الفصل 14 | من 42 فصل

رواية سيد الكبرياء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
22
كلمة
6,067
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

الارتباك ينهش ملامحها وهي تهم بالدخول إلى الحمام فرارًا من نظراته، لكنه كان أسرع منها، إذ انقض على الهاتف وانتزعه عنوة. تسمر مكانه وهو يطالع رسائل الطبيب، كلمات تعدها بالخلاص وتؤكد له أنه لن يتركها، وأنه سيبذل كل السبل ليخرجها من ذلك المكان. في تلك اللحظة، اشتعلت نيران الغيرة في صدره، ونظر إليها بغضب حارق كاد يذيب ملامحها، وهزها بعنف وجنون وهو يصرخ: "بقي البيه هيخرجك من هنا؟ هاه؟ بقي حامي الحما خلاص! البيه هيبقي سند؟

والله لاخلص عليكي وعليه! كان يرجها بعنف، زلزل كبرياءها، فدفعته عنها بمرارة وقهر وهي تهتف: "انت ايه يا أخي؟ منك لله، بتتحول في ثانية؟ فجاء رده كصاعقة، بهياج واضح: "عايزة تخونيني واسكتلك وتروحي للبيه؟ جه يومين علق معاكي، هاه؟ ليه اشمعني هو؟ وبتعضي فيا؟ عملك ايه وملهوف كده؟ انطقي بينكو إيه وأنا نايم علي وداني." هنا شعرت وكأن جبالًا من القهر استقرت فوق صدرها، فانفجرت بنحيب مزق نياط القلب وقالت بقهر وغلب: "عارف...

كنت حسيت للحظة إنك بني آدم، بس فعلا أنا غلطانة. قلبي ده لازم أخاف عليه من اللي زيك. أخونك؟ أنا أخونك؟ منك لله! كفاية بقه، أنت كنت اشتريتني." فصرخ صهيب بصوت هز جدران المكان، وقد أعمى الغضب بصيرته: "أيوه اشتريتك، وأنت هنا ليا وبس، تروحي لحد تاني أموتك." سالت دموعها كالجمر على وجنتيها، وهتفت بصوت يرتجف بمرارة القهر: "لحد إمتى ها؟ هفضل لحد إمتى مذلولة ليك؟ قولي. طيب هكفر عن ذنبي اللي ماعملتوش لإمتى يا ابن الناس؟

هزت رأسها بمرار اليأس: "بس أنا بكلم مين؟ واحد مابيحسش، واحد قسي على أقرب الناس ليه. واحد دنيته فاضية مالوش حد. واحد يخوف، إنت بجد مرعب، إنت إللي يقرب منك يموت." استدارت لتهرب من جحيم نظراته، فاندفع كالإعصار وقبض على ذراعها بعنف: "انتِ رايحة فين وسايباني؟ أنتِ فاكرة إني هعدي الموضوع والبس قرون؟ والهانم والبيه بيخطط ياخدها مني ويسيبيني؟ رمقته بنظرة يملؤها اليأس، وقالت بلهجة تقطر وجعًا: "أسيبك؟

أنا مش معاك عشان أسيبك. ويخطط لإيه؟ يا ريت أقدر أروحله وينجدني." اشتعلت النيران في عينيه، وهدر بكلمات مخنوقة: "وبتقوليها في وشي؟ لم تعد تخشى بطشه، فنظرت إليه بشموخ الجريح، وأكملت بحده وعيونها تصرخ من الوجع: "أقولها للدنيا.. إني ماليش حد وتحت رحمه واحد جاحد. عارف بعد الأيام اللي هتتفضل عليا وترميني بره دنيتك ساعتها هتنفس." فجاء رده بجنون، يشعر أنها ملكه لن يفلتها، رده جاء كقيد حديدي يغلق على روحها:

"لا.. أنت مش هتروحي في حتة، وهتفضلي محبوسة هنا لحد ما أنا أقرر." سخرت منه بابتسامة باهتة: "العبدة بتاعتك.. ارحمني يا أخي." استدارت بقهر، تجمدت مكانها حين شعرت بأنفاسه تلاحقها كزفير بركان. لم يكتف صهيب بصمته، بل أحاط خصرها بذراع كالقيد الحديدي وجذبها إليه بعنف حتى اصطدم ظهرها بصدره النابض بالجنون. همس بجوار أذنها بصوت مخنوق يقطر غيرة أعمت بصيرته: "ارحمك؟ هو أنا لسه شفت منك رحمة عشان أرحمك؟

لفها لتواجهه، وثبت ذراعيها فوق رأسها على الجدار، وعيناه تجوبان ملامحها بحدة، وكأنه يحاول اختراق أفكارها. صرخ فيها وعروق رقبته بارزة: "عارفة يعني إيه تكوني ملكي؟ يعني حتى النفس اللي بتتنفسيه محسوب عليكي. البيه اللي ملهوف عليكي ده شاف فيكي إيه خلاه يبيع الدنيا عشانك؟ انطقي." حاولت الإفلات وهي تنتحب، لكن قبضته ازدادت وحشية: "مش طايقة تشوفي وشي ليه؟ عشان هو الحنين وأنا الجلاء؟

والله يا فلك لو لمحت طيفه بس في خيالك لآخد روحك في إيدي.. أنتِ مكتوبة باسم صهيب الشامي، يعني تعيشي هنا وتموتي هنا، وجسمك ده لو فكر بس يميل لغيري هحرقك وأحرقه معاكي.. فاهمة يعني إيه؟ هزها بعنف وهو يرى نظرة الانكسار في عينها، لكنه لم يتوقف، بل استطرد بفحيحٍ مرعب:

