الفصل 34 | من 124 فصل

رواية صرخات انثى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ايه محمد رفعت

المشاهدات
17
كلمة
8,398
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

تبلد قاتل يزحف لجسدها فأفقدها القدرة على الحركة تدريجياً. تمدد جسد "فاطمة" على الفراش تاركة تلك الغمامة القاتلة تستحوذ على جسدها بكل ما تمتلكه من قوة. أغلقت عينيها الباكية باستسلامٍ رغم معافرتها لعدم إغلاقها. ولسانها مازال يخفق دون توقف: "علي... علي تعالى متسبنيش ليهم يا علي!

فقدت سيطرتها على جسدها بشكلٍ نهائي لتصبح كالمقيدة تشاهد ما يحدث برضىً تام. ها هم الثلاثة وجوه يلتفون من حولها، مثلما التف "عمران" و"علي" و"نعمان" بالخارج، يتشاجرون بعنفٍ بالغ على من يكون أول من يحصل على تلك النقية التي لم يمسها رجلٌ قط. تعود لترى نفسها مقيدة بعجزٍ على سريرٍ حديدي وعينيها المحتقنة من البكاء تتوزع بينهم بتوسلٍ أن يرحموا ضعفها وبرائتها.

الشجار العنيف فقط هو ما تسمعه، مقايضات بينهم وتفاوضات ليحظوا أحدهم بالمرة الأولى. وبعد نصف ساعة من الجدال والاتفاقات على زهاق روحٍ طاهرة عفيفة، اعتدى أولهم عليها اعتداءً وحشياً انتهكت فيه براءتها وذُبحت فيها لمرتها الأولى. أغلقت عينيها باستسلامٍ لمصيرها وأخر ما تحتفظ به وجه كل شخصٍ منهم. حتى اجتمع ثلاثتهم من حولها يتطلعون لها بانتصارٍ لما اقترفوه بتلك المسكينة.

هزت رأسها المتعرق رافضة تواجدها بغرفة الذكريات القاتلة. تختبئ بالخلف وهي تشاهدهم يعتدون على جسدها المقيد بالسرير بعدما انفصلت روحها عنه. يدها تكبت شهقاتها ظناً منها أنهم سيستمعون لها وينتبهون لوجودها فتُذبح روحها هي الأخرى مثلما ذُبح جسدها. انتفاضةٌ أخرى وجسدها يرتعش كالغريق. تشعر وكأنها ستفارق الحياة في أي لحظة. فسقطت أرضاً تنزوي بإحدى الأركان، تضم ساقيها لصدرها وتبكي دون توقف حتى أتاها صوتٌ من بعيدٍ يناديها بقوة:

"فطيمـــــــة." نغز قلبها بنغزةٍ أعلمتها بأنها تعرف صاحب هذا الصوت قلباً وقالباً. فنهضت عن الأرض تحاول تتبع الصوت وهي تردد ببكاءٍ: "علــي.... علـي ساعدني! يدٌ حنونة تزيح قطرات عرقها وصوتٌ رجوليٌ دافئٌ يخبرها: "أنا جنبك وايدي في ايدك يا فطيمة... فوقي، اللي إنتي شايفاه ده حلم مش حقيقة. افصلي نفسك عنه وافتحي عيونك!

انقطعت أنفاسها المحتبسة بصدرها، وتلوى جسدها الذي يحاول الحصول على الخلاص. فارتاعب علي ورفعها إليه جالساً من خلفها يحيطها بكلتا يديه إليه وهو يعود لحديثه: "حبيبتي أنا جنبك مستحيل حد يأذيكِ وأنا حي. افتحي عيونك هتلاقيني جنبك وحواليكي ومش هتلاقي وجود لأي حد غيري." وتابع حينما لم تهدأ اضطراب أنفاسها: "ثقي فيا زي ما اتعودتي. أنتِ هنا معايا وفي حضني اللي مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطولك فيه. افتحي عينك يا فطيمة."

البرودة تتسلل لأطرافها، تزداد حالتها سوءاً بدرجةٍ جعلته يفطن بأنها أبشع النوبات التي تتعرض لها. شعوره بالعجز جعله يضم وجهها بيديه وهو يترجاها بتوسلٍ حزين: "فوقي يا فاطمة عشان خاطري. أنا آسف إني سبتك لوحدك كل ده مش هعملها تاني صدقيني! ومرر يده بين خصلات شعرها وهو يقربها لصدره عسى رائحته المحببة لها تعيدها إليه. ولكنها مازالت متيبسة بين يديه تردد ببكاء: "متسبنيش ليهم يا علي.. متسبنيش!

جذبها لأحضانه يضمها بكل ما فيه هامساً بصوتٍ أخنقته دموعه العزيزة: "على عيني اللي حصلك يا قلب علي. يا ريت الزمن يوقف بينا ويرجع من تاني أقسملك ما كنت هخلي مخلوق يمسك بشر. كنت هحارب الكون كله عشانك يا فاطمة من أول خطيبك الحقير لحد الكلاب اللي اتسببولك في اللي انتي فيه ده." واستطرد بتوسلٍ وهو يقبل جبينها بعشقٍ: "ارجعي لوعيك عشان خاطري. يهون عليكي وجع قلبي يا فطيمة؟ افتحي عيونك!

ومدد ساقيه ليتمكن من السيطرة على جسدها الماسد بين يديه، فأدارها إليه وضم وجهها بيديه يهزه بعنفٍ وصرامة: "اسمعيني انتي هتفتحي عيونك حالاً ومش هتخليني ألجأ للمهدئ تاني. هتقومي وهتلاقيني هنا جنبك وهتتأكدي إن اللي في دماغك وهم مالوش مكان غير في مخيلاتك." وسيطر على دموعه بقوةٍ وهو يهزها بنبرةٍ آمرة: "افتحي عينك يا فاطمة حالاً!

رفرفت بأهدابها على مهلٍ حتى تحررت من ظلام مقلتيها. فكان وجهه أول من قابلها. سحبت "فاطمة" عينيها للغرفة وهي تنسحب للخلف بفزعٍ، تراقب كل زاوية لتتأكد بأنهم ليسوا هنا بالفعل. استكانت حدقتاها بلقاء رمادية عينيه الدامعة. ففرق ذراعيه فاستجابت له وانزوت فيه وإليه! شملها "علي" بين أحضانه وأعصابه مازالت ترتعش نافرة عن جسده لما خاضه ليجعلها تستعيد وعيها. فهتفت بصوتٍ مبحوح: "علي أنا كنت خايفة متجيش وتسبني ليهم يا علي."

