تجمدت ساقها بالأرض ارتعبت من رنين صوته الذي يتردد بداخل أذنيها. رمقت محمد بنظرة حارقة، أهو فقد عقله أم ماذا ليريد البقاء هنا؟! بكل خطوة تحاول بها الابتعاد عن هذا الحب الأحمق تعود إلى نقطة الصفر من جديد. شعرت بأنفاسه التي يأخذها براحة شديدة. كل هذه الأشياء مؤشرات صريحة أنها أصبحت مكشوفة أمامه. ابتلعت لعابها قبل أن تتجاهله قائلة: _يعني إيه مش عايز تمشي يا محمد؟
ابتلع محمد الآخر لعابه برعب غير قادر على نطق كلمة واحدة، فهو تحت تهديد السلاح. رسم على وجهه ابتسامة متوترة مردفاً: _نمشي ليه يا وعد؟ سند بيه جاب ليا شغل معاكي وهنعيش هنا بعد الجواز. إحنا لينا مين في إسكندرية عشان نرجع ليها؟ وضعت كفها على رأسها بجنون تكاد تنفجر. ما يحدث الآن فوق طاقتها. ها هو سند يفرض سيطرته على أي شخص يخطو باب حياته. عضت على شفتيها ثم قالت بعدم فهم: _أنت مستوعب بتقول إيه؟
سند بيه ده حابسك هنا من امبارح والله أعلم عايز يعمل فيا وفيك إيه، إزاي فجأة بقيت عايز تعيش هنا؟ رد عليها بهدوء: _أنا مش محبوس. هو بيحب أخته جداً وكان فاكر إني سببت ليها أي أذى، وأي راجل في مكانه هيدافع عن أهل بيته. قاطعته بصريخ يشوبه الرجاء: _وأنت مش بتدافع عن أهل بيتك زيه ليه؟ بقولك أنا خايفة وعايزة أمشي. هذه المرة أجابها الواقف خلفها يسمع فقط دون قول كلمة. أخرج يده من جيب البنطلون متقدماً منها بخطوات ثابتة جاذباً
إياها من الأرض: _مش لما تبقي من أهل بيته الأول. تقدري تقوليلي فين قسيمة جوازك منه؟ بلاش دي، فين بطاقة البيه وبيشتغل إيه وفين؟ عجز لسانها عن الإجابة. هو ليس زوجها ولا تعلم له اسماً من الأصل. صمت محمد هو الآخر ينتظر منها أي إجابة يتمنى لو يرتاح ويعلم من هو. وعد صديقة عمره أو ليكن صادقاً الشخص الوحيد الذي يعرفه قبل فقدانه للذاكرة. نظر لسند وكأنه يقول: حديثك حقيقي، هي تعلم من أنا.
رأسه عادت به للساعات الماضية التي تحدث بها مع سند. *** قال بهدوء: _ازيك يا حمد. رفع محمد رأسه إليه بقوة يشعر وكأن هذا الاسم مألوف عليه. أشياء مختلطة بدأت تتحرك بداخله. هل هذا الاسم بفعل اسمه؟ من هذا محمد؟ حاول القيام من مكانه بلهفة مردفاً: _حمد مين؟ أنت تعرف حد بالاسم ده؟ من الواضح أنه نفسه لا يعلم من هو. والإجابة الوحيدة بيد وعد التي كان عندها منذ قليلاً ورفضت قول أي كلمة. تقدم من الآخر وفك قيود جسده قائلاً:
_هو أنت مش عارف أنت مين؟ هو طفل صغير ضائع بلا هوية. حرك رأسه نفياً قبل أن يقول بقلة حيلة: _أنا محمد جار وعد. عملت حادثة فقدت فيها الذاكرة. معنديش أهل. فوقت في المستشفى لقيت معايا وعد. قالتلي اسمي ومن وقتها إحنا مش بنفارق بعض. وصل إلى ما يريده. خطيب شقيقته فاقداً للذاكرة ومنقذه هي وعد الهاربة. بدأ يربط الخيوط واحدة تلو الأخرى. قبل أن تخرج منه تنهيدة قوية. وعد ملكية خاصة إليه من البداية للنهاية. أشار للآخر قائلاً بقوة:
_أنا هقولك أنت مين بس بشرط تنفذ المطلوب منك من غير غلطة واحدة. وقتها كلنا هنعرف أنت مين. *** خائفة من الفقدان. اعتادت على وجوده بحياتها ليكون لها خير السند والصديق. دون إرادة أغرقت دموعها وجهها ليشعر بقبضة كبيرة بقلبه. هذا الضعف البادي عليها يصل إليه شعوره بالعجز. تبحث عن الأمان بكل مكان بعيداً عنه. نظرت إليه بقلة حيلة لا تعلم ماذا سيفعل بها. عدم يعرف أنها أمامه بمفردها دون حماية. أشاحت بوجهها بعيداً عنه
قبل أن تقول لمحمد بصدق: _أنت بالنسبة ليا أمان فضلت أدور عليه سنين طويلة بعد موت بابا وماما. ممكن بعد اللي هقوله دلوقتي ده أنزل من نظرك وتشوف إني إنسانة أنانية. بس صدقني أنا وأنت طوق النجاة لبعض. لم تقدر على تكملة الحديث. انهارت أكثر وأصبح بكاؤها بصوت. رق قلب محمد لها ليجذبها إليه قائلاً بقوة ويده تزيل دموعها:
_وعد أنا مهما عرفت ده مش هيغير وجهة نظري عنك أو حبي ليكي في حاجة. هفضل سندك وأخوكي اللي بتستخبي فيه من الدنيا كلها. بس أنا محتاج أفهم الحقيقة على الأقل أعرف أنا مين. أومأت إليه عدة مرات ثم أردفت بتقطع:
_أنا مش هقدر أفيدك في حاجة. أنا معرفش أنت مين. كذبت عليك في المستشفى لما قولتلك إنك صديق عمري وأهلك ماتوا مع أهلي في حادثة. ده مش حقيقي. لما هربت من الكفر شفتك على أول الطريق العمومي واقع والموتور بتاعك فوقك. نزلت من التاكسي وساعدني السواق عشان نروح المستشفى. السواق هرب مكنش عايز يتحمل أي مسؤولية وأنا فضلت جنبك لحد ما فوقت. حسيت إن ربنا بعتك ليا عشان تبقى سندي. إحنا الاتنين كنا محتاجين لبعض. كذبت أنا عارفة بس كانت نيتي خير.
لم تتحمل هذه المواجهة لوقت أطول وتهرب من سماع أي كلمة تؤلمها أكثر لتستسلم لعقلها الباطن وتسقط فاقدة الوعي. استقبلها بذراعيه القوية بقلب لأول مرة يشعر كيف يكون الخوف. حملها وعيناه تتفقد وجهها الشاحب وأنفاسها غير المتزنة. همس باسمها لعل صوته يطمئن روحها: _وعد. *** خرج الطبيب من غرفتها معلقاً لها محلول وحقنة منومة تساعدها على الارتياح. تعجب جميع من بالبيت الكبير على بقاء سيدهم بجوارها اليوم كله.
يجلس على المقعد المقابل للفراش يتأمل ملامحها الصافية بنقاء. أول شيء لفت انتباهه لها جمالها الذي تخطي الحدود. رائعة مميزة بكل تفاصيلها. غابت الشمس وأخذ القمر دوره مكانها وهو كما هو تائه بها. لم يشعر بمرور الوقت. انغلق العالم عليهم وهذا يكفي. مثله مثل أي رجل يفقد صوابه أمام امرأة قادرة على سحب أنفاسه من بين حنايا صدره. يده تجبره لتلمس وجهها ينعم قليلاً بهذا النعيم الطري تحت أصابعه. ناعمة، سلسة، ساحرة رغم بساطتها.
اقترب منها قليلاً مخرجاً نفسه بقوة من بين شفتيه لترفرف خصلاتها البندقية. تشبه هي القهوة بكل شيء. لونها، رائحتها، حتى طعمها لذيذ مصاحب لمرارة أكثر إثارة ولذة. وصل إليها رائحة أنفاسه الرجولية الدافئة مع انتهاء مفعول المنوم. أجبرتها رائحته على الاستيقاظ لتفتح عينيها بكسل رويداً رويداً. وجدته أمامها بملامحه الوسيمة التي تخطفها دوماً إليه. ردت عليه ابتسامته الحلوة بأخرى أكثر حلاوة.
