الفصل 13 | من 124 فصل

رواية صرخات انثى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ايه محمد رفعت

المشاهدات
17
كلمة
8,068
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

تجمعت الدهشة والريبة لتشكل على معالم علي بحرافية. وبالرغم من محاولات أحمد لبث الاطمئنان إليه، إلا أنه لم يكن مطمئنًا أبدًا. فما أن توقفت سيارته قبالة العمارة، حتى قال قبل هبوط الجميع: "فريدة هانم، من فضلك يا ريت تتعاملي مع فطيمة بحذر. فطيمة مريضة نفسيًا، يعني ده هيدمر اللي وصلت له بحالتها." حدقته فريدة، التي تجلس بالخلف جوار مايا وشمس، بنظرة قاتلة. ورددت باستهزاء: "والله؟

ولما هي مبقتش كويسة خرجتها من المستشفى ليه يا دكتور؟ تنحنح أحمد الجالس بالأمام جوار علي. "فريدة، وبعدين؟ ادعت فريدة برودها ووداعة ملامحها وهي تجيب: "إيه اللي قولته غلط يا أحمد؟ المكان الطبيعي للمرضى النفسين هو المستشفى!

أغلق علي عينيه بقوة وهو يحاول التماسك. لا يريد نزع تلك الليلة. وخاصة بأنه لن يترك فطيمة تجلس بمفردها، سيصطحبها للمنزل حتى موعد الزفاف. فوجد شمس تمسد على كتفه وهي تمنحه رسالة مبطنة لقلقه بعدم تمكنه من الصعود برفقتهم الآن. "متقلقش يا علي، هنتعامل معاها بحرص. وأنا ومايا مش هنسيبها خالص لحد ما ترجع بليل." أكدت له مايا وهي تتابع نظرات فريدة المشتعلة على ابنتها. "إحنا أساسًا يدوب ننزل عشان نشتري الفستان ونجهز فطيمة."

ضيقت فريدة عينيها بدهشة. "تخرجوا فين؟ ردت شمس بتوتر: "هناخد فطيمة نجيب لها فستان كتب الكتاب." زوت فريدة شفتيها بسخرية. "والله! طب تمام، يلا عشان منتأخرش." جحظت عينا مايا وتبادلت النظرات مع شمس وعلي. وتساءلت: "هو حضرتك هتيجي معانا؟ أغلقت فريدة زر جاكيته الأسود الشبيهة للتنورة السوداء وقميصها الأسود الأنيق من أسفل الجاكيت الثمين، قائلة: "عندك اعتراض يا مايا؟ هزت مايا رأسها نافية وبالكاد قالت: "لا طبعًا، أنا بس بسأل."

فتحت شمس باب السيارة وهبطت لتلحق بها فريدة ومايا. بينما ظل أحمد جوار علي. ليشير له: "يلا يا علي، إطلع على المحامي نرتب معاه الأوراق عشان منتاخرش." زادت صدمة علي، فصاح بعدم تصديق: "عمي، حضرتك جاي معايا؟ هز أحمد رأسه مؤكدًا. فقال علي: "لا طبعًا. متقوليش إنك هتسيب فريدة هانم مع فطيمة لوحدها. محدش هيقدر عليها غيرك إنت! ضحك أحمد بشدة وردد:

"إنت قاريني غلط يا علي. فريدة أمك مش بترضخ لحد. هي ممكن تكون بتتفادى رغيي فبتعمل اللي بطلبه عشان أبطل أتكلم بالموضوع. لكن في حقيقة الأمر، فريدة هانم مفيش شيء بيردعها عن اللي في دماغها." وهمس بصوتٍ ظنه غير مسموع لعلي: "لو كنت قدرت عليها يمكن ده مكنش حالي! ابتسم علي بسخطٍ تمكن من إخفائه، وقال محاولًا تصنع جديته: "عمي، أنا مش هقدر أمشي من هنا وأنا قلقان عليها. وجودك على الأقل هيطمني." وتابع بحزنٍ تغلب عليه:

"فطيمة، أقل شيء بيخلي حالتها تسوء أكتر. من فضلك حاول تمنع ماما إنها تضايقها."

شفق أحمد عليه وعلى القدر الذي وضعه باختبار سيكون من الصعب عليه تجاوزه. كان يعلم منذ أشهر بأن علي قد سقط في داء العشق. فلم يكن بذاك الطبيب الذي يفشي أسرار عمله عن مرضاه أبدًا. ولكن من كثرة تفكيره بفطيمة وما يخصها، كان يشعر تجاهها وكأنها من أولويات حياته، وكأنها أحد أفراد عائلته. فكان يحاول باستماتة علاجها طوال تلك المدة التي تكمل العام بعد سفرهما من مصر إلى إنجلترا. فنتج عن انشغاله تقصيرًا شمله تجاه العائلة. فاضطر أسفًا يبرر انشغاله لرفيقه الودود أحمد، ووالدته وأخيه، ظنًا من أنهم سيتفهموا سبب غيابه بالأيام عن العودة.

ورغمًا عنه وجد الأمور تخرج عن طور سيطرته. فإذا بقلبه المغدور يعلن حبها صريحًا له. جابه مشاعره كثيرًا ولكن قلبه بالنهاية انتصر. تحركت يد أحمد تربت على ساقه وهو يخبره ببسمة هادئة: "متقلقش يا علي. هكون موجود معاهم ومش هسمح لفريدة تعمل شيء." وهبط يغلق باب السيارة وهو يشير إليه: "روح إنت مشوارك ومتقلقش."

ابتسم علي براحة بعدما تفادى الخمسين بالمئة من المشاكل. فحتى إن كانت فطيمة ستواجه جزءًا من تسلط والدته، ولكنها ربما تكون هينة أمام المئة بالمئة! *** ارتدت حجابها حينما استمعت لرنين جرس الباب. واتجهت لتفتحه. فوجدت مايا تقف ولجوارها فتاة وامرأة تسدد لها نظرة لو حملت الجمر لأشعلت فطيمة على الفور. بدا لها بأن تلك المرأة لم تكن سوى فريدة هانم، والدة علي. وقد صدقت أحاسيسها حينما قالت مايا:

"دي شمس أخت علي يا فطيمة، ودي فريدة هانم والدته." ابتلعت فطيمة ريقها بتوترٍ شديد. ورددت: "أهلًا وسهلًا.. اتفضلوا." ابتسمت فريدة ساخرة، وولجت للداخل متعمدة أن تحك كعب حذائها الأبيض العالي بالأرضية. مرددة: "مش محتاجين عزومة إننا ندخل بيتنا يا حبيبتي." كانت بدايتها معلنة للفتيات، بأن تتهيأ للحرب منذ الآن. فخففت شمس وطأة الأحداث حينما أحاطت فطيمة بذراعيها وببسمة مشرقة قالت: "أهلًا بعروستنا الجميلة اللي هتنور بيتنا."

استلطفتها فطيمة، فكانت بشوشة رقيقة مثل مايا. فضمتها وأجابتها على استحياءٍ: "تسلميلي يا حبيبتي." مازحتها شمس وهي تدعي بحيرة: "قوليلي بقى أناديلك فطيمة ولا فاطمة ولا فاطيما." ضحكت فطيمة وهي تجيبها: "براحتك، الإسم اللي حاباه ناديني بيه." أشارت لهما مايا التي تقف بالردهة تراقب فريدة الجالسة على الأريكة تحدجهما بنظرة قاتلة. ثم قالت: "يلا يا فطيمة ادخلي غيري هدومك عشان هننزل نشتري فستان كتب الكتاب."

أخفضت فطيمة عينيها أرضًا بحرجٍ. فدنت منها مايا تهمس لها بضيق: "هو أنا مش وريتك امبارح أوضتي وقولتلك إلبسي اللي تحبيه يا فطيمة، لسه بالأسدال ليه؟ "يمكن مش مستنضفة تلبس مكانك يا مايا، ومستنية الجديد يوصلها!

قالتها فريدة وقد بدأت تلقي سهام حربها. فانقبضت معالم فطيمة خوفًا من القادم، خاصة بأن نظراتها كانت مقبضة. أجل، هي تعلم بأنها لن تكون بداية سلسة بقرار زواجها. ليس من علي بالتحديد بل بأي رجل. من البديهي أن والدته لن ترضخ لطلبه غير المقبول بالزواج من أنثى تم تجريدها مما تمتلك! هي من البداية كانت تصر برفضها لعلمها ذلك. ولكنها بالنهاية لم تكن قاسية على قلبها مثلما قسى عليها الجميع.

خطفت فطيمة نظرة لفريدة التي تقص بنظراتها التي شملتها من رأسها لأخمص قدميها، كأنها تقيمها بنظرة تحط من قدرها. فوجدت الكره والحقد يترأسان حدقتيها. اعتلاها الحزن وفضلت الصمت. فتركت فريدة حقيبة يدها البيضاء جانبًا واتجهت لتقف قبالتها، فما زالت تقف جوار شمس ومايا جوار باب الشقة المفتوح. مربعة يديها حول صدرها بثقة: "قوليلي يا فاطيما، عملتيها إزاي دي وقدرتي توقعي ابني الدكتور علي!! واستكملت بسخرية:

"أصل بصراحة شايفة إنك بتمتلكي ذكاء وخبث ميلقش على وش البراءة اللي مصدرهولي من ساعة ما شوفتيني. واحدة زيك باللي حصل معاها كان ممكن يبقى طموحاتها توقع الفراش، حد من أمن المستشفى، صبي البوفيه، لكن الدكتور المعالج دي بصراحة تحسب لك! صعقت فطيمة مما استمعت، فشعرت وكأن قدميها تهتز عنفًا طالبة جلوسها قبل أن تسقط أرضًا. بينما اندفعت شمس تهتف بها: "مامي بليز مينفعش اللي بتقوليه ده. حضرتك عارفة إن آآ.."

رفعت فريدة كفها توقعها عن الحديث ومازالت نظراتها تحيط بفطيمة التي تتشبث بجوانب أسدالها الفضفاض، تجاهد أنفاسها اللاهثة. فتدخلت مايا بهدوء: "فريدة هانم، ميصحش اللي حضرتك بتقوليه ده. علي شرح لحضرتك قبل كده والموضوع انتهى! أحالت فريدة بنظراتها عنها لتتجه لزوجة ابنها الأصغر وابنتها، لتردد باندفاع:

"مفيش شيء انتهى يا مايا. الحرباية دي عرفت تتلون على ابني عشان توقعه بس مش هتنجح تخدعني. ولو عندها ذرة كرامة هتاخد نفسها وتمشي من هنا فورًا." وخطفت مسافتهما لتصبح قبالة عينيها: "ولو بتحبه مع إني أشك في ده، هتحب الخير ليه وإنه يكون سعيد مع بنت يكون هو حظها الأول وميبقاش بسببها أضحوكة وسط الطبقة المخملية اللي مستحيل هتكون منها! "فريـــــــدة!

صوت ذكوري قوي قطع حديثها، ليمر من بين الفتيات حتى أصبح قبالتها عوضًا عن فطيمة التي يرتجف جسدها. فأشار لأحمد ومايا: "خدوها تغير هدومها عشان هنتحرك حالًا." جذبتها شمس بفرحة لوجود أحمد هنا، فلا هي تمتلك جرأة محاربتها ولا حتى زوجة أخيها. ولجوا بها لغرفة مايا الجانبية، وأغلقوا الباب ليدعوا الساحة لأحمد ليحارب بمفرده. فما أن تأكد من ابتعادهما حتى صاح غاضبًا:

"إنت شكلك مش ناوية تجيبها لبر. سبق واتكلمنا وانتهينا. لسه بتحاولي تعملي إيه تاني؟ تركته فريدة واتجهت تقف أمام الشرفة الزجاجية الضخمة، مرددة بانفعال: "لا مخلصناش يا أحمد، أنا مش هقف أتفرج عليها وهي بتدمر ابني قصاد عيني." حرر أحمد زر جاكيته الرمادي، ودس يده بجيب بنطاله القماشي، فاستند بيده الأخرى على العمود المجاور له وهو يردد بارهاقٍ: "وبعدهالك من العناد يا فريدة، تعبتيني وتعبتي اللي حواليكي! واتجهت عيناه إليها يخبرها

برزانة نبرته الجذابة: "يا فريدة افهمي البنت مريضة. حرام عليكي اللي بتعمليه ده هيدمرها." ضحكت فريدة ساخرة واقتربت منه: "والله أول مرة تخليني أشك في ذكائك يا أحمد. البنت دي سليمة وأحسن مني ومنك. عارفة هي عايزة إيه كويس وبتنفذ لعبتها من زمان. لدرجة أن علي مكنش بيتنقل من المستشفى نهائي بسببها. والله أعلم هي عملت إيه تاني عشان تخليه يصمم عليها كده. مستبعدش أنها أغريته أو آآ.." صوته الجهوري خرج متعصبًا:

"حرام عليكِ تظلمي ابنك والبنت بالشكل البشع ده. الظاهر إنك بعد اللي عمران عمله بقيتي تشوفي علي نسخة منه. علي يا فريدة العفيف اللي مبيسبش ولا فرض. علي اللي عاش عمره كله يطيعك رغم إنه عارف إنك غلط. تفتكر إنه ممكن يرتكب ذنب زي ده!! أخفضت فريدة وجهها للأسفل فانسدل شعرها القصير يخفي معالم وجهها عن عينيه. تراه لا يرغب برؤية دمعاتها. مسح وجهه بقوة كادت تخفي معالمه. ثم دنا يقول:

"حبيبتي سبيه يختار حياته ويعيشها زي ما هو حابب. والله أعلم بعد كده هيحصل إيه. ما يمكن ميتفقوش أو يحصل لا قدر الله عدم تفاهم بينهم. ساعتها لو أخد قرار الانفصال يكون باختياره هو وبدون ما تفرضي عليه بشيء." رفعت فريدة وجهها إليه، واتجهت لتلامس النافذة الزجاجية، هامسة بخبث: "ده اللي هيحصل." صفق أحمد كفًا بالآخر مرددًا بنفاذ صبر: "مفيش فايدة فيكِ. هتفضلي زي ما أنتِ." أسرعت إليه تتمسك ذراعه وبرجاء قالت:

"أحمد افهمني أنا آآ.." ابتلعت جملتها بصدمة حينما وجدته يستل ذراعه منها بانتفاضة غريبة. فراقبت معالمه باستغرابٍ. تنحنح بحرجٍ مصطنع: "اعذريني يا فريدة. أنا مش حمل أشيل ذنوب. متنسيش إني بالنهاية أخو جوزك وعم أولادك." واستكمل طريقه للمقعد واضعًا ساقًا فوق الأخرى بثقة، تاركها تتأمله بدهشةٍ وخوفٍ بدأ يحيطها من فكرة نفوره منها ومن مشاكلها التي لا تنتهي. فوخز قلبها بقوةٍ جعلتها تتجه لتجلس على الأريكة المجاورة له لتردد بصوتٍ

محتقن تقطع صداه: "أحمد إنت عايز تبعد عني؟ رفع أحمد رماديته لها بعتاب شق صدرها: "وأنا من إمتى كنت قريب يا فريدة هانم! كادت فريدة بالحديث إليه فقاطعتهما شمس حينما قالت: "إحنا جهزنا يا أنكل أحمد." نهض أحمد يغلق زر جاكيته وهو يشير لهم ببسمة جذابة:

"يلا يا شمسي. السواق جاب العربية تحت وأنكل أحمد بنفسه اللي هيوصلكم مكان ما تحبوا. بس من أولها كده أنا مش حمل بهدلة البنات والجري على كل محلات المول. يعني تحددوا قائمة المحلات اللي هتدخلوها وياريت تكون محدودة. مفهوم؟ ضحكت مايا وأجابته بمرحٍ: "علم وينفذ يا باشا." ابتسم أحمد وهو يراقبهما، واتجهت عيناه على فطيمة التي تتطلع أرضًا بحزن، تتحاشى أن تتطلع تجاه مكان جلوس فريدة. فاقترب منها قائلًا بلباقة:

"أهلًا بعروسة ابني الغالي. وأكيد من النهاردة هتبقي بنتي إنتي كمان." واسترسل مازحًا: "ما شاء الله الواد طلع بيفهم ومختار قمراية، مش كده ولا إيه يا شمس؟ أجابت شمس وهي تضع قبلتها على خد فطيمة: "الا كده، دي كريزة يا أنكل." رددت فطيمة بخفوتٍ شديد: "شكرًا لحضرتك." أشار لهم على المصعد قائلًا: "طيب يلا بسرعة ورانا مشاوير كتير." واستدار تجاه تلك الساهمة التي مازالت تتطلع لمقعده: "هتيجي معانا ولا هتخليكِ هنا يا مرات أخويا؟

انتقلت نظرات فريدة الغاضبة إليه، وحملت حقيبتها واتجهت خلفهن بخطوات متعصبة جعلته يبتسم وهو يهمس بخبث: "مفيش مانع وأنا بحل مشكلة علي أحل مشكلتي بالمرة! *** ولج ثلاثتهم المصعد. فوقف جمال قبالة يوسف يعدل من الجرفات، مطلقًا صفيرًا مضحكًا: "لا البدلة هتأكل منك حتة يا جو. دي مبتخرجش إلا للحبايب. خد بالك." نزع يوسف يده عن عنقه وهو يصيح بضيق: "خلاص يا عم قرفتني بام البدلة بتاعتك!

منحهما سيف نظرة ساخطة وعاد يتابع التاب في محاولة لمراجعة مذاكرته. فتوقف المصعد بأحد الطوابق، فولجت للداخل فتاة محجبة وضغطت على زر الهبوط للأسفل. اتسعت بسمة واسعة على وجه يوسف وهو يراقب تلك الفتاة بأعين منبهرة. جعلت جمال يميل إليه هامسًا بصدمة: "أوعى خناقتك مع دكتورة ليلى تأثر معاك وتتجوز عليها. اعقل يا جو! لكمه يوسف بغضب جعلها تستدير للخلف بريبة. فقال يوسف ببسمة بلهاء: "أعتذر عن الإزعاج، صديقي لا يبدو بخيرًا."

منحته الفتاة نظرة ساخطة وعادت تتطلع للأمام. بينما انجرف يوسف تجاه سيف المنعزل عنهم تمامًا بمذاكرة دروسه ليجد أخيه يلكزه بقوة. جعله ينزع نظارته الطبية وهو يهدر بانفعال: "في إيه تاني؟ أشار سيف بغمزة عينيه: "محجبة ولابسة واسع ومحتشمة. مالكش حجة." وأشار لجمال المنصدم بقدر صدمة سيف: "هعرف من أمن العمارة ساكنة في الدور الكام وهروح أنا وجيمس نخطبهالك. ها أيه رأيك؟

لطم سيف جبهته بالتاب فاستغل خروجهم من المصعد ليصيح به وهو يسرع لسيارته المصفوفة بالخارج: "أنا واكل ورثك بتحاول تتخلص مني بأي شكل! ما تنزل إعلان على السوشيال ميديا أحسن! وهمس سيف بضيق وهو يصعد لسيارته: "يا رب ارحمني منه ومن أصحابه لأني اتخنقت. أغير كالون الشقة ولا أطفش وأسبهاله! غادرت سيارة سيف وتبقى يوسف يلمح أثره بعدم رضا. فنزع يده المستندة على خصره ليشير لجمال: "هات عربيتك يلا." دنى منه جمال يشاكسه:

"بدل ما أنت شايل هم أخوك كده شيل هم نفسك وفكر هتصالح دكتورة ليلى إزاي؟ وطرقع أصابعه بخبث: "ولا أقولك إحنا في طريقنا للمعلم زير النساء، قاهر قلوب الأجانب. استعين بمساعدته أياكش حظك النحس يتفك على إيده." منحه يوسف نظرة غاضبة، ليصيح بوجهه: "الزير الوقح مع كل النساء ومش عارف يتواقح مع مراته! غور هات العربية يا جمال وخلي يومك يعدي! ***

انتقت مايا أحد المحلات الراقية، وبمساعدة شمس اختاروا فستانًا بسيطًا من اللون الأبيض، تحيطه بطانة من الدنتل، وصف من الفراشات تحيط بكتفيه، لينتهي باتساع وكأنه فستان خاص لسندريلا عصرها. فجذبته العاملة بحرص حينما شددت صاحبة المحل بحزم: "إحمليه بحرص، ليس لأنه غالي الثمن بل لأن والدتي قد صنعته بيدها خصيصًا لمن ستكون صاحبة النصيب." واستدارت تجاههم مضيفة ببسمة عملية: "ويبدو بأن تلك الجميلة هي صاحبة النصيب."

اكتفت فطيمة بمنحها بسمة بسيطة. بينما كادت بالانصياع ليد شمس التي تجذبها للغرفة بحماسٍ. فأستوقفتها جملة فريدة: "الفستان شكله قيم ويستاهله عروسة بجد، مش كده ولا إيه يا مدام فطيمة؟ رفعت فطيمة عينيها الدامعة إليها، فوجدتها تمنحها بسمة متشفية لما خاضته الآن. فتدخل أحمد حينما قال ببسمة مستفزة لتلك التي تراقبه، متعمدًا الحديث بالإنجليزية ليرضي فضول العاملات من حوله بمحاولة فهم جملة فريدة العربية:

"بل صنع لصاحبة القلب الأبيض والوجه الملائكي، صنع خصيصًا لكِ فطيمة." بالرغم من خوفها الشديد من صنف الرجال، ولكن هذا أحمد يبدو بأن شعورها غريب تجاهه. لم تقابله سوى بضعة دقائق وبدأ شعور الألفة والأمان يجتاحها. منحته فطيمة بسمة ممتنة وولجت خلف الفتيات للداخل ساهمة بما سيحدث لها من فريدة. إن كانت كذلك بأول يوم جمعهما به، ماذا ستفعل حينما تذهب للعيش برفقتهم؟!

تحركت برفقتهما وتركتهما يعاونها على ارتداء الفستان وهي شاردة بعالم آخر. لا تعلم ماذا يتوجب عليها فعله. هل تخبره برفضها مجددًا أم تهرب منه تاركة قلبه ينكسر من خلفها؟ والأهم من ذلك، إن تركته إلى أين ستذهب؟

هي لا تعرف أحدًا هنا سواه هو ومراد الذي لم تمتلك له رقم هاتف حتى. لا تعلم لما حنت بتلك اللحظة لعائلتها، فافتقدت حضن والدتها الراحلة. بداخلها عذاب يقتلها لأنها تعلم بأن والدتها ماتت من حسرتها على ما حدث لها. حتى والدها وشقيقتها انقطعت عنها أخبارهم. انسدل الدمع على وجه فطيمة وفجأة انتفضت باكية بشكلٍ قبض صدر مايا وشمس. فضمتها مايا إليها وهمست لها بحزن:

"متزعليش يا فاطيما. خالتي والله طيبة وقلبها أبيض. هي بس مش متقبلة إن حد من ولادها ياخد قرار بدون الرجوع ليها. وبكرة لما تعاشريها هتعرفي الكلام ده بنفسك." وطبطبت عليها وقد انسدلت دمعاتها تأثرًا بها. بينما قالت شمس بصوتها المحتقن: "بليز فاطيما متبكيش. أنا عارفة إن مامي غلطت فيكي بس والله بكرة هتحبك وهتتقبلك. لإنك حد كيوت ولطيف." أبعدتها مايا عنها وأزاحت دموعها قائلة ببسمة:

"متزعليش بقى. ده النهاردة كتب كتابك يا عروسة. عايزينك مفرفشة." وتابعت بسخرية: "وبعدين إنتِ عايزة إيه من فريدة هانم؟ ما أنا وشمس وأنكل أحمد ودكتور علي معاكي وبنحبك. ده مش كفايا؟ رسمت فطيمة بسمة رقيقة على محياها وهي تجيبها: "كافي ليا يا مايا. أنا أساسًا حبتكم من أول ما شوفتكم والله." ضمتها شمس بسعادة وهي تجيبها: "أنا كمان حبيتك جدًا جدًا." وأشارت لها وهي تخرج من حقيبتها أدوات التجميل:

"خلصي لبس بقى عشان لسه هحطلك الميكب. لكن لفة الحجاب مش هعرف لإني مش محجبة. فنخلي مايا تلفهالك." قالت فطيمة على استحياء وهي تراقب ما تضع على السراحة الجانبية للغرفة: "أنا مش بحب أحط مكياج." استدارت إليها شمس تخبرها: "متخافيش، أنا هحطلك حاجات سمبل كده." هزت فطيمة رأسها بخفة وانصاعت لمايا التي تديرها لتغلق سحاب فستانها الأبيض. ***

أبلغتهما الخادمة بأن عمران برفقة الطبيبة بالصالة الرياضية القابعة بالطابق الثاني. صعد جمال ويوسف للأعلى. فما أن رأتهما الطبيبة حتى تهللت أساريرها، وجعلتهما يعاوناها بعلاجه. فأمسك به جمال ليسنده على الحامل الخشبي، بينما يوسف يحرك قدمه مثلما أمرتهما الطبيبة. فعبث جمال ساخرًا: "دي أخرتها خدامين لمعاليه! رد عليه يوسف وهو يحرك قدم عمران بمهارة: "الوقح ده مطلع عنينا وهو بصحته وهو راقد!! أغلق عمران عينيه باسترخاءٍ مستفز:

"اشتغل وإنت ساكت منك له.. محدش قالكم تيجوا دلوقتي! نغزه جمال ساخطًا: "جاين نكفر عن ذنوبنا بمعرفتك السودة يا سيدي! لف جسده بعنف جعل يوسف يرتد للخلف ساقطًا أرضًا ليسدد لكمة قوية اطاحت بفك جمال. ليصيح بغضب: "احترم نفسك معايا. أنا دراعي لسه سليم فخدلك عازل مني بدل ما هلاكك يكون على يدي! انتصب يوسف بوقفته فاحاط تلباب ملابسه بيده مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:

"أقسم بالله يا عمران لو متلميت لكون كسرلك رجلك التانية. اعقل كده وسبنا نخلص التمرين المنيل ده خليني أغور من خلقتك أنت والحقير اللي جنبك ده." برق جمال بدهشة لحقت نبرته المستنكرة: "الحقير ده كنت بتترجاه امبارح لجل ما يسترك يا دكتور." أصاب عمران نفس الدهشة، فاستدار لجمال تاركًا يد يوسف تحيط رقبته: "تستره من إيه؟ إنت انحرفت من ورايا يا دكتور العفة والشرف! تركه يوسف واتجه للمقعد يجذب جاكيته ويرتديه متمتمًا بعصبية:

"أنا غلطان إني سايب المستشفى والعيادة وجاي لإنسان وقح زيك. أنا ماشي شوفلك حد يساعد الدكتورة." لم يعبئ به عمران وسأل جمال باهتمام: "عمل إيه قولي؟ أجابه جمال وهو يحيطه بقوة بعدما تخلى يوسف عن مساعدته: "دكتورة ليلى طردته في نص الليل بالبيجامة الستان السودة. كان شكله مسخرة والله العظيم." أدمى عمران شفتيه ساخطًا: "اخص على دكتور الندامة. بقى تطردك بالبيجامة.. بالبيجامة يا يوسف! هدر عمران بانفعال:

"غنوا وردوا على بعض. ما أنا عارفكم واحد وقح وواحد حقير هستنى منكم إيه؟! تعالت ضحكاتهما عاليًا. فقال عمران وهو يستند على الحاملين الخشب: "لخص الحكاية ببوكيه ورد. وروح لها المستشفى بيه. الستات تحب اللافتات اللطيفة دي وبالذات لو كان بمكان متتوقعش إنك تعملها فيه." وجلس بتعب على أقرب مقعد وهو يستطرد:

"نسبة كبيرة منهم بيحبوا الواد الروش اللي يبين حبه ليها قدام خلق الله وبالأخص بمكان شغلها. ويحبذا بقى لو شخص معتوه راح لمراته مكان شغلها واتخانق معاها هناك. دي بتكون نهاية للعلاقة يا صديقي! أشار جمال بأصبعه ليوسف الشارد بحديث عمران: "ركز يالا في الاختيار الأول. شيل ورد وروح بكرامتك." وتابع بخوف: "سكوتك قلقني. إنت بتفكر في الحل التاني ولا إيه؟ هز يوسف رأسه بنفاذ صبر:

"يا عم ارحمني. أنا لسه داخل الدنيا من كام شهر. هنهيها من دلوقتي!! ودس يده بجيب جاكيته يجذب الهاتف الذي يعود لرنينه للمرة الثالثة. فخرج من الغرفة الشاسعة بأجهزة رياضية حديثة. ثم ذهب بعيدًا ليتمكن من الحديث مع زميله بالمشفى. انحنى جمال لعمران الذي يمرر يده على قدمه بتعبٍ، وعينيه شاردة بأجهزته المفضلة بشوقٍ لعودته لممارسة الرياضة من جديد. فقال بحزن: "مع التمرين والعلاج هترجع أحسن من الأول." ابتسم عمران برضا تام وقال:

"لو ده عقوبة الكبائر اللي ارتكبتها فأنا راضي يا جمال." وسحب نفسًا ثم مرره عبر أنفه مستكملًا بحزن: "إنت متعرفش الخوف اللي جوايا مدمرني إزاي. خايف من عقاب ربنا ليا. خايف ميغفرليش أخطائي اللي ارتكبتها. بستنى بخوف العقوبة اللي هشوفها بالدنيا على جرايمي دي." أدمعت عين جمال تأثرًا بحديثه، وقال بخشونة يخفي ضعفه خلفها: "بطل الكلام الفارغ ده. إنت الظاهر كده السم اللي شربته دمرلك عقلك." وتابع ببسمة هادئة:

"يا عمران ربنا غفور رحيم. وإنت مدام ندمت على أخطائك وبتعافر إنك ترجع لطريق الصلاح عمره ما يقفل بابه في وشك أبدًا." وبصوتٍ عذبٍ فاجئ عمران، ردد جمال بخشوع: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣ الزمر﴾" أدمعت عين عمران تأثرًا من سماع صوته الدافئ. فقال: "صدق الله العظيم."

وبلهفة أضاف: "صوتك جميل أوي يا جمال. إزاي مسمعتوش قبل كده؟ ضحك جمال وهو يشير لذاته بغرور مصطنع: "صاحبك أحلى واحد يقيم الصلاة بالشركة." وتلاشت بسمته حينما قال بحزنٍ: "كلنا بنرتكب معاصي يا عمران. أنا مش قادر أنسى المرة اللي شربت فيها الخمرة. لحد الآن مش مسامح نفسي. بس بكمل حياتي وبستغفر ربنا على أمل إنه يغفرلي خطيئتي دي." نزع عمران سترته الرياضية، وبتقزز شديد قال:

"البلد اللي إحنا فيها دي السبب. المعاصي محاوطنا من كل جهة. خمرة وستات وكل شيء هنا مباح بدرجة مرعبة. تعرف أنا بتمنى أسافر لمصر ونعيش في القصر بتاع جدي الله يرحمه مع عمي أحمد بس للأسف غصب عننا لازم نكون هنا. أملاك بابا وشغل علي ودراسة شمس حتى الجمعيات وشغل فريدة هانم كله هنا." رد عليه جمال وعينيه لا تفارقه:

"دي حجة باطلة بنضحك بيها على نفسنا يا عمران. المسلم القوي إيمانه لو سافر لزمن الجاهلية والكفر مش هيتهز فيه شعرة. كل دي حجج يا صديقي! هز عمران رأسه باقتناعٍ، وبحرج أضعف حنجرته: "عندك حق. إحنا محتاجين نقوي إيماننا بالله عز وجل." منحه جمال ابتسامة هادئة قبل أن يشير له: "طب سند نعمل التمرين الأخير عشان يوسف ميتأخرش على شغله." أومأ برأسه ونهض يحتمل على كتف رفيقه، فأحاطه بقوةٍ، بينما اقتحم. يوسف الغرفة يخبر جمال بحماسٍ

وفرحة: "جمال الدكتور الأمريكي اللي كنت بتسألني عنه عشان عملية القلب بتاعت والدتك جاي المستشفى عندنا كام يوم تبع المؤتمر اللي هيقام عندنا. دي فرصتك إنه يعمل لوالدتك العملية." شحب وجه جمال تدريجيًا، فأجلى أحباله الصوتية: "بعدين يا يوسف بعدين." استغرب يوسف طريقته ومع ذلك أثر الصمت. فقال وهو يعيد هاتفه لجيبه: "طيب لو خلصتم خلينا نتحرك. اتأخرت." أشار له جمال بارتباكٍ من نظرات عمران إليه، فقال وهو يسنده:

"هدخل عمران أوضته وجاي." أشار له يوسف: "طيب هات المفاتيح أدور العربية لما تنجز." دفع له المفاتيح وخطى جوار عمران تجاه غرفته. فما أن تأكد عمران من هبوط يوسف حتى منع جمال من الفرار قائلًا: "استنى عايزك." كاد بالخروج من باب غرفته، فاستدار وهو يقبض قبضة يده بغضب لحق هو الأخير بنبرة عمران: "سبق وسألتك قبل كده على عملية والدتك وقولتلي إنها لازم تتعمل بأقرب وقت. ودلوقتي بعد ما الفرصة جتلك بتتهرب منها. في إيه يا جمال؟

زفر جمال في محاولة لاختيار كلماته: "مفيش. أنا حاسس إنها بقيت كويسة وآآ.." قاطعه عمران بسؤاله المباشر دون لف ودوران: "إنت محتاج فلوس؟ احمرت حدقتا جمال غضبًا وصاح بعصبية: "مالكش دعوة يا عمران. أنا أقدر أحل مشاكلي لوحدي." جذب عمران المزهرية المجاورة لفراشه ليسقطها فوق رأسه بتعصب. تفاداها جمال بصعوبة وهو يهمس بعدم تصديق: "مجنون!! بحث عمران عما يود استخدامه ولكنه فشل بالوصول للمزهرية الأخرى. فصرخ بعنف:

"استنى أنا هوريك الجنان اللي على أصوله. عشان تبقى تعرف تتكلم معايا كويس يا حقير." وتابع بعصبية بالغة: "بقى بتداري عليا بعد كل اللي بينا. ده أنا لو حصلي حاجة إنت أول واحد بتجري بيا. للدرجادي أنا مصدوم ومش مصدق إنك تكون بتمر بحاجة زي دي وتخبي عننا يا جمال. بجد مصدوم ولو قادر أقف كنت قتلتك وخلصت." أسرع جمال يخبره بحزن: "إنت عارف إني مش بحب أطلب مساعدة من حد حتى لو كنتوا إخواتي."

خرج عمران عن هدوئه، فجذب الوسادة من خلفه ليقذفها إليه. فالتقطها جمال سريعًا ليعيدها إليه بحدة: "اهدى بقى بهدلت الأوضة بجنانك ده. مش صالة رياضة هي! أجابه جمال من بين اصطكاك أسنانه: "ما أنت معصبني خصوصًا إنك واقف بعيد ومش طايلك. تعالى لو راجل تعالى أقف هنا قدامي! انحنى جمال يجمع زجاج المزهرية لسلة المهملات، مردفًا: "لا أجيلك ولا تجيني. خليك مستريح مكانك. أنا أساسًا مش فاضيلك." وانتهى من جمع الشظايا، ثم اتجه ليغادر.

فقال عمران بحزم: "جمال جهز أوراق سفر والدتك. وأنا هتكفل بفلوس العملية. ولما تجمع المبلغ بعد المناقصة اللي داخلها ابقى سددلي جزء منه وبعد كل مناقصة هاخد جزء من فلوسي. وبكده تكون رضيت غرورك الغبي." اشتعلت حدقتا جمال. فابتسم عمران بخبث: "اتعصبت! حلو تعالى اقعد جنبي هنا ونتكلم ونتناقش." استدار ليغادر فعاد يناديه مجددًا: "جمال." توقف جمال محله، ليأتيه تهديدًا قطعي:

"أقسم بالله لو مبعت جبت والدتك الأسبوع ده لا أنت صاحبي ولا أعرفك. وإنت عارف كويس إني قد كلامي. كفايا زعلي من اللي عملته. المرادي هتبقى كبيرة." ابتلع جمال ريقه بتوترٍ. خسارة أحد أشقائه تعني الموت حتمًا. فهز رأسه مرددًا: "حاضر.. هحجز لها." وغادر على الفور من أمامه، تاركًا ابتسامة الانتصار تحيط بوجه عمران. فتمدد على الفراش، ليغلق عينيه براحة وفتحها مجددًا حينما فُتح باب الغرفة مجددًا. فاعتدل بجلسته هاتفًا بسخرية:

"يا هلا يا هلا بالعريس. أيه لسه فاكر أنك نسيتني وراك! حدجه علي بنظرة جامدة قبل أن يتجه للخزانة قائلًا ببرودٍ: "نسيت ابن أختي ورايا ورجعت أخده.. قوم إلبس وخلصني." منحه عمران نظرة ساخرة قبل أن يشير بيده إليه. فجذبه علي ليستقيم بجلسته ومن ثم اتجه للخزانة ليجذب بذلة أنيقة من اللون الأسود. مررها لعمران وكاد أن يشرع بمعاونته ليوقفه الأخر بسخط: "أيه الذوق المقرف ده. إنت بتكروتني! جحظت عينا علي بصدمة، لحقت نبرته:

"هو أنا جايبها من دولابي. ده ذوقك يا حبيبي! ألقاها عمران جانبًا وأشار له: "مش بلبس أنا كده. بختار البنطلون وبعد كده بطقم باستايل مختلف مش اللبس المعتاد ده. إنت تايه عني ولا إيه يا دكتور؟ كز علي على أسنانه بغيظٍ: "هو ده وقت محاضراتك يا عمران. فطيمة سايبها مع فريدة هانم وحاسس إني هروح ألقيها نهشتها على سنانها." ضحك عمران بصخبٍ، وقال: "تعملها مصدقك. بس في أمل عمك معاهم فمش هيسمحلها متقلقش." على ذكر عمه،

قال علي بجدية تامة: "لما نرجع بليل محتاجين نتكلم شوية. في موضوع مهم لازم أقولك عليه يا عمران." التحف بالجدية هو الآخر وسأله باهتمام: "موضوع إيه ده؟ قال وهو يعود للخزانة في محاولة إيجاد ما يناسبه: "بخصوص عمك. بليل نتكلم أفضل. دلوقتي لازم نتحرك. فلخص وقولي أجبلك إيه؟ أشار عمران على البنطال الداكن من خلفه، واختار قميصًا أسود اللون، ثم أشار لعلي مرددًا: "عندك درجات الكحلي نقي لي درجة متكنش داكنة أوي."

زوى علي حاجبيه بضجرٍ، كلما أمسك سترة أشار له بالنفي. فجذب عمران إحداهن وألقاها بوجهه صارخًا: "إنت بتستهبل! ده أنا العريس مخدتش الوقت ده كله باللبس! أجابه علي بسخرية وهو ينزع التيشرت عن جسده: "وإنت من إمتى بتهتم باختيار لبسك! إنت دقة قديمة يا علي مش ماشي تبع العصر! ورفع ذراعه يقبل عضلته البارزة، متفاخرًا: "حتى الرياضة مالكش فيها. لما بحس إنك شبه خلة السنان! دنى منه علي بنظرة جعلت الأخير يرتعب وخاصة حينما هدر:

"تحب أوريلك دلوقتي أنا أقدر أعمل فيك إيه بجسمي اللي شبه خلة السنان ده! عاد عمران لذكرياته ما تلقاه من ضربًا مبرحًا على يده. فأشار لذراعه الأيسر: "كان على عيني والله بس إنت شايف أهو بعينك عندي شلل نصفي رباعي حاد الزوايا. لما أخف ابقى تعالى خد حقك."

انحنى علي يعاونه على ارتداء البنطال بنفاذ صبر. ليأتيه عمران بصاعقة تفوقه حينما ظل لنصف ساعة يختار الحزام الجلدي المناسب للبنطال، ونصف ساعة أخرى ليصفف شعره ويختار البرفيوم المناسب. فأضرم علي بأن اليوم هو موعد زفاف أخيه وليس هو. جذبه علي بغضب حتى وضعه بالسيارة. فأطلق عمران صفيرًا كان مزعجًا لعلي الذي هاتفه مدعيًا ابتسامته: "تعرف تقعد بهدوء بدل الإزعاج اللي عامله ده." أجابه عمران ببسمة واسعة:

"فرحان يا أخي مش كتب كتاب أخويا! رد علي ساخرًا: "أخوك نفسه معندوش الاستعدادات والانشراح ده!! مازحه عمران بمكر وهو يغمز له: "حد منعك من الانشراح. انشرح براحتك بس بهدوء عشان فريدة هانم متفزعكش! *** صف علي السيارة جانبًا وهبط بخطاه الواثقة وإبتسامته الخبيثة تحيل على شفتيه. فدنى من فؤاد يتلقف منه ما بيده دون أن يصدر أي رد فعل تثير الشكوك إليه. فهمس إليه الأخير: "هنوصلها لمصر المرادي إزاي يا باشا؟

أجابه آدهم وهو يتصنع أنه يعدل حذاءه ليدس الفلاشة داخل جواربه. ثم انتصب بوقفته يهمس له: "متقلقش هتوصل والمرادي بطريقة مختلفة." وغمز له قبل أن يغادر لداخل قصر راكان، مستمتعًا بكل خطوة يخطوها للداخل بعدما حقق أول انتصارًا بكشف من يعلو راكان وتفاصيل العملية القادمة التي حتمًا ستكون بمثابة دق آخر مسمار بنعشه. اصطدم آدهم بالهاتف الخاص براكان ملقي أرضًا أسفل قدميه. فرفع بصره ببطء تجاهه، ليجده ينفث غليونه بغضب شديد.

وما أن رآه حتى صاح: "الحيوانة شمس مش بترد على مكالماتي. وأنا مش عارف هي قالت إيه لعمران ولا لفريدة هانم. كنت عايز أضحك عليها بكلمتين." قبض آدهم يده بعنف تمنى لو تركها تطول فكه فتحطم صف أسنانه السفلية، ولكنه سيطر على انفعالاته ليبدو باردًا كلوح الثلج، وقال: "وإنت كنت منتظر إيه منها بعد ما اتخليت عنها واستخبيت ورا العمود! جذب كأسه يرتشفه بغدافية شديدة، وتلفظ: "وأنا كنت هعمل إيه يعني، أفديها بروحي مثلًا!

ما إنت عارف اللي فيها." تخلى عن صمته مجددًا وفاه: "معتقدش شمس هانم تكون قالت لحد من أخواتها. ولو ده كان حصل كان زمان حد فيهم كلمك. أعتقد إن حوار رجل الأعمال اللي قولنا عليه دخل عليها." تمعن آدهم بحديثه جيدًا، وقال بتردد: "طب وهعرف إزاي، هحط افتراضات؟ وتابع بعد تفكيرٍ: "لازم أقابلها.. هروح لها الجامعة بكرة! *** طرقات على باب غرفتها حررت صوتها الرقيق: "اتفضل."

ولج يوسف للداخل فوجدها تتمعن بتلك الأوراق التي توقع عليها وقالت بعملية دون الاهتمام بالتطلع لمن القادم: "استريح، ثواني وهكون مع حضرتك." منحها يوسف نظرة مستنكرة لوقاحتها بالتعامل مع المرضى، فقال بامتعاضٍ: "من الذوق والأدب أنك تستقبلي المرضى بابتسامة واهتمام أكتر من كده يا دكتورة! رفعت ليلى عينيها عن الأوراق تزيح نظاراتها، ولسانها يردد بدهشة: "يوسف! ابتسم ووضع باقة الورد على الأوراق التي أمامها مرددًا:

"دكتورة ليلى قلب دكتور يوسف وفشته وكليته وكل الأمعاء." ضحكت وهي تراقب باقة الورد بعدم تصديق، فقالت باستغراب: "ده إيه؟ أكيد بحلم مش كده؟ ازدادت بسمته عشقًا: "احلمي وأنا المارد اللي هيحققلك أحلامك كلها. ومتعشم فيكِ تحققيلي حلم واحد بس." امتعضت معالمها غضبًا بعدما تسرب لها سبب وجوده هنا. فألقت باقة الورد بوجهه وهي تهدر بانفعال: "آه قول كده بقى، إنت جاي عشان ترجع تفتح حوار الخلفة تاني."

أبعد يوسف الورد عن وجهه وأسنانه تكاد تنهش شفتيه، وبدأ يستعيد اتزانه كليًا. فابتسم وهو يحرر احتقان صوته الغاضب: "حبيبتي أنا عارف إنك امبارح اتحججتي بحوار البنت الحامل اللي كلمتني علشان قبلها كنت بقولك تعدي عليا بالعيادة أكشف عليكي من باب الاطمئنان بحيث يكون عندنا بيبي بأقرب وقت." طرقت ليلى على سطح المكتب بغضب:

"متفتحش الحوار ده تاني يا يوسف. من قبل ما نتجوز وأنا قايلالك إني نفسي أحقق طموحاتي وأبقى من أكبر الجراحين في إنجلترا وإنت وعدتني إنك هتساعدني ومش هتقف بطريقي." رد عليها يوسف بهدوءٍ رغم اشتعال روحه: "وهي الخلفة اللي هتعطلك عن تحقيق ذاتك يا دكتورة؟! منحتها ليلى نظرة غريبة يراها ببنية عينيها لأول مرة، وألقت إليه تهمتها: "يعني لو أنا طلبت منك تسيب شغلك ونجاحك اللي وصلتله هتقبل بده يا يوسف؟ رمش يوسف بعدم استيعاب:

"وده دخله إيه في موضوعنا؟ وبوضوحٍ شديد تساءل: "ليلى إنتِ بتلمحي لإيه؟ نهضت ليلى بوقفتها تطعنه لأول مرة بما جعله عاجزًا محله: "قصدي إنك غيران من نجاحي يا دكتور يا محترم. ودلوقتي عايز تهد كل اللي أنا حققته عشان أقعد في البيت وعلى كتفي عيل! برق يوسف بعينيه بصدمة جعلته يحاول النهوض ليقف قبالتها. فاجبر صوته على الاستيقاظ:

"أنا هعتبر نفسي مسمعتش الكلام اللي قولته ده لإني لو أخدته بعين الاعتبار فمش هخرج من الأوضة دي غير وأنا رامي عليكي يمين الطلاق." نالها من الصدمة جانبًا بعدما أهانه وانتزعت قلبه من صدره. فحاولت الحديث عساها تمحي زلة اللسان الكريهة هذه ولكنه منعها حينما قال بألم جعل صوته جاف: "أنا عمري ما غيرت من زميل ليا في مجال تخصصي ما بالك بمراتي اللي بتمنالها الخير على حساب نفسي! وتابع يدافع عن نفسه المجروح:

"ثم من إمتى وأنا بقف بطريقك!

أنا أوقات بحتاج لزوجتي تشاركني أجازتي زي أي إنسان طبيعي ومش بلاقيكي جنبي وعمري ما فتحت بوقي لإني عارف شغلك ومقدر ده. عمري ما جبرتك تقعدي من شغلك ولو يوم واحد. ولما بترجعي وبتحاولي تعوضي النقص بترتيب البيت والطبيخ بزعل لاني عارف وقفة طول اليوم بالمستشفى عشان المرضى عاملة إزاي. فبحاول أساعدك على قد ما أقدر. برتب كل شيء ورايا وبعمل لنفسي بأغلب الوقت أكلي. ده مش معناه إني ضعيف ومش قادر أكسرك بأي وقت.."

ورفع اصبعه يحذرها من الحديث حينما همت بذلك، ليتابع باندفاع: "انتي موجودة هنا في شغلك مش عشان تشاركيني بمصاريف البيت، ولا لانك محتاجة للفلوس يا دكتورة. أنا سايبك هنا عشان تحققي ذاتك وتنجحي زي ما في أحلامك. واتنازلت اتنازلت كتير أوي عشان نهايتها تقفي قدامي بكل بجاحة وتقوليلي غيران مني!! وابتسم ساخرًا وهو يضيف: "وكل ده ليه عشان نفسي أخلف منك ولد! عشان اديتك وعد وانتظرتك إنتي اللي تاخدي أي خطوة وتوقفي المانع من نفسك!

كل ده عشان مقدرتش استحمل الوجع لما بيتولد على إيدي كل يوم طفل وعندي رغبة أشيل ابني بين إيديا زي أي زوج عايش حياة طبيعية مع مراته!! قوليلي أنا غلطت في إيه؟! وبعدين هو كل ست حملت وخلفت سابت شغلها واتخلت عن حلمها؟! ومنحها نظرة أخيرة قبل أن يخبرها: "بس عندك حق أنا أستاهل إنك تتمادي بكلامك وطريقتك بالكلام معايا.."

وحمل باقة الورد ووضعها بسلة القمامة المجاورة لباب الخروج ثم غادر على الفور. فانهار جسدها على المقعد، لتضم وجهها لكف يدها وهي تردد بصدمة: "إيه اللي قولته ده؟! ***

وصلت سيارة علي أمام الباب الخارجي للمول، فاتصل هاتفيًا بعمه ليجده يشير له فقاد للأمام قليلًا. ليتفاجئ بها تهبط الدرج بفستانها الأبيض وملامحها الملائكية التي زلزلت كأنه لم يرى فتاة من قبل. هبطت برفقة مايا وشمس حتى باتت قبالته تتحاشى التطلع له بحرج. فكانت عيناه لا تحيل عنها، حتى أنه لم يستمع لحديث شمس ولا لمباركات مايا. وبصعوبة بالغة قال: "القمر نزل من سماه لأرضي. معقول! تعالت ضحكات عمران المتدلي نصفه من نافذة السيارة،

فصاح بخبث: "الله أكبر. دكتور علي نبغة العلم والأدب نطق يا جدعان. بركاتك يا مرات أخويا شكلك كده وقعتيه واقعة مفهاش قومة." استدار إليه علي، فدفعه للداخل بغضب، وأمر مايا بحدة: "خدي جوزك لعربية عمي." خرج عمران من النافذة يرفض: "ده بعدك يا أبو علي. لزق لك."

منحه علي بسمة ساخرة، فأشار لعمه الواقف على بعد مسافة منهما. واتبعته فريدة تكتف ساعديها أمام صدرها بغضب. ففتح علي الباب الخلفي لوالدته التي حدقته بنظرة غامضة ثم صعدت للخلف ومن بعدها مايا وشمس. فتساءل عمران باستغراب: "والعروسة هتركب فين يا ابني! اتجه علي يميل على أحمد هاتفًا: "المفاتيح يا أبو حميد. ومردد لك." غمز له بمكر وصعد يقود السيارة. فخرج عمران من النافذة يشير له بمرح: "مش هعدهالك اصبر بس."

بينما صعد علي سيارة أحمد وقادها قبالة فاطيما، فصعدت لجواره على استحياء ليتجه بها للمحامي لعقد قرانهما أمام أفراد العائلة. ليعودوا جميعًا للمنزل مرة أخرى. وما أن ولجت فطيمة للمنزل حتى أشارت فريدة لعلي قائلة بأعين لامعة بالدموع: "عملت اللي في دماغك يا علي؟ اعتبر إن من النهاردة مالكش أم!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...