ربت على رأسها ومازال شارداً بالفراغ، جسده منهك للغاية، يشعر وكأنه هو الذي سيفقد وعيه الآن. افتقدت لصوته الغائب عنها منذ عودة وعيها فنادته بقلقٍ ورأسها مستكين على صدره بتعبٍ: "علي! طال غياب صوته الدافئ. لا يصل إليها سوى صوت أنفاسه العالية. ابتعدت عنه واعتدلت بجلستها تتطلع له بذهولٍ يزداد مع كل دمعةٍ تراها تنهمر من عينيه الشاخصتين بالفراغ! بكت فاطمة بصدمة وحركته بتأثرٍ: "علي!!!!

رمش بعينيه وتمعن بها فوجدها تراقبه بخوفٍ وقلقٍ ينهشه بعتاب نظراتها المستكشفة لحزنه. بدى حائراً بما يقتحم رأسه بتلك اللحظة، ولم يجد سوى المجازفة ترحب به. فدنى منها وعينيه لا تفارق خاصتها، يعوض خوفه بها وحينما وجد يدها تتعلق برقبته أحاطها بفيضٍ من شوقه الجارف.

أزاح أسدال صلاتها وعينيه لا تفارق عينيها، يحاول أن يستشف أول خطواته بالنيل من هاجس خوفها. ترك عاطفته تعبر لها عن حبه البريء الذي لا يطمع بها جسدياً، يدفن شهواته بكل ما يملك من قوة صبر ليجعلها لا ترى إلا نظرات عينيه الدافئة التي لا تفارق عينيها بالرغم من أنها الآن باتت بين ذراعيه كأي زوجة.

أراد أن يحطم الصورة التي تكونت بعقلها عن شكل العلاقة بين أي رجلٍ وامرأة بعدما نجح هؤلاء الأوغاد بترك تلك الصورة تزدهر بعقلها. فلجأ "علي" لطريقته هو ليعاونها على رسم صورة أخرى تنافس ما تُركت لها بقوةٍ تجعلها تتمزق ولا تعود لمخيلتها أبداً.

كان يمارس أقسى مرحلة من انضباط النفس ومعشوقته التي تمناها بين ذراعيه، يحارب ويحارب ليجعلها لا تفارق عينيه الشغوفة بعشقها. يجعلها تعتاد على وجوده بحياتها بشكلٍ جديد يمهدها للقادم من مستحدثاتٍ بعلاقتهما. يعلم بأن الأمر ليس هين عليه ولكنه سيفعل أي شيء ليعاونها أن تمحو كل ذكرياتها وتبدأ معه هو من جديد. خطفت فاطمة نظرة خاطفة لذاتها فجحظت عينيها صدمة وابتعدت عنه مرددة بخفوتٍ حرج: "علي!!

دنى منها يوقفها عن التراجع، محيطاً وجهها بيديه يرفعه بقوةٍ إليه. تقابلت عينيها معه من جديد وتحرر صوته المحتفظ ببحةٍ مميزة: "قولتهالك قبل كده إن مش فارق معايا أي شيء غير قلبك يا فطيمة. مش عايز غيره! واقترب يستند بجبينه على جبينها هامساً بعشق: "ارمي كل حاجة ورا ضهرك ومتشوفيش غيري أنا. ركزي في تفاصيل حبنا وقصتنا اللي ابتدت من أول لقاء جمعنا في مصر." وأغلق عينيه بقوةٍ يجابه انتفاضة قلبه من قربها إليه لهذا الحد:

"اللي فات مش بتاعنا يا فطيمة اللي جاي هو اللي ملكنا. أنا الحاضر ومستقبلك. أنا كل ذكرى حلوة هتتحفر جواكِ للأبد." وفتح رماديته يتفحص تأثير كلماته وقربه منها فوجدها تغلق عينيها بخجلٍ بعيداً كل البعد عن النفور تمكن من تفسيره جيداً. فناداها بلوعةٍ: "فاطمة." فتحت شمس عينيها تقابل سكنة عينيه الثابتة كسطوع القمر المحتل ليله المظلم بضيائه الباهي. وألماسته تنفلت على لسانه الناطق:

"بيقولوا إن كل طبيب نفسي بيحتاج كل فترة إنه يزور طبيب زميل ليه يسمعه. وأنا مستكفي بعيونك هما طبيبي فبالله متحرمنيش من الراحة والسكينة اللي بحسها وأنا جواهم! أدمعت عينيها تأثراً بكلماته، فأجبرت لسانها على تحرر كلمة واحدة تشمل ردها على كل حرفٍ خرج منه: "بحبك يا علي." سحب نفساً مطولاً وعاد يستند على جبينها من جديدٍ، يخبرها:

"وده المهدئ لكل وجع جوايا. ردديها في كل مرة تلاقيني فيها مهموم أقسملك هتلاقيني بتولد من جديد على ايديكِ يا فطيمة! ابتعدت برأسها للخلف ففتح رماديته يراقبها باهتمامٍ، فوجدها تبتسم وهي تنخفض عنه لتضع رأسها على صدره باستحياءٍ.

اعتدل "علي" بمنامه ليمنحها نومة مريحة بعدما تسلل النوم إليها. ضمها إليه وهو يتنهد بوجعٍ يزيد من حدته كلما تذكر ما مر به برفقتها منذ قليل. كان على وشك خسارة كل تقدم أحرزه بحالتها مع تلك النوبة الشديدة التي لم يختبرها رفقتها من قبل. لا يعلم كيف تماسك ليعيدها من جديد، ولكنه ركز على ثقته وإيمانه بالله عز وجل وفي حبه الشديد المدفون داخل صدرها محتلاً قلبها. حركه وتركه يعاونه على استعادتها وها هو تعود له وهو يحرز هدفاً آخر حينما فتح معها باباً آخر بعلاقتهما المعقدة. ومازال يأمل بأنها ستكون زوجة له بإرادتها!

أغلق باب غرفته وتحرك للفراش غاضباً من اتخاذ والدته قراراً كهذا. لم يكن بالشخص الذي يرضخ لأحدٍ مهما فعل. تسلل له صوتٌ خافتٌ يناديه: "عُمران." استدار بجسده للخلف فوجدها تقف أمام الخزانة ترتدي كامل ثيابها حتى حجابها. تألم قلبه لرؤيتها تأخذ حذرها بما ترتديه حتى وهي بغرفتها. فأشار لها بالاقتراب منه. جلست "مايسان" جواره فضمها إليه بقوة: "اقلعي اللبس ده واقعدي على راحتك مستحيل يكررها تاني يا مايا."

