كابوسها يتجسد أمام عينيها، يتحرك عن صورته الملصقة على الحائط الأسود، ليصبح حيًا أمامها. لطالما كانت تراه بمنامها، وما أبشع أن تستكين بنومٍ كان هو زائره. لم تحظَ بالراحة إلا بقرب زوجها الحبيب منها، الذي يؤكد لها أن ما تراه ما هو إلا وهمٌ، وأن ذلك اللعين قد مضى وعبر ولن يعود مجددًا. وها هو يخالف كل الأقاويل، ويقف أمام السيارة يطالعها بخيلاء. مالت "زينب" على المقعد الأمامي، تتشبث بقميص "سيف" الأسود،
تجبر لسانها المتحجر لينطق: "سيف، يمان! بقيت نظرات المحتقنة تطالع من يقف قبالته بغضبٍ. وكلما ازداد تشبث زوجته به خوفًا، كلما تصاعدت أدخنة النيران داخله. تلك الحرب إجبارية، عليه أن يخوضها ضد هذا الحقير، عليه أن ينتهي منه وللأبد. حتمًا ستكون هناك خسائر، وإن كانت روحه هو فلا بأس، ولكن روح معشوقته ثمنًا لن يجازف بدفعه. والأغلى عليه زوجة أخيه الحبيب وما تمتلكه برحمها المعرض للخطر.
فتح سيف المزلاج الأمامي، ساحبًا آخر إبرة احتفظ بها، يجازف بتلك اللحظة وهو يعلم ذلك، ولكنه لن يخذل "ليلى" التي لجأت إليه. لن يواجهها حينما تستعيد وعيها بأنه فشل بالحفاظ على حياة جنينها. مرر ما يحمله لزينب وقال، ومازال نظراته للأمام حتى لا يجذب الانتباه إليه: "زينب فوقي واسمعيني، الحقنة دي لازم ليلى تأخدها وحالًا، لأننا مش هنقدر ننقلها للمستشفى."
عبثت بمقلتيها بعدم فهم لما يخبرها به، تبلغه بأن الموت يحوم من حولها، ويخبرها بأن تحقن ليلى بتلك الإبرة الغريبة. صمتها المطول جعل سيف يصيح بحزم: "زينب ركزي في اللي بقولهولك، أنا هنزل وهشتت انتباه عنكم. اديها الحقنة وافتحي الكرسي لورا، فاهماني يا زينب! التقطتها منه تتفحصها بدموعٍ جعلت عينيها كالغشاوة: "دي إيه يا سيف؟ رد عليها بقلة حيلة: "مفيش قدامي اختيار تاني." قالت برعشةٍ ازدادت بها:
"سيف الحقنة دي خطيرة، لازم يتعملها فحوصات بالمركز قبل ما تاخدها! شدد عليها بصرامةٍ وهو يحل حزام السيارة عنه: "نفذي اللي بقولك عليه، أنا المسؤول." نزع عنه الحزام وفتح باب سيارته. وما كاد بالخروج، حتى تمسكت بيده باكية: "رايح فين! أبعد يدها عنه وقال: "زينب نفذي اللي قولتلك عليه، متخافيش أنا جنبك."
نجح بسحب يده منها، وأغلق باب السيارة ثم اتجه يقف قبالة ذاك اللعين الماكر. كبتت زينب صرخاتها بانهيارٍ، لا تعلم كيف سحبت الأمبول وملأت الإبرة الطبية. حاولت السيطرة على رعشة يدها لتفعل ما أراد سيف. لقد منحها وقتًا قصيرًا لتتمكن من إنقاذ ليلى. مهما كان ما تواجهه زينب بتلك اللحظة، لا ذنب لها فيما تخوضه. وقف "سيف" بوجهه بشجاعةٍ، يطالعه ببرودٍ جعل الأخير يهتز توترًا منه. ولكنه تصنع قوته بكل عنجهيةٍ، وقال:
"ذكي إنت أوي ومش همك كل اللي عملته الفترة اللي فاتت عشان تبعد، مصمم تتحداني والنهاردة الرد هيكون بموتك! ارتخت شفتيه بابتسامةٍ ساخرة، لحقت نبرته: "تقصد لعب العيال اللي كنت بتعمله؟ بالعكس أنا كنت مستمتع جدًا بجو الشبح الأهبل اللي عملته ده، بالعكس أنا أشفقت عليك وكنت عايز أحطلك ملاحظاتي على غباءك وأنا براجع تسجيلات الكاميرات كل يوم." ودس سيف يديه بجيب بنطاله واستطرد بحزنٍ مصطنع:
"صعبت عليا وإنت بتحاول تقصر فيا، بس متقلقش زينب اتقصرت ما أنت عارف قلب الستات رهيف، ده مش تقليل منك بالعكس، ولا حافز إنك تصلح غلطك المرة الجاية، لأن للأسف معتش في مرة تانية." وبجمودٍ استطرد: "النهاردة يا هكون أنا القاتل يا مقتول، مش هسيبك تخرج من هنا حي!
تعالت ضحكات "يمان" بصخبٍ، جعل زينب تصم أذنيها بيدها فور انتهائها من حقن ليلى. لا تريد حتى سماع صوته اللعين. فنحتت شرفة السيارة وراقبت ما يحدث؛ فصعقت حينما وجدته يسلط مسدسه بوجه زوجها، ويصيح بانفعالٍ نجح سيف باشعاله داخله: "مش هتلحق لآني هقتلك في أرضك، زينب ليا أنا وعمرها ما هتكون لغيري سامــــع! فتحت باب السيارة، وهرولت مسرعة تقف أمام سيف كالحاجز الواقي، تدفعه بكل قوتها للخلف وهي تهمس ببكاء: "سيف!
اهتز رأس يمان بشكلٍ مرضي وهو يراها تحاول أن تفديه بروحها. بينما جذبها سيف من خلفه يعنفها: "إيه اللي نزلك من العربية، ارجعي." دفعها للخلف لتعود، ولكن إشارة يمان كانت الأسرع، فالتف من حولهما رجاله. تراجعت زينب للخلف وهي تراقب اقترابهم منها بذعرٍ، حتى ارتطمت بسيف الذي ضمها بحمايةٍ. "شايف رجالتي اللي حوليك دول مستنين إشارة واحدة مني علشان يخلصوا عليك بس أنا مازلت واقف قدامك بديلك فرصة أخيرة إنك تفكر وتعقلها!
تحررت الكلمات من فم "يمان" ببطءٍ قاتلٍ متعمدًا غرس الخوف بغريمه الذي يجابهه بكل كبرياء وصلابة تضرب الآخر في مقتلٍ، وكأنه غير عابئ بتهديده وبرجاله المسلحين. ارتعش كفها الصغير المتمسك بقميصه، تختبئ من خلف ظهره باكية، مرتابة لما سيحدث لها ولمن أحبته بصدقٍ. فتحرر "سيف" عن صمته راسمًا بسمة باردة اتبعت قوله الثابت:
"لو فاكر إنك كده خوفتني فأنت صعبان عليا.. كنت فاكر إن شخص باجرامك تاجر أسلحة وهارس سكك قطاع الطرق دول هيكون عنده رجولة وشجاعة تخليه يتباهى بقوته هو مش بقوة رجالته، فلو لسه محتفظ برجولتك واجهني راجل لراجل ونشوف وقتها كفة مين الرابحة فينا! تمسكت به زينب بقوة هامسة له: "سيف خرجني من هنا مش عايزة أشوفه يا سيف." التقطها لاحضانه أمام نظرات عين يمان الملتهبة. فرفع سلاحه يصوبه تجاه رأس سيف الذي لم يهتز له شعرة ليعود لتهديده:
"طلقها والا رصاصتي هتصفيك مكانك." أعادها لخلف ظهره، واقترب يقف قبالته وجهًا لوجه: "بموتي، مش هفترق عنها إلا بموتي! وحتى بعدها مش هتقدر تفصلنا عن بعض لإني عايش جواها.. هتقدر تطردني من قلبها اللي اختارني أنا!! استفزته كلماته بشكلٍ كبيرٍ، فصرخ برجاله وهو يتجه لسيارته: "هاتوهم." فور أن صرح بأمره دفعوهما الرجال تجاه السيارة، فما كان من سيف إلا أن يضمها ليبعد أيديهم عنها، حتى صعد بالسيارة عنوة. فتحركت بهما خلف سيارة يمان.
