كان ذلك الباب الموصود تتم بطولاته، شهدت تلك الغرفة على جراحات ناجحة قام بها الطبيب المصري الذي عُرف في لندن بأرجائها، وبات يحمل من الشهرة نصيبًا. وها هو الآن عاجزًا عن إنقاذ زوجته التي تلتاع صرخاتها ممزقة حوائط قلبه الهزيل. يخفي دموعها بصعوبة، وهو يراها تصرخ ألمًا، بينما ابنه المنتظر على وشك أن يفقد حياته.
عساه الآن يخوض أبشع لحظة قد مرت على حياته يومًا، يرى الممرضات تركضن من حوله، في محاولاتٍ لوقف النزيف، بينما هو يقف كفاقد الذاكرة الذي وُضع بمحل غير محله. انتهت من الإجراءات الاحترازية لوقف النزيف، وتركت باقي المهام للممرضات. تحرك "يوسف" تجاه الباب الجانبي، ومنه إلى حمام الغرفة، توضأ وخرج يفرد سجادة صلاته، ووقف يؤدي ركعتين، وهو على يقين بأنها دواء آنين قلبه، يعلم بأن البرودة ستبيد حرقته.
لمست رأسه سجادته وبللتها دموعه، بينما يردد في عجزٍ: عجزت وما أنا إلا بعبدٍ عاجز أمام رحمتك يا الله، استودعتك زوجتي وما برحمها وأنا أعلم بأنك سبحانك رحيمًا رؤوف بهما. انتهى يوسف من صلاته، ونهض يطوي سجادته، استمد بعض الطاقة التي انهدرت قبل أن يغتسل.
عاد لغرفتها فوجدها تغفو بارهاقٍ تام، أغلق باب الغرفة بالمفتاح، واتجه يتمدد جوارها، يضمها بيديه بينما رأسه موضوع على كتفها، تاركًا سيل دموعه على كتفها يشهد على مشاركته لوجعها. يهمس لها باحتقانٍ: أنا جانبك يا ليلى، جانبك ومش هسيبك! *** اجتمع "آيوب" و"عمران" مع "يونس" و"إيثان" بمحل "يونس". لاحظ عمران نظرات إيثان المستريبة تجاهه، وما أن تأكد بانشغال آيوب ويونس بدفتر الحسابات حتى تسلل للأريكة التي يحتلها عمران.
جلس يحك رقبته بتوترٍ يشمه الطاووس من محله، ومع ذلك تابع هاتفه ببرودٍ متعمد. انتقل بجلسته جواره وتنحنح بخشونة: بقولك أيه يا خواجة؟ لزم صمته وتابع الهاتف، مرددًا ببرودٍ: بشتغل زي ما أنت شايف! تمعن بما يفعله يهاتفه، وقال بتذمرٍ: افضلنا شوية طيب. اتجهت رماديته إليه يمنحه نظرة تقييمية، وقال ببرودٍ: وأفضلك بتاع أيه! زفر بسخطٍ وصاح: يا عم اركن غرورك ده شوية وركز معايا، عايز أجبلها هدية ومش عارف! وتابع وهو يشير باستياء تجاه
مكتب يونس حيث وقوفهما: والاتنين دول تربية الشيخ مهران يعني لو سألتهم أجبلها إيه هيقولولي هاتلها ملحفة وسجادة صلاة!! وتابع بفتورٍ: متعصلجش بقى يا خواجة فكها! عبث برماديته بدهشةٍ وقال: أيه معصلجش دي، آنت بتشتمني بالشعبي بروح أمك!!! أذعن مطلبه: لا مش شتيمة صدقني، قصدي متصغرش عقلك، وبعدين أنا اللي عايزك في مصلحة ووقت المصالح الشياطين بيتصافوا مش هنتصافى إحنا يا جدع! ده إحنا بينا تحديات ومشاريع مستقبلية تشرف.