"لو فاكرة إن الهروب حل تبقي واهمة. أنا هسجنك هنا، ماتفكريش بحد، وهخليكي تشوفي كابوس بيطاردك.. مفيش خروج ومفيش تنفس طول ما أنا حاسس إن في راجل غيري بيفكر فيكي، هفضل كاتم على نفسك لحد ما تنسي اسمك وتفتكري اسمي أنا وبس." استدارت، وحين حاول الإمساك بها مرة أخرى، دفعته بكل ما تملكه من نفور: "ارحمني بقه يا أخي.. مش طايقة أشوف وشك." خرجت مسرعة، وتركت خلفها رجلاً ينهشه الغيظ. وقف صهيب مقهورًا، يدور حول نفسه كذئب جريح،

وعقله لا يتوقف عن الصراخ: "إيه؟ هتسيبها تروحله؟ صرخ بحده وهياج: "الله يخرب بيته! جه يومين عايز يعلق ويسبسب؟ حبيب البيه؟ لا وينجدها؟ طب أنا مغلول ليه؟ ما هي هتمشي في يوم تروحله؟ ولا يولعو في بعض؟ كنا قاعدين، ربنا يشله! كنت هنام ورايق! نامت عليه حيطة؟ الحبيب ال إيه؟ هنجدك منه؟ وعايزها؟ عازك الكفن يا زبالة؟ أعمل إيه؟ محروق." ظل صهيب ينهش في روحه، والغضب يغلي في صدره كالمرجل، يحدث نفسه بمرارة: "طب أعمل إيه؟ أروح أموتها؟

بتفكر فيه؟ هو يعني ده خلاص إللي لقيته؟ خلاص كويس. آه. ماهو سي طين ده خلع لها قلبها، وأنا طبعًا بتعض فيا؟ مش طايقه تشوف وشي؟ لقت حد حنين يطبطب ويراعي؟ لازم تلزق فيه وتسيبني آكل روحي أنا بقه." فجأة انتفض من مكانه كمن مسته النار، وعيناه تشتعلان بالعزم: "انت إيه؟ أنت هتسيبها؟ هي سايبة؟ لا.. والله مايحصل! أنت تسود عيشتها! هي اللي جابته لنفسها! لا تقعد بتاعتي! بتاعتي ومش هسيبها."

استدار وخرج بجبروت يخفي خلفه انكسارًا لا يراه أحد، متجها إلى عم فكري، لعله يجد في رفقته ما يهدئ روعه. أما فلك.. فقد كانت تقضي ليلة شنعاء، تنعي فيها حظها العاثر، وتتساءل بوجع: "رجعنا تاني للهم؟ مالحقش يبقي طيب ومكسور دقيقة؟ قلب جبروت؟ وال إيه؟ بخونه الفاجر؟ أنا أصلا بحبه عشان أخونه؟ عبوشكله عيل زبالة."

وسط نحيبها الصامت، امتدت يد بكوب من الليمون يكسر حدة توترها. رفعت عيونها الغارقة في الدموع لتجد عصام واقفًا بملامح يملؤها الأسى، فقال بنبرة حزينة: "أنا مش عارف هو بيعمل كده ليه فيكي.. طول عمري ما شفتهوش كده." تنهدت بعمق، وبدأت بلا وعي تسكب أوجاعها أمامه، وجدت فيه الأذن التي تسمع، والقلب الذي يحنو. صعق عصام مما سمع، وهتف بذعر: "يا لهوي بجد ده حصل؟ أنت وقفتيله كده يا بنت الناس؟

صهيب ماحدش يقدر عليه.. أنا مش مصدق. بصي حاولي تسكتي، ماترديش عليه. عارفة لو قولتي حاضر وطيب هيزهق. هو اللي بيناحره مابيقدرش يسكتله." قالت بيأس وقد استنزفت قوتها: "تعبت يا عصام.. أنا ماعملتش حاجة أستحق ده، أنا مش وحشة. والله تعبت تعبت." اقترب عصام بخطوة يملؤها العطف، ونظر إليها بحنان صادق: "وحشة إيه؟ ده أنت مافيش زيك والله.. لو أقدر أخدك وأبعدك كنت عملت." ابتسمت وسط حزنها، وشعرت لأول مرة أن هناك من يراها إنسانة،

تشعر بحنانه الجارف: "أنت بجد.. متشكرة ليك." فرد بتواضع: "أنا ماعملتش حاجة. يا ريت والله أقدر." هتفت بطيبة وامتنان: "كفاية طيبتك معايا، وأنا ماليش حد." تنهدت وقامت تجر قدميها والحزن ينهش قلبها. دخلت حجرتها، ووقفت تنظر لبرهة، تذكر ذلك السكون ما قبل تلك العاصفة، تنهدت بوجع: "هو إزاي بيقلب كده؟ حسيت للحظة إنه إنسان قوي، إزاي؟ استسلمت بعدها لسريرها، لكن النوم لم يزر جفونها، بل ظلت تناجي ربها أن يخرجها من هذا الضيق.