ثانية وعادت إليها ذكريات كل شيء لتنتفض من مكانها. خسرت حتى محمد. حدقت به بكراهية شديدة قبل أن تأخذ الدموع مجراها معها. بلهفة وضع كفه عليها هامساً: _اهدي يا وعد مفيش أي سبب للدموع دي. أنا جنبك. انفجرت به صارخة: _مين طلب منك إنك تبقى جنبي؟ أنت قفلت كل الأبواب في وشي عشان أرجع هنا تحت أمرك. ضيعت مني كل حاجة. تقدر تقولي استفدت إيه لما محمد بعد عني؟
أنا أقولك أنت ارتحت منه. عايزني من غير حماية عشان تفرض سيطرتك وجبروتك عليا. أنا مش مراته، ده صديقي وأخويا. ولما عرف بقصتي معاك قالي لو أنت عرفت إني متجوزة هتبعد. بس أنت زدت ظلم وانعدام ضمير. افهم بقى أنا مشيت عشان مش عايزة أفضل معاك. قلتلك أنا مش شبهك ولا ينفع يجمعني بيك طريق. ابعد عني بقى حرام عليك. كلماتها كانت قاسية أصابت مكانها الصحيح. شخصيته ليس بها الجانب الحنون المراعي حتى لو روحه بها. ابتعد عنها سانداً ظهره
على المقعد ثم أردف بهدوء: _ولما جيتي لحد عندي وقولتي بحبك. وقتها مكنتيش تعرفي إن طريقنا مش واحد وإننا زي المياه والنار؟ حركت رأسها بكل الاتجاهات بطريقة هيسترية مرددة: _كنت عارفة إننا مستحيل نشوف بعض تاني بعد ما أنا أمشي. قلبي قالي أقولك مشاعري وقتها عشان يبقى بينا ذكرى حلوة. لكن أنت صممت تجبني هنا. هل الغضب معدي لينتقل لهيبه المشتعل؟ قام من مكانه ضارباً المقعد الذي كان يجلس عليه ليبقى أربع قطع قبل أن يصرخ بها بجنون:
_بقولك إيه يا بت أنتي جنان؟ أنا مش ناقص جنان. بلا طريقي بلا طريقك. أنتي بتعشقي التراب اللي أنا بمشي عليه. وأنتي دخلتي مزاجي وعايزك. وأظن مفيش أحسن من الحلال لكل دة. بطلي جنان وفوقي. ردت عليه بريبة: _يعني إيه دخلت مزاجك؟ أنت مش بتحبني. ابتسم عليها بسخرية. هي رغم سنها صغيرة لا تفهم معظم الأشياء. حرك رأسه نافياً قبل أن يستعيد هدوءه مردفاً بجدية:
_بصي يا وعد أنتي لسة صغيرة ومش فاهمة حاجة. مشاعرك عفوية وبسيطة. أنا راجل قولتلك متجوز قبل كده كام مرة. عشت أي مشاعر ممكن تخطر على بالك وفهمت يعني إيه حب ويعني إيه مزاج. الراجل والست بينهم علاقة جسدية بيستمتع بيها الاتنين تحت إطار الجواز والمودة والرحمة. وعشان الإنسان مش عايز يعلق كل حاجة على العلاقة دي اخترع كلمة بحبك اللي برضه بتوصل في النهاية لنفس العلاقة. أتمنى تكوني فهمتي وطلعتي الأفكار الغريبة دي من دماغك. بلاش نفضل نلعب لأنك بتحبيني زي ما بتقولي وأنا بصراحة بدأت أمل من أفكارك وعقلك الصغير ده. عايزك يبقى عايزك ليه نفضل نلف. أنتي دلوقتي تعبانة ارتاحي لأني خلاص وقت الهزار انتهى.