أومأت له بخفةٍ وبالفعل نزعت عنه الجلباب الأسود والحجاب. فجذبها لتغفو جواره. التقطت نفساً مطولاً وأخرجته على مهلٍ قائلة: "عمران عشان خاطري نفذ الكلام اللي خالتو قالت عليه. خلينا نتفادى شره وأذاه ونعيش في سلام. إنت مش محتاج للشركة دي في حاجة ما شاء الله شركاتك محققة نجاح ونص المشاريع اللي بتيجي على شركة العيلة بتيجي عشانك إنت." جذب ذراعها يجذبها إليه يربت بعشقٍ على ظهرها، قائلاً بنبرته الرخيمة:

"هعمل اللي يريحك يا مايا. بس وربي لأدفعه تمن اللي عمله النهاردة ده وبالغالي أوي." شددت من تعلقها به بفرحةٍ انتقلت إليه: "أيوه كده تبقى حبيبي الطيب الكيوت اللي بيسمع الكلام." ضحك بصوته الرجولي وصحح لها ساخراً: "قصدك كده حبيب قلب جوزه قرطسه ومفكر نفسه قادر يمشي كلمة عليه! شاركته الضحك وتنعمت بنومها مجدداً بين ذراعيه وتلك المرة قد حرص عُمران على غلق باب غرفته بالمفتاح تحسباً لوجود شقيق والدته الأرعن!

مطرقةٌ عنيفةٌ هوت على ظهرها تقسمه لمرتها الثانية. فنزعت أخر ما تبقى لها من السند العتي. نالت مطرقتها الأولى بفعل زوجها الراحل والآن حان الدور لأخيها ينال منها بأسوء الطرق.

انزوت على فراشها تضم يدها حولها، تهز كفيها على ذراعيها دون توقف وكأنها تزيل برودة جسدها المتبلد. ساقيها لا تتوقف عن الاهتزاز ودموعها تنهمر على وجهها كغسق الأمطار في ليلةٍ شديدة الغيوم. تحاول تهدئة نفسها ولكن دون جدوى تزداد أنفاسها بالاختناق ويحتقن بداخلها أمل الاسترخاء.

التقطت أذنيها صوت دعسات حذائه الثقيلة تقترب منها، ومن قبل أن ترفع عينيها الزرقاء إليه تسللت رائحته التي سكنتها لأعوامٍ تجعلها تتعرف عليه من على بعد حتى وإن كانت تخوض ظلاماً قاتلاً. انخفض بها الفراش المنظم قليلاً فعلمت بأنه يجلس قبالتها الآن. فزادت من انغماس عينيها للأسفل تتحاشى رؤيته فتنفضح دموعها وحالتها الضعيفة إليه.

أصابع قوية دُفنت بين أصابع كفيها الرقيق بسيطرةٍ تخضعها لوجوده جبراً. وقبضته الأخرى تدفع جسدها إلى صدره. وجهه الآن يميل على رأسها مدفوناً بين خصلات شعرها القصير بسكونٍ زاد من ربكتها. صوته الآن يتحرر بنبرةٍ مغريةٍ خافتة:

"متحاوليش تخبي ضعفك عني يا فريدة. ممكن تخدعي كل عيلتك وأولهم سالم لكن أنا لأ. أنا مدفون جواكِ وفيكِ. فاهم وعارف كل نظرة خارجة منك. ومقدر طول الفترة اللي فاتت تحكمك في نفسك عشان تحافظي على علاقة نعمان بيكِ." واسترسل يهون عليها ما قد تلقيه على عاتقها: "إنتِ عملتي اللي عليكِ علشان تحافظي عليه بس هو اللي للأسف طمعه وجشعه خلاه كفيف عن أي علاقات ودية يا فريدة." وتابع ومازال رأسه ينحني فوق رأسها:

"طول عمره كده مستحيل يتغير أبداً. كل اللي في دماغه يسيطر على الشركة الأم المسيطرة على فروع عيلة الغرباوي. زمان عمي وأبويا وقفوا قدام بعض عشان الشركة دي جدي قاطعهم وفارقهم لحد ما رجعوا عن اللي في دماغهم واتنازل أبويا لأبوكي عن الشركة عشان ميخسروش بعض. موقفك اللي عملتيه من شوية ده فكرني باللي حصل زمان فمتندميش على قرارك اللي اخدتيه يا فريدة بالعكس انتي أخدتيه متأخر أوي. شخص زيه مينفعش يكون موجود في حياتك وبين أولادك."

تحررت شهقة متقهقرة بداخلها، فرفعت يدها تتعلق بقميصه مرددة ببكاءٍ: "ده اللي فاضلي من عيلتي يا أحمد. بابا وماما وأختي الوحيدة كلهم ماتوا مكنش ليا غيره وكنت بعتبره عيلتي كلها بس عمره ما حسسني إني أفرقله في شيء. مفيش مرة نزل فيها لندن إلا وطلب مني أتنازل عن الشركة كأنه بيعرفني إن ده الشيء الوحيد اللي بيربطنا ببعض! أحاطها بقوة بين أضلعه وردد إليها بحزنٍ عميقٍ:

"ميستهلش. والله العظيم ميستاهل دمعة واحدة من عنيكِ الغالية دي. اللي استغنى عنا إحنا في غنى عنه يا فريدة. قوي نفسك وادعمي قرارك لإنه هو الصح. نُعمان عايز يكسر شوكة عُمران بأي شكل من الأشكال لأنه تبارك الله بقى له اسمه وده عمله بعيد عن شركات براند "الغرباوي". وزي ما قال ابنك كون إنه سحب الشراكة بينهم فده هيوقع أسهم شركاته كلها لأن أغلب المشاريع اللي الشركة الأم بتنفذها عملاؤها مختارين الشركة لوجود "عُمران سالم" شريك مساهم فيها. ضربة نُعمان القاضية جاية وبقوة."

انهمرت دموعها على وجنتها حتى ابتل قميصه من شدتها، وحررت صوتها الخافت تخبره: "مكنتش عايزاه يهتم بالأملاك والثروة وكل ده كنت عايزاه يحتويني ويتمسك باللي فاضله من عيلته زي ما أنا كنت متماسكة بيه يا أحمد." رفع ذقنها إليه لتقابل نظراته العاشقة لكل تفاصيلها، مشدداً على حروف كلماته: "أنا عيلتك كلها يا فريدة. أنا أخوكي وأبوكي وحبيبك وجوزك وكل ما ليكِ في الدنيا كلها فبالله متقوليش إنك مالكيش حد في وجودي!