في الصباح، استيقظت، جلست على فراشها تفكر بحالها، لتهاجمها فجأة ذكرى تقديمها الوظيفه: "نهار أسود.. ده هيحبسني والوظيفة تروح؟ لا أنا لازم أشوف حالي، هتخرب كده، ده كان لازم ارجعهم." جلست تفكر: "طب أطفش إزاي وموقف ثيران بره؟ أقول لعصام يخرجني؟ لا لو عرف هيأذيه، ده طيب وغلبان زيي."

قامت كمن يتهيأ للمعركة، ارتدت ملابسها، وراحت تجوب أرجاء البيت كطير يبحث عن ثغرة في القفص. لم تجد سوى خادمة واحدة، فسألتها عنه، لكن الإجابة كانت معرفتها عدم وجوده بالبيت: "أحسن.. يغور في داهيه." لكن القلق عاد ينهشها: "طب أكلم المدير؟ معيش تليفونه. أروح أقوله استناني شهرين؟ والا أعمل إيه في سنتي السودة؟ منك لله يا عماد، يحرق قلبك! لا أنا لازم أتصرف وأخرج بأي شكل."

اقتربت من الباب، واستحضرت كل ما تملك من براعة في التمثيل، بدأت تصرخ ممسكة ببطنها كأن روحها تنتزع منها. دب الذعر في قلوب الحرس، فاندفعوا نحوها وهي تتصنع الإغماء ببراعة فائقة. صاح أحدهم بهلع: "الهاhem بتفرفر! حد يشيلها يوديها المستشفى." تعالت صرخاتها لتزيد من ارتباكهم، فحملها أحدهم وخرج بها مسرعًا، بينما كان الآخر يصرخ في هاتفه: "كلم صهيب بيه يحصلني عالمستشفى."

مضوا بها وهي تتلوى كأنها في سكرات الموت، حتى وصلت إلى المشفى، واستلمها الأطباء وسط ضجيج صرخاتها التي كانت في الحقيقة صرخات طلب للحرية. بمجرد أن توارت عن أنظار الحرس داخل أروقة المشفى، انتفضت فلك كمن بُعثت فيها الروح من جديد، قامت مسرعة وسط ذهول الكل، وغادرت من باب خلفي لاهثة. ومع كل خطوة تبتعد فيها عن المشفى، كانت تشعر أنها تترك الجحيم. وأخيرًا استنشقت عبير الحرية، فأسرعت الخطى نحو وجهتها الوحيدة.... الشركة.

في هذه الأثناء، كان صهيب قد وصل إلى مكتبه مثقلاً بصراعات ليلة لم ينم فيها سوى القليل. اقتحم أدهم المكتب متسائلاً بلهجة تحمل الكثير من المداعبة والقلق: "ماتفطمني بقه الفولة. كنت غاطس فين بقالك يومين؟ ركن صهيب ظهره إلى الكرسي، وغرق في صمته، مستعيدًا تفاصيل ليلته الطاحنة مع فلك. تذكر نومه في أحضانها، فتنهد بعمق. قطب أدهم جبينه بدهشة: "مالك ياض؟ أنت ملبوس؟ ولابس بدلتك بقالك يومين وإنت تعبان جاي ليه؟ أنت عبيط؟

مالك حالك متشقلب؟ ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي صهيب حين مرت طيف تلك المجنونة في خياله، ثم زجر صديقه بضيق: "ششششش.. دماغي عايز إيه؟ لم يتراجع أدهم، بل زاد في نبرة المشاكسة: "هو إيه اللي عايز إيه؟ مالك في يومك الطين؟ أنت بتحب ياض؟ رمقه صهيب بنظرة حارقة كادت أن تخرسه، لكن أدهم تابع بفضول: "طب مالك؟ مانا مش هسكت.. ومين البت اللي أنت حابسها في فيلا المنصورية؟ هدر صهيب بصوت حازم: "مالكش فيه.. أنجز وانزل من على وداني."

تنهد أدهم بقلة حيلة، ثم أخرج ملفًا من يده: "طب خد بص للتصاميم دي." سحب صهيب الأوراق بلامبالاة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى قطب جبينه، وبدأ يتفحص الرسوم باهتمام بالغ، وكأن هذه الأوراق تتحدث بلغة يفهمها جيدًا. لمعت عيناه ببريق لم يره أدهم منذ زمن، وكأن هذه التصاميم هي القطعة الناقصة. الروح التي يبحث عنها.. تلمسها ببريق إعجاب واضح، وسأل بجدية: "مين عمل دول؟ قال أدهم بنبرة جادة:

"دي حد من اللي اتقدموا للإعلان، بنت سفير مصر في كندا، ولسه جاية من بره، بس إيه.. موهبة وجمال ومافيش منها." انتفض صهيب وقد جذبت التصاميم لبّه وروحه الفنية، وسأل بلهفة استثنائية: "طب هي فين؟ عينها بسرعة." رد أدهم متمهلًا: "كلها إجراءات، وقولت أقولك الأول عشان عارف طبعك." هنا تحول حماس صهيب إلى أمر قاطع: "أنت أهبل ياض؟ التصاميم تخبل دي ماتتسابش! اتصل بيها يلا." قام أدهم لينهي الحوار وهو يتجه نحو الباب:

"هو حازم اللي قابلها، وهخليه يتصل بيها، وهو أصلاً مبهور، وأهوه فعلاً تصاميم تبهر." ألقى صهيب كلمته الأخيرة كأنها ميثاق: "أنا عايز دي تجبهالي من تحت الأرض، فاهم؟ وخلاص التصاميم دي هتتنفذ مع الكوليكشن الجديد، هتبقى جنب تصاميمي." اعترض أدهم محذرًا: "منار مش هتسكت." لكن صهيب حسم الأمر ببرود فني: "الشغل أبقى من أي حاجة." وفي تلك اللحظة اقتحمت منار الغرفة كعاصفة من العطر والدلال، وهتفت بلهجة تملكية: "إيه يا بيبي؟

