تعلقت بعنق هذا الغريب كطوق النجاة لها من تلك الكلاب المفترسة. طال الصمت واختفى صوت الكلاب رويدًا رويدًا. بدأت تأخذ أنفاسها المسلوبة وعم على قلبها الاطمئنان. حلت ذراعيها بعيدًا عن عنقه لتجده يقف جامدًا والكلاب خلفه على بعد مسافة بسيطة. ابتلعت لعابها بعدما علمت أن سرها انكشف من قبل أن تبدأ بالعمل. معالم وجهها غير ظاهرة إلا أن من يراها عن قرب يعلم كم هي بريئة، طفلة صغيرة ضائعة.
ابتعدت ليحاول هو إخراج صوته من هذا العناق الطري الذي لا يدل على رجولة من كان بين ذراعيه. أشار إلى أحد رجاله بأخذ الكلاب قبل أن يتحدث بوقاره: _مين أنت ودخلت البيت الكبير إزاي؟ اهدئي يا وعد أنتِ الآن بداخل براثن الصقر. حمحمت قبل أن تخرج صوتها بنبرة خشنة: _أنا الدكتور وحيد، الدكتور الجديد للبيت الكبير وعايز أقابل السيد سند. ضرب بعصاه الأرض متجهًا إلى القاعة الكبيرة جالسًا على مقعده.
صارت خلفه، ومع دخولها علمت أنها أمام سند الكبير. أردفت برأسها بحسرة: _معقول هموت من أول دقيقة ليا في المكان، روحتِ في داهية يا وعد. وضع هو ساقًا على الأخرى هاتفا: _آه أنتِ الحكيمة. شغلك هيبدأ من بكرة. هتروحي مع الغفير شقتك. إياكِ تخرجي منها إلا بطلب مني أو تفتحي ليها شباك، سامعة. أومأت برأسها عدة مرات. كل ما ترسم إليه الآن هو الفرار من هذا الرجل.
ذهبت إلى الشقة خلف الحارس وأغلقت الباب خلفها سريعًا قبل أن تزيل تلك الأشياء التي تأكل بوجهها قائلة: _أنا رميت نفسي وسط النار وكان عندي فرصة اختيار. يا رب أنت عالم بحالي، عدي الأيام المرعبة دي على خير. رفعت هاتفها بعد سماعها إلى الرنين الخاص بصديقتها لتجيب عليها بغل:
_الله يخربيتك يا صافية الكلب، أنا تعملي فيا كدة. ده فيلم رعب مش كفر. الراجل لوحده شكله قتال قتلة. أنا تقريبًا عملتها على نفسي ورايحة أستحمى. يلا غوري في داهية. على الجانب الآخر، قهقهت صافية بمرح قائلة: _متخافيش، ده راجل عادل. خليكي بس في شغلك ونفذي الأوامر وكله هيعدي بسرعة. أغلقت الهاتف بوجهها دون أن ترد عليها. حالها ينطبق عليه المثل الشهير: "اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار".
أزالت كل ما عليها ثم ركضت إلى المرحاض تحتمي به. شهر كامل مر عليها بداخل تلك الشقة، لا تفعل شيئًا، فقط تنتظر أمرًا منه بالخروج. ملت من هذه الحالة، تأخذ مرتبًا أكثر من أحلامها، ولكن بلا عمل. انتهت من ارتداء ملابسها الرجالية ووضعت الأشياء على وجهها ثم قررت الخروج من هذا السجن. فتحت الباب وأخذت تتجول بالحديقة. المكان هنا أكثر من رائع. شهقت فجأة برعب عندما سمعت الغفير خلفها يقول بقوة:
_إزاي تعصي أوامر سيدنا يا حكيم، قدامي. السيد سند أمر تكون عنده. سارت معه إلى نفس القاعة لتجده يجلس. أمرها بالوقوف أمامه ثم أشار إلى الغفير بالخروج. أخذ نفسًا من سيجاره قبل أن يردف بهدوء ما يسبق العاصفة: _خرجتِ ليه من شقتك، هو أنا طلبتك. خائفة، هذا حقيقي، إلا أنها بنفس الوقت متمردة. نال العناد من عقلها لترفع رأسها بقوة قائلة:
_أنا جاي هنا عشان أشتغل دكتورة مش مسجونة. بأخد فلوس على إيه وأنا لا بشتغل ولا بتحرك من الشقة حتى. ضرب المقعد بكفه قبل أن يقول بغضب: _أنتِ هنا تحت أمري وبس. المرتب ده عشان وقت ما أعوزك تكوني موجودة. ادخلي شقتك يا حكيمة واعتبرِ إن دي آخر غلطة ليكي. من هو ليتعامل بتلك الطريقة مع البشر؟ يأمر ويتكبر كأنه مخلوق على الكوكب بمفرده. زاد غيظها منه لتقول:
_مش من حقك تقول إني تحت أمرك. أنا هنا أشتغل بمزاجي. الناس مش عبيد عندك عشان أفضل بين أربع حيطان لحد ما جنابك تأمر. أنا بقدم استقالتي، مش هكمل في الظلم ده. حمقاء لدرجة أنها كانت تتحدث معه بنبرة صوتها الحقيقية. مع أول مواجهة بينهما كشفت أمرها. ظل يسمعها بهدوء يريد أن يحفظ نبرة صوتها إليه. انتهت من حديثها، ليترك هو ما بيده ثم قام من مكانه. أصابها الهلع من تلك الخطوات المدروسة التي تقترب منها.
للحظة علمت خطأها لتتسع عيناها بذهول وتجمعت الدموع بمقلتيها. لا تريد الموت الآن وبهذا المكان الذي لا يعرفها به أحد. ارتجفت شفتيها شاهقة بعدما جذبها لتبقى داخل أحضانه. رفع أصابعه ممررًا إياهم على بشرتها الناعمة هامسًا بنبرة ساخنة: _من أول مرة حضنتك فيها وقت الكلاب وجسمك الطري اللي زي المهلبية وقع تحت إيدي، قلت مستحيل ده يبقى جسم راجل. حتى ريحتك كلها بتقول أنا ست زي القمر كمان.
أخذ نفسًا عميقًا من عطرها الفطري قبل أن تأخذ يده الطريق إلى إزالة تلك الأشياء الغريبة الموضوعة على وجهها، لتظهر أمامه ملامح القمر ليلة أربعة عشر. شقت الابتسامة وجهه قبل أن يلقي ما على وجهها بالأرض قائلًا: _اممم، مش قلت قمر. وصفي ليكي ظلمك. قوليلي بقى الحلو بيعمل إيه هنا وفين الدكتور وحيد. سقطت دموعها بخوف مردفة بتقطع:
_مفيش حد اسمه الدكتور وحيد. أنا الدكتورة وعد عبد الله وجيت هنا بلبس راجل لأنهم قالوا مفيش ستات بتشتغل في الكفر ده. أنا كنت محتاجة للشغل صدقني. ابتعد عنها ليرى ارتجافها بوضوح. ثم رفع حاجبه بتفكير قائلاً: _وأنا أصدقك إزاي يا دكتورة بعد ما دخلتي هنا بكذبة وكبيرة كمان. عضت على شفتيها وهي تزيل دموعها بظهر كفها قائلة:
_أنا مش كدابة، دي الحقيقة. لو كنت بتشغل ستات ما كنت أنا عملت كدة. أي واحدة محتاجة شغل هتعمل كدة. بس خلاص، أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أخرج من هنا. رفع أحد أصابعه وحركها محل دموعها ليأخذ أكبر قدر منها عليه ثم نظر إليهم بداخل كفه مردفًا:
_أنتي فعلاً كذبتي. وبعدين مفيش ستات بتشتغل في كفر عتمان الكبير عشان إحنا رجالة. مفيش ست تجوع ولا تحتاج لفلوس طول ما في راجل. واللي جوزها ميت أو مالهاش راجل كل طلباتها عندي ومن مالي. يعني لو كنتي طلبتي فلوس بدل الكدب كنت أدّيتك. ردت عليه بغضب شديد لا تقبل تلك الإهانة أبداً:
_أنا مش شحاتة عشان أطلب منك فلوس. أنا دكتورة وعايزة شغل. اللي أنت بتقوله ده لما أبقى قليلة الحيلة أو معنديش مهنة أكسب منها بدل ما أشحت وأمد إيدي ليك أو لغيرك. أعجبته تلك اللعبة وربما تكون زوجة جديدة له. سند الكبير لأول مرة يريد الإطالة في الحديث مع إحداهن. حديثها لا يروق إليه أبداً، لا يحبذ العناد وخصوصًا معه. أردف بجدية:
_تبقي غبية يا دكتورة لو شايفة إن ستات الكفر قليلات الحيلة أو في واحدة منهم بتمد إيدها وتشحت. أنا الكبير وده حقهم عليا. روحي شقتك لحد ما أعرف هعمل فيكي إيه. همست برعب: _تقتلني صح؟ أنا مش عايزة أموت دلوقتي لو سمحت. وضع يده خلف خصلاتها قائلاً وعيناه تحفظ تفاصيلها اللذيذة: _لأ، اللي زيك خسارة في الموت. بس البيت الكبير من زمان محتاج حرمة تنوره. هتجوزك يا بت.
في الثانية بعد منتصف الليل، حملت حقيبتها وارتدت ملابسها الرجالية ثم فتحت باب الشقة وبدأت عيناها في التجول بالمكان حولها بريبة. لن تظل بهذا الكفر ساعة واحدة، هذا المجنون سيأتي غدًا بالمأذون. وجدته وباقي عائلته مثله. الرحمة انعدمت من قلوبهم. خائفة من السير بهذا الوقت إلا أنه لم يعد أمامها حل آخر. أخذت تمشي بقدم ثقيلة، خطوة إلى الأمام ومائة إلى الخلف حتى اقتربت من البوابة.
توقفت فجأة مع سماعها إلى صريخ أحدهم يطلب النجدة من الحديقة الخلفية. لا تعلم لماذا تركت حقيبتها بالأرض وبدأت تمشي خلف الصوت حتى وصلت إلى بوابة وسلالم تحت الأرض تقريبًا. كلما اقتربت كلما زادت الصرخات الواضح منها أنها لرجل. تجمدت مكانها مع رؤيتها لسند يصوب مسدسه على رأس رجل كبير أسفل قدميه قائلاً:
_كام مرة قولتلك تمن الخيانة لازم يكون الموت، كام مرة قولتلك أنت تحت عيني وحاسب من وقت حسابي، غبي يا شوقي غبي. قول الشهادة يمكن تنفعك يوم القيامة. صرختها باسمه جعلت كل شيء يتوقف. رفع رأسه لها ربما بصدمة وربما بتوعد. حركت رأسها نافية لما يحدث قائلة بتهدج: _أنت مجرم عايز تقتل إنسان، أنت.. أنت لازم تدخل السجن، اللي زيك لازم يتعدم في ميدان عام. مين ادى ليك الحق تقتل روح مهما عملت. أنا مش هسكت، هبلغ عنك وهاشهد بده.
حديثها متفرق غير مفهوم وحالتها أكثر سوءًا من الحديث. اقتربت من الملقى على الأرض تساعده لكي يقف هاتفة: _قوم معايا يا عمو، أنا مش هخرج من هنا إلا بحضرتك بس حاول تقوم. يتابع بلا ردة فعل، ينتظر نهاية ما بدأته هي. أصابها الذهول مع بعد الرجل عنها صارخًا: _ابعدي عني، أنا غلطت ومستني عقاب الكبير وراضي حتى لو بالموت على إيده. رفعت بصرها له لتجده يرفع حاجبه لها بابتسامة وكأنه يقول: أرأيتي؟
نزل إلى مستواها ساحبًا كفها إليه قبل أن يأخذها للخارج قائلاً: _اعمل اللازم أنت يا فاخر وبعدها هات المأذون، عايزه الليلة مش بكرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!