على فعلتها الغير مقصودة أما هي تحاول التخلص منه ودفعه من صدره ووجه ليبتعد عنها.. فتشعر بيده تترك وجهها ويحيط جسدها بذراعه مستمرًا في تقبيلها بقوة.. لم يحررها.. ليفيق هو على ألم شديد بشفته السفلية.. فيطلق تأوه رجولي ويرفع وجهه عنها ويكتشف ما فعلته.. لقد عضته بقوة لتجرح شفته السفلية ويخرج منها الدماء فيهددها قائلًا:
– آه.. يابنت الـ ***.
هتندمي على اللي عملتيه ده.. عمومًا أنا هسيبك يومين تفكري في اللي قولته كويس وهستني ردك.
***
تعود لواقعها عندما سمعت سبة كريهة خرجت منه اتجاه شخص قام بالمرور أمام السيارة.. لتنظر إلى ظهره بكره وبغض زائد من تصرفاته الكريهة لها.
أما عنه لاحظ شرودها وعدم انتباهها لحديثه عندما سألها عن الوقت التي ستمضيه هناك.
شرد عندما خرج من بيتها بعد أن عرض عليها عرضه.. ليقف أمام بوابته يراقب الطريق للحظات وقد عزم على شيء لمعاقبتها.
فيقوم بمسك أحد أطفال الحي يقوم بلعب الكرة ليقول:
– بقولك إيه يا شاطر .. فين بيت الأستاذ عامر؟
فيجيبه الولد: أنت عايز الريس عامر؟ هو في القهوة هناك.
يوسف بمودة مزيفة:
– لا أنا عايز بيته.. بيت والدته.
ثم يقوم بإخراج ورقة نقدية يعطيها له.. ليتشجع الصبي لإدلائه بالمعلومات.
***
– ها يا حاجة اتفقنا؟ قالها يوسف لأم عامر التي ظهر على وجهها السعادة من حديث يوسف لتقول:
– أيوه يابني عندك حق.. خلاص اتفقنا.
يوسف بوع
أنا كنت خايفة عليكي منهم.
صفا بتساؤل:
– خايفة عليا أنا؟
لتجيبها غزل وتقوم بقص عليها تهديد يوسف لها.
***
يوسف يقف أمام البيت وبيده هاتفه يحدث شخصًا ما يقول:
– اتصلي بيها خليها تنفذ اللي اتفقنا عليه.. ضروري النهاردة.
***
يجلس وهي بين أحضانه يحاول تهدئة نوبة البكاء التي أصابتها عند رؤيته. وعندما شاهدت نظرة اللوم في عينيه فقدت قناع تماسكها التي كانت ترتديه. ليقول بصوت رجولي يشوبه بعض الغضب:
– خلاص إهدي.. أنا مش زعلان منك دلوقت.. أنا كنت فاكر إنك تخليتي عنا وسبتينا عشان الفلوس والحياة الجديدة بس إنتِ غلطانة. إزاي تسمحي للكلب ده يهددك؟ وإزاي متحكيليش؟
غزل بضعف:
– خوفت على ماما وخوفت عليك.. مش عايزة أكون السبب في قطع عيشك وأخسرك شغلك.
محمد بهدوء:
– خلاص اللي حصل.. كل شيء مكتوب. المهم إنتِ تكوني كويسة وسعيدة. بس بردوا زعلان منك. إزاي تفسخي خطوبتك من عامر من غير ما ترجعيلي؟ في حاجة مش مظبوطة.. فجأة كدة بقيتي مش عايزاه.
غزل تعتدل في جلستها وتحاول ترتيب خصلاتها بتوتر:
– خلاص يامحمد.. كل شيء نصيب.. وأنا نصيبي مش مع عامر.
محمد بتأثر:
– الراجل شكله مش طبيعي من ساعتها.. ده أنا سمعت إنه هيقفل القهوة ويسافر.
غزل بحزن:
– هيسافر! ربنا يوفقه مع حد أحسن مني.. أنا هطلع أشوف ماما راوية وتقي عشان وحشوني أوي.
***
تدخل عليه حجرته يتألم قلبها على ابنها البكري الوحيد التي كانت تسعى بكل الطرق تذلل له العقبات حتى يعيش في سعادة دائمة. فهو سندها بعد وفاة أبيه في هذه الحياة. هل أخطأت عندما أرادت اختيار زوجة مناسبة من وجهة نظرها؟ شردت في يوم حضور ذلك الشخص الثقيل على قلبها. كان يظهر عليه الثراء الشديد ليجلس أمامها رافعًا ساقه فوق الأخرى ليعقد معها اتفاق.
وكان هذا الاتفاق يأتي على هوى نفسها. لقد كانت مكشوفة لذلك الغريب أنها ترفض هذه الزيجة. ونجح في اللعب على هذا الوتر الحساس.
ليتفقا كلاهما أنها تذهب لغزل وتقوم بإثنائها عن هذه الخطبة وهي ما قصرت بهذا. قامت بإلقاء كلماتها السامة على الفتاة بأنها لا يشرفها أن تكون مثلها زوجة لابنها الوحيد بسبب ظروفها الصحية وإعاقتها. واللغط في نسبها وأنها تريد لابنها فتاة كاملة غير مشكوك بنسبها. واتفقت معها أن تقوم هي بفسخ الخطبة حتى لا يحدث صدع بينها وبين ابنها. ولكن ما لم تعلمه أن ابنها سيعزم على ترك مال أبيه والسفر خارج البلاد وتركها هي شخصيًا.. لتحصد ما جنته يدها.
***
– وحشتيني يا تقى.. كده المدة دي ماتسأليش عني.. ده إنتِ أختي الوحيدة.
قالتها غزل وهي تجلس أمام تقى بحجرتها على فراشها.
تقى بمشاعر مزيفة:
– والله ياغزل أنا كنت زعلانة إنك سبتيني ورحتي تعيشي هناك.. قولت الحياة الجديدة حلت في عينها وباعتنا.
غزل:
– أبداً والله.. أنا اليوم بيعدي عليا هناك كأنه سنة.. متتخيليش مخنوقة قد إيه منهم.. وخصوصًا اللي اسمه يوسف ده.
لتتبدل تقى عند سماع اسمه وتشعر بالغيرة عليه من غزل وتقول:
– هو إنتِ وهو بتتكلموا كتير مع بعض؟
غزل باختناق:
– قولي بنتخانق كتير.. ده بني آدم بارد ومعندوش إحساس وقليل الأدب.. ووقح.. حتى ريحته مش بطيقها.
تقى بتساؤل:
– ليه؟ هو صدر منه حاجة؟
فتلاحظ ارتباك غزل وصمتها. فجاءتها الإجابة بدون كلام. لتقول بحقد لم تلحظه غزل:
– عمومًا خلي بالك منه.. عشان هو مش سهل خالص.. وخليكِ قوية قدامه ومتسمحيش ليه ياخد حقك.. لإني حاسة إنه مش هيقبل أي حد يشاركه في ماله.. أقصد مال أبوكي.
غزل بضيق:
– أنا مش عايزة حاجة منهم.. الفلوس مش مهمة عايز ياخدها.
تقى:
– إنتِ عبيطة صح؟ عشان هو بيخطط إنه يسرقك وإنتِ تقولي ياخدها؟
غزل:
– أنا كل اللي عايزاه إنه يتقهر زي ما قهرني.. وميشوفش يوم عدل.. ولو الفلوس هي اللي هتقهره أوعدك هعمل كل جهدي إني أذله وأخليه شحات.. بس للأسف مش هقدر أعمل كده.. أنا هسيبه للي خلقه.
لتبتسم تقى بخبث شديد وتقول:
– لا أنا كده مأخافش عليكي.. تعالي في حضن أختك.
لتربت على شعرها وتمرر أصابعها في خصلات شعر غزل أكثر من مرة وعلي وجهها ابتسامة لا يعلم سببها أحد إلا هي.
***
تقول بحقد ظاهر وهي ممسكة بهاتفها:
– سمعت بودانك الهانم بتخطط لإيه؟
وقف بوجه أسود غير مصدق لما سمعه من هاتف ملك. لقد أرسلت لها تقى تسجيل بصوت غزل وهي تقوم بالسب فيه ونعته بأبشع الصفات وتتوعد له بأن تذله بالمال وحذفت باقي الحديث. لقد صدقت ملك وتقى في حكمهم عليها.