ناسيني كده ليه؟ فيه إيه؟ لتكون بتلعب من ورايا؟ أموتك." غمز أدهم لصديقه غمزة ساخرة تعني "أعانك الله"، وقال وهو ينسحب: "قابل.. أنا قايم." اقتربت منار من صهيب، ومالت عليه بدلالها المعتاد: "على فكرة أنا عاملة عيد ميلادي، هتيجي طبعًا؟ تنهد صهيب بضيق مكتوم وهو يداري ملله من حصار منار، وهتف ببرود: "آه طبعًا." لم تتوقف منار، بل استطردت بدلال يثير أعصابه: "أصل ماما على طول بتسألني عليك، وعايزة تشوفك." عقد حاجبيه باستنكار،

وقطب جبينه: "تشوفني ليه؟ ردت بخفة: "إيه ده؟ أنا أي حد يخش حياتي بقولها." هنا وضع صهيب حدا لثرثرتها، وهتف بصرامة: "أنتِ حرة، أنا مالي.. منار.. تعالي سكة ودغري، عايزة إيه؟ أنا مش هقابل حد." تنهدت بتمثيلية حزين: "أخص عليك! هتزعل موني." أجابها بنفاد صبر: "طيب خلاص خلاص.. ربنا يسهل.." تهللت أساريرها، وقالت بسعادة: "تمام كده؟ الواحد يصمم بنفس عشان يبقى أول المجموعة؟ مش فادي؟ هاه؟ لكن صهيب رمقها بنظرة غامضة، وقال:

"لا.. ليا تفكير تاني." سألته بريبة: "تفكير إيه؟ مش فاهمة." أجابها بإيجاز: "ساعتها تعرفي." شعرت منار بغصة شك، فهي ذكية وتفهم تقلباته، فاستدارت وخرجت بصمت. عاد أدهم وبرفقته حازم ليطلبوا رقم المتدربة المبدعة، لكن المفاجأة كانت أن هاتفها مغلق. في تلك اللحظة، رن هاتف صهيب، وبمجرد أن أجاب حتى انتفض من مكانه كمن لُذع بنار: "إيه؟ في المستشفى؟ مالها؟ بتصرخ ليه؟ أنا جاي بسرعة.. خلي بالك منها يا زفت!

والله لو جرالها حاجة هخلص عليكو." التقط مفاتيحه كالبرق، واندفع خارجًا، تاركًا أدهم في ذهول تام: "مين دي اللي ملهوف عليها كده؟ لا فيه إن ربنا يهديك يا صهيب، وتكون وقعت ولا حدش سمّى عليك." نزل صهيب المجنون، يتلبسه حاله من الذعر، وصل إلى المشفى كالإعصار، يصرخ في الممرات بقلب يرتجف رعبًا: "هي فين؟ فيها إيه؟ جرالها إيه؟ حالتها ليه؟ وقف الحارس أمامه يرتعد من الخوف، فهتف صهيب وهو يطبق على عنقه: "انطق.. فين هي؟

تمتم الحارس بتلعثم: "والله يا بيه أنا ماليش دعوة.. هي.. هي اللي هربت." تصلبت الدماء في عروق صهيب، ووقف مشلولًا للحظة: "إيه؟ هربت؟ فلك هربت مني؟ فلك سابتني؟ فلك بتاعتي؟ هز رأسه بعدم تصديق، ثم انفجر في الحارس وجذبه من ملابسه بعنف: "كنت فين يا حيوان لما هي هربت؟ والله أموتك! أنا سايبهالك أمانة تقوم تغفلك يا حلوف؟ منك لله." كال له لكمة قوية، تركه يترنح، وظل يدور حول نفسه المجنون: "البت هربت؟ أجيبها منين؟

تكونش راحت للزبالة مازن؟ والله أروح أموتها.. راجعاله؟ أنا مراتي تطفش مني؟ اندفع نحو سيارته والنار تأكل صدره، يحدث نفسه بمرارة وقهر: "أعمل إيه يا حرقة قلبك يا صهيب؟ قايم ناوي تسود عيشتها، قامت هربت منك؟ أنا على آخر الزمن مراتي تهرب مني؟ ليه؟ مش راجل؟ لا لا ماتهربش! ماينفعش تسيبني. طيب والله لأجيبك لو في بطن الحوت."

غادرت فلك المشفى لاهثة، تسابق الزمن نحو الشركة التي أودعت فيها بذور أحلامها. دخلت والرجاء يملأ قلبها، لكنها لم تجد المدير، فاقتربت من السكرتيرة بصوت يرتجف: "من فضلك.. المدير كان قالي هيكلمك عشان الوظيفة، وحصلي ظروف ومش هقدر آجي بعد أسبوع، وقدامي شهرين." جاءها الرد كصفعة باردة من الفتاة: "وأنت فاكرة إننا هنستناكي شهرين؟ لا طبعًا، وبعدين ناس كتير اتقدمت وخدناهم." اعتصر القهر قلب فلك، وهتفت بيأس:

"بس هو قالي هيكلمك أو تجيلي.. من فضلك لما يجي قوليله إني هاجي بعد شهرين." أشارت إليها الفتاة بلامبالاة قاسية: "بقولك خلاص خدنا ناس.. مع السلامة." خرجت فلك تجر أذيال الخيبة، كأن الأرض ضاقت عليها بما رحبت. جلست على الكورنيش والدموع تسيل بصمت، تراقب انكسار أحلامها على صخور الواقع. ظلت تنتحب بمرارة: "طب إيه كده؟ خلاص أملي الوحيد راح؟ كده ضعت خالص.. انهارت من البكاء.. ظلت فترة لا تعلم ماذا تفعل....