تركزت نظرات سيف على سيارته بقلقٍ، وهمس بصوتٍ خافت: "يارب تفهم الرسالة يا يوسف! *** تسلل من جواره، يرتدي جاكيته الرياضي، وسحب محفظة نقوده، ثم ارتدى حذائه الرياضي، وخرج من شقة يونس، بعدما عاد برفقتهم من صلاة الفجر. غفى لساعتين ونهض الآن يتمشى بالحارة، يريد أن ينعش رئتيه بالهواء المنعش، واضعًا بأذنيه سماعته الباهظة، يستمع لصوت الشيخ "عبد الرحمن مسعد". صوته الدافئ يجعله يشعر بارتياحٍ يداهم كل خلية من جسده.
ركض "عُمران" مسافة طويلة تاركًا العرق يتصبب على جبينه، يود أن يغسل روحه من الداخل مثلما يبلل وجهه. نجح بالهروب من حصار آيوب ويونس لمعرفة ما يحزنه لتلك الدرجة، حتى أنه يتهرب من نفسه من الإجابة عما يضيق بصدره. التقط هاتفه مكالمة هاتفية، تفحصها باستغراب ودهشة حينما وجدها زوجته. حرر زر الاتصال ومازالت سماعته على أذنيه، فقال ببسمة جذابة وهو يرتكن على سياج النيل: "حبيب قلبي صاحي بدري كده ليه؟ أتاه صوتها الحزين:
"لو كنت حبيب قلبك زي ما بتقول مكنش هان عليك تبعد وتفترق عني كل ده يا عُمران." استند بذراعيه على السور يجيبها بحب: "روح قلبه وحياته إنتِ يا مايا، أقسملك بالله غصب عني يا حبيبي، أنا تعبان ومحتاج أكون لوحدي، عايزك تقدري ده؟ انهارت باكية وهي تردد: "طيب أنا غلطت في إيه؟ خايفة أكون وجعتك أنا كمان عشان كده سبتني زيهم ومشيت." ردد بحنان وعشق:
"عمرك ما وجعتيني يا مايا، أديتيني كل حاجة حلوة أمتلكها في حياتي، ادتيني حبك وقلبك ووقت ضعفي قوتيني، وقت انكساري كنت سندي، كنتِ بميت راجل رغم رقتك، وثقتي فيا في وقت أنا نفسي كنت شاكك فيها! وابتسم وهو يستطرد: "وفوق كل ده ادتيني أغلى حاجة، البيبي اللي في بطنك، بعد كل ثانية عشان أشيله بين إيديا، عندي فضول أعرف هيطلع يشبهني ولا يشبه القمر اللي نور ليلي! شهقاتها تصل إليه، فجعلته يأمرها بغضب:
"وقفي عياط وحالًا، مش هسمحلك تنكدي على الولد يا هانم! ابتسمت رغمًا عنها، فتابع يمازحها: "اهدي كده يا بيبي، ده أنا مسافر مكملتش تلات أيام على بعض، هتخلي فريدة هانم تديكي دروس قوة المرأة واستغنائها عن الرجل! ضحكت حتى أشرقت وجهه ببسمته الجذابة، فردد بمرحٍ: "هو ده اللي يعلي الأنسولين طبيعي، الصوت ده كفيل يغسل قلب عُمران الغرباوي من جوه! كفت عن الضحك وقالت بصوتٍ بحتٍ نبرته: "أنا عايزة أجيلك مش عايزة أقعد هنا، مصر وحشتني."
تبسم وأخبرها بمكر: "مصر بردو اللي وحشتك يا بيبي، ما تيجي صريحة طيب عشان أقابلك بنص الطريق! تنحنحت بحرجٍ، وقد ارتسم له صورتها الآن وهي بقمة خجلها، وبتوتر شديد قالت: "إنت اللي وحشتني أوي." أجابها بعشقٍ: "كأنهم تلات سنين في بعدك يا مايا، مش فارقلي أي حاجة في اللحظة دي غير قربك! وأضاف مبتسمًا: "حاسس إني حبيب قلبي كبر بالتلات أيام دول عما سبته، قوليلي طيب كبر ولا لسه مش باين عليكِ؟ هتفت باستنكار: "كل ده ومش باين عليا؟!
ضحك يمازحها: "مش باين صدقيني، كأنك أكلة ومتقلة شوتين، متحمس أشوفك بشكل الحوامل على وش ولادة يا بيبي! رددت بحماسٍ: "بسيطة أجيلك يا عُمران! ضحك بصوته كله، وقال يشاكسها: "حبيب قلبه بقى شقي وبيتخابث على باباه، طيب ينفع كده يا بيبي! زمت شفتيها بسخطٍ، فابتسم وقال بجدية: "هاخدك يا مايا، بس الأول خليني أظبط قصر الغرباوي القديم عشان يكون جاهز ليكِ يا حبيبي." تساءلت باستغراب: "قصر الغرباوي!! إنت ناوي على إيه عُمران؟
أجابها بهمسٍ مغري: "ناوي نستقر هنا أنا وإنتِ وعلي." نقلت سعادتها بصوتها الحماسي: "مش مصدقة اللي بسمعه معقول، حاسة إني اتلخبطت في الرقم! ضحك بصوته الرجولي، وقال يشاكسها: "ولو طلبتي مية رقم هجاريكي على أي وضع يا قمراية، أنا لئيم وأعجبك." شاركته الضحك وقالت باستنكار: "فين جوزي يا معلم رجعهولي لو سمحت؟! رد عليها بخبث:
"نادي عليه بقلبك وهيخرجلك على طول يا بيبي، أصل صوتك سره باتع، بيحضر شخصية بتلبسه مخصوص عشان عيون حبيب قلبه." ابتسمت وقالت بحبٍ: "أوعدني إنك متبعدنيش عنك أكتر من كده." أتاها صوته الجادي يخبرها: "مقدرش أبعدك عني، إنتِ حتة مني مش اللي في بطنك بس." وأضاف ببسمة هادئة:
"يالا يا بيبي اقفلي ونامي شوية، ده معاد نومك، ارتاحي واطمني، عُمران الغرباوي لو بعد عن عشه ميت ألف ميل، عمره ما يتغرب عنه ولا يطول بعده، هنتجمع وقريب أوي يا مايا أوعدك."