تصبحين على خير يا وعد. شوية وبت من اللي تحت هتجيب ليكي الأكل والدوا. *** بصباح يوم جديد استيقظت وعد. ألقت نظرة عابرة على المكان من حولها ثم أزالت شرشف الفراش من على جسدها لتظهر بيجامتها البنفسجية القصيرة. تكاسلت يميناً ويساراً ثم قامت من مكانها متجهة للمرحاض. على الصعيد الآخر. بالأرض الخاصة بسند الكبير كان يقف يباشر العمال وبجواره رجله الأمين فاخر. أشار بيده لأحد العمال قائلاً: _ماله ده يا فاخر؟
كأنه شغال غصب عنه. وأول مرة أشوفه هنا. أجابه فاخر بتوتر: _ده أبو الولد جعفر بيشتغل في الأرض هنا مكان ابنه لحد ما ابنه يخف من الزفت اللي بقى بيشربه. صمت فاخر فجأة مع أخذه لتلك اللكمة القوية التي أسقطته أرضاً. لم يقدر على رفع عينه بسيده الذي تحدث بغضب: _مين طلب منك تشغل الراجل اللي اد جدك ده مكان ابنه؟ مين اداك الحق تاخد قرار عني؟ _يا باشا أنا. قاطعه بلكمة أقوى من قبلها مردفاً بأمر:
_غور من قدامي لو عايز تفضل عايش الباقي من عمرك. اقترب من العجوز الذي يحاول رفع الصناديق من الأرض ليأخذهم منه مردفاً: _اقعد ارتاح وبعدها روح بيتك. مرتب ابنك وتمن علاجه لحد ما يرجع زي الأول عليا أنا وحسابك على الكذبة دي أنت وهو بعدين لما تقف على رجليك. تحرك. لفت انتباهه صوت هاتفه ليرفعه لأذنه ويسمع الطرف الآخر عدة ثواني قبل أن يقول وهو يجز على أسنانه: _إياك تسيبها تخرج وأنا جاي. بالبيت الكبير. وقفت
أمام الغفير بغضب صارخة: _أنت عايز تمنعني من الخروج؟ مين أمرك بكده؟ _أنا اللي أمرته بكده يا وعد. روح أنت يا عوض. بخطوات ثابتة أخذ يقترب منها لتشعر بتوتر غريب وتعود للخلف بشكل تلقائي. رفعت أحد أصابعها تشير إليه بتحذير بعدم الاقتراب. رفع حاجبه بنصف ابتسامة وتقدم منها أكثر حتى أصبح بينهما خطوة واحدة. عنيدة وهو يحب هذا العناد إلا أنه ببعض الأوقات لا يحبذ هذا خصوصاً أمام أحد.
صمته هذا بث الرعب بقلبها لتحاول الفرار ليكون كفه هو الأسرع بحبس يدها بين يديه. يشعر بالثلج النابع منها لا يعلم إذا كان هذا خوف أم نفور. همس إليها بجملة بسيطة: _أعمل فيكي إيه؟ رغم بساطة ما قاله إلا أنها اعتبرت هذا تهديد صريح. يحاول بشتى الطرق فرض سيطرته عليها ومحو شخصيتها. استفزازها لأقصى درجة لتحاول إزالة يده بعيداً عنها قائلة بحنق: _ابعد ايدك دي عني. مانع خروجي ليه؟ خايف أهرب منك والا حاجة؟ ببرود
ضغط على كفها أكثر ثم قال: _تهربي من سند الكبير؟ طب إزاي؟ لأ مش خايف تهربي بس عايز أعرف الحلوة رايحة فين في الكفر بلبس العوالم ده من غير إذن. جزت على أسنانها تخفي ألمها مجيبة عليه بسخرية: _آخد إذنك ليه؟ أنا بس شغالة هنا يا سند بيه وخارجة أتفسح عشان هبدأ شغل من الصبح بالمجان لكل الكفر وأبقى آخد المرتب منك يا أبو الواجب يا إبن الأصول. قرر أخذ هدنة حتى لو لأيام معدودة يرتب بها أفكاره. تنفس بهدوء ثم أومأ إليها قائلاً:
_ماشي يا وعد. طلباتك أوامر. اشتغلي مجاني ومرتبك عليا أنا. أهم حاجة عندي راحتك. حركت وجهها بنفس السخرية قائلة وهي تبتعد عنه بعدما حرر يدها: _أنا لا باخد منك الإذن ولا بأطلب منك. ده قراري وبس برضاك أو غصب عنك هعمله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!