والحلوف اللي في البيت ده أعمل إيه؟ أطفش منه وخلاص؟ ثم تنهدت بقهر وبقلة حيلة: "لا يا فلك تطفشي إيه. هو مش سهل وهيفضل يدور عليكي.. قضي الشهرين الطين لحد ما يطلقك وتخلصي. قضي ومش أيامك ميتة، أنت مت خلاص، ما عادش ليكي حد يدور عليكي، ولا ليكي أمل في حياتك." عادت إلى الفيلا كمن يساق إلى حتفه، فاستقبلها الحارس بذعر: "كنتي فين؟ صهيب بيه سود عيشتنا.. جوا على آخره." نظرت إليه بعينين ذابلتين:

"أنا آسفة.. سامحني إني عرضتك لغضبه. معلش سامحني." دخلت الفيلا بخطى ثقيلة، وصعدت إلى حجرتها، لترتطم به. كان جالسا هناك كبركان يوشك على الانفجار، والنار تتطاير من عينيه. همست بوهن: "أنت جيت؟ رفع حاجبيه بسخرية تقطر سما: "لا ما جيتش لسه." تنهدت بضيق: "أنت هتهزر؟ طيب أخش آخد شاور بقه، أنا تعبت النهاردة.. أما تبقى تيجي عرفني." استدارت لتغادر، فجاء صوته كفحيح الأفعى، حادًا وقاطعًا:

"عارفة.. لو اتحركتي من مكانك يمين الله لأفلقك نصين." ارتجفت أوصالها، واستدارت إليه بقلب مثقل بالهم: "فيه إيه؟ عالمسا هو هم كل يوم؟ انتفض من مكانه كالمارد، واقترب منها وصوته يقطر سماً: "ع المسا... ما أنتِ عارفة إننا مسا، والهانم من الصبح دايرة على حل شعرها، مالهاش راجل يلمها." تنهدت بمرارة وقد بلغت روحها الحلقوم من قسوته، وقالت ببرود اليأسين: "أنت عايز إيه دلوقتي؟ تشتمني؟ اتفضل قول شتايمك مرة واحدة.. عايز تضرب؟

قوم قوم ريح غلك فيا. أنا تعبانة وعايزة أخلص." لكن كلماتها كانت كزيت صُب فوق نار غيظه، فاندفع نحوها كالإعصار، وأحكم قبضته على خصلات شعرها بقسوة جعلتها تطلق صرخة هزت أركان الغرفة. صاح في وجهها وعروقه تكاد تنفجر: "كنتي فين من الصبح؟ هاه؟ كنتي فين؟ انطقي! والله أقتلك! رحتيله صح؟ حبيب القلب اللي معلق معاكي.. رحتيله مش كده؟ طفشانة؟ مش قادرة تبعدي عنه؟ انطقي! رحتيله ليه؟ أنتِ مالكيش راجل؟ والله أطلع روحك."

كان يرجها بعنف وحشي، وهي تغرق في دموعها، فجمعت شتات قوتها، ودفعته عن صدرها وهي تصرخ بجنون: "رحت لمين؟ أنت مجنون! هتف بحرقة تمزق أحشاءه وغيرة أعمت قلبه: "البيه اللي عايزك.. كنتي معاه صح؟ تسمرت مكانها من هول اتهامه، ونظرت إليه بذهول شل لسانها للحظة، قبل أن تهتف بحدة: "مازن.... أنت قصدك إني كنت مع مازن؟ أنا؟ انفجر فيها مجددًا: "أمال كنتي فين من الصبح يا هانم وسايبة بيتك وطفشانة؟

هنا تحول انكسار فلك إلى إعصار من الكرامة الجريحة، فصرخت فيه بصوت مزق هيبة جبروته: "أنت تحترم نفسك بقه! هو إيه؟ أنا عبدة عندك؟ مازن مين اللي أروحله؟ فاكرني شمال ولا واقعة؟ وبيت إيه اللي سيباه؟ هو فين بيتي ده؟ بيت الهم والخيبة. بيت الكره والغل وطفشانة؟ مانا أتهببت جيت أهوه، قولي إيه اللي هيخليني أرجع؟ لو كنت طفشانة يا بو عقل زبالة." تقدم صهيب نحوها بخطوات تحمل نذر الانفجار، ولوى ذراعها خلف ظهرها بقسوة، وهدر في وجهها:

"أمال كنتي فين وهربتي ليه من البيت من غير ما تقولي لجوزك؟ انفجرت صرختها في وجهه كطلقة رصاص ممتزجة بمرارة السنين: "ما فكرتش إني ممكن أكون بتنفس بعيد عنك وعن سجنك. أنت مفكر إنك تقدر تمنعني من الخروج؟