قال جملته الأخيرة وأغلق الهاتف مبتسمًا بتلك الراحة التي تعتريه الآن. أعاد الهاتف لجاكيته ومضى بطريقه للحارة، فوقف بمنتصفها يحاول تذكر الطريق الذي مضاه برفقة آيوب للمخبز ولتلك السيدة التي تعد الفلافل الشهية. وبالفعل وصل إلى المخبز أولًا، اشترى الخبز الساخن واتجه للسيدة التي تقابله. اقترب من محل وقوفها وقال بتعابيره البشوشة: "صباح الخير والجمال كله يا أم عزت."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه العجوز، وهي تتأمل ذلك الوسيم، فإذا بها تجيبه، وهي تعيد طنجرة الفول لمحلها: "صباح النور يابشمهندز، طالع لوحدك على الصبح من غير صاحبك ليه؟ مش خايف تتوه في الحارة؟ ابتسم "عُمران" حتى لمعت رماديته، وقال وهو يرفع الكيس البلاستيكي لها: "لا أنا ميتخافش عليا، حتى شوفي روحت لعم عباس واداني عيش طازة." وتابع وهو يشير لها عما أمامها:
"عايز بقى فول وطعمية وبتنجان بالدقة الرهيبة زي اللي إديته لآيوب امبارح." تهللت أسارير المرأة فرحًا، بعدما أشاد ذلك الأجنبي بما تعده يدها، على الرغم من أنه أقسم لها أنه مصري أبًا عن جد، إلا أن حالها كأغلب ممن تعرف عليه بحارة الشيخ "مهران" بما يطلقون عليه باللفظ العامي (خواجة) جذبت الأكياس تضع له ما طلب، قائلة ببسمة هادئة: "بس كده عنيـــا، وهتوصي بيك كمان عشان إنت من طرف ابن الغالي." بابتسامته وطريقته الأنيقة قال:
"تسلم عنيكِ يا ست الكل." حمل منها الأغراض ومنحها نقودًا من فئة المائتين جنيهًا، فقالت وهي تشير لصبي يلعب برفقة مجموعة من الأطفال: "هخلي مصطفى يفك ويجبلك الباقي." أشار لها وهو يتجه للمغادرة: "لا خليه لمصطفى." وغادر تاركًا الابتسامة مرسومة على وجه ذلك العجوز، بينما صعد هو قاصدًا شقة يونس حيث بات مقر الشباب بالأوانة الأخيرة. طرق وانتظر حتى فتح له يونس، فقال باستغرابٍ وهو يتفحص ما يحمله: "عُمران!! إنت كنت فين؟
وتابع وهو يتفحص ما يحمله: "وأيه كل اللي معاك ده!!! ناوله الأكياس التي يحملها هادرًا بانزعاجٍ: "طب شيل مني الأول وبعدين حقق معايا!!! حمل عنه ما يحمله، مطلقًا ضحكة صاخبة لم يستطيع منعها: "معقول!! البشمهندس عُمران سالم الغرباوي نازل بنفسه يجيب عيش وفول وطعمية!! ربع يديه أمام صدره يمنحه نظرة ساخرة: "وأنا مش بني آدم ولا إيه يا معلم يونس، مش بيقولولك معلم بردو!! تمادى بضحكه وهز رأسه متمتمًا:
"ورد عليا ناس أشكال وألوان، بس في تركيبتك العجيبة دي مشوفتش، لا قادر أحدد إنت خواجة ولا مصري ولا نظامك إيه!! بس في المطلق إنت عاجبني!! جذب الأطباق يوزعها على الطاولة المستديرة قائلًا بعنجهية الطاووس داخله: "ده الطبيعي مجبتش جديد!! انفرط بموجة من الضحك، ومال يتساءل بدهشة: "حقك يا عم الطاووس، بس أنا اللي هيجنني إزاي إنت أخو دكتور علي؟ ترك الجبن الذي يحمله ونصب عوده يشمله بنظرة تقييمية: "زي ما إنت ابن عم آيوب!! قاطعهما
صوت إيثان الذي يردد بنعاس: "أنا شامم ريحة طعمية وعيش سخن! معقول يا يونس نزلت وعملتها! قدم له يونس الفلافل وهو يخبره: "لا ده الخواجة اللي نزل بنفسه يلم الشمل! جحظت عين إيثان صدمة، فاخذ يوزع نظراته بينه وبين ما يحمله بين أصابعه، وما كاد بالحديث حتى أتاهم صوت جرس المنزل. خرج آيوب من الغرفة يفرك عينيه بنومٍ: "انتوا واقفين وسايبن الجرس يضرب!! واتجه يفتح الباب فاذا بجارتهم تناوله قدحًا من الحليب، وكيسًا بلاستيكيًا مغلقًا،
قائلة بحبور: "ده لبن صابح والجبنة قريش اللي وصى عليها البشمهندس." أسبل بدهشةٍ وهو يعود برأسه لمحل عُمران الذي يتناول قطعة من الخيار ويتابعهما بصمتٍ، فردد إيثان بصدمة: "صاحبك هيعمل انقلاب في الحارة يا آيوب!!!! *******
قاد سيارته تجاه الموقع الذي استلمه برسالة نصية من أخيه، حاول الوصول إليه كثيرًا عبر المكالمات الهاتفية، والرسائل ولكنه لم يستطع، فترك المركز واتجه للموقع وقلبه يخفق توترًا لما قد يراه. وصل "يوسف" للموقع المحدد، لمح سيارة أخيه تصطف بمنتصف الطريق بعشوائية رسمت القلق على ملامحه، وجعلته يهرول مسرعًا تجاه السيارة.
تفقد المقعد الأمامي بلهفةٍ، فلم يجده بالداخل، انتصب بوقفته يعيد الاتصال به، فلمح ضوء يتسلل من مقعد السائق، والهاتف على ما يبدو على وضع صامت، وبينما كان بمحاولاته لفتح الباب محكوم الانغلاق تسلل له صوت يئن بالخلف، انعكست أهدافه لفتح الباب الخلفي، والقلق ينهشه كالوحش المفترس، نجح يوسف بفتح باب السيارة، لتضربه صدمة جعلته متجمدًا محله حينما وجد زوجته تغفو باهمالٍ على الأريكة الخلفية، فستانها ملوث بالدماء ووجهها شاحب يميل للاصفرار.
مال إليها يناديها بفزعٍ: "ليــــــــلى!!! التقطت صوته على الفور، فجاهدت لفتح عينيها الملطخة بالكُحْلَ الأسود، وغمغمت بتعبٍ شديد: "يوسف." ساندها حتى جلست جواره، وأخذ يتفحصها وهو يتساءل بصدمة: "أيه اللي حصل؟ وأيه الدم ده؟ همست له بارهاقٍ ويدها تشدد على كفه، بينما تبتلعها الغمامة بين ذراعيها: "ابني يا يوسف، ابني! رددتها وفقدت الوعي على الفور، بينما سن السكين يمزق صدره دون رأفة، لطم وجنتها برفق وهو يصيح بها:
"ليلى فوووقي، سيف فين وأيه اللي حصل؟ جاوبيـــني!! لم تتمكن من إجابته، لقد فقدت الوعي كليًا الآن، استوعب عقله ما أخبرته به للتو، لقد ذكرت ابنها، والدماء تلك التي تلطخ ملابسها، انتفض يوسف بجلسته إليها يمددها وهو يفحصها برعبٍ، مرر يده على جبينه وهو يردد بارتباكٍ: "إنتِ لازم تتنقلي المركز فورًا." وأضاف بقلق: "طيب وسيف؟ مال على النافذة يقول بعجز: "أعمل إيه يا رب!!
سحب هاتفه بعد أن اعتصر رأسه، وضعه على أذنيه وما أن استمع لصوت المتصل به حتى صاح بفزع: "دكتور علي، يمان الكلب شكله هاجم سيف." استمع لما قال وأضاف: "معرفش حاجة، أنا لقيته باعتلي لوكيشن مكان، بتصل بيه من ساعتها مكنش بيرد، سبت شغلي وجيت جري على هنا ملقتش غير عربيتي ومراتي جواها وبتنزف، أنا لازم أنقلها للمركز حالا، بس مش قادر أتحرك وأنا مش فاهم إيه اللي حصل لسيف!! رد عليه علي بصرامة:
"ابعتلي اللوكيشن وروح بمراتك على المركز بسرعة." أغلق يوسف الهاتف وأرسل الموقع إليه، ثم حمل ليلى وأسرع لسيارته، وضعها ووقف يتطلع لسيارة أخيه بقلبٍ منشطر، ما بين إنقاذ زوجته وما تحمله بأحشائها إن كان ما زال على قيد الحياة، وما بين أخيه الذي يعد بمثابة ابنه الأكبر. انتشله صوت ليلى المئن من دوامته، فرفعت يدها تتشبث بكفه وهي تردد ببكاء: "بطني بتتقطع، مش قادرة."