أحاطه بنظرةٍ ساخرة، وتمتم بسخطٍ: طمنتني! وتابع بتذمرٍ: جاي أهدي أعصابي بالمكان الصح والاشخاص الشخص، طول عمري ليا نظرة! حاول أن يتلصص لحديثه وحينما فشل سأله ببعض الرفق الغير معهود عليه: ها يا خواجة قولت أيه؟ وضع هاتفه بجيب جاكيته الأسود، وقال بفتورٍ: عندك عربية؟ جحظت عينيه في صدمة، ونهض عن الأريكة يصرخ بحدة: عربية مين دي اللي أهديها بيها، بقى أنا أقولك متعصلجهاش تغفلقها!! أنا لا يمكن أفرط في عربيتي فاااهم يا خواجة!!!!
رفع ساقًا فوق الأخرى ببرودٍ اتبع نبرته الواثقة: اقعد يا غشيم. تنحنح حرجًا وعاد يجلس جواره كالطفل البريء، فقال عمران ساخطًا: من بعد ما شوفت الأجهزة اللي طاير بيها للندن بقى عندي خلفية عن موديل عربيتك، فتأكد إنك هتهاديها بعربية كارو أفضل من اختياراتك الغشيمة. وتابع وهو يمنحها بسمة استفزته وجعلته يعتصر غيظه بصعوبة: عدي عليا بليل بعربيتك الكحيانه نختارلها دريس سمبل وشيك لآني للأسف مش واثق في ذوقك.
وأشار بيده يسترعي انتباهه: وخد بالك كرمي معاك عشان خاطر محبتي لآيوب، فيوم ما ترجع ترازيه هتشوف وقاحتي وطولة لسان أطول من طولك الفرع ده، معلوم؟ برق إيثان بعينيه صدمة، مرددًا: أرزيه!! فرع!! خواجه من بولاق!!! هدر ببسمة واثقة: احسبها واعقلها يا إيثو، وبلاش تعاند في وش الطاووس، مش هينوبك غير طولة لسانه ووقاحته. وأضاف ببسمة ماكرة، متبعًا نفس سياسيته: متعصلجهاش وفكها! احتقنت معالمه غيظًا، وهدر من بين اصطكاك أسنانه:
فكتها وروقتها لما أشوف آخرتها معاك إيه؟ منحه نفس الابتسامة الواثقة وقال: ماليش آخر يا آآ… إيثو! وأضاف بغمزة خبيثة: مكان ما هتسايرني هتلاقيني، أنا رقبتي سدادة! لوى شفتيه بتهكمٍ، وتطلع قبالته، فوجد يونس وآيوب يتابعونهما بدهشةٍ مضحكة. وما كادوا باستيعاب حوار حديثهما المتبادل في جو من السلام والسكينة حتى اقتحم فارس مجلسهم راكضًا، يلتقط أنفاسه بصعوبة، وبين يده يحمل كيسًا بلاستيكيًا يتشكل على هيئة وعاء كبير.
راقبوه جميعًا بفضولٍ، فكان يونس أول من تحرك تجاهه يتساءل باستغرابٍ: بتجري كدليه يا فارس، وأيه اللي في إيدك ده؟؟ ابتلع الصغير ريقه بتوترٍ، وقال: مش معايا حاجة. لفت أمره انتباه الجميع، فنهض عمران واتجه للصغير مبتسمًا: يا أهلًا بسيادة الطيار، مش هتسلم؟ أخفى الصغير الكيس البلاستيكي خلف ظهره، وناوله كفه يصافحه. تساءل آيوب بدهشةٍ: أيه اللي ورا ضهرك ده يا فارس؟ تراجع الصغير يجيب: معيش حاجة يا عمو آيوب.