لا يا شاطر.. أنا أخرج وأدخل براحتي. أنا رجعت عشان أكمل السجن معاك شهرين. لأني متأكدة إني لو طفشت هتجيبني تاني. أنا رضيت بقدري الأسود ورضيت بيك زوج. إنما أي تطاول مش هسمح بيه.. أنا حافظة على نفسي واسمك أحسن منك لأني عندي أخلاق ودين مش زبالة زي تفكيرك." اقتربت منه بعينين تشتعلان بتحد جريح، وتابعت: "وإياك تاني تفكر فيا قلة أدب أو سوء أخلاق، فاهم.... وبعدين ماتتمطعش قوي كده.. بيت إيه وزوج إيه؟ أنت عارف أنا وأنت إيه؟

أنا هنا عشان حاجة في دماغك يبقى مشي أمورك وشوف آخر الحبسة اللي أنت عايزها دي إيه.. بس أحب أعرفك مش فلك الجيار اللي أي حد يقف قدامها، إذا كنت أنت جبروت، ربنا يكفيك شر كيد وجبروت الست لما تنقهر وتغل." صرخ بهياج: "انت ليكي عين تعلي صوتك؟ صرخت بهياج: "انت عايز ايه؟ عايز ايه؟ ماتموتني بقه وتخلص؟ انت ايه؟ مابتشبعش؟ اه ليا عين والف عين. أنا لو عايزه أروح كنت رحت ليه؟

بس أنا وآحده متربيه اعرف ربنا. انا رضيت بيك زوج بس عشان ماحسش أن قربك حرام. رضيت مع انه مؤقت وحرام، بس رضيت عشان ربنا يرضا عني وينجدني منك." بدأت دموعها تسيل:

"لو جابولي رجاله الدنيا قدامك هختارك لأنك زوجي. لو مين عمل إيه هحترم إسمك لأنك زوجي. أنا اعرف ربنا. إنت جايز ماتفهمش يعني إيه عهد وميثاق.. ضربت علي قلبها.. أنا مربوطه بيك يابن الشامي لحد ما تفك أسري. أنا مشيت عشان ماموتش روحي وأموت كافرة. خرجت خدت نفس ورجعت ليك تكمل سواد. فوضت أمري لله فيك." استدارت وتركته يغلي. وقف صهيب يضرب أخماسا في أسداس: "طب أعمل فيها إيه؟ أرميها بره؟

جاية تحرق لي دمي.. ما فيش يوم إلا وحرقت لي دمي." انسحبت فلك إلى الداخل، وغسلت تعب يومها تحت رذاذ الماء الدافئ، بينما كان الجوع ينهش أحشاءها، والوحدة تمزق روحها. وحين خرجت، وجدتـه جالسًا في انتظارها كظلها الثقيل. أغمضت عينيها بتعب، واتجهت نحو المرآة، وجلست تمشط شعرها في صمت جنائزي. شعر صهيب بشيء يرتجف في صدره حين رأى الحزن يكسو ملامحها، فقام ووقف خلفها كالطيف. سحب الفرشاة من يدها بهدوء، فهمست بصوت مخنوق:

"والله تعبانة.. ممكن ترحمني شوية؟ ما عدتش قادرة." قطب جبينه، فهذه المرة الأولى التي يرى فيها تلك الفرسة مستسلمة بلا مخالب. نحى يدها، وبدأ يمشط خصلات شعرها بنعومة غير معهودة، وظل يتلمس حريره حتى انحنى برأسه يغمره في عطره. ارتجفت وهمت بالابتعاد، فجاء تحذيره هامسًا: "ماتتحركيش."

استكانت فلك، فقد كسرها فقدان الحلم، قبل أن يكسرها هو. أحس صهيب بهدوئها الغريب، فأدارها إليه، ورفع وجهها ليجد لؤلؤ الدموع يلمع في عينيها. أشاحت بوجهها بعيدًا، فجذبها إلى صدره في عناق غريب يمزج بين القسوة والحنين، وبين رغبة التملك وشفقة القلب. ابتعد أخيرًا وهو يحاول استعادة قناعه القاسي، وهتف: "يلا.. روحي نامي."

وقفت فلك أمام المرآة، لكنها لم تكن ترى وجهها، كانت ترى الفراغ الذي تركه صهيب في روحها. دون وعي منها، ارتجفت يدها وارتفعت لترتعش فوق صدرها. بدأت أصابعها تتلمس بوهن ذلك المكان الخالي، تبحث عن ملمس سلسلتها الضائعة التي كانت يومًا ما تميمة أمانها، قبل أن يمزقها صهيب بجهل وجبروت. تحسست جلدها العاري من تلك الذكرى، وشعرت بوخزة قهر فاقت طاقة احتمالها. كانت وحيدة بشكل مريع، وحيدة لدرجة أنها لم تعد تشعر بانتماء لشيء، حتى لنفسها.

وقف صهيب ينظر إليها، وتذكر ما فعله بالقبو وتلك السلسال. أطبق صمت ثقيل على الغرفة، صمت لا يقطعه إلا صوت أنفاسهما المضطربة. لم تتحرك فلك لتذهب إلى الفراش كما أمرها، بل ظلت واقفة في مكانها منكسة الرأس، كأنها فقدت بوصلة الاتجاهات.