رفع ذراعيها تحيط برقبته وتضم ذاتها إليه، فاحتواها إليه وهو يعود لعاطفة كلماته العاشقة: "عيشي يا فريدة وارمي وراكِ كل شخص وجعك وأذاكِ. عيشي جوه قلبي هو الوحيد الآمن ليكِ وقادر هيحميكِ وهيصونك بعيد عن كل ده." وعاتبها بحزنٍ يلف يفترسه: "هو ده عوض البعد وسنين الفراق يا فريدة؟

بعد كل اللي مرينا بيه رجعنا نكون مع بعض من تاني. انسي كل الناس وكل الوحش وسبينا نعيش اللي اتحرمنا نعيشه مع بعض. بلاش نفكر في اللي هيوجعنا لأننا مبقناش حمل وجع تاني." وأبعدها عنه يطالبها بصرامة: "اوعديني." رفعت يدها تزيح دموعها ومنحته ابتسامة جعلت تعابيره المشدودة ترتخي تدريجياً: "أوعدك يا حبيبي إني هعيش اللي جاي من حياتي علشانك إنت وبس. كل حلم حلمت بيه عنك هحققه وأنت معايا." ودنت منه تردد بحبٍ جعل

قلبه يرتجف من قوة عشقها: "أنا مش عايزة غيرك إنت يا أحمد! عند ذاك الحد لم يكن عليه محاربة مشاعره. دنى إليها يعبر عن عاطفته حتى اختطفها لعالمٍ بُني على حقيقة شغفهما معاً.

استيقظ باكراً قبل الموعد الرسمي المحدد لموظفين الشركة، فنهض يتجه للراديو الصغير الخاص به، يفتح إذاعة القرآن الكريم ويحرر شرفة غرفته الصغيرة. ومن ثم يتجه للركن الصغير الخاص به يعد شطائر الفول الطازج وقدح من شاي النعناع الساخن. ثم حملهما وخرج يتناول طعامه ومن ثم اتجه لمكتبه المتواضع يرتدي نظارته الكبيرة ويباشر عمله بكل محبة.

مضت عليه نصف ساعة كاملة حتى استمع لدقات بابه الحديدي، فرفع عينيه عن دفتر الحسابات فوجد أمامه نفس الشاب الذي أتى به "عُمران" بالأمس. رفرف بأهدابه بدهشةٍ، ونهض بخطواته الثقيلة التي تناسب جسده الكهل ليحرر مزلاق بابه وعاد لمقعده مردداً: "غريبة يعني إنك رجعت ولوحدك من غير ما عمران يجبرك! اتشحت ابتسامة جميلة على وجهه البشوش، واتجه لمقعده المقابل لمكتب "ممدوح" قائلاً بحماسٍ ولباقة:

"جيت عشان مفيش بشمهندس عاقل يفوت فرصة إنه يتعلم على إيد استاذ عظيم زيك." ضم كفيه معاً وانحنى يستند عليه قائلاً بابتسامةٍ صغيرة: "مكنش باين لك رجوع على ملامحك المُجهدة امبارح؟ خلع "أيوب" عنه ذراع الحقيبة وقال بابتسامةٍ مشرقة: "والدي الشيخ مهران علمني ما أستسلمش بسهولة، وبعد اللي حضرتك عملته معايا امبارح كان لازم أبينلك إني مش الشخص اللي كونت عنه أفكارك امبارح."

بدى خبيثاً، ماكراً، متحاذقاً مما دفع "ممدوح" ليسأله بنزقٍ: "تقصد أيه! أجابه ببساطةٍ ومصداقية: "من خلال الكام ساعة اللي قضتهم مع حضرتك حسيت أد إيه إنك بتحترم وقتك وبتقدسه جداً، فكنت بتحاول تضغط عليا بكل السبل عشان تشوف إذا كنت هرجع تاني ولا لأ. ولو رجعت يبقى أستحق وقتك اللي هيضيع معايا في تعليمك الخطوات الجاية لو مرجعتش يبقى وفرت عليا وعليك وقت ومناهدة." تراخت شفتيه الغليظة عن ابتسامةٍ تظهر لمرتها الأولى،

فسحب رشفة من الشاي وقال: "عجبتني. وشكلك هتكون تلميذي التاني بعد "عُمران الغرباوي"." وأشار إليه بنظرةٍ ارتخت عن حزمها قليلاً: "تحب نبدأ؟ فتح سحاب حقيبته يخرج دفتره وبعضاً من الألواح هاتفا بحماسٍ: "أنا جاهز. اتفضل! هبط للأسفل يفرك عينيه وهو يجاهد النوم بكل ما فيه، فكان بطريقه للمطبخ ليعد كوباً من القهوة تزيح صداعه القاتل، فتوقف محله حينما لمح أخيه يجلس بالصالون يرتشف كوباً من القهوة ويقرأ بأحد الكتب كالمعتاد عنه.

اقترب منه عُمران يردد ببسمةٍ عابثة: "صباح الخير يا دكتور." انتبه "علي" إليه وأجابه بابتسامةٍ هادئة: "صباح الخير يا عمران. منزلتش شغلك ليه؟ إتجه إليه يجلس على ذراع المقعد ينتزع من يده الكوب وهو يرتشف منه كمدمنٍ مفتقدٍ لمذاق الكوفين، وردد: "بفكر منزلش النهاردة. ورايا كام حاجة هخلصهم هنا على اللاب وكمان ساعة هنزل مشوار على السريع كده ممكن بعدها أعدي على الفرع اللي هنا أشوف الدنيا وأرجع تاني." أغلق كتابه

وأعاده على الطاولة وقال: "المهم تنهي حوار الشراكة ده خلينا نخلص." هز رأسه بخفوتٍ وردد بتهكمٍ: "كلمت امبارح المحامي وبيرتب الأوراق. متقلقش." هز رأسه بخفوتٍ، فاتجه عُمران للأريكة يحتلها، وصاح بإحدى الخادمات: "احضري لي حاسوبي من غرفتي رجاءً."

أماءت له باحترامٍ وغادرت لتعود بعد دقائق بما تحمله فوضعته من أمامه، فتحه عُمران وشرع ببعض أعماله، وبين الوقت والآخر يختطف نظراتٍ سريعة لأخيه الشارد والهموم تتثاقل بين حدقتيه الرمادية. فأخفض عمران شاشة حاسوبه وسأله بلهفة: "مالك؟! مسح على فمه بحركةٍ عشوائية وأجابه: "مفيش. بفكر ألغي سفري لمصر بس للأسف لازم أعمل المشوار ده." اعتدل بجلسته يعيد سؤاله باستغرابٍ: "وعايز تلغيه ليه؟

المركز أساساً شبه مكتمل مكنش فيه غير المساحة اللي انت ضمتها ليه والفريق بينجز فيه على أكمل وجه لازم إنت كمان تتحرك وتختار الدكاترة والممرضين اللي هتحتاجهم وبسرعة. لف وجهه المهموم إليه: "عارف بس اللي رباني من السفر فاطمة حالتها مش مستقرة. خايف أجازف وأبعد عنها يحصلها حاجة وأنا مش جنبها. فاطمة لسه متعافتش بشكل كامل." ترك عُمران حاسوبه ونهض عن أريكته متجهًا لمقعدٍ يجاور مقعد أخيه، وازدرد ريقه بارتباكٍ

اتبع منهج سؤاله المتردد: "علي. هو إنت وفاطيما بتمارسوا حياتكم بشكل طبيعي؟ تقوس جبينه بشكلٍ ملحوظ، فاعتدل عُمران بجلسته يوضح له: "أصل حالتها غريبة ومقلقة! تعمق بالتطلع لعينيه الشبيهة لخاصته بلونها، ومنحه بسمةً خافتة اتبعها قوله الذكي: "لو سألتك نفس السؤال عنك إنت ومايا هتجاوبني؟ رمش بأهدابه عدة مرات في محاولةٍ لاستكشاف ما يود قوله، فتابع علي بنبرةٍ رزينة:

"إنت قمت الدنيا كلها لما خالك اقتحم أوضة نومك وإنت دلوقتي بتعمل نفس الشيء يا عمران بتقتحم خصوصياتي أنا ومراتي فمتوقع مني أيه مثلاً؟ ابتلع ريقه بتوترٍ أخفاه بقوله: "أنا آسف لو سؤالي ضايقك يا علي. أنا بس آآ... قاطعه بابتسامةٍ واسعة وملامحه لم تتأثر مطلقاً: "متعتذرش يا عمران أنا فاهمك وعارف إنك متعمدتش ده بس اللي لازم تفهمه إن مهما كان قربنا وحبنا لبعض في النهاية في خطوط حمرا محدش منا يقدر يتخطاها." هز رأسه بتفهمٍ:

"عندك حق." اتجهت نظرات علي لحاسوب عمران وسأله باهتمامٍ: "كنت بتقول إنك معاك تصميم لمكتبي بعد التعديل. وريني أنا متحمس جداً أشوف هترتبلي مكتبي ازاي انت وفريقك يا بشمهندس! ضحك وهو يشير له بغرورٍ: "بعينك تشوف حاجة. سافر إنت وارجع وكن على ثقة إن عمران الغرباوي هيبهرك. يا ابني كفايا عليك إني مش بعمل ديكور لحد! ضحك وهو يراقبه يعود لأريكته رافعاً رأسه للأعلى كالطاووس، فجذب الوسادة التي تجاوره وألقاها بوجهه هاتفاً:

"طاووس وقح! غمز له برماديته يجيبه بسخرية: "طب انصرف علشان بخاف من الحسد وعايز أفرد ريشي! تعالت ضحكات "علي" واستكان بجلسته يجذب كتبه، يعود لقرائته الصامتة بينما الأخير يتلذذ بكوب القهوة التي اتخذها عنوة ويتابع حاسوبه هو الآخر. مرت الساعات ومازال كلا منهما منشغل بما يفعله، حتى اقتحم مجلسهما "مايسان" و"فاطمة" التي كانت تدفع طاولة صغيرة لتستقر أمام "عُمران" فاستقام بجلسته منتبهاً لها، فوجدها تردد ببسمةٍ صغيرة:

"نسيت الاتفاق؟ وزع نظراته على أطباق الطعام الشهي ورفع عينيه لها يجيبها بامتنانٍ: "أيه كل ده. تسلم ايدك يا فاطمة تعبتك معايا." أجابته بلباقة: "يا رب يعجبك." ابتسمت مايا ورددت بمشاكسة: "كان نفسي أطبخلك الأكلة دي بنفسي بس للأسف مقدرش أنافس في الأكل المغربي قدام فاطيما خسرانة بالعشرة." ضحكت لها ورددت بخجل: "أنا أجي أيه جنبك يا مايا." أشارت لعمران الذي يتابعهما مبتسماً: "متصدقهاش يا عمران دي بتشيل عنها العين." واستدارت

تجاه علي تشير إليه: "تعالى هنا جنبه يا علي. الأكل يجنن." رفع معصمه إليه متفقداً ساعته: "الساعة لسه ١٢. أنا بتغدى على الساعة ٣ فمش هقدر أعذروني." منحه نظرة ساخطة وهو يلتهم ما بملقته مردداً: "خليك حافظ على أكلك ومواعيده لما بقيت شبه خلة السنان. نفسي تقتنع بكلامي وتأكل وتعيش حياتك وتقضيها ساعتين جيم كل يوم هتفرق معاك." قذف علي وسادة أخرى إليه: "كمل أكلك وانت ساكت."

ضحكت فاطمة وهي تتبعهما باستحياءٍ، فاخفضت عينيها للحاسوب المجاور لعمران حيث تركه مفتوحاً، فلفت انتباهها جدول الحسابات المعدة وتقنيات تعيد لها ذكريات العامين التي مضتهما بالجامعة وبعدهما لم تتمكن من استكمال تعليمها. لاحظ عمران وعلي تعلق نظراتها بالحاسوب وشرودها، فجذب عمران المنديل الورقي وأزاح بقايا الطعام عن منديله، وبخفة دفع الحاسوب قبالتها قائلاً باهتمامٍ: "الSystem ده مش غريب عليكي صح؟

هزت رأسها بخفة، فقال ببسمةٍ واسعة خبيثة لقرب تحقيق هدفه: "تحبي تجربي؟ خطفت نظرة مرتبكة لعلي الذي ترك كتابه وراقبهما باهتمامٍ يفوق اهتمام أخيه، فقالت: "أنا مش فاكرة أي حاجة. فات فترة طويلة على ما كنت بالجامعة فمش عارفة هقدر ولا لأ." ابتسم وهو يشير لها بالاقتراب بحماسٍ: "بسيطة هعمل معاكي أول حسبة ومع الشرح هتفتكري. تحبي نجرب؟

عادت ببصرها لعلي الذي منحها ابتسامة تبث لها الأمان المفقود، فعادت لعمران تكتفي بهزة رأسها، نهض على الفور يحمل صينية الطعام جانباً ثم وضع حاسوبه عليها ودفعه لتكون بينها وبين فاطمة الجالسة على نهاية الأريكة، فاختار جلوسه على مسافة بعيدة منها لتفهمه حالتها باجتيازٍ. ثلاثون دقيقة استغرقها لينتهي من أول ملف بمفهومه النظامي، بينما كانت تتذكر كل ما تلقتنه من قبل رويداً رويداً، ففتح لها ملفاً جديداً ودفع الحاسوب لها يشجعها:

"نفذي الخطوات اللي عملتها لوحدك وبهدوء. وأنا هشوف لما تخلصي." هزت رأسها إليه وحملت الحاسوب لقدميها تفعل كما أخبرها به، بينما اتجه عمران ليجلس جوار مايا يستكمل تناول طعامه فوجدها تميل عليه تهمس: "بتحاول تعمل أيه؟ مال لها يهمس هو الآخر: "هساعد علي في علاج فاطمة! بدأ يتسرب لها مفهوم ما يود عمران فعله، فتحمست للغاية لرغبتها الشديدة باستعادة اتزانها النفسي.

لم يفوت علي تفصيلة صغيرة متعلقة بجلستها تلك، ليس كزوجٍ محبٍ بل كطبيبٍ يشخص حالة مريضته التي توشك على اتخاذ أول خطوة بمواجهة العالم بعدما كان افتراضياً لها. يشعر بالامتنان لخطة أخيه باستدراجها للعمل، آن نجح بتلك الخطوة حينها سيُفتح لها العديد من الآفاق أولهم العودة لجامعتها وعيش حياتها الطبيعية. جميع الأنظار مسلطة عليها، حتى انتهت مما تفعله ورفعت عينيها لعمران الذي يتناول طعامها بهدوءٍ قائلة: "خلصت."

جذب المناديل المعطرة ومسح يديه وفمه ثم اتجه إليها يجذب الحاسوب ويتابع ما فعلته ببسمةٍ واسعة تدعي كل نقطة بها الانبهار رغم أن هناك بعض التعديلات التي سيحتاجها من بعدها ولكنه وجدها نقطة محمسة للقادم، فأجلى صوته الرخيم: "براڤو يا فاطيما. لأ بجد ممتازة." وأشار لمايا بجديةٍ تامة:

"من بكرة فاطمة تنزل معاكي الشركة وأنا النهاردة هخلي حسام يحط مكتب زيادة في أوضة مكتبك عشان تكونوا مع بعض وتعرفيها أكتر عن شغلنا ده لو مكنش عندها أي مانع إنها تشتغل معانا." ترقب ردها على عرضه الذي فاجأها، وخاصة حينما سألتها مايا: "ها يا فاطمة أيه رأيك؟ وتابعت بمكرٍ تعاون زوجها وأخيه: "أكيد مش هترضي تكوني معايا ونروح ونيجي مع بعض. أنا طول الوقت في الشركة وانتي هنا ومش بنلحق نتكلم ولا نقعد مع بعض! لعقت شفتيها

الجافة بلسانها وقالت: "أصل.. أنا... آاآ.." وصمتت حينما لم تجد ما تقول. حينها رفعت مقلتيها تجاه ملاكها الحارس، ذاك الذي بعد كالبوصلة لانحراف اتجاهاتها فوجدته يشير لها قائلاً: "لو حاسة إن القرار ده هيريحك وافقي عليه بدون تردد يا فاطمة. متقلقيش وجود عُمران ومايسان جنبك هيديكي الأمان اللي هتفتقديه في عدم وجودي معاكي هناك."

قام بمهامه على أكمل وجه كطبيبٍ وكزوجٍ، يدعمها بقرارها ويخبرها بأن حالتها ستكون مستقرة فلا داعي للخوف، لذا لم تجد إلا أن تؤمي برأسها مبتسمة فصاحت مايا بحماسٍ وهرولت إليها تحتضنها بفرحةٍ، بينما سند عمران ظهره لمقعده وهو يغمز بمكرٍ لعلي الذي قابل خبثه بابتسامته الهادئة الجذابة.

ساعات قليلة مضت وتفرق جمعتهم، اتجه عمران لشركته واتجه علي ليوصل زينب لجامعتها لحضور تلك المحاضرة المسائية، فحاول أن يعلم ما برأسها حتى يعرض عليها عرض الزواج من سيف كما شدد عليه يوسف، فقال: "ها يا دكتورة طمنيني أمورك تمام بالجامعة؟ أبعدت عينيها عن هاتفها وأجابته ببسمةٍ رقيقة: "الحمد لله يا علي. أول يوم كان صعب بس بعد كده الأمور تمام." تابع القيادة بتركيز وقال بمكرٍ:

"طب الحمد لله. أنا من لما شوفتك واقفة مع سيف امبارح وأنا اتطمنت إنك هتقدري تكوني صداقات تساعدك جوه الجامعة." ارتبكت للغاية فرفعت يدها تعدل من حجابها: "دكتور سيف شخص محترم جداً قابلته صدفة في الجامعة وفي عيادة دكتورة ليلى." حرك رأسه بخفةٍ ومازالت رماديته مركزة على الطريق، فلحق به فترة صمت قبل أن يسألها بلباقة: "زينب هو أنا ممكن أسألك سؤال شخصي شوية ولو هيضايقك متجاوبيش وأنا هتفاهم ده."

"طبعًا يا علي إسأل بدون كل المقدمات دي." هدأ من سرعة السيارة والتفت يتطلع لها ومازالت يده تتحكم بالمقود: "انتي في حد في حياتك؟ يعني بتحبي حد أو مرتبطة بشكل خاص؟ تجهمت معالمها بشكلٍ مقبض، وكأنها ستستقبل الموت بين أحضانها بعد قليل. مجرد حديثه عن الأمر أعاد صورة "يمان" بمخيلاتها من جديد. تمسكت بجزء من قوتها وقالت بتلعثمٍ وفوضوية:

"لأ طبعاً مفيش. وبعدين أنا متوقعتش إنك تسألني سؤال زي ده لاني طبيعي قدامك وقدام الكل مش مرتبطة." أسرع بالحديث مبرراً: "فاهم كلامك طبعاً بس افترضت يكون في حد حتى لو علاقتكم سطحية." هزت رأسها تتفى ذلك باقتضابٍ: "لا مفيش." سحب نفساً مطولاً واسترده قائلاً بهدوء: "طيب يا زينب امبارح دكتور يوسف طلب ايدك مني لاخوه سيف، يعني بشكل ما حابب يكون في بينكم رابط رسمي بحيث تقدروا تتعرفوا على بعض ولو حصل توافق بينكم آآ...

اقتطعت حديثه بحدةٍ وعصبيةٍ فاجأته كثيراً: "أنا مش هتجوز يا علي. هو عشان ساعدني في الجامعة ووقفت معاه يبقى هتجوزه!!! وبعدين أنا لسه طالبة في ٢ طب وبكمل لسه تعليمي جواز أيه اللي بيتكلم عنه!!! صف سيارته أمام جامعتها والتفت إليها يحدثها بهدوءٍ وعقلانية: "اهدي يا زينب الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها منك هل أنا فرضت عليكي شيء!!

أنا مملكتش الحق ده عليكِ من الأساس أنا وصلتلك طلب دكتور يوسف ومن حقك تقبلي أو ترفضي ولازم تعرفي إني وصلتلك العرض ده لاني أعرف سيف وأعرف دكتور يوسف مربيه على أيه. الولد ده راجل وهيقدر يصونك ويحافظ عليكي وآ... قاطعته للمرة الثانية بانفعالٍ: "مش عايزة أسمع يا علي!! حتى لو كان ملاك بجناحين أنا مش عايزة ارتبط بحد من فضلك بلغهم بكده." تمعن بحدقتيها بعمقٍ جعلها تشعر وكأنها مجردة أمامه، وقد لاقت حدثها حينما قال بشكٍ:

"مالك يا زينب؟ مندفعة وعصبية بشكل مش طبيعي. انتي في حاجة حصلت معاكي؟! ابتلعت مرارة ريقها بصعوبة بالغة، وتعلقت بحقيبتها بكل قوتها، ففتحت باب السيارة وهي ترمقه بنظرة أخيرة هاتفة بحنقٍ: "بطل تمارس مهنتك عليا يا دكتور. أنا مفيش شيء! وتركته وهرولت للجامعة راكضاً من أمامه بينما ظل هو محله يتابعها بنظرةٍ ثاقبة ترى بوضوح ما تخفيه من حالة نفسية يقسم بأنها مازالت تخوضها حتى الآن. تهدل جسد "علي" على مقعده باستسلامٍ

وحزن اتبع همسه الخافت: "فاطمة... ماما... ودلوقتي زينب. وجعي في عيلتي بيزيد! راقب "أيوب" مكتب "ممدوح" مطولاً ومن ثم عادت نظراته للطعام الذي تركه له "حسام" السكرتير الخاص بعمران على مكتبه، فنهض واتجه إليه يناديه بحرج: "ممكن أستأذن عشر دقايق يا بشمهندس؟ رفع ممدوح عينيه له، فازاح نظاراته الطبية متسائلاً بدهشة: "رايح فين في العشر دقايق دول؟! رد عليه بوقارٍ: "مش هتأخر عنهم والله. هطلع لعمران مكتبه وهرجع على طول."

ابتسامةٌ صغيرة عادت تداعب وجه العجوز، فعاد ليستند على يديه كمعتاده وقال: "أممم. عمران مجاش يوصلك النهاردة وبعتلك الأكل مع سكرتيره من غير ما ينزلك ودلوقتي عايز تطلعله مكتبه. انتوا متخانقين صح؟ أخفض عينيه أرضاً وكأنه يخشى لقاء مدرسه بفعلته التي أودت لتلك المشاجرة، ولكنه اضطر لإجابته بتحفظٍ: "سوء تفاهم بسيط." هز رأسه ومازالت أثر الابتسامة على شفتيه، فرفع اصبعه يحركه له:

"اطلع ولما تنزل نتكلم ونشوف إذا كان بسيط ولا يستاهل! ابتسم أيوب بسرورٍ لتطور العلاقة بينهما، فخرج للمصعد يتجه لمكتب عمران بعدما سأل عليه من أحد الموظفين. اتجه لمكتب "حسام" السكرتير الذي ما إن رآه حتى رحب به بوداعةٍ، فهو يعلم بأن من قام عُمران بالسماح له بالدخول للسجلات برفقة استاذ ممدوح فمن المؤكد بأنه شخصٌ هامٌ للغاية إليه فبسط كفه يشير له بمحبة: "بشمهندس أيوب هنا بنفسه! نورت الطابق كله." ابتسم له وقال بتوترٍ جعله

يكاد بالعودة مثلما أتى: "هو أنا ينفع أقابل عُمران؟ أشار له باحترام للمقعد المقابل إليه: "طبعاً. اتفضل استريح هدي مستر عُمران خبر حالاً." اعتلى المقعد المقابل له، ورفع حسام السماعة يهاتف عُمران قائلاً: "مستر عُمران بشمهندس أيوب هنا وعايز يقابل حضرتك." لف بمقعده بالداخل بعصبيةٍ اعتلت حركة جسده الهادئ، فابتسم بتسلية وصرح له: "سيبه قاعد نص ساعة وبعدين دخله."

ودون أي كلمة أخرى أغلق هاتفه بوجه حسام المتعجب لردة فعل عمران، فحجب انفعالاته بامتيازٍ وقال: "شوية وهدخلك يا بشمهندس. مستر عُمران معاه تليفون مهم." هز رأسه وبسمته الساخرة بادية كسطوع الشمس بأحضان السماء، وهتف ببرود: "مفيش مشكلة نستناه!

مرت خمسة وعشرون دقيقة ومازال أيوب يرسم دور البرود حتى سئم من ادعائه الكاذب، فنهض عن مقعده واندفع لمكتبه بكل ما أتى من عصبية اختفت حينما وجده ينهي صلاته وينهض بسجادته يطويها على الأريكة ونظراته الباردة تطعن الأخير دون اكتراث. أتى حسام مهرولاً من خلف أيوب يردد بخوف: "مستر عُمران أنا أسف والله بس البشمهندس آ... أشار له عُمران قائلاً: "روح انت يا حسام وبعد كده لما أيوب يعوز يشوفني يدخل على طول حتى لو كان مين عندي."

غادر السكرتير حائراً بما يحدث، بينما اتجه عمران لمقعده يتأمل ذاك الذي يسدد قنابله إليه من مكانه فكبت ضحكة كادت بالانفلات منه وهو يشير له قائلاً بسخط: "هتفضل واقف مبحلقلي كده كتير. اتفضل." دنى ليجلس على المقعد ونظراته القاتلة لا تحيل عنه، فرفع الهاتف يتساءل: "تشرب أيه يا عم الارهابي؟ بقى صامتاً يراقبه بغيظٍ يندفع داخله، فردد عمران لمن ينتظر سماع طلبه بالهاتف: "كوبين من القهوة أعدها في الحال."

ثم اقترب بمقعده المتحرك مقترباً من الطاولة الفاصلة بينهما، قائلاً بعمليةٍ مخادعة: "خير يا بشمهندس أيوب. في حاجة بتشتكي منها وجاي مخصوص تشتكيلي، أتفضل أنا سامعك." خرج عن صمته أخيراً، طارقاً بعنفٍ على سطح المكتب الزجاجي: "اسمع يا جدع إنت متحاولش تلعب بأعصابي وتختبرني كتير علشان صدقني أنا واخد حزام في الكاراتيه وأقدر أبوظ خلقتك اللي فرحانلي بيها دي!

تحررت ضحكة منه وقال وهو يقترب متمعناً التطلع للكدمة الزرقاء المحتضنة لوجه أيوب قائلاً: "طيب اهدى انت بس علشان العلامة الحلوة دي ميصبهاش بكتيريا وتتنقل لوشك كله." انتصب بوقفته وصاح بعنفوان: "الظاهر إني غلطت لما طلعتلك. سيبني مرمي بره بقالي نص ساعة وعايشلي دور رجل الأعمال اللي معندوش وقت يهرش. لا فوق ده أنا أيوب ابن الشيخ مهران! نهض يجابهه بجمودٍ: "تو تو اهدى شوية يابن الشيخ مهران. أخرة الرغي ده كله وبيتقالك ارهابي!!

فاسمعني كده وهدي عضلاتك دي، أنا مسمحتلكش تدخل على طول علشان أنا ببقى غبي وغشيم لما بتعصب للأسف فكنت بهدي نفسي قبل ما أتنيل أشوفك بعد العملة السودة اللي هببتها! وأشار للمقعد مجدداً بتحذير: "فاهدى كده واقعد. أنا أساساً دماغي فيها كلاب صعرانة بتتعارك جوه ونفسها ونفسي أنا كمان معاهم أطلقهم عليك ونخلص!

طوفه بنظرةٍ ساخرة أحاطته من رأسه حتى أخمص قدميه، وفجأة بادر بسحب عمران من جاكيته بقوةٍ كادت بإسقاطه على طاولته، فردد عُمران بتهديدٍ: "متخليهاش تبقى الناهية يا أيوب! تركه بغضبٍ واتجه ليغادر فلحق به يناديه: "استنى يا ابني." وحينما لم يستجيب له قال: "طيب والقهوة طيب؟! تعالت ضحكات عمران وهو يراقب اشتعال ملامحه وهو يتجه للمصعد، فصعد خلفه ووقف جواره صامتاً حتى قال:

"هعتذرلك وأخدك في حضني وأبوس رأسك كمان بس بشرط تصرف نظر عن الجوازة السودة دي! تنهد أيوب بتعبٍ من عناد عمران الذي مازال يصر على حديثه، فاستدار له يقول بإرهاقٍ: "يا عمران افهمني حرام عليك فرهدتني معاك. أنا مقدميش حلول تانية. استسلم بقى وارضى بقراري وخليك جنبي الصديق الجدع اللي اتعودت عليه منك." صوب له نظرة مقززة، واستدار عنه يمسح وجهه عدة مرات، ثم عاد إلى مكانه يشير بيده:

"تعالى يالا تعالى أنا قلبي الحنين ده اللي مطمع المعاتيه اللي زيك فيا." ضحك وهو يحتضنه بفرحةٍ وشعوره المفتقد لوجود شقيقٍ يكبره يعوضه به، شدد عمران من ضمه حتى توقف المصعد وانفتح أمام مجموعة من الموظفين الأجانب. اعتلت الصدمة وجوههم جميعاً وراقبوا ما يحدث بالمصعد بأعينٍ جاحظة جعلت عمران يدفع أيوب للخلف وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه:

"الله يحرقك انت وهي في ساعة واحدة. خسرت سمعتي قدام الموظفين وشوية وهيعلقولي العلم الملون قدام مكتبي!! وركله لخارج المصعد بعصبية: "غور مش عايز أشوف وشك تاني." سقط أيوب من فرط الضحك حتى عمران لحق به ولم يتمكن من السيطرة على ضحكاته. حتى وصلوا لدخل الشركة فسأله باستغرابٍ حينما وجده ينحرف للمصعد السفلي: "مش جاي ولا أيه؟ رد عليه وهو يستعد لدلوف المصعد الآخر:

"أنا أخدت عشر دقايق من أستاذ ممدوح وبفضل برودك ووقاحتك بقوا ساعة وهتعاقب عليهم لبكره الصبح فأكيد مش ههرب وأخرج معاك هرجع لاستاذي واشوف اللي يرضيه وأعمله." رفع عمران يديه للأعلى يدعو بفرحة: "يارب يعاقبك بشهرين حبس انفرادي معاه تحت وتكون أم قردان دي حلت عننا وفكتها منك." وعاد يتطلع له بصدمة: "مصيبة تكون حبتها يابن الشيخ مهران!!! أقسم بالله لو حصل ولعبت بديلك كده أو كده متلومش إلا نفسك. متفكرهاش جوازة وتعيش سامعني!

هز رأسه في يأسٍ من تغير عقليته حتى وإن ظل باقي عمره يحدثه في الأمر، فتركه واتجه للمصعد بصمتٍ بينما غادر عمران والسخط يعلو ملامحه كلما تخيل أيوب النقي. التقي. مع تلك الفتاة العبرانية! بمكتب جمال. فتح باب المكتب واشرأب بعنقه يخبره بابتسامةٍ واسعة: "فاضي يا بشمهندس؟ استدار للمتحدث هاتفاً بسرور: "عمران! تعالى." اتجه ليجلس أمامه واضعاً قدمًا فوق الأخرى بعنجهيةٍ تامة:

"وجودي هنا بشكل رسمي فسيبك من جو الصداقات اللي مبيأكلش عيش ده. عايزك في شغل." رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ: "شغل أيه ده!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...