احتدت معالم يونس من طريقة ابنه الغير مبشرة بالمرة، فصاح بعصبية: يعني إيه مفيش حاجة، داخل تجري وبتخبي حاجة وراك بشكل غريب وتقولي مفيش حاجة، وريني معاك إيه!! اتجه إيثان إليه يلكزه بذراعه الممتلئ بعضلات تمرينه، غاضبًا: بتقولي غشيم وإنت مزروع جوه عنق الزجاجة، اتنيل ارجع ورا وسبني أتعامل على رأي خواجة بولاق! نجح بدفعه للخلف، وانحنى بطول قامته ليصبح طول الصغير، وقال مبتسمًا:
فروسه حبيب قلب عمو إيثووو، تعالى لعمو يا حبيبي ووريني مخبي إيه؟ ربع عمران ذراعيه أمام صدره، واستند على الحائط هاتفًا بسخريةٍ: الحاجة الوحيدة اللي حاول يعملها صح مش عارف ينجح فيها، غشيم وغبي!! وعاد يتابع ما يحدث في محاولة لحجب حديثه، فوجده يخبر الصغير: إنت عملت حاجة غلط وجاي تستخبى، صارح عمو إيثو وخليك صريح يا حبيبي. إلى هنا وكفى، تحرر عن صمته هادرًا بحزمٍ: انتوا متجمعين حوالين الولد كده ليه؟ وأشار ليونس وآيوب:
مش كنتوا بترجعوا حساباتكم روحوا كملوا اللي بتعملوه. وأضاف مشيرا باستهزاء لمن مازال يجلس أرضًا: عمو إيثو قوم من على الأرض التراب هيقفل شرايينك ياحبيب نهض إيثان يطالعه بغضب وصل لذروته ومع ذلك وضع اختيار الفستان وفتح الوتيك أمام مقلتيه، وتحلى بالصمت. فتح عمران كف يده وأشار للصغير ببسمة جذابة، فاتجه إليه يضع كفه بكفه، وتحرك معه للأريكة التي كان يعتليها، جلس وحمله على ساقه ومن فوقهما الوعاء الذي يحمله.
ما زال الجميع يتابعونه بفضولٍ، وخاصة حينما بدأ بالدردشة مع الصغير عن أمور دراسته وألعابه حتى قال بمكرٍ: آنت مش قولتلي إنك عايز تبقى طيار، قلبتها حارس شخصي ليه؟ أجابه الصغير ببراءةٍ: لا عايز أبقى طيار يا عمو. رد عليه مبتسمًا وهو يمسد خصلاته: وأحسن طيار في الدنيا كلها يا فارس. وتابع بنفس بسمته: قولي عُمران بس من غير عمو، مش أنا صديقك زي مصطفى اللي بتلعب معاه؟ هز رأسه مؤكدًا، فأضاف عمران بمكرٍ:
طيب بما إني صاحبك الجدع وريني معاك إيه، تسمحلي؟ قالها مستأذنًا قبل أن يحمل الشيء منه، فهز رأسه مبتسمًا بترحاب. زوى حاجبيه بتعجب حينما وجده يحمل إناء معدني مغلف بإحكام، فتح غطائه ليجد أمامه ما صدمه. انتقلت نظرات آيوب ليونس وفجأة سقط من الضحك وهو يردد بصعوبة: من شبه أباه فما ظلم، كأني شايفك وإنت صغير المشهد بيتعاد قدامي! قالها وسقط على المكتب يضحك بقوة، بينما يطالع عمران الأصابع التي تملئ الإناء بدهشةٍ.
دنى إليه إيثان يتطلع لما بالوعاء، وببسمة واسعة قال: كفتة رز من صنع الحاجة رقية!! وحمل الوعاء من بين يد عمران قائلًا: تلزمني يا خواجة، خليك معتكف الزيوت لحد ما تشحن أجهزة تليق بسعراتك الحرارية، أنا معدتي محرقة. بدأ يلتهم الأصابع وهو يشيد بفارس الغاضب: أول مرة تعمل حاجة صح إنت وأبوك يا فروسه. صعد الصغير على حافة الأريكة وانتشل الوعاء منه بغضب، ثم جلس يلتهمه. رمش يونس بعدم استيعاب ودنى من ابنه يردد بتيهة:
إنت سرقت الكفتة يا فارس؟! شعر الصغير بخطأ ما فعله وقال وهو يلوك الطعام: أنا آسف يا بابا بس بحبها، وماما بتعملها وحشة. رد عليه بصعوبة وهو يكبت الضحك: استأذن والحاجة رقية هتديك! قال ببراءةٍ: ادتني تلات مرات واتكسفت أطلب تاني، واصلا أصلا إحنا كلنا معزومين عندها عشان الخواجة، بس أنا مش بحبها بالصلصة أنا عايزها كده. تعالت ضحكات آيوب ودنى يستند على كتف عمران يخبره بضحك:
الحاجة رقية كانت لسه بتهددني امبارح إنها هتحرمني من الكفتة، الشعب كله هيتحرم منها النهاردة. وفتح كفه للصغير هادرًا: اديني صبعين تلاتة يا فارس أنا عمك الطيب يا حبيبي، افتكرلي كيس الحلويات اللي كنت بدلعك بيه كل يومين. فكر الصغير بالأمر، ومنحه بعضًا منها، تناولها آيوب بتلذذ وقال يشرح لعمران الذي يتابع ما يحدث بدهشةٍ:
أبوه كان كده وهو صغير، كان يفضل يشد الكفتة طبق ورا التاني لحد ما منلاقيش كفتة نحطها في الصلصة، بس فارس أذكى خلع بالحلة مرة واحدة. سحب إيثان بعض الأصابع وتناولها باشتهاءٍ، بينما يتابعهما يونس بصدمة وصرخ: بتهبب إيه إنت وهو، ميصحش كده أنا هرجعها لمرات عمي. قال إيثان وهو يغمز له: وده اسمه كلام، دي عيبة في حقنا لو رجعت للحاجة رقية، بص يا يونس أنا قتيل حلة الكفتة دي الليلادي! تعصبت نظراته وتطلع لعمران يستجديه:
شوفت يا عمران!! مسد على شعر الصغير بابتسامته الهادئة وقال: سيبه يا يونس، معتقدش إن الحاجة رقية هتضايق لما تعرف، بالعكس. وتابع بحب: ألف هنا على قلبك يا حبيبي. منحه آيوب إحدى الأصابع قائلًا: خد دي انتشلتها من إيثان بالعافية. أشار له مبتسمًا: لا ماليش فيها، ألف هنا ليك إنت كمان يابن الشيخ مهران. أصر عليه: هتاخدها يعني هتاخدها، وانجز عشان الحق الحلة قبل ما إيثان يلتهمها ورا الكفتة.
ضحك على حديثه وجذبها منه ثم اتجه يستند على الباب الخارجي للمكتب يتابع الأجواء بالخارج بشرودٍ. لحق به يونس وجلس على الرخام الفاصل بين مكتبه والمحل مثله، واشار لاحد العمال يقدم لها مبلغ كبير من المال قائلًا: معلش يا محمد اطلع على الكبابجي، قوله يعمل 20 طبق كفتة وسجق وتشكيلة، طلع نص الكمية عند الحاجة رقية والنص التاني وزعه على العمال. التقط منه المال يجيبه بحب: إنت تؤمر يا معلم يونس. ردد عمران بمزحٍ:
تكلفتها عالية الحلة دي. ضحك وقال: بس بأمانة تستحق. شجعه بحديثه على تناول الإصبع الذي بيده، وقال مؤكدًا: نفسها هايل بجد. أومأ برأسه والبسمة تزين وجهه، بينما يستمد همته لينطق: على فكرة يوم ما كنا بالمسجد وسمعت ابتهالك لمست جوايا كل وجع داريته عن العيون، يمكن لأن صوتك كان موجوع ووصلني اللي جواك. وأضاف بحزنٍ جعله يبدو كالذي يحتضر الموت:
مبيحسش بالمجروح غير اللي جرحه لسه طاري، والجروح اللي أثارها بتدوم بتكون دائمًا سببها حد عزيز عليك، مش سهل تلم وتتغفر. زحف الحزن لوجه عمران هو الآخر، فتطلع أمامه بعينين غائمتين. تابع يونس بابتسامة تئن: خليني أقولك نصيحة قالهالي حد من الأشخاص اللي بقوا عزاز على قلبي، ويمكن لما تسمعها تقدر تعرفه. نجح بلفت انتباهه، حينما استدار بوجهه وجسده إليه، بينما تابع يونس بجمودٍ تام:
الشخص اللي مكانته عزيزة على قلبك مش سهل تفترق عنه، حتى وهو بعيد عنك هتربطك بيه علاقة كره، وما بين الكره والحب شعرة واحدة ممكن في لحظة متبقاش موجودة. واستطرد يضيف: الشخص اللي نجح ياخد مكانة جواك مش هتقدر تتقبل إنه ميبقاش يعنيلك شي، هتلاقي نفسك بتدورله على حجة أو تصرف أو كلمة تعلق عليها حجتك عشان تحاول تمسح غلطاته وترجعله. وتعمق بالتطلع إليه وهو يخبره عن معاناته خلسة:
صدقني ده الجزء الأصعب، إنك تتمسك بتصرف واحد عمله صح وتحاول ترجع زي ما كنت، إنك تحارب نفسك ده في حد ذاته انجاز تستحق إنك تفتخر بيه، الفرصة اللي هتجددها هتكون مرهونة على الطرف التاني، لو قدرها واحترمها هتتأكد إنه هو كمان كان مستنيها عشان حبه وتمسكه بيك، لو هدرها بغلط جديد اطرده بكل قوتك بره حياتك وإنت مرتاح لقرارك. واتسعت بسمته وهو يسأله بمكرٍ: عرفت مين ده؟ تنهد وشعور الراحة يحيطه، وأجابه بعرفانٍ:
هو نفسه اللي محاوطني وواقف حواليا زي السد، هو اللي بوجوده محسيتش إني يتيم، أبويا وأخويا وصاحبي وكل ما أملك في دنيتي. وتابع بفخرٍ: لا يوم اتباهيت بنجاحي ولا بنفسي أد ما بتباهى بيه، ربنا قسم أرزاقه بالعادل بين عباده وخصني بأجمل رزق، علي أخويا. هز رأسه إليه بابتسامة تشاركه الفخر بشخصٍ مثله. نهض عمران يخبره وهو يهندم ملابسه باهتمامٍ:
خليني أستغل انشغال آيوب بحلة الكفتة وأروح لوالدة واحد صاحبي، عازماني بقالها كام يوم وحججي مش بتنتهي. نصب عوده قبالته وقال ضاحكًا: يدوب تلحق، آيوب مش هيفارقك بسهولة. أجاب بابتسامته الجذابة: عارف، ومبقدرش أزعله. قال يونس ماكرًا: ولو مخلصتش مشوارك وجيت على الشقة أنا اللي هزعل منك يا بشمهندس. ضحك بصوته الرجولي وقال: عنيا حاضر. وأضاف مازحًا: متعاقبش فارس الكفتة تستحق بصراحة. ضحك وهو يخبره: تستحق ونص. قال وهو يغادر الدرج:
طب روح الحق. أجابه بحزنٍ جعل عمران يضحك دون توقف: عملها في يوم أنا صايم فيه الغبي!! *** سحبت باب الشقة بأيدي مرتعشة، مضت معه وسكينة مسلطة من أسفل خمارها على بطنها. مال يهمس لها بحقدٍ: نفسك لو طلع ولا حركة منك طلعت كده أو كده السكينة هترشق في قلبك، فاهمه؟ حركت رأسها برعبٍ، وخاصة حينما صاح: نزلي الزفت ده.
أخفضت نقابها على وجهها، بينما فعل هو مثلها، فكانت تختبئ بملابس النساء، مرتدياً نقاب أسود وخمار طويل، كأنه يوصم نفسه بما استحقه هو. هبطت برفقته الدرج وهي تستند على الدابزين برعشة، وما كادت بتخطي طابق الشيخ مهران حتى تفاجئت بسدن تخرج عليها وتناديها: خديجة انت رايحة فين من غيري؟ وتابعت وهي تتأمل تلك المرآة البدينة، ذات النظرات الحادة: مين دي خديجة؟ ازدردت ريقها الهارب بصعوبة، وقالت:
دي واحدة من قريبنا، ادخلي وأنا هنزل مشوار معاها وهرجع على طول. سحبها معتز للاسفل دون سماع أي كلمة منها. زمت سدن شفتيها بتعجب وعادت للداخل، فوجدت الحاجة رقية تقف أمام السفرة ترتب الأطباق، وسألتها: كنتي بتعملي إيه بره يا بنتي؟ ردت عليها بحيرةٍ: مش عارف خديجة ماشي مع واحدة كبيرة أوي ولابس نقاب زيها، وبتقول إنه قريبتها راح معاه مشوار وراجع! توقفت عن وضع الأطباق ورددت بدهشةٍ:
مين دي اللي خديجة نزلت معاها من غير إذن مني أو من الشيخ مهران!! دي عمرها ما حصلت! وأضافت بصدمةٍ: وبعدين هي ملهاش حد غير المرحومة أمها. هرعت للشرفة تحاول لقطها بالحارة ولكن دون جدوى، فصاحت إلى سدن بحزمٍ: هاتيلي الإسدال بسرعة! *** جاب طرقات الحارة مغادرًا لزقاق حارة جمال البعيدة عنها بقليل، فاذا بهاتفه يعيد رنينه مجددًا، رفع عمران هاتفه وقال ببسمة مشرقة: دكتور علي الغرباوي بيكلمني بنفسه! I can’t believe myself.
(أنا لا أصدق! _وبعدهالك يا عمران!! كام مرة كلمتك ومردتش!! هو ده كان اتفاقنا؟ ارتكن على أحد الأرائك الموضوعة جانبًا بالحي، وقال: حقك عليا يا علي إنت عارفني بعمل كل حاجة بمزاج. =وأنا عايز إيه غير إنك تكون مبسوط ومرتاح؟ _واللي عايزه حصل، وجودي هنا ريحني صدقني، وحتى وأنا بعيد عنك بصمتك ملاحقاني من لندن لهنا. =بحاول أفهمك بس للأسف دماغي مش مجمعة تركيبتك! _سمعت اللي كان المفروض أسمعه. وتابع بحزنٍ:
تعرف إن من كلام يونس حسيت قد إيه هو عانى! ويمكن أكتر مني. علم مقصد حديثه فقال: إنسان صبور وعدى باللي مفيش إنسان يقدر يستحمله، يونس نموذج لنماذج كتير اتوجعت في حياتها يا عمران، لازم تعرف إن مش إنت لوحدك اللي موجوع بالعكس ممكن يكون وجعك هين قصاد ناس كتيرة أوي، لو مقدرتش تتعظ من وجود ناس مبتلية زي يونس، اركب تاكسي وقوله وديني 57357،ممكن تكون بتتبرع بفلوس كتيرة بس لما تشوف اللي يوجعك هتعرف إن وجعك هين والله.
وقال يبدد حديثهما المؤلم: وبعدين إنت مش هتسحب عفاريتك عن شمس هانم ولا إيه؟ قال يجيبه بتعنتٍ: ولا حتى بعد الفرح، عفاريتي هتفضل ملاحقها هي وحضرة الظابط لحد ما يخلع! _خرج شمس من دماغك يا عمران، ووصل هديتها لادهم بهدوء. _مش هيحصل يا علي، الهانم مكلفاني أختارله هدايا على ذوقي، دي عمرها ما فجأتني بهدية واحدة متخيل؟ ضحك وهو يخبره بتهكمٍ: وانت بيعجبك ذوق حد!!
محدش يجرأ يجبلك هدايا لأننا عارفين مصيرها، مش حوارنا لخص ووصل الهدية. باحتقان وغيظ قال: مش بالسهولة دي أنا بسببها غيرت البرفيوم بتاعي، متخيل!!! _غيرته ليه مش فاهم؟ _مهي الهانم طالبتني أجبلها نفس الماركة فاضطريت أجيب لجناب الرائد واغير أنا لنوع تاني، متخيل يعني بذكائك إن أنا هحط نفس النوع بعد ما حد تاني يحطه!!! انفجر بنوبة من الضحك وقال: لا ميصحش يا طاووس، دي متجيش بجميع المقاسات. وتابع بجديةٍ:
المهم مايا مصممة تنزل معانا مصر، ومن ساعة ما مشيت منعت الأكل، أنا مش عايز حالتك النفسية تقصر عليها وعلى ابنك! تنهد بضجرٍ وقال: متقلقش هتصرف، وخلاص العمال بدأوا ينضفوا قصر الغرباوي، قبل وصولكم هيكون جاهز لاستقبال فريدة هانم. _الله عليك يا بشمهندس، أحبك وإنت بعقلية رجل الأعمال الناجح ده. _مش دايمة لحد يا دكتور، دقيقتين كمان وهيخرجلك الطاووس الوقح، عندي انفصام في الشخصية بعيد عنك وعن السامعين.
مرت من جواره السيدة الملقبة ب (أم عزت) حيته ببساطتها: منور الحتة كلها يا بشمهندز، كده متعديش عليا أحضرلك غدا من اللي هو. منحها ابتسامة وقال: من النجمة هتلاقيني عندك يا ست الكل، بس دلوقتي معزوم عند ناس حبايبي. تابعت بمعزة حملتها إليه: هستناك سلام عليكم. ردد السلام وابتسامته تتسع شيئًا فشيءٍ، عاد يضع هاتفه على آذنيه فاستمع لصوت ضحكات علي، الذي تساءل بصعوبةٍ: مين دي يا بشمهندس؟ أجابه بحماسٍ:
أم عزت عرفني عليها آيوب، بس بتعمل إيه شوية فلافل وبتنجان يستهلوا بوقك يا دوك، ويمكن دي من أهم الأسباب اللي هتخليني أفضل في cairo. وأضاف إليه: لما تيجي هخدك أكلك عندها مرة. =إبعد عني يا عمران، أنا مبسوط كده خليك في أكلك إنت، وأوعى تعرف فريدة هانم باللي قولته ده. _مبسوط إزاي وإنت كده!! علي إنت لازم تلعب رياضة لأنك sorry شبه خلة السنان. =أنا مقتنع بنفسي وحابب نفسي كده، ركز في رياضتك واعتقني أنا وشمس لوجه الله.
_يابني الرياضة بتربي عضلات، جسمك حلو وإنت مهتم بيه بالأكل الصحي، فاضل بس تشيل حديد. = الوقت اللي هشيل فيه حديد أقرألي فيه كتابين تلاته، فخليك في حالك وإترك حالي لحالي، وقبل ما ترغي كتير هقفل وشوفلك حل مع مايسان، يوسف مقلقني من حالتها، يلا سلام. أغلق عمران الهاتف وفتح محادثة زوجته، حرر زر التسجيل وقال بخبث:
اشتاقتيلي مش كده، وأنا كمان مع إني لسه قافل معاكِ يا بيبي، بس للأسف رسالتي مش خير ليكِ أبدًا، كده حبيب قلبه متقدم فيه شكوة، فحبيت أبلغك رسالة وإعتبريها إنذار، لو فاكرة إني مش موجود فده هيديكي الحرية تهملي في أكلك و أدويتك فده مش هيحصل، بنهاية الاسبوع ده لو مكنش ميزانك زايد 3 أو 4 كيلو مفيش سفر لمصر يا مايا وإنتِ عارفة كلمة عُمران الغرباوي قادرة تعمل إيه حتى وأنا مش موجود.
نهض عن محله، يعيد الهاتف بسترته السوداء، يستعد للرحيل، فإذا بتلك المرأة المسرعة تصطدم به، فأسقطت عنها الحقيبة التي تضعها على يدها بإهمالٍ. حرك عمران كفه ببعض الألم، جسد تلك المرأة كان قويًا لدرجة جعلته يطالعها بدهشةٍ. انحنى يليتقط حقيبتها، واستقام يقدمها لها هاتفًا بلباقةٍ: أنا آسف حضرتك اللي طلعتي فجأة قدامي.
هزت رأسها وهي تمد يدها لتلتقط الحقيبة بتوترٍ، قدم لها عمران الحقيبة، فلفت انتباهه يدها الخشنة والمطموسة بمعالم الرجولة، عاد يتمعن بوجهها بنظرة متفحصة ولتلك الهزيلة التي تجاورها، وقبل أن يترجم اشارات عقله، وجد السيدة رقية تندفع نحوهما وهي تصرخ بجنونٍ: خديجـــــــة! *** حملت هاتفها وهبطت تبحث عنه، حتى عثرت عليه بمكتبه، بعد أن بدل وجهته عن جناحه خشية من أن تعلم ما مرت به شقيقتها. ولجت فاطمة تبحث عنه هاتفه بذعرٍ:
علي، بكلم زينب من الصبح مبتردش عليا، ممكن تتصل بسيف وتخليه يديها التليفون أنا قلقانه عليها أوي. نهض عن مكتبه يسيطر على ثباته بصعوبة، وقال بهدوءٍ: ما يمكن نايمة أو قفلت موبايلها وحبت تقضي شوية وقت مع جوزها. هزت رأسها برفضٍ تام وقالت: مستحيل تعملها، هي عارفة اني بقلق عليها. وأكدت عليه باصرارٍ: كلم سيف بسرعة. اضطر أن ينصاع لها، وبالفعل اتصل هاتفيًا به، فوجده يجيبه مندفعًا:
دكتور علي، البشمهندس جمال اتأخر أوي ومعاد الطيارة خلاص. أسرع يحجب حديثه: فاطمة قلقانه على زينب يا سيف، اديها الموبيل تكلمها لو أمكن. وقدم لها الهاتف ثم وقف يتابعها باهتمامٍ. عاتبته فاطمة فور، أن استمعت لصوتها: زينب،حبيبة ديالي واش انتي لاباس؟؟ تيليفونك مسدود من الصباح،انا اتخلعت عليك! (زينب حبيبتي انتي كويسة؟ قافلة موبيلك من الصبح ليه قلقت عليكي!! =انا بخير ا فطيمة،غير التيليفون ديشارجا و خلاص
(أنا كويسة يا فاطمة بس الموبيل كان فاصل شحن مش أكتر) _زينب مالك،صوتك جاني غريب اش كتحاولي تخبي عليا؟ (صوتك غريب، بتحاولي تخبي عني إيه يا زينب؟ أجابتها بتوترٍ: لا والو احبيبة،غير انا مشغولة كنجمع حوايج السفر،حيت سيف قرر اننا نمشيو ندوزوا شهر العسل في مصر (مفيش يا حبيبتي، أنا بس مشغولة بترتيبات السفر، لان سيف قرر إننا نقضي شهر العسل بمصر) بدهشةٍ هتفت: مصر!! ولكن انتي ماقولتيليش هاد الخبر فاش كنت عندك اخر مرة !! (مصر!!
بس انتي مقولتليش الخبر ده وانا عندك أخر مرة!! ردت عليها بتوترٍ: حيت هو كان دايرهالي مفاجأة،و يلاااه قالهالي هاد الصباح (عشان هو كان عمالهالي مفاجأة، لسه عارفة الصبح) وأضافت لتطمنها: ما تقلقيش الدكتور علي قالي بانه يومين و غايلحق بينا باش يحضر عرس شمس. (متقلقيش دكتور علي قال إنه يومين وهيحصلنا عشان فرح شمس) تنهدت فاطيمة وقالت: بصح ازينب، انتي بخير؟ (بأمانة يا زينب انتي كويسة؟ أجابتها بحبٍ:
انا بخير احبيبتي غي ارتاحي و ريحي قلبك ،يلااا سيف كيقولي سربي راسك ، غنعيط ليك من بعد (انا بخير يا حبيبتي اطمني وطمني قلبك، يلا سيف بيستعجلني، هكلمك بعدين) اغلقت الهاتف وتطلعت لعلي بنظرة مهمومة، تركت الهاتف على المكتب وخرجت دون أن تضيف كلمة واحدة. *** فور أن وجدها معتز تقترب منه، ألقى الحقيبة ونزع الخنجر من أسفل خمارها، يصوبه أسفل ذقنها بعدما نزع نقابه وصرخ بجنونٍ: أي حد هيتحرك من مكانه مش هسمي عليه.
وفجأة اقتربت منهم سيارة مكشوفة، تحمل أربعة رجال ذو بنية قوية، يحملون الأسلحة البيضاء المدببة، هبطوا يسرعون إليه ويأشرون بالخناجر في وجوه المارة ليبعدوهم عن ذلك الوضيع الذي اشتراهم بمبلغ زاهد من المال! *** ترك باب سيارته مفتوحًا وسحب سلاحه الخاص، ثم هرول تجاه وكالة يونس، اقتحم مكتبه بشكل افزع فارس والشباب. فكان آيوب اول من تحدث: آدهم! صاح بيونس وعينيه تفتش عن غايتها: معتز هرب! انتفض بجلسته وأسرع إليه يهتف بهلعٍ:
هرب إزاي؟؟ أجابه وهو يسرع للخارج: مفيش وقت، أكيد هيحاول يتعرضلك أو أ. جحظت عيني يونس دون سماع باقي كلماته، هرول راكضًا تجاه المنزل، فاستوقفه مجموعة من الناس يتجمهرون حول شيئًا غير مرئي له ولمن خلفه. اتجه إليهم، لتضربه صاعقة فور أن رآها تنازع السكين يحيط رقبتها!!!! ….. يتبع…….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!