شعر صهيب بوقفتها تلك، وبدلاً من أن يخرج ويغلق خلفه باب القسوة، وجد نفسه يخطو نحوها بخطوات بطيئة، مدفوعًا برغبة مبهمة لا يدرك كنهها. وقف خلفها مباشرة، وشعر بحرارة جسدها ترسل موجات من الضعف إلى قلبه المتيبس. مد يده ببطء وتردد، ووضعها على كتفها الشاحب، فانتفضت فلك برعشة خفيفة، لكنها لم تبتعد. شدها إليه، وقبض عليها. وفجأة مالت برأسها إلى الخلف دون وعي منها، لتستقر فوق صدره العريض.

في تلك اللحظة، غابت كل الأسماء، غاب الجاني والمجني عليها، وذاب السجان والسجينة، ولم يبق إلا جسدان يرتجفان من فرط الوحشة. همست فلك وهي مغمضة العينين، وصوتها يخرج من بئر عميق من التعب: "أنا ماهربتش لحد." لم يرد صهيب بكلمة، فليس لديه شيء، هو نفسه تائه في غابة تملكه وغروره. لكنه بدلاً من الكلام، أحاطها بذراعيه من الخلف، وضمه إليها بقوة، كأنما يحاول إخفاءها داخل ضلوعه عن عيون العالم.. وعن عيون الحقيقة.

استسلمت فلك لهذا القرب الدفين، وأرجعت يدها لتتمسك بذراعيه الملتفتين حولها، وكأنها تتمسك بقشة في بحر هائج. كان قربًا مشوشًا، لا يحمل ملامح الحب، بل يحمل ملامح الانهزام المشترك. ظلوا هكذا لدقائق في حالة من انعدام الوعي، لا يدركان أن هذا القرب سيزرع في أرواحهما بذورًا لن يقدروا على اقتلاعها لاحقًا. تنفس صهيب بعمق، وشعر لأول مرة بشيء آخر، أعمق وأخطر.. شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد. فانسحب للخلف بصمت.

انسحب صهيب بجسده عنها بحركة مباغتة، وكأنه يهرب من لمسة نار. شعرت فلك بالبرودة تغزو ظهرها فجأة، فالتفتت إليه بعيونٍ تائهة، تتوقع منه صرخة إهانة، أو حتى أمرًا بالنوم كما اعتادت. لكنه لم ينطق بكلمة. تحرك صهيب نحو الخزانة بخطى صامتة ومرتجفة، وأخرج غطاء ثقيلاً. اتجه نحو الأريكة الموجودة في ركن الغرفة، وألقى بها هناك، ثم تمدد عليها بملابسه كاملة، واضعًا ذراعه فوق عينيه ليحجب عنها وعن نفسه رؤية أي شيء.

تسمرت فلك في مكانها، كان هذا التصرف أغرب من أي شتيمة. صهيب الشامي الذي كان يفرض وجوده في الفراش كحق تملك، يختار اليوم أن ينام بعيدًا عنها بأمتار، وفي نفس الغرفة. لم يخرج ليتركها، ولم يقترب ليمتلكها، بل اختار المسافة التي تقتلها حيرة. هزها هذا الصمت. دست نفسها في الفراش وهي ترتجف، تراقب طيفه المستلقي في العتمة، وشعرت لأول مرة أن الصمت قد يكون أقسى من الضرب، وأن صهيب الذي ينام بعيدًا وهو معها أخطر بكثير من صهيب الذي يصرخ في وجهها.

مر الوقت في سكون تام. سمعته يقوم، فأغمضت عيونها. اقترب هو من الفراش يتأملها. أحست برهبة عندما مسك الغطاء ودثرها جيدًا. ثم استدار صهيب وغادر الغرفة متجها إلى مكتبه. جلست فلك على الفور تشعر بضياع وتخبط، تفكر في كم التناقض الذي تراه معه، وكيف لمست فيه أشياء لم تختبرها من قبل. ظلت جالسة بحزن، لكن الجوع كان أقوى من رغبتها في النوم.

نزل إلى مكتبه يشعر أنه يريد أن يختلي بروحه. ظل يجلس مغمضًا، يتذكر قربهم، ثم أتت لحظة ضعفها وتلمسها صدره. زفر بضيق، فكان ألمها ظاهرًا. فجأة قام دون أي كلام، واتجه إلى القبو. وما إن فتحه، أحس بنغزة، يتذكر منظرها. دخل ووقف لبرهة، يتلفت حوله يبحث عن شيء ما، إلى أن وجده يلمع في ركن القبو. اتجه إليه ونزل، وما إن لمس السلاسل حتى ارتجفت أوصاله، وصلت رعشة في قلبه. جمع فتاتها وقام يتأملها، وهي تتوسد كفيه، كأنها كنز حقيقي. مرت ذكرى ألمها، فقبض عليها بقوة، ثم استدار وخرج، فقبضة قلبه بدأت تعتصر داخله.

