بكفر عتمان الكبير. كله زي ما أمرت يا كبير. قالها أحد الرجال ذوي القامة الفارعة، والبشرة السمراء، بجسد ضخم وصدر عريض. تطلع إليه سيده ليخفض رأسه سريعا. بنظرات ثاقبة وأنفاس هادئة، قام السيد من على مقعد الملوك الذي يرثه أبا عن جد. مشهد يقشعر له الأبدان فقط من طلته الخاطفة للأنفاس. كبير ابن كبير، إسم على مسمى سند الكبير، بطول يقترب من المتران وضخامة جسد تسقط أمامه القلوب رعبا.
بشرة خمرية تميل إلى اللون الأسود اللذيذ، عيون بها سواد الليل برموش تظلل عليها بحماية، مزين إياها بكحل صحن على يد جدته خصيصاً لسند العائلة والكفر بالكامل. اقترب من رجله الأمين، فاخر، واضعا يده على كتفه قائلا بنبرة صوته الخشن بزيادة عن الطبيعي وابتسامة: قولي عملت إيه بالتفصيل يا فاخر. أومأ إليه الآخر متعجبا من ابتسامة سيده التي لا تظهر إلا وقت الكوارث، ثم أردف باحترام: كل المستشفيات والأماكن في إسكندرية رفضوا شغلها.
نزلت تدور في المحلات حتى العطارة، بس اترفضت. ودلوقتي أدامها ساعة بالكتير و توصل الكفر مع سناء. عملت زي ما جنابك أمرت، ظهرت لها وعرضت عليها الشغل في الكفر حكيمة لبيت الكبير، وهي ما صدقت. زادت ابتسامته اتساعا، بدأ شعور كبير بالراحة يغمره لاقتراب المراد. عاد ليسأل من جديد بذكائه: في حاجة عايز تقولها وخايف، قول أنا سامع. ابتلع الآخر لعابه قائلا: مش هتيجي لوحدها يا كبير، معاها الراجل اللي كاتب كتابه عليها من شهر.
لم يتعجب أو يظهر عليه أي رد فعل عنيف كما تخيل فاخر، بل ابتسامته الشيطانية جعلته يتأكد أن زوجها المسكين نهايته قريبة جداً. أبتعد سند خطوة للخلف، سامحا للآخر بالخروج من المكان. أخرج تنهيدة قوية. ها هي تعود إلى نفس المكان الذي فرت منه بليلة ممطرة، وستعود بنفس الليلة بعد عام كما أمرها. حبة الفراولة خاصته. لعبته الأكثر من ممتعة، يفصل بين اللقاء ساعات قليلة. جلس على مقعده وعينيه على نور الصباح النابع من الشرفة،
مردفا بهدوء: والله زمان يا وعد. على الصعيد الآخر بالإسكندرية. في تمام الساعة العاشرة صباحا. أغلقت باب منزلها خلفها بعدما ألقت عليه نظرة أخيرة. حملت حقيبتها وهي على يقين من اقترابها إلى الهاوية. تتطلع لباب المنزل، لا تريد الذهاب إلى مكان يجمعها به. كل ما حدث ويحدث وسيحدث من تدبيره. أخرجت أنفاسها بقلة حيلة، أغلقت كل الأبواب بوجهها ولم يبقى أمامها إلا بابه. سند الكبير، حلم حياة تحول بليلة واحدة إلى كابوس مرعب.
انتبهت إلى تلك اليد التي تحمل عنها الحقيبة، لتنظر إليه بابتسامة مردفة: مكنش في داعي يا محمد تيجي معايا وتسيب شغلك وحياتك. ضربها الآخر على مقدمة عنقها، بابتسامة مرحة تليق ببشرته البيضاء وعيونه الخضراء، كأنه أحد ممثلي أوروبا. وسيم، محب، ودود، بكل شيء مميز يأخذ من اسمه الكثير. قائلا: مجنونة أنتي، عايزاني أسيبك إنتي مراتي يا بت. يلا ادامي أنا متحمس أوي للرحلة دي. مطت شفتيها للأمام بتهكم مردفة: متحمس لإيه بلا نيلة.
تعرف يا محمد، من موقعي هذا بقولك أيامنا اللي جاية كلها هتكون بالشكولاته من كم السواد اللي هنكون فيه. يلا شيل الشنطة وتعالى ورايا لسناء تحت. بخطوات بطيئة، تقدم ساق وتعود عشرة للخلف، بدأت تقترب من السيارة الفخمة التي تنتظرها أسفل منزلها. هذه الرحلة لن تكون سوى الجحيم على الأرض. ابتسمت تلك السيدة الأربعينية لسناء بشفقة كبيرة، حاولت اخفائها قدر المستطاع. هذه الصغيرة تخطو بنفسها إلى كفر الكبير، ويا عالم ماذا سيحدث هناك.
أشارت إلى جوارها قائلة: تعالي يا وعد اقعدي جانبي هنا، وأستاذ محمد يبقى يقعد جنب السواق. نفسي أشوف اللي خطف قلبك يا بنتي. ضحكت وعد بمرح مردفة: بيجيب الشنط أصلها كتير شوية. المهم دلوقتي يا ست سناء، إن الكبير مش في الكفر مسافر زي ما قولتي، كام شهر أدبر فيهم أموري وأمشي. ارتبكت ملامح الأخرى، إلا أنها أردفت بهدوء: طبعاً يا وعد، فين بقى جوزك، عايزين نمشي. أشارت وعد إلى محمد القادم على بعد مسافة قليلة منهما قائلة:
أهو هو ده محمد يا ست سناء. ها هي سناء تأخذ أكبر صدمة بحياتها بعدما وقعت عيناها على محمد. أغلقت عينيها عدة مرات تحاول استيعاب وفهم ما تراه من هذا محمد. عودة مرة أخرى إلى الكفر. الساعة الثانية إلا ربع ظهرا. بمنزل الكبير، دلفت امرأة تخطت السبعين عاما، إلا أنها مازالت تتحلى بالجمال والصحة. السيدة حكمت، جدة سند وسيدة الكفر. ضربت بعصاها الأرض لينتفض من بالمكان. وقف الجميع انتباه، لتقول هي بقوتها المعتادة:
باقي ربع ساعة على وصول السيد سند الكبير. مش عايزة غلطة واحدة، تمنها رقبة حد فيكم. يلا همي منك ليها، خلينا نشوف ورانا إيه. الساعة الثانية ظهرا بالدقيقة، كان يجلس على طاولة الطعام بالمقعد الكبير، وبالمقابل له جدته. يأكلان وحدهما كما اعتادا، وباقي العائلة يفضلون الغذاء بوقت متأخر. نظر إلى جدته بهدوء قبل أن يبدأ طعامه بصمت. يقرأها مثلما اعتاد على قراءة الجميع، تراقبه وتعلم بخطته وربما تريد إيقافها. ساد الصمت لدقائق، حتى
قطعته السيدة حكمت مردفة: رايد إيه من بنت إسكندرية تاني يا سند الكفر كله عشان تحوم حواليها وتغصبها ترجع. ترك قطعة فخذ الدجاجة من يده، قبل أن ينظفها بالمنديل الموضوع بجواره، قائلا ببرود: كيفي كدة يا حاجة، وعد لازم تبقى تحت عيني وأمري كمان، والا المراقب بتاعك مقالش ليكي أنا رجعتها غصب زي ما بتقولي ليه. تركت الأخرى طعامها. وعد فتاة بريئة، بينها وبينه فرق مثل الفرق بين السماء والأرض، الماء والنار. تغيرت
ملامحها باعتراض قائلة: مين قالك إني براقبك، أنا هنا الكبيرة زي ما أنت الكبير يا ولد الغالي. ابعد عنها وطلعها من دماغك، أنا مش هسمح إنها تتحط وسط حريمك اللي كل ما واحدة تغلط تطلق ويبقى عقابها تعيش باقي عمرها في زنزانة تحت الأرض. كفاية ظلم بقى. تغيرت معالم وجهه بشكل مخيف، لدرجة برزت بها عروق عنقه. إلا أنه عاد إلى طبيعته باللحظة الثانية. وضع المنديل على الطاولة، قبل أن يقوم من مكانه مقبلا رأس جدته بهدوء،
قائلا بنبرة صادقة: مش سند الكبير اللي يبقى ظالم يا حاجة، بالعكس أنا بجيب حق المظلوم. ولو في واحدة من الحريم دي مظلومة، مكنش هيبقى مكانها تحت الأرض زي ما قولتي. عن إذنك. تمسكت حكمت بيده تمنعه من الذهاب. عاد بعينه إليها ليجدها تبتسم إليه بحنان وثقة مردفة: أنا عارفك يا غالي يا ولد الغالي، بس وعد لا. دي فيها روح كل اللي بنحبهم، اوعدني تبقى سند ليها زي ما أنت كدة مع الكل. وضع كفه على رأس جدته قائلا:
القرار ده في إيدها هي يا حاجة حكمت. ترك جدته ذاهبا إلى قطعة من قلبه جعلتها الأيام جسد بلا روح. دق على بابها مرتين قبل أن يدلف للغرفة. نهضت من على فراشها ليظهر جمالها الخاطف للأنفاس. بشرتها الخمرية، التي يزينها أنف صغيرة وشفتين ممتلئة بشكل ملفت، وما يزيد جمالها جمال عينيها الزيتونية الساحرة. هناك مقولة شهيرة نعرفها جيدا أن القمر لا يكتمل أبداً، وهذا هو حالها.
اقتربت من شقيقها تضمه إليها بحماس طفلة صغيرة تبحث عن الحنان والأمان، ولا تجدهم إلا معه. بدالها العناق برحابة صدر قائلا: كنتي فين الصبح، كدة أمشي من غير ما أشوفك يا همت. إنتي عارفة إن يومي من غيرك ولا حاجة صح. أومأت إليه بابتسامة مشرقة تضيء حياته، هامسة له بعتاب: همت زعلانة من سند. اتسعت عيناه بذهول مردفا: لالا همت زعلانة من سند ليه، عمل إيه الوحش ده. ابتعدت عنه قليلا مشيرة إلى دميتها الصغيرة والدموع تكاد تسقط منها،
قائلة بنبرة متقطعة: همت الصغيرة عينيها طلعت النهاردة يا سند. حاولت أعالجها معرفتش. قعدت أعيط واستنى فيك عشان أنت تعالج عينيها، بس برضو أنت مجتش. أزال دموعها ثم قبل رأسها عدة مرات متتالية، آخذا منها الدمية هامسا: حقك عليا، كان عندي شغل. هاتي همت الصغيرة أعالج عينيها، على ما همت الكبيرة تأكل وتنـام شوية. عصرا.
على الباب الرئيسي لمنزل الكبير، كانت تقف السيارة التي تحمل وعد مع محمد والسيدة سناء، التي تنظر إليهم طوال الطريق بلا كلمة واحدة، فقط مذهولة. خائفة من القادم، وها هم على بعد خطوة واحدة من سند الكبير. حملت حقيبتها، إلا أن يد محمد سبقتها بحملها قائلا: عيب في حقي لما أبقى شحط كدة ومراتي تشيل شنطتها. قوليلي أدخل الشنط دي فين يا ست سناء. انتبهت سناء على نفسها أخيرا واستجمعت قوتها مردفة:
أنت هتقعد في بيت الضيوف اللي في الجنينة، أما وعد هتدخل البيت الكبير، ولما تعملوا فرح تبقى معاك. أومأ إليها بترحاب، قبل أن يأخذ حقيبته، تاركا حقيبة وعد مع الحارس، متجها إلى شقته الصغيرة. عند وعد. بعد عشرة دقائق، دلفت وعد إلى غرفة الضيوف الموضوعة بالدور الأرضي. أغلقت الباب خلفها تحاول أخذ أنفاسها، خائفة إلى درجة الرعب. تشعر به قريبا منها بطريقة غريبة. ألقت الحقيبة على الفراش، مستخرجة منها ملابس بيتية ثقيلة،
وهي تقول بضياع: إيه يا وعد، أهدي. سند مش هنا، مسافر. يمكن حاسة بيه لأنك في بيته، بس هو في الحقيقة مش هنا. خدي نفس عميق وكوني قوية. دلفت للمرحاض، رغم برودة الجو، قررت الاستحمام بماء بارد حتى تعود إلى قوتها ورشدها من جديد. بعد دقائق، وضعت روب الحمام على جسدها الذي يكاد يطلب النجدة من الثلج. ثم خرجت. وقفت أمام المرآة تزيل المنشفة عن خصلاتها البنية المموجة، مجففة إياها قائلة:
وبعدين بقى في اليوم ده، معقول أكون خايفة منه لدرجة إني بتخيل أنه واقف ورايا. سقط المشط من كفها مع شعورها بأنفاس ساخنة تلفح عنقها، ورنين صوته الخشن يأكل أذنيها بابتسامة أقل ما يقال عنها قاتلة: مش تخيل يا وعد، ده حقيقة. إنتي مش بس جوا بيتي، أنتي كمان جوا أوضة نومي ولابسة روب الحمام بتاعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!