أغلق عينيه بقوةٌ، وحسم قراره، صعد جوارها وقاد سيارته بسرعةٍ فائقة حتى وصل بها للمركز، ولج بها مسرعًا لغرفة العمليات، يعيد فحصها على الأجهزة، تأكد له أن النزيف قد انقطع منذ فترة، وعلى ما بدا له أن الفستان ملوث منذ وقتٍ بعيد، شك بأنها تلقت الإبرة المطلوبة لحالتها، فكشف عن معصمها ليتأكد ظنونه من رؤية أثرها. مرر يديه بخصلاته السوداء وهو يردد بحيرةٍ: "اخدت الحقن دي إمتى وإزاي؟
همهمت ليلى مجددًا بتعبٍ، فأسرع إليها يميل على رأسها، يسألها برجاء: "ليلى فوقي عشان خاطري، قوليلي إيه اللي حصل؟ سيف فين؟ رفعت جفنيها الثقيل بصعوبة، وما أن رأته حتى بكت بصوتٍ مسموع، وسألته برعب من سماع إجابته: "ابني؟ أعاد خصلاتها خلف حجابها، وانحنى يقبل جبينها وهو يخبرها بحزن على حالها: "مش هقدر أحدد دلوقتي، بس الحمد لله الحقن اللي أخدتيها وقفت النزيف." تعالت شهقاتها بانهيارٍ، وهمست له بتعب:
"إعمل أي حاجة يا يوسف، مش عايزة أخسره عشان خاطري! أزاح دموعها وقال بابتسامة هادئة: "هعمل كل اللي أقدر عليه يا ليلى، بس في الأول وفي الآخر اللي ربنا عايزه هو اللي هيكون، لو لينا نصيب فيه هتعدي مرحلة الخطر دي، ملناش يبقى ده الصالح لينا يا حبيبتي." هزت رأسها بخفوتٍ، ومازالت تبكي بتأثرٍ، فقال يجذب انتباهها: "ليلى حبيبتي جاوبيني، سيف كان معاكي صح؟ زوت حاجبيها تحاول تذكر ما حدث، فطرح سؤالًا آخر:
"طيب إيه اللي حصلك وخلاكي تنزفي كده." أجابته ببكاءٍ اعتراها فور تذكرها ما حدث: "كنت واقفة على كرسي بطلع شال صوف من الخزنة لآني بردانه، غصب عني وقعت والشنطة وقعت على بطني. حسيت بوجع رهيب حاولت أتصل عليك بس تليفونك كان مغلق، فخبطت على سيف وزينب." وأضافت وهي تلعق شفتيها الجافة بوجعٍ: "بعدها مش فاكرة إيه اللي حصل، آخر حاجة فاكراها كانت زينب وهي جنبي في العربية وسيف كان بيسوق، وبعدها محستش بنفسي."
نغز قلبه بعنفٍ، لقد تأكدت شكوكه بالكامل، اختفاء أخيه وزوجته لا يعني إلا احتمال واحد… يمان! *** اجتمعوا جميعًا على مائدة الطعام التي أحضرها "عُمران"، وشرعوا بتناوله، ارتشف يونس من كوب الشاي الساخن قائلًا بمزحٍ: "مين يصدق إن اللي محضرلنا الفطار الملوكي ده هو نفسه الخواجة." التهَم إيثان الفول وصاح بتهكمٍ: "شكله كده نزل هنا يبطط الكام عضلة اللي فرحانلي بيهم دول بالزيوت! تناول عمران ما بيده وهو يطالعه ببرودٍ،
مزقه حينما قال: "بتهزرش مع واحد بيعشق ريحة الحديد، عشان هتكح ضروسك من أول ضربة يا كابتن إيثو." وأضاف وهو يلوك الخبز المغموس بالباذنجان: "أنا سمعت إنك عندك جيم، خلينا نروح بعد الفطار ونشوف مين فينا اللي مش محافظ على عضلاته، ولا إيه رأيك؟ أجابه بتحدٍ وعنجهية: "نروح منروحش ليه؟! أنا صحيح بقالي شهور مبفتحهوش بس وماله نفتحه لاجل عيونك يا خواجه." مال يونس إليه يدعي السعال بينما يهمس له: "ايثان بلاش." لكزه بغضب:
"اقعد على جنب يا عم يونس، الخواجه بتاعكم ده شايف نفسه أوي، خلينا أنزله على التراب." ردد يونس ساخطًا: "أنا خايف عليك لتنزل إنت التربة! دفعه بعيدًا عنه بغضب: "كل جرجير وفكك مني يا يونس." جذب حزمة الجرجير يتناولها باستفزازٍ: "رغم إنك اللي في أشد الحاجة ليه بس وماله." على بعد منهما حيث يجلس آيوب جوار عُمران الذي لاحظ شروده وتعلقه بالهاتف من أمامه باهتمامٍ، فتساءل وعيناه تراقب إيثان: "قالب وشك يابن الشيخ مهران؟ ترك
الهاتف من يده وقال بغيظ: "سيف بلكني من كل حتة تاني، أنا ما صدقت إن الدكتور يوسف أقنعه يشيل البلوكات، أعمل إيه تاني معاه غُلبت!! سحب كوبه يرتشفه وعيناه تتابع إيثان، وتنحنح بخشونة: "بلكك بسبب اللي وصله عنك." عبث بمقلتيه بعدم فهم، واستدار يسأله بذهولٍ: "وصله إيه مش فاهم." وضع الكوب وقال ببسمة ساخرة: "الكابتن غشيمو صورلك وإنت لازق فيا ويعتبر نايم في حُضني! برقت جفونه بصدمةٍ، وقبل أن يتخذ أي رد فعل تساءل: "وإنت عرفت منين؟
أجابه وهو يتناول طعامه ببرودٍ: "شوفته وكنت مرهق من السفر فسيبته بمزاجي." منحه نظرة مشككة، فترك عُمران الكوب عن يده وقال: "يدوب أغير هدومي وأنزل أقضي كام مشوار كده قبل ما أروح للحاجة آشرقت، كل يوم بأجل عزومتها لما شكلي بقى زبالة." وتابع ببراءةٍ مصطنعة: "مش عايز حاجة يا بوب؟ هز رأسه باستسلام، فنهض يجذب قطعة من الفلافل مرددًا بتلذذٍ: "أممم… تعرف لو رجعت لندن هفتقد لطعمية أم عزت." وتابع ببسمة خبيثة:
"بفكر أفتحلها فرح في لندن، بس تفتكر سيف هيسمحلك تعدي هناك بعد خيانتك ليه؟ شمخ أسنانه غيظًا، فضحك عمران واتجه يشير لايثان بحزمٍ مصطنع: "يلا عشان نهضم زيت الطعمية يا كابتن ايثو، بس ياريت تجيب يونس معاك لآني مبنسدش حد أنا." قالها واتجه للاسفل، كبت يونس ضحكاته، بينما تمرد ايثان بغيظٍ: "يسند مين؟ يقصد إيه الخواجه ده يا يونس؟ رد عليه وهو يحبس ضحكاته بصعوبة:
"ميبقاش عقلك مقفل أُمال، ده خايف عليك يجيلك تروما ولا تشنج عضلي ولا حاجة، فعايزني معاك زيادة آمان ليك، شكله ابتدى يحبك يا إيثووو." وزع آيوب نظراته المحتقنة بينهما، والغضب يجوب فيروزته حتى تحرر عنه قوله المتعصب: "إنت بعت لسيف إيه يا إيثان؟ شتت انتباهه بما قال، فتعالت ضحكاته وهو يقول: "بعتلك ورقة الطلاق ولا لسه! وأضاف بتسلية: "ده أنا خدت ليكوا شوية لقطات إنما إيه لوز." دفع آيوب زجاجة المياه فأصابته بوجهه، وصاح بانفعال:
"أنا منبهك إن سيف عقله صغير ومع ذلك عملتها، ناشي يا إيثان مردودلك، الأيام جاية مش رايحه." وتركه وغادر ونظرات عينيه المحتقنة تعبر عما يجوب داخله. *** اجتمع "علي" و"أحمد الغرباوي" بمكان سيارة سيف، ولحق بهما "يوسف" و"جمال" الذي علم بالأمر منه، لحق أحمد بعض من الحرس الخاص به. وقفوا جميعًا يحاولون العثور على أي دليل أو إشارة توصلهم إليه. ركل يوسف عجل السيارة بقدمه وهو يصرخ بهلعٍ: "هيكون أخدهم على فين؟ ربت
أحمد على كتفه وقال بشفقة: "اهدى يا يوسف، الحرس بيلفوا حولين المكان ولو لاحظوا حاجة غريبة هيكلموني على طول." أكد علي لهم وهو يدقق بالخريطة التي يمتلكها: "هما مستحيل يلحقوا يبعدوا عن هنا خصوصًا إنه مش هيجازف ويعدي من طريق رئيسي ومكشوف." رد جمال بتأكيدٍ: "عندك حق يا دكتور علي، اللي زي يمان ده حويط ومش ممكن يجازف وهو مطلوب من القانون." ارتكن يوسف على مقدمة السيارة، وهدر بحزن:
"أنا السبب، كان عايز يسافر مصر ورا آيوب من زمان وأنا اللي منعته، لو جراله حاجة عمري ما هسامح نفسي." أحاطه علي بنظرة حزينة، وقال: "إنت مربي راجل يا يوسف، لا الحقير ده ولا عشرة زيه يقدروا عليه." أضاف أحمد بتأثر: "إن شاء الله هنوصله قبل ما يأذيهم." ونطق بحماس حينما رن هاتفه: "الحارس بيتصل." حرر زر الاتصال وفعل السماعة الخارجية ليستمعوا جميعًا لصوت الحارس يقول:
"سيدي لقد عثرنا على ثلاث سيارات دون لوائح أرقام مرخصة، أمام مصنع مهجور بالجوار، أعتقد أنهم قد يكونوا بالداخل." جذب علي الهاتف من يد أحمد وهدر: "حاصروا المكان من جميع الجهات وتأكدوا إنهم بالداخل، إن لزم الأمر تدخلوا على الفور لحين وصولنا." "حسنًا سيدي." أغلق علي الهاتف وأسرع لسيارته ولجواره أحمد، وصعد يوسف جوار جمال بسيارته، لتنطلق السيارتين للوجهة المحددة. ***
ابتعدت للخلف ومازال يدنو منها، عينيها تبرقان في صدمةٍ وخوف، تتطلع تجاه الباب الموصود بهلعٍ، وبهمس خافت تخشى حتى أن يستمع له من يقف أمامها رددت: "سيف! صرخت ألمًا فور أن تلقت لطمة من يده الخشنة، صارخًا بكل عصبية:
"متنطقيش إسمه قدامي يا *****، كنتِ فاكرة إني هسيبك تتهني معاه يا ***، أنا هدفعك التمن غالي يا زينب، هخليكي تقولي حقي برقبتك، هندمك على كل لحظة فكرتي في حد تاني غيري، هروبك من المغرب ولجوئك للحقير اللي زمان رجالتي قتلوه بره ده هدفعك تمن روحك." زحفت للخلف وهي تهز رأسها بجنون، عينيها تنتقل لباب الغرفة المتهالك، وبخفوتٍ تردد: "سيف!
تخشى أن ترفع صوتها، تخوض أبشع مرحلة من التعب النفسي، وهي تراه ينفرد بها بغرفة بعيدة عن مكان زوجها، قلبها يتآكل كالصديد حينما دفعها أمامه وأمر رجاله بقتله على الفور. تمسكت بأملها المتردد وباتت تردد بتوسل: "سيف، تعالى! انحنى إليها يجذبها من حجابها وهو يصرخ بعصبية بالغة:
"اخرسي متنطقيش اسمه يا ***، خلاص هو أخد اللي يستحقه، هترجعي تاني زي الكلبة ليا، والمرادي مش هتعرفي تهربي لأنك لو عملتيها هوريكي العذاب شكله إزاي يا زينب، هتجوزك غصب عنك وعن اللي يتشددلك." "هتعملها إزاي يا حيلة أمك! " قالها من يقف خلفه، يحمل بيده عصا حديدية يملأها الدماء. ألقاها سيف أسفل قدمي يمان ومسح فمه المنسدل بالدماء، على ما يبدو كان بمعركة مصيرية نهايتها انتصاره الساحق على فئرانه. أزاح الدماء عن فمه وقال بسخرية:
"كان بودي أقولك خليك شهم وأطلب الإسعاف لرجالتك مهما كان انتوا واكلين عيش وملح مع بعض، بس أنا ميخلصنيش أوجب معاهم وميوصلكش واجبي." ارتسمت بسمة السعادة على وجهه، تلبستها قوة غريبة جعلتها تدفعه بكل ما أوتيت من عزم وهرولت تجاهه. ضمها سيف إليه وسألها بقلق: "عملك حاجة؟ فهمت مغزى سؤاله، فعدلت من حجابها وهي تشير له بالنفي، قبل رأسها وعيناه تواجه ذلك الذي يشتعل من فرط الغيرة والحقد. أبعدها سيف عنه وأمرها بصرامةٍ:
"خليكِ هنا ومهما حصل أوعي تخرجي بره الأوضة دي سامعه؟ ارتابت زينب لأمره، لأول مرة يكون حادًا لتلك الدرجة، أومأت له بخوف وتراجعت للخلف، بينما اتجه سيف إليه وانحنى يجذبه من تلباب قميصه، فناوله يمان لكمة قاتلة بحجارة تمسك بها بيده، تفاداها سيف وضرب يده بالحائط حتى سقطت الحجارة، وفجأة بعدد من اللكمات القوية، حتى غرق بدمائه وسقط أرضًا ينزاع الدوار الذي هاجمه. انحنى سيف وجذب ساقه ثم سحبه للخارج وقال دون أن يستدير لها:
"نفذي اللي قولتلك عليه وأوعي ألمحك بره." وبسخريةٍ قال: "ورايا عملية تخصص حرج غير مسموح للنساء بالتواجد فيها! رفرفت باهدابها بعدم فهم، بينما انفلت قلب يمان وردد بذعرٍ حينما وجد سيف يغلق باب الغرفة على زوجته ويدنو منه بالعصا: "إنت هتعمل إيه؟ أجابه ببسمة واسعة: "ولا حاجة، هبعزقلك الحمقة الكدابة اللي مخليك تحس إنك راجل وإنت متساويش في سوق الرجالة 2 سنت! وانحنى إليه يستند على ذراعيه مدعيًا التفكير:
"بس قبل ما أبدأ بالعملية الدقيقة دي لازم تعرف حاجتين، الأولى متعتبرش سر والتانية سر حربي هيتدفن مع اللي هيتدفن هنا." وتابع وهو ينزع قميصه الأسود الملطخ بالدماء ببطءٍ استنزف رعب غريمه الذي يحاول الزحف للخلف بكل قوته: "السر الأول واللي ميعتبرش سر إني للأسف دكتور أطفال والسر التاني إني بخاف من الحقن جدًا وعمري ما مسكت مشرط." ورفع العصا للأعلى وهو يستطرد ببسمة خبيثة: "ها تحب نبدأ بالتخدير ولا من غيره؟ ودنى إليه هاتفًا
بجدية مضحكة: "أنا بقول إن اللي أكلته جوه عامل الواجب معاك ومبنجك فمش هتقرفني." جذبه سيف من ساقه مجددًا كالجرذ الذي يفر من شبلٍ خرج عن حدود غابته، منحه نظرة قاتمة، مخيفة وقال بخشونة لازعة: "عاملي فيها مجنون ليلى بروح أمك، علاجك عندي هخليك مش بس تكره اسم مراتي هخليك تكره تشوف أي ست قدامك يا ***" وانهال عليه بأول ضربة أصابته في مقتلٍ وجعلته يصرخ كالنساء، بل بكى بشكلٍ جعل زينب تنتفض من الداخل رعبًا مما يفعله سيف بالخارج.
ثلاثون دقيقة استغرقهم لينتهي من عمليته الجراحية كما أشاد بها، ليعود بعد دقائق إليها وهو يرتدي قميصه، بحث عنها فوجدها تختبئ خلف مكتب متهالك، لم يبق منه سوى ألواح من الخشب. كانت زينب تطالعه بذعرٍ، وخاصة حينما أشار لها بيده لتخرج. ابتلعت زينب ريقها بارتباك، ونهضت تطل من خلف لوح الخشب، تسأله بتوتر: "هو راح فين؟ ادعى اندهاشه من سؤاله والتفت من حوله يتسائل: "هو مين يا حبيبتي؟ بصعوبة أجبرت لسانها على نطق: "يمان!
زم شفتيه معًا وقال بحيرة: "هو إحنا نعرف خنزير بالاسم ده؟ ورفع كتفيه ببراءة: "معرفهوش، إنتِ تعرفيه؟ هزت رأسها بالنفي والذعر يتلألأ داخل مقلتيها، فأشار لها وهو يكبت ضحكاته بصعوبة: "واقفة بعيد ليه طيب، قربي عشان نطلع من المكان ولا انتي عاجبك القعاد هنا؟ هزت رأسها وهرولت اليه: "لا لا."
ابتسم وهو يحتويها بين ذراعيه، فخرج برفقتها للخارج، استدارت زينب تجاه يمان المتمدد أرضًا باهمال، يحيطه بركة من الدماء بشكل جعل حدقتيها تتوسعان بصدمةٍ. لف وجهها اليه وتابع الخطى بها هادرًا ببسمة هادئة: "تفتكري هنلاقي تاكسي ياخدنا من هنا ولا نسرق عربية من بتاعت الكلاب دول؟ وأضاف مازحًا: "فكري كويس لآني ضهري ملوح من واجب الرجالة ومش هقدر أشيل! ابتلعت ريقها برعب وتمتمت: "ها! مال يقبل حجابها وهو يردد بضحك مكبوت:
"مفيش يا زينب بسلك الحنجرة." وأضاف بتنهيدة: "أحسن حاجة إننا هنروق من مقالبه الرمة اللي شبهه، عاملي فيها شبح بروح أمه! وتابع بنوبة من الضحك: "عُمران الغرباوي طبع عليا بس بأمانة عنده حق، الاشكال دي ميمشيش معاها توب الدكتور المحترم، عايزة الوش الخصوصي بتاع الطاووس الوقح، ابقي فكريني ارنله واشكره على الدروس اللي أخويا الغلبان نفسه مقدمهاليش." وهمس بسخط: "الاحترام اللي رباني عليه مكنش هينهار قدامهم من أول قلم!
توقفا عن المضي قدمًا فور أن وصلت سيارات الشباب ومن خلفها الشرطة، ركض يوسف إلى سيف يضمه إليه وهو يردد بقلقٍ: "كنت هموت من القلق عليك، طمني انت كويس! قالها وهو يتفحصه جيدًا، عاد سيف يضمه من جديد وهو يخبره بحنان: "أنا كويس يا يوسف، المهم طمني على ليلى، قولي إنك وصلتلها! هز رأسه والحزن ينبلج على ملامحه، وخاصة حينما تساءل سيف بلهفة: "طمني." همس له بألمٍ:
"الحقن اللي أديتهالها وقفت النزيف مؤقتًا، حاليًا مش هقدر أحكم، بكرة هيبان." ردد بأمل وتمني: "إن شاء الله هيكونوا الاتنين بخير." هز رأسه بخفة، بينما دنى إليه جمال يردد ببسمة جذابة: "حمدلله على السلامة يا دكتور سيفو." بادله البسمة باحترام: "الله يسلمك يا بشمهندس." دنى علي من زينب يسألها باهتمام: "انتِ كويسة يا زينب؟
اكتفت بالايماءة له وعينيه تفترش الأرض، اقترب احمد اليه يشير على سيارة الاسعاف التي تنقل المصابين واحدًا تلو الآخر، فردد بفضول: "أيه كل ده! هو إيه اللي حصل بالظبط؟ اتجهت الأعين لسيف الذي هز رأسه في أسف وقال: "اتقلبت بيهم العربية جوه المصنع المهجور، قضاء وقدر." خرج المسعفون بيمان الذي ينسدل الدماء من جميع أنحاء جسده، وضعوه بالسيارة وانطلقوا، فاتجهت الأبصار إليه، فهز رأسه وقال: "سقف الأوضة وقع عليه، قضاء وقدر."
تعالت ضحكات أحمد وردد بعدم تصديق: "طلعت حكاية يا سيف وأنا اللي مفكرك طيب وعلى نياتك! ضحك وشاكسه بتسلية: "محدش دخل حياته عُمران سالم الغرباوي وفضل طيب وعلى نياته إلا يوسف أخويا، أنا أخدت درس احترافي منه." لكز أحمد علي وصاح: "شوفت أخوك وعمايله ضيع سيف! ضحك يوسف وقال: "بالعكس لولاه الله أعلم كنا هنوصل نلاقي إليه، أنا لأول مرة أكون ممنون لوقاحة الطاووس." احتل الألم نبرة صوت جمال حينما أضاف:
"عُمران دايما بيؤثر في اللي حواليه." ابتعد علي عنهم يتفقد هاتفه، دقائق وعاد إليهم يخبرهم: "آدهم بيشدد عليك يا سيف إنك ترجع نصر بأقرب وقت." ردد أحمد بثبات: "وأنا معاه وجودك هنا ممكن يجبرك تدخل في تفاصيل القضايا اللي مرفوعة على الحقير ده، ومش إنت وبس وزينب كمان." يوسف كتف شقيقه وقال بخوف: "أنا مش هستنى أصلًا حالا هخليه يحضر جوازه ويسافر حالا." رد عليه سيف باعتراض:
"مش هسافر قبل ما أطمن على دكتورة ليلى يا يوسف، وبعدين حجز إيه اللي هحجزه في يوم ده." تدخل علي قائلًا: "لو على السفر متقلقش أنا هقدر أحلهالك، عمران عنده طيارة خاصة الإجراءات مش هتاخد وقت." أصر يوسف بخوف عليه هادرًا: "اسمع كلامي يا سيف، اطلع حالا على شقتك لموا الحاجات المهمة ودكتور علي هيكون معاك." تدخل جمال بالحديث قائلًا بعتاب: "انت نسيتني ولا إيه يا يوسف؟ زوى علي حاجبيه باستغراب: "هو إنت مسافر يا جمال؟!
رد عليه بحرج: "عمران هرب مني وأنا هروح وراه." استغل علي انفردها بعيدًا عن عمه الذي يعاون زينب على الصعود لسيارته وسيف لجواره، وسأله بدهشة: "طيب ومراتك يا جمال؟ سكن الألم مقلتيه، حتى فارت مرارته، وأجابه: "حاسس إنها محتاجة لوقت عشان تقدر تسامحني، ومش هتقدر تعمل ده وأنا في وشها." واستطرد بآنين يذبحه:
"رفضها إنها تسامحني وكرهها ليا مطفي جزء من النار اللي جوايا يا علي، لكن مسامحة عمران السريعة وحمايته ليا بعد كل اللي عملته فيه ده اللي دبحني، لو كان عاملني بقسوة ورفضني كنت هكون مرتاح لأني أستحق." انهمرت دمعة من عينيه وهو يخبره: "عمران وجعني بسمحاه ليا، محتاج أبعد وأفصل عن كل ده بس وهو معايا." ربت على كتفه بتفهم، وفاه إليه: "طيب مش حابب تاخدها معاك، يعني إنت شايف إنها لو فضلت هنا هتكون بأمان؟
تمعن برماديته بنظرة منكسرة، وقال بوجوم: "ولما كانت معايا حققتلها الأمان! آه يا علي هي بعيد عني وفي أمانة يوسف ومراته بأمان، أنا لو فكرت أديها الجواز أو آخدها معايا مصر، أكون بحكم على نفسي بالفراق الأبدي بيني وبين ابني، صبا لو رجعت مصر، هتحرمني من ابني فعلاً ومش هعرف أطوله، لكن بوجودها هنا بحافظ على الفرصة الوحيدة اللي فاضلالي، بحاول أتمسك بيها وأخليها تسامحني بس اللي عملته ميشفعش له سماح." منحه
ابتسامة هادئة وقال بأمل: "هتسـامح وهتغفر بس أكيد محتاجة وقت." رد عليه بتفهم: "عارف وعشان كده بديها كل الوقت وأنا بعيد." وتابع وهو يتجه لسيارته: "هروح أحضر شنطتي وجوازي، وهقابلك بعد ساعتين في المطار زي ما اتفقنا." ***
شعر بحركة خاطفة جواره، تسللت يده أسفل وسادته ليتنزع سلاحه، وقبل أن يصل له تفاجئ بذراعيه يقيدان بإحكامٍ بسلسال من الحديد، يلتف من حول رقبته، يصل لأعلى الفراش، وينتهي أطرافه بتقييد قدميه. احتقنت زيتونية عينيه بغضبٍ، واتجهت لمن يجاور فراشه على أحد المقاعد، يتابعه بنظرة تشفي وبسمة انتصار. كز على أسنانه بغيظٍ وهدر: "أيه اللي إنت مهببه ده، فكني! ظهر على وجه الجوكر بسمة تسلية، ووضع قدمًا فوق الأخرى مرددًا بجمودٍ:
"كنت عايز تعمل سونا وجاكوزي فقولت أهيئلك أنا الأجواء المناسبة." وتابع ساخرًا منه: "هخليك تكتشف جانب يسعدك معايا بديل عن جو التوابيت اللي إنت عايش فيه ده، بس مع اختلاف بسيط إن اللعبة لعبتي، بدايتها ونهايتها في إيدي أنا! تمدد باستقامة وقال وهو يسترخي: "لما تخلص فقرة الساحر دي ابقى صحيني." نهض إليه مراد يجذبه بعنف من تلباب قميصه:
"رحيم يا زيدان متخلنيش أصفيك وقتي ومفيش حد هيحميك من غضبي، انطق وجاوبني لو مش إحنا اللي هنعمل المهمة دي أمال مين اللي هيعملها، بالعربي كده قولي إحنا طالعين ستارة لمين؟ اتسعت ابتسامة رحيم الشيطانية وهمس له بفحيحٍ خبيث: "اللي عمرهم ما اتفقوا ولا هيتفقوا في يوم." حرر رقبته بصدمةٍ، جعلته يزدرد ريقه الهارب بصعوبة، مردفًا: "ده هزار سخيف؟ ***
فتح الباب وولج يبحث عنه، بالشقة بأكملها، فتح الحمام فوجده يستكين بالمسبح الصغير، مغلقًا عسليته باسترخاء، ربع ليل يديه أمام صدره وتابعه بسخط، حتى ردد ومازال مغلق العينين: "أخدت كام صورة؟ وأضاف ومازال يسترخي بجلوسه: "انت بتتخطى حدودك معايا وده أنا مسمحتش بيه لحد." فتح عسليته يطعنه بنظرة صارمة واستطرد:
"حوار اللثام الغريب اللي لبسه الـ 24 ساعة تداري بيه وشك ده مش واكل معايا، بس مضطر أقبل بيه زي ما أنا مستحمل شخصيتك اللي مش مبلوعة دي." جلس ليل على حافة الخزانة العالية يطالعه ببرودٍ جعل عدي يمنحه نظرة ساخطة وهدر: "فجأتني إنك أطرش! زفر ليل بسأم وقال: "باشا هو إحنا هنبدأ شغل إمتى أنا بمل بسرعة."
جذب المنشفة الطويلة يجفف بها المياه المنسدلة فوق بنطاله وصدره العاري، نهض يقابل المرآة، يتفحص ذقنه بنزقٍ، سحب عدي إحدى حقائبه يستخرج منها أدواته الخاصة بالحلاقة وقال بجمود: "شكلك نسيت الشغل من كتر ما إجازة تقاعدك طولت." واستدار إليه يخبره ببسمة استهزاء: "لما يجي الوقت المناسب هعرفك." وتابع وهو يعود للمرآة: "اسحب الباب في إيدك وياريت متدخلش الكائن بتاعك ده أوضتي مرة تانية، والا أنا مش مسؤول عن أي رصاصة طايشة تطوله."
رفع يده يلتقط عُقاب على ذراعه، وضعه على كتفه وقال بسخرية: "بس ابقى خد بالك من إيدك يا باشا وإنت بتعملها، عقاب أسرع من الرصاصة! وغادر والابتسامة تعتلي ثغره من أسفل الوشاح، بينما راقبه عدي ببسمة جذابة، وعاد يستكمل ما يفعل هامسًا: "شكلي هستلطف الكائن الغريب ده هو وصاحبه المزعج! *** "مسامحلكش تقول على أجهزتي خردة إنت فاهـــــــم! " قالها إيثان بغضبٍ، لعمران الذي يتفحص المكان بعدم رضا، ثبت رماديته عليه وقال بازدراء:
"هو ده الجيم اللي صدعت من كتر عزومة التحديات بتاعتك، أنا إزاي دخلت هنا أصلًا! ربت يونس على صدر إيثان وراح يهدئه: "اهدى يا إيثو الخواجة ميقصدش." ردد آيوب بشماتة: "لا عمران يقصد ونص، إنت رافع نجمك أوي وعايز اللي يقذفك يجيبك الأرض." طالعه يونس باستغراب وتساءل: "مالك انت التاني يابن الشيخ مهران؟ قال من بين اصطكاك أسنانه: "الكابتن المحترم مصورني وأنا نايم جنب عمران وبعتها لسيف وكعادته بلكني! ضحك إيثان وقال من خلف يونس:
"وانت زعلان ليه مش مفضل الخواجة عليه متوقع رد فعله يكون إيه يعني؟ استند عمران على حافة جهاز الماشية وقال ساخرًا: "الظاهر إنك محتاج تركن في بيتكم كام يوم جنب السيدة الوالدة تراعيك، إنت فعلاً محتاج رعاية عشان تكون قادر إن تقف وتتكلم بدون ما تتهز زي فرقع لوز كده." وتابع لايوب يشير له: "بينا يا آيوب صلاة العصر هتفوتنا، خلي الكابتن يشوف أكل عيشه على الأجهزة الخربانة دي، ده إن حد عبره ودخله حتة! لحق به يخبره بغيظ:
"هو إنت فاكر إن نوعية الأجهزة بتاعتك دي حد من اللي هنا هيقدر على اشتراكها كل شهر! ده الخردة اللي مش عجباك دي بلم حقها بالتقسيط كل تلات شهور، وبسبب كده الجيم حاله وقف ومبقاش ماشي زي الأول." جذب جاكيته الرياضي يضعه على كتفه وقال يتحداه: "ولو خليتهولك يشتغل أفضل من الأول ومش بس كده هتكسب من وراه عشر أضعاف." حك لحيته بدهشة، وقال: "وماله ورينا شطارتك." ظنه سيتراجع بعد قبوله التحدي ولكنه تفاجئ به يفتح يده ويطالبه:
"هات المفتاح، وطول الفترة الجاية مالكش دعوة بالجيم." وزع إيثان نظراته بين يونس المندهش وآيوب المبتسم بشماتة، وسحب المفاتيح ووضعها إليه، فوضعها عمران بجيب بنطاله وأشار لآيوب: "بينا نلحق صلاة العصر." خرجوا معًا واتبعهما يونس، فحاول إيثان إيقافه متسائلًا باستنكار: "ناوي على إيه الخواجة ده؟ سحب كفه منه وقال بنزق: "أنا اللي مبقش عارف ولا فاهم إنت ناوي على إيه؟ أجابه ببسمة بلهاء:
"استغل الخواجة وأفتح بوتيك بس لما أعلم عليه بواحدة الأول، خلينا نتفرج على خيبته التقيلة مع أهل الحتة والجيم." منحه نظرة ساخطة وهتف: "الظاهر إن خيبتك إنت اللي هتسمع يا إيثو! *** قرر أن ينهي رحلة عذابه اليوم، هو غير مقدر لها، حمل "جمال" الحقيبة، وصعد للأعلى، وقف أمام بابها مترددًا بالطرق أم بالمغادرة، ولكنه فعلها وطرق الباب. ظنت بأن ليلى كعادتها مرت عليها باكرًا قبل ذهابها للعمل، فتحت الباب وهي تردد ببسمة واسعة:
"في معادك يا دكتور." تجمدت البسمة على وجهها فور أن رأته أمامها، كانت تظن أن ما فعلته به سيجعله لا يأتي مجددًا، وبرؤيته الآن أمامها زرعت فيها جزء من السعادة، تمعنت به بنظرة شاردة، وكأنها باتت تكتشف جانب جديد منه، ملامحه الهادئة، عينيه بالرغم من انطفاء بريقها إلا أنها مازالت تجذبها. تلاشت جاذبيته من أمامها، تجمد شوقها المنصهر، ومشاعرها تجاهه، التحفت برداء القوة الذي لم تعهده من قبل، لتواجهه بكل كبرياء وعنجهيةٍ أنثى سبق
أن اختزلها الوجع والآنين: "جاي ليه يا بشمهندس؟ خير؟ تنهد بقلة حيلة أمامها، وقال بانهاكٍ اختزل روحها داخله: "لحد أمتى يا صبا؟ كفايا أرجوكِ! تجاهلت نص حديثه، ورددت بثباتٍ وقوة، ويدها تتربع أمامها: "سبق واتكلمنا قبل كده، إن وجودك هنا مش مستحب، فراجع هنا على أي أساس! مرر يده على وجهه بعنفٍ، وبمحاولة عسيرة استعاد هدوء أعصابه المهدورة، وهتف بهدوءٍ زائف: "راجع عشان ابني يا صبا! وتابع في محاولةٍ لاستمالتها:
"ابننا اللي مالوش أي ذنب في اللي أنا عملته، بتعاقبيه على إيه فهميني؟ تعالى صدرها هبوطًا من فرط انفعالاتها المتعصبة، فصاحت بحدةٍ وغلظة: "متتكلمش في حوارات أنا سبق وقفتها يا بشمهندس، أخر مرة جيت لحد هنا قولتلك لو عايز تشوف ابنك تعمل إيه بس الظاهر إنك غاوي تضيع وقتك ووقتي! كور يده بغضب جنوني، وهدر بعصبيةٍ بالغة: "اللي طلبتيه مني ده مستحيـــــل أعمله فاهمـــــــه!! جابهته بشموخٍ، وقوة:
"لا هتعمله، لإن دي الطريقة الوحيدة عشان تشوف ابنك." اقترب منها وقد شعت عينيه بلهيبٍ حارق، كاد أن يحرقها بأرضها: "صبا أنا عارف إني غلطت بس بلاش تدمري اللي بينا بطلبك ده." دفعته عنها بقوةٍ للخلف، وباصرارٍ عجيب هدرت: "اللي عندي قولته، لو عايز تشوف ابنك تعمل الـ DNA، وتجبهولي في إيدي وقدام عيني، وقتها هسمحلك تشوفه يا بشمهندس، غير كده فأنا بعتذر عندي شغل ومش فاضية! غامت بعينيه بعواصفها، فقال مستنكرًا سبب شجاعتها:
"وإنتِ فاكرة إني لو عايز أدخل وأخده منك حالًا، هتقدري توقفيني؟ حلت عقدة ذراعيها وطالعته بشراسةٍ غاضبة: "متقدرش يا جمال، هقتلك لو قربت لابني." منحها ابتسامة ساخرة، وبسعادة قال: "ياريت تبقي ريحتيني." وتركها ومضى تجاه باب الغرفة الموصود، بينما الأخيرة تجوب من حول ذاتها كالمجنونة، لمست يده مقبض الباب، فتحه وما كاد بفتحه حتى صرخت به بغلظة وصوتًا مبحوح: "جمـــــــــال." استدار خلفه؛ فصعق حينما وجدها تسلط السكين
على رقبته وتصرخ بجنون: "أقسم بالله لو قربت من ابني لأكون قاتلة نفسي هنا وقدامك حالًا." وبرعشةٍ قالت: "اخرج بره أحسنلك، أنا مبهددش." رمش بعدم استيعاب لما تفعل، فدنا منها بخطوات بطيئة ويده تمتد لها هاتفًا بحزمٍ: "صبا بطلي جنان وإرمي السكينة دي من إيدك، أنا مش بالقسوة اللي تخليني أحرم طفل من أمه، أنا بس عايز أشوفه قبل ما أسافر." جحظت عينيها صدمة، جعلت السكين يسقط عن يدها ورددت بلسانٍ ثقيل بينما عينيها تتجه
لخارج الشقة لمحل حقائبه: "مسافر! أومأ لها وقال بوجومٍ: "حاسس إني بتخنق هنا وبخنقك معايا، هريحك مني كام يوم لحد ما نستقر على حل للي إحنا فيه ده." منحته بسمة منكسرة وهتفت: "هتهرب يعني! وتابعت وهي تقترب منه: "ولا مش قادر على بعد صاحبك؟ تعمق بعينيها المتألمة، يحاول أن يستكشف ما بها، انقلب سكون وجهها لغضبٍ، فصرخت بانفعال: "إنت إيه يا أخـــــــي!! إنت مفيش عندك دم، إنت مستحيل تكون بني آدم إنت حقير."
أغلق عينيه بقوةٍ يحتمل ما تقول، بينما تتابع هي بغضب: "كل اللي يهمك زعله، طيب وأنا!! قابلها بنظرة منكسرة، فكورت يديه ورطمت صدره بقوة وهي تصرخ فيه: "بعد كل اللي عملته فيا ومش شايف غيره، إنت حقير يا جمـــــــــال." لم يدافع عن ذاته، وقف قبالتها مثلما فعلها بالمرة السابقة، تركها تفعل ما تشاء، حتى خارت قواها وجلست أرضًا تتطلع ليدها الحمراء من فرط ما بذلته، بينما مازال يقف كما هو.
اتجه بخطواتٍ آلية للخارج جذب الحقيبة وإتجه ليغادر، فتح باب المصعد وما كاد بالصعود حتى تصنم محله فور أن تسلل له صوت بكاء الصغير، تمزق قلبه شوقًا لرؤيته، مال بجبينه على باب المصعد المفتوح، وعينيه تنهمر منها الدموع، انخفض بصره لصبا التي تحتل الأرض وتطالعه بألمٍ، قرأت بمُقلتيه كل ما فشل بقوله. أزاحت دموعها ونهضت تحتمل على الحائط، حتى انتصبت بعودها تطالعه بنظرة غامضة، صدرها يعلو وينخفض من فرط انفعالها، وبقوة قالت:
"مستعدة أجبهولك تشوفه حالًا، ومش بس كده أنا موافقة أرجعلك بس بشرط." لوح له الأمل من بعيدٍ، فاتجه لها يسألها: "شرط إيه؟ أنا مستعد أحققلك كل شروطك." تمعنت بعينيه جيدًا وقالت: "تقطع علاقتك باللي كان السبب في كل ده." زوى حاجبيه بعدم فهم: "تقصدي مين؟ طالعته بصلابة وهتفت: "عمران!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!