عند فلك.. نهضت بتثاقل، ارتدت روبها، وتسللت في عتمة البيت كطيف هارب، حتى وصلت المطبخ. أعدت لنفسها شرابًا ساخنًا وبعض المخبوزات، وجلست وحيدة شاردة الذهن، ترتسم على شفتيها ابتسامة سخرية مريرة: "كان المفروض أبقى في بيتي وجوزي معايا وسعيدة.. آدي آخرتها معايا؟ حداية بروحين عضاض." انتفضت فجأة حين اخترق صوته سكون المكان بحدة: "على أساس إن كان معاكي راجل أصلاً يا شيخة؟ بقه بلاش قرف." استدارت وهمت بالقيام، لكن يده كانت أسرع،

إذ قبضت عليها: "رايحة في أنهي مصيبة؟ هتفت بغضب مكتوم: "رايحة في مصيبة.. أي مصيبة بعيد عن هنا. أوعى." زجرها بخشونة: "اتررزعي كلي." قالت بنفور: "مش عايزة.. أوعى." أحكم قبضته على يدها وهتف بلهجة تحمل وعيداً: "بت أنتِ.. ماتطلعيش زرابيني. اتررزعي كملي أكلك، مش هلف بيكي عالمستشفيات، مش فاضيلك أنا." رضخت لتهديده، وجلست تأكل بقهر، بينما ظل هو يراقبها بنظرات لم تحِد عنها، مما أثار حنقها، فصاحت: "أنت بتتفرج على إيه؟

هو مولد دي حاجة تحرق الدم؟ رد ببرود استفزازي: "لا مش مولد. مراتي بلاش أتفرج؟ زمت شفتيها بامتعاض: "مراتك.. آه طبعًا." انتفض كبرياؤه وهتف بزهو: "إيه؟ مش مصدقة إنك مرات صهيب الشامي؟ اعترفي إنك في نعمة كبيرة. أنا يا بنتي كنت هاخد بنت وزير.. سفير." دفعت صدره بيديها وقامت صارخة: "قوم.. قوم خد وريحني ده مرار." نظر إليها بذهول كمن يطالع مجنون: "تقريباً الفيوز عندك لسعت ومش عارفة قيمة اللي في إيدك." ضحكت بقهرة تقطر وجعًا:

"في إيدي؟ هو مين اللي في إيدي؟ قال صهيب بزهو مفرط: "مش المفروض جوزك؟ راجل ملو هدومه؟ غني ومركز وسلطة وشكل وهيبة؟ هتعوزي إيه تاني؟ عماد ولا مازن الشحات؟ عند ذكر أحلامها الضائعة، طفرت دمعة حارقة من عينها، تذكرت كيف تهاوت طموحاتها أمام جبروته. أشاحت بوجهها سريعًا كي لا يلمح ضعفها، ونزلت عن الكرسي بهدوء منكسر. وحين أرادت الانصراف، مسكها، فهمست بصوت يرتجف من الخواء والوحدة: "ممكن تسيبني؟ بجد تعبانة...

كانت رعشتها شديدة، وشعورها بالانكسار بلغ مداه، مما جعل صهيب يشعر بوخزة قلق حقيقية لأول مرة، فسألها بنبرة خفتت فيها حدة القسوة: "فيكي إيه؟ متغيرة مالك؟ مش فلك اللي بتناطح.. فيه إيه؟ صمتت برهة، ثم همست والدموع تخنق صوتها: "لا.. فلك اللي بتناطح ما عاش فيها حيل خلاص.. النهاردة فلك باعت الدنيا خلاص وحياتها انتهت."

استدارت لتغادر، لكنه جذبها إليه بقوة، وحاوطها ولصقها باحضانه، فاستسلمت لصدره وانهارت بين يديه، كأنها كانت تنتظر تلك اللمسة لتفرغ حمولة أحزانها. لم تعد قادرة على الصمود، انهارت بشكل افزعه، كانت شهقاتها تعلو وتعلو وهي بين أحضانه، انهارت قوة التحمل عندها. اهتز داخله وارتابه قلق مريع، وشدد عليها أكثر وهي تشهق وتنتفض.

الي هنا فانحنى وحملها برقة مفاجئة، وصعد بها الدرج، وهي متشبثة بقميصه، كغريق وجد طوق نجاة حتى في حضن معذبها. بينما كان يحملها ويصعد بها الدرج، كانت فلك في حالة من اللاوعي التام، غائبة عن كل شيء، إلا من ملمس قميصه الذي تبلل بدموعها. كانت تتشبث به بقوة غريبة، كأنها تخشى أن تسقط في هاوية سحيقة إذا ما أفلتته.

في منتصف الدرج، توقف صهيب فجأة. شعر بجسدها الهزيل يرتجف بين يديه، وأحس بأنفاسها الساخنة اللاهثة تضرب عنقه، فاهتز شيء في أعماق رجولته لم يعهده من قبل. لم تكن هذه المرة فلك القوية التي تقف له بالمرصاد، بل كانت أنثى محطمة، تجردت من كل دروعها، ولم يبقَ لها سواه.. معذبها الذي صار في لحظة غامضة منقذها.

ما هز مشاعرها في تلك اللحظة.. هو أنه بدل أن يكمل طريقه بجمود، أمال رأسه ببطء حتى تلامست جبهته بصدغها، وأغمض عينيه بقوة، ثم شدد من قبضته عليها، وضمها إلى صدره أكثر، كأنما يحاول أن يدمج جسدها بجسده ليحميها من وجع الدنيا.. ومن نفسه.

شعرت فلك بهذا الاحتواء المفاجئ، وبدلاً من أن تبتعد، دفنت وجهها في ثنايا عنقه أكثر، وخرجت منها أنّة مكتومة تشبه نحيب الأطفال الصغار. في تلك الثواني، اختفت الأسوار، ولم يعد هناك صهيب الشامي المتكبر، بل رجل يشعر بوجع امرأة هو من تسبب فيه، وامرأة لم تجد مكانًا تهرب إليه من ظلم العالم إلا صدر من ظلمها.

أكمل صهيب صعوده بخطى هادئة ومثقلة بمشاعر لم يفهمها، وحين وصل إلى الغرفة، وأراحