في غرفة وعد… انتبهت على صوت الباب لتقوم من تلك الدوامة التي غرقت بها بالماضي. قامت من مكانها بثقل تزيل أي أثر لدموعها ثم فتحت الباب. ابتسمت إلى تلك المرأة التي لم ترى منها شر أبداً رغم شدتها وقوة شخصيتها. بحنان أم فتحت لها ذراعيها لتلقي بنفسها داخل أحضانها تود أن تشعر بالقليل من الأمان بين أسوار هذا البيت المخيف. حركت السيدة حكمت كفها على خصلاتها قائلة: _ليكي وحشة يا وعد، بقى كدة تنسي جدتك حكمت سنتين كاملين…
أغلقت وعد عينيها ثم أخذت نفس عميق قبل أن تقول بحزن طفيف: _حقك عليا يا تيتة بس صدقيني كدة أحسن ليا وليكم إحنا مش شبه بعض… أخذتها السيدة حكمت من كفها ودلفت بها للغرفة مغلقة الباب خلفهما. ثم جلست بجوارها على الفراش لتنام الأخرى على صدرها. ابتسمت العجوز قائلة بعتاب: _قلوبنا كلنا اتعلقت بيكي حتى قلب سند، ليه يا بنتي البعد، ليه فتحتي باب جهنم على نفسك؟؟ سند مش بيكره في حياته قد الكذب والغدر… قالت بقهر:
_الوجع مش ليكم بس كان ليا أنا كمان، وجودي من البداية في الكفر ده كان غلط كبير. الكبير كان عايزني أبقى جارية له يعمل فيها كل حاجة وكمان تبقى أرنبة كل يوم عيل، أنا مستحيل أعيش الحياة دي مع واحد مفيش جوايا له أي مشاعر… بمكر قرصت السيدة حكمت وجهها ثم قالت بعيون خبيرة: _من امتى فينا بنكدب يا وعد، بقى عيونك اللي كانت بتطلع قلوب عمرها ما حبت سند عليا أنا الكلام ده؟! … يا بنتي ليه مصممة تتعبي قلبك وقلبه وقلوبنا كلنا معاكي…
هربت بعينيها منها هامسة بتوتر: _كان وقتها انبهار كبير من شخصيته.. وقتها كنت هبلة وأول مرة أشوف شخص كدة بس أنا خلاص كبرت وفهمت، تيتة أنا عايزة أمشي أنا وجوزي من هنا من غير غدر سند أو مشاكل منه، الكلام فات أوانه أنا دلوقتي ست متجوزة لو فعلاً ليا مكانة عند حضرتك.. ساعديني أمشي من هنا… أومأت العجوز بصمت. معها حق عن أي حب تتحدث والأخرى تزوجت وانتهى الأمر. الصرخات الآتية من الأسفل جعلتها تنتفض لتفتح الخادمة الباب
بلا سابق إنذار صارخة: _الحقي يا ست الناس… وقفت السيدة حكمت مستندة على عصاها قائلة بقوة: _في إيه يا بت اخلصي… ابتلعت الخادمة ريقها قائلة برعب: _الست همت نزلت الجنينة من غير ما نحس بيها والغفر جابوها من شوية بتبكي وتصرخ، والغفير بيقول إن جوز الست وعد كان معاها وهو السبب في اللي حصل ليها وسيدي سند أمر بحبسه في المخزن…
سقط قلبها أرضاً، سند يلعب معها بزوجها الذي ليس له دخل بأي شيء يحدث. نظرت إلى السيدة حكمت التي كل ما يهمها الآن حفيدتها فقط، قائلة بغضب: _مش قولتلك يا تيتة حفيدك ناوي على غدر، أنا مش هسمح له يقرب من محمد ده على جثتي… تركتها السيدة حكمت ونزلت إلى محل وجود همت لتنزل هي الأخرى لتطمئن على همت وترى هذا اللعين. اقتربت من همت قائلة بلهفة: _همت يا حبيبتي مالك… ابتعدت همت عنها برعب لتتعجب هي من الموقف إلا أن جدتها قالت
بهدوء وهي تضم حفيدتها: _معلش يا وعد همت تعبانة ومش فاكراكي عشان كدة خافت منك، اهدي بقى يا قلب جدتك… تركت وعد المكان متجهة إلى غرفة المكتب، لن تترك زوجها بين يدي سند الكبير. *** بغرفة المكتب… فتحت الباب بلا سابق إنذار، ليظل على حاله يتابع الأوراق أمامه بهدوء. اقتربت منه بغضب أعمى ثم ضربت على المكتب بقوة صارخة: _مالك ومال جوزي يا كبير عايز منه إيه؟!
إلى هنا و انتهى هدوءه المزيف. ألقى القلم من بين أصابعه على الأوراق وأزال نظارته الطبية ثم قام من مقعده وعينيه عليها يتابع رد فعلها. نزل بصره إلى صدرها الذي يعلو ويهبط ليعود لوجهها الذي يطلق منه نيران نارية. بأقل من ثانية كانت محصورة أمامه والفاصل بينهما خطوتين قائلاً بنبرته الحادة: _عيدي كلامك تاني يا دكتورة عشان كنت مركز في شغلي مش في الطريقة الهمجية اللي دخلتي بيها…. لا تنكر توترها وخوفها من نظراته إلا
أنها حدقت به بتحدي قائلة: _لأ سمعت كويس يا كبير بس مش عايز ترد، الكلام مش جاي على هواك، وآخر حاجة تهمني إن الكلام ييجي على هواك أنا عايزة جوزي وبس يا سند… شهقت بألم من ضغط كفه على فكها وكفه الآخر يقيد شفتيها. لمعة عينيه مرعبة كأنها ألقت عليه قطعة من النيران أصابته بمنتصف وجهه، يحترق من نظراتها وحديثها الذي يأكله بلا رحمة. حرك وجهه يمينا ويسارا ثم همس بفحيح:
_كلمة سند الكبير على رقبته، وأنا بقولك لو عايزة لسانك يبقى بين ايديك انطقي كلمة جوزي دي تاني، أدفنك وآخد العزا قبل ما غيري ينام جانبي على سرير واحد…. كلمة سند الكبير سيف على رقبته لو خرجت منه سيفعلها لو روحه بها. حاولت التحرر من بين يديه إلا أنه ضغط عليها أكثر لتصرخ بقوة: _ابعد ايدك عني أنت بتوجعني… ابتسم إليها بملامح مخيفة قائلاً: _ما أنا عايز أوجعك يا روحي، اتوجعي وخافي يا وعد عشان تقدري تعيشي…
رفعت عينيها لتقابل عينيه. كلمات لم يقدر اللسان على قول كلمة منها قالتهم العين. إلى أين سيصل معها لا يعرف ولا يود أن يعرف. تعلق بها لتأخذ عينيه جولة رائعة على وجهها الجميل. سحرها البسيط يجذبه ويجعل بداخله رغبة مميتة بتذوق تلك الفاكهة المحرمة. حبست أنفاسها وشعرت بالتعري أمام عينيه التي تأخذ منها ما يريد صاحبها. بللت شفتيها الجافة بطرف لسانها قبل أن تقول بتوتر: _مش عيب على الكبير أما يبقى نفسه في حاجة مش بتاعته؟!
ابتسم لها بخبث وهو مازال كما هو مردفاً بنبرة لعوبة: _لأ مش عيب خصوصاً لما تبقى الحاجة دي مكتوب عليها مباح للجميع، بس مش الكبير اللي يدوق حاجة خارجة من بوق غيره… أصابها الغضب، قدر بكل جدارة على كسر قطعة من روحها. ترقرق الدموع بداخل مقلتيها بكبرياء أنثى مقهورة إلا أنها ردت عليه بجمود:
_صدق اللي قال البجاحة ليها ناسها، الحاجة اللي خارجة من بوق غيرك دي نفسها هي اللي بتجري وراها، لآخر مرة بقولك سيب جوزي بدل ما أبلغ عنك.. البلد دي فيها حكومة يا كبير… ابتعد عنها وعاد للجلوس على مقعد مكتبه يباشر عمله. الكلمة تردها ألف كلمة مع أنه لا يريد منها إلا الصمت. هو مغلول من اسم هذا اللعين الذي تحمله من المفترض أن تحمل اسمه هو. منذ متى يريد امرأة ولا يقدر على الحصول عليها؟!
جن جنونها من بروده لتأخذ الأوراق من أمامه بحركة جنونية وتلقي بها على الأرض صارخة: _بطل البرود ده بقولك جوزي فين يا سند، محمد ملوش علاقة بأي حاجة حصلت في البيت ده من سنين، لما أكلمك تبص وترد عليا فاهم… رفع حاجبه بتساؤل كأنه يقول لها “حقا”. سند ظهره على المقعد واضعا ساقا على الآخر قبل أن يشير لها على باب الغرفة قائلاً بصرامة:
_قولتلك خافي على لسانك بس شكله عامل ليكي مشاكل وعايزة أقطعه، أخرجي برة حالا بدل ما أنولك المراد وتعیشي الباقي من عمرك خرسة… _و لا يهمني أعلى ما في خيلك أركبه، مش هسكت على…… اااااه… قالتها وهي تشعر بعدم لمس ساقيها للأرض. حملها على ظهره صاعداً بها إلى غرفته وسط صريخها الذي لم يعطي لها أو له أي اهتمام. وصل للغرفة ليدخل بها ويغلق بابها بقدمه. ألقى بها على الفراش لتصرخ بألم قبل أن تقول:
_إيه الهمجية والجنان ده، أنت فاكر بالطريقة دي مش هاخد حقي… سحب الحزام من على خصره ضارباً به الفراش بجوارها مردفاً بتحذير: _مش لما أعمل ليكي حاجة ابقي خدي حقك، مش هقفل عليكي الباب بالمفتاح، بس عايزك تخرجي من باب الأوضة دي ووقتها اياكي تلومي حد إلا عنادك وغبائك، فاهمة… مازال يرى لمعة التحدي ليعطي لكفها الموضوع على الفراش ضربة خفيفة ثم قال بصرامة أشد: _فاهمة عايز أسمع ردك…
لأول مرة تشعر بالعجز وقلة الحيلة أمامه هو. لأول مرة تعلم أنها بلا سند أو يد تمسح دموعها وتربت على ظهرها. ابتلعت ريقها بقهر وحسرة هامسة بنبرة متقطعة: _فاهمة مش هخرج، بس خرج محمد بلاش تسبب له أي أذى بسببي هو ملوش أي ذنب، بلاش تزيد على ظلمك لكل الناس ظلم… شعر بنشوة لذيذة مع نطقها لإسم غريمه بلا كلمة زوجي. أزالت الملكية وهذا يرضي ما بداخله. ارتدى حزامه مجيباً ببرود قبل أن يخرج من الغرفة:
_اسمعي الكلام ولما أبقى مزاجي رايق ممكن أخرجه، مش بس من الحبس تحت لأ ممكن كمان من البيت كله على رجله سليم وده انجاز عظيم…. *** بعد عدة ساعات… بمخزن بالبيت…
يعلم أن نهايته على يد وعد بيوم من الأيام. من ليلة أمس وهو ملقى بتلك الغرفة التي لا يرى بها حتى بصيص نور من الشرفة. ماذا فعل لكل هذا لا يعرف. تنهد بعمق مع إغلاق باب المكان وراء أحدهم. أمامه احتمالين الخروج أو القتل وبكلا الأحوال ستكون نهاية هذا السجن. جلس من دلف على أحد المقاعد فقال بسخرية: _منور يا أستاذ محمد.. أجابه الآخر بمرح متوتر: _منور إيه يا باشا أنا مش شايف حاجة هو هنا مفيش نور على الأقل نتعرف على بعض…
أردف سند بضيق: _لأ في بس أنا مليش مزاج له، خلينا نتكلم مع بعض شوية في هدوء، قولي بقى مالك ومال الهانم الصغيرة قربت منها أصلا ليه؟! بالبداية لم يعرف من هي، إلا أن طيفها الرائع مر أمام عينيه ليبتسم بشكل تلقائي مثل الأحمق قائلاً: _هي جت وطلبت مني ندور على عروستها همت الصغيرة قعدت أدور معاها ولما فقدت الأمل قولتلها هجبلك واحدة جديدة فضلت تصرخ لحد ما لقيت رجالتك جايين بيا هنا من غير أسباب…
تعجب سند من حديثه هل شقيقته ذهبت إليه بنفسها رغم أنها تخاف من الجميع. وفوق كل هذا وذاك نبرة صوته التي ربما سمعها من قبل ويعلم هوية صاحبها. قام من مكانه مردفاً وهو يقترب من زر الإضاءة: _هنا في قواعد يا أستاذ وأولها إنه ممنوع خروجك من الشقة إلا بأمر مني عشان كدة أنت هنا، تقدر تقول قرصة ودن… _هو إحنا في مدرسة مش هنطلع إلا بإذن المدير؟! قهقه سند بطريقة لا تمت للمرح بصلة ثم قال بعدما أضاء المكان:
_لأ مش في مدرسة، أنت في دار الكبير في كفر عتمان الكبير، خليك هنا يومين تلاتة لحد ما تعرف تعيش هنا إزاي طالما مطول معانا يا جوز الدكتورة… أخذ محمد ثواني مغلقاً عينيه ليعتاد على الضوء بالمكان ثم فتحها قائلاً بغضب: _سند بيه أنا مش شغال عندك ولا حتى مراتي، دي فترة مؤقتة وهنمشي بس طالما دي طريقة الحياة هنا نبقى نمشي من دلوقتي… و شكراً جداً لحد دلوقتي على كرم الضيافة يا كبير…
_فاكر نفسك ممكن تخرج من هنا تبقى بتحلم.. قالها سند وهو يدور بوجهه إليه لأول مرة يرى غريمه وجهاً لوجه عن قرب. ماذا بهذا الأحمق حتى تهرب منه وتأخذه هو؟! الغباء كله منه لأنه صدقها بالماضي عندما رفضت عقد قرانه عليها بحجة أنها تريد عقد القران ليلة الزفاف. أول ما عينه وقعت على زوجها أصابه الجمود غير مصدق لما يراه. أردف بتردد وبلا وعي: _أنت… حمد…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!