ليقول بصوت غامض:
– قولتيها اللي طلبناه منها عملته ولا؟
ملك:
– أيوه حصل وعايزة تقابلك بنفسها تسلمك الأمانة في إيدك وبتقول مش عايزة حد يشوفها.
يوسف بخبث ظاهر:
– تمام.. ابعتيلي رقمها وأنا هتفق معاها على المكان والزمان.
رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل العاشر 10 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر
تقول بحقد ظاهر وهي ممسكة بهاتفها:
- سمعت بودانك الهانم بتخطط لإيه؟
وقف بوجه أسود غير مصدق لما سمعه من هاتف ملك.. لقد أرسلت لها تقى تسجيل بصوت غزل وهي تقوم بالسب فيه ونعته بأبشع الصفات وتتوعد له بأن تذله بالمال.. وحذفت باقي الحديث.. لقد صدقت ملك وتقى في حكمهم عليها.
ليقول بصوت غامض:
- قولي لها اللي طلبناه منها عملته ولا؟
ملك:
- أيوه.. حصل وعايزة تقابلك بنفسها تسلمك الأمانة في إيدك وبتقول مش عايزة حد يشوفها.
يوسف بخبث ظاهر:
- تمام.. ابعتيلي رقمها وأنا هتفق معاها على المكان والزمان.
***
- غزل ردي عليا.
- أنا عايزك ضروري.
- طيب قوليلي إيه صدر مني عشان تبعدي عني.. أنا مستعد لو غلطان في حقك أصلح غلطي اللي مش عارفه.
- أنا هتجنن من ساعة ما سبتيني.. ومش عارف عملت إيه عشان تسيبيني.
- أنا دايماً بحاول أكون سند ليكي.. ليه تقسي عليا كده؟
العديد والعديد من الرسائل على هاتفها ليس لديها الشجاعة لمواجهته بحقيقة الأمر كيف تعترف له بأن والدته كانت محقة في رأيها بها.. رغم حزنها وضيقها منها إلا أنها تعترف أن لديها كل الحق.. كيف هي تطمع في شخص كعامر شاب يستحق أفضل الفتيات.. يكفي حنانه الذي كان يغمرها به.. لا تعرف كيف أتتها الجرأة بإرسال خاتم خطبتها مع أمه له لتنهي هذه الخطبة وتحرره من قيوده مع اعتذار شخصي منها.
يقطع تفكيرها رسالة جديدة منه يطلب منها الرد عليه ليطمئن عليها فقط لا غير.
تشجعت لمسك الهاتف لتكتب رسالة قصيرة له تقول:
- عامر.. أنا كويسة وبخير.. أنا آسفة جداً للي حصل مني بس صدقني ده أحسن لينا إحنا الاتنين.
لتتفاجأ باتصال ملح منه.. فتفتح الخط بألم يسري بقلبها وعند سماع صوته من كبر الصوت لم تستطع السيطرة على دموعها لتسري فوق وجنتيها وتحاول التقاط أنفاسها وتقول بصوت مختنق:
- أيوه ياعامر.
فتسمع صوت تنهيدة قوية يقول:
- أخيراً ياغزل حنيتي عليا ورديتي.. بقالي شهر بحاول أكلمك! صارحيني إيه الغلط اللي عملته عشان تفكي الخطوبة.. يعني بعد ما صدقت إن صوتك رجعلك وقولت خلاص هنام وأقوم على سماع صوتك تحرميني منه؟
تقول بصوت مبحوح:
- أنت معملتش حاجة.. ولا عمرك عملت حاجة المشكلة مش فيك صدقني.
عامر يستقيم من جلسته يشعر ببعض الأمل:
- مدام المشكلة مش فيا ليه تبعدي يابنت الناس وتعذبيني وتعذبي نفسك.
غزل محاولة السيطرة على بكائها:
- ده نصيب ياعامر وصدقني أنت تستاهل حد أحسن مني بكتير.
عامر بضيق:
- وأنا مش عايز غيرك ياغزل.. ومفيش حد أحسن منك بالنسبة لي.
غزل:
- ده بالنسبة لك بس.. عموماً خلاص ياعامر مبقاش فيه فايدة.. أنا بس فتحت عشان عرفت من محمد إنك مسافر فحبيت أودعك واعتذر لك لو كنت جرحتك.. وسامحني.
عامر بلهفة قبل أن تغلق:
- غزل.. اسمحيلي أبقى أطمن عليكي حتى برسالة.. ياريت تطمنيني عليكي دايماً.
غزل بامتنان:
- حاضر.. ربنا يكتب لك الخير مع السلامة.
تغلق الهاتف وتستند بظهرها فوق الفراش غافلة عما يسترق السمع من خلف بابها وتعلو على وجهه ابتسامة خبيثة لما آلت له الأمور.
***
تقف أمام باب الشقة تأخذ نفساً عميقاً بتوتر لا تعرف هل من الصواب ما تفعله أم هو نوع من التهور غير محسوب النواتج كل ما تفعله أنها تحاول أن تذلل عقباتها للوصول لغاياتها في أسرع وقت.. كل شيء يهون من أجل الوصول إليه.. ترفع يدها تضغط على جرس الباب.. وتنتظر فتحه بأعصاب محترقة.. لتجد الباب يفتح ويظهر من خلفه بابتسامته الساحرة وأناقته المهلكة لها وارتدائه إلى قميص أزراره العلوية لمنتصفه مفتوحة يظهر صدره بطريقة مهلكة لها وسروال يحدد جسده.. فتسمعه يقول قاطعاً تأملها:
- أهلاً وسهلاً اتفضلي.
تدفع ساقيها للدخول وتمرر نظرها حول جوانب شقته الخاصة فعندما طلبت مقابلته كانت حريصة ألا يكون بالشركة أو أي مكان يمكن رؤيتهما فيه.. لتجده يعرض عليها مقابلته في شقته الخاصة بعيداً عن الأنظار.. فتسمعه مرة أخرى يقول:
- تحبي تشربي حاجة؟
لتهز تقى رأسها بخجل تقول:
- لا شكراً.
فيشير لها بيده باتجاه الأريكة لتجلس عليها:
- تعالي اقعدي.
تجلس بتوتر وتلقيه بنظرات هائمة مكشوفة له بسبب خبرته بالجنس الناعم لقد علم من البداية رغباتها.. فسّهل عليها الطريق حتى يعلم حدود نهايتها معه.. ليقول بصوته الأجش:
- طلبتي نتقابل بعيد عن الناس عشان في أمانة معاكي تخصني.
تقى بهمس:
- أيوة الأمانة معايا زي ما طلبت.
يقترب منها أثناء جلسته مراقباً إياها وهي تخرج كيساً بلاستيكياً به عدة شعرات وتقول:
- اتفضل.
ليقول بخبث:
- أنا الحقيقة ماصدقتش إنك ممكن توافقي على طلبي إنك تجيبي شعر من غزل.. عشان أطلع الـ DNA.
تقى بهيام:
- أنا أعمل أي شيء عشان خاطرك.. أقصد خاطركم.. وأكيد من حقك تتأكد غزل بنت عمك أو لا.
يوسف ببرود واضح:
- بس أنا شايف إنك كنت ممكن توصلي الحاجة دي لملك.. م
وهتفضل معايا.
– ليه؟
قالتها غزل بضيق ليجيبها بصدق:
– أنا يعتبر دلوقتي مسؤول عنك بعد عمي طبعًا. لازم أوراقك تكون معايا. ولولا إني مش عايزك تتحركي بدون إثبات شخصية كنت أخذت بالبطاقة كمان.
تشعر بالضيق من محاصرته لتقول لتنهي الحوار:
– زي ما تحب، عن إذنك.
يمنعها من الانصراف قائلاً:
– عايزك معايا شوية، تترجمي حبة أوراق، ممكن؟
تهز رأسها بالموافقة لعلها تخلص منه.
***
– أنت مبتردش عليا ليه يا تقى؟ أنا زعلتك في حاجة؟
قالتها ملك بلوم للأخرى، فتجيبها بحزن:
– أبدًا يا ملك، مافيش حاجة. تعبانة شوية.
ملك بعدم اقتناع:
– لا يا تقى، أنا حاسة إنك متغيرة جدًا، مبقتيش زي الأول، بتكلمي ونشطة. من ساعة اتفاقنا على العقربة اللي في البيت عندي.
تقى بسخرية:
– عقربة! تخيلي يا ملك إن مافيش عقربة غيري.
العقربة اللي تغدر بأقرب الناس ليها، اللي تقابل الحسنى بالإساءة. كل ده عشان إيه؟ عشان حبة أوهام.
نصيحة يا ملك، بعد كده لما تتكلمي معايا عن غزل، اتكلمي باحترام لأنها أختي.
ملك بذهول:
– تقى أنت شاربة حاجة؟ دي غزل اللي كانت بتخطط زي ما قولتي، اللي مخططة تطردنا من حياتنا؟
لم تستطع تقى الدفاع والتبرير. كيف ستقول أنها من تلاعبت بالتسجيل الصوتي لغزل ليظهر لهم مدى عداوتها وخبثها، وأنها من بثت سمها في نفوسهم؟ فليسامحها الله.
***
يدخل من باب الفيلا مناديًا بصوته الجهوري على هناء وبيده بعض الملفات. فبعد ذهابه للشركة اكتشف عدم وجود هاتفه والملفات المطلوبة ليعود مرة أخرى لجلبهما. ليلاحظ هدوءًا مريبًا بالمكان.
هناء مهرولة تجيبه:
– نعم يا يوسف بيه.
يوسف بتعجب:
– هي ملك وغزل فين؟
لتجيبه برسمية:
– ملك هانم راحت الجامعة، وغزل هانم راحت النادي.
ليقف مصدومًا مما سمعه. لقد نبهها من قبل بعدم التحرك إلا بصحبة أحد منهم ليقول:
– إيه؟ نادي! راحت مع مين النادي؟ وهي هتعرف تدخل إزاي ومين وصلها؟
لتجيبه هناء:
– أنا ماليش علم بحاجة. هي الهانم راحت مع السواق، معرفش غير كده.
ليصرخ بها للانصراف من أمامها ويقول بين أسنانه:
– يومك مش فايت يا غزل.
***
تجلس على أحد المقاعد تفرك يدها، تضع على عينيها النظارة الشمسية أمام من يراقب ملامحه بهيام واضح، فيجلّي صوته:
– أنا سعيد إنك وافقتي تقابليني قبل ما أسافر. ماتعرفيش الموضوع ده هيفرق معايا قد إيه.
غزل بارتباك:
– أنت تستاهل كل خير. وأنا كمان كنت عايزة أشوفك قبل ما تسافر عشان أشكرك على كل حاجة عملتها معايا، وأتأكد إني دائمًا هدعيلك ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تستاهلك.
عامر بأمل:
– مافيش غيرك يستاهلني يا غزل.
فيلاحظ تبدل ملامحها الحزن، فقرر أنه لن يضغط عليها أكثر من ذلك. ليقول بمحبة:
– كان في حاجة اشتريتها وكنت ناوي أديها لك قبل فسخ الخطوبة وحابب إنك تاخديها.
لتلاحظ مسكه لحقيبة هدايا كبيرة يخرج منها دمية شقراء تشبهها كثيرًا، فيكمل عندما لاحظ صمتها:
– عارف إنها هدية بسيطة بس أول ما شفتها افتكرتك.
لتقول بامتنان:
– حلوة أوي. أنا حبيتها. أنا هخليها معايا على طول.
فيبتسم لطفوليتها قائلاً:
– عايز أطلب منك طلب، إنك تبعتيلي رسالة تطمنيني فيها على نفسك دائمًا. وأنا كمان هبعت لك، ممكن؟
تهز رأسها بالموافقة فتسمعه يقول برجاء:
– طيب ممكن تشيلي النضارة من على عينك؟ عايز أشوف عينك لآخر مرة، ممكن؟
فيمد يده اتجاهها يحاول إزاحة هذه النظارة إلا أن يده توقفت في منتصف الطريق عندما قبض على معصمه بشدة وصوت غاضب يقول:
– إيدك لو اتمدت ناحيتها هكسرهالك. بيتهيألي أنت دكتور وأيدك تهمك. وأنت يا هانم ما تريحي الدكتور، يلا ووريه عيونك اللي هيموت ويشوفهم.
لتنتفض نتيجة ما حدث وتجد يوسف يمسكها من ذراعها بقوة آلمتها. يساعدها على الوقوف لتتعثر في وقفتها وهو يقول:
– أما أنت فلينا كلام لما نرجع.
ليقول عامر بغضب:
– سيب إيدها يا حيوان أنت. وربي لو أذيتها ما هرحمك.
يلقيه يوسف بلكمة لكمة قوية سالت الدماء على آثارها، وقبل أن يتدارك فعلته قام هو بجرها من ذراعها مع اشتعال غضبه لتتعثر أثناء مشيها وتسقط على ركبتها أكثر من مرة أثناء جره لها من ذراعها ليلقيها بالسيارة بغضب.
***
تجلس منكمشة تحتضن هدية عامر مع بكائها المستمر على ما حدث، لتنتفض إثر صرخة غضب قوية موجهة إليها يقول:
– اخرسي. مش عايز أسمع صوتك.
فيزداد بكائها بانهيار مع احمرار وجهها ليقول بغضب:
– من امتى وأنت مستغفلانا وبتقابليه؟ مش الحيوان ده فسختي خطوبتك منه؟ بتقابليه ليه؟ نطقي!
فيزداد بكائها ليتحول لنحيب ليقول بصراخ:
– تمثيل مش عايز. وفري عياطك لحد ما نروح.
بعد لحظات قليلة.
لاحظت توقف السيارة بجانب الطريق ليحاول تمالك أعصابه فتسمعه يقول من بين أسنانه دون النظر لها:
– فيه إيه بينك وبينه يخليكي تقابليه رغم إنك فسختي خطوبتك منه؟ في حاجة حصلت بينكم؟
لتعقد حاجبيها غير مستوعبة سؤاله لينظر لها بحدة يمسك شعرها من خلف رأسها بقوة فتصرخ متألمة ويقول بهسيس:
– لمسك؟ انطقي. سلمتيه نفسك. اتكلمي.
لتهز رأسها بصدمة من اتهامه تقول:
– أنت حيوان؟ إزاي تتهمني بحاجة زي دي!
فتقع عينه على الدمية التي تحتضنها بقوة فيجذبها منها ليقول:
– هو اللي جايب البتاعة دي؟
لتهز رأسها بخوف فيحرر شعرها ويقول:
– هو في واحدة محترمة تقبل هدايا من واحد غريب عنها إلا لما يكون في بينهم حاجة مش مظبوطة.
لتشاهده يلقي بدميتها من نافذة السيارة لتصرخ بوجهه:
– حرام عليك. سيبهالي. ارجوك.
ليصفعها بقوة حتى يخرسها فترفع كف يدها تلامس صفعته على وجهها بقهر:
– أنا بكرهك. بكرهك.
***
ينام فوق فراشه عاري الصدر مرتديًا بنطاله القطني كعادته مشعث الشعر في غرفة مظلمة. يشعر بفتح باب الحجرة بهدوء وإضاءة مصباحه الجانبي، ويسمع صوت خطوات خفيفة تدل على خفة صاحبها ثم يشعر بوزن خفيف يجلس بجوارها وكف صغير ناعم يلامس ظهره العاري فتسير كهرباء بجسده ويسمع صوتها الرقيق يهمس مناديًا:
– يوسف! يوسف.
ينتفض من نومته جالسًا أمامها ليعقد حاجبيه يقول:
– غزل؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ فيكي حاجة بتوجعك؟
فتخفض رأسها ويختفي بين خصلاتها. ويمد يده يكشف عن وجهها فيرى آثار ضربة لها على وجنتها. ليُمرر إبهامه فوق هذه العلامات بندم:
– أنا آسف. إني مديت إيدي عليكي.
ترفع عينيها الدامعتين مع ارتعاش شفتيها نتيجة البكاء الصامت تقول:
– أنت وجعتني أوي.
يقترب أكثر منها لتلقحه أنفاسها ويهمس لها:
– آسف. أرجوكي تسامحيني. أنا كنت هتجنن لما لقيتك قاعدة معاه.
ليصمت بضع لحظات متأملها فيقول:
– أنا بحبك. بحبك يا غزل.
فيجدها تغمض عينيها مستسلمة لأنفاسه ولمسته ليقتنص منها قبلة حميمية تبادلتها معه بشكل غريب عليه. ليضمها بقوة ويزيد من تقبيل وجهها بعشوائية يقول:
– أنا عايزك يا غزل. محتاجك. ما تسبينيش.
فتجيبه بأنوثة مهلكة:
– أنا ملكك. ملكك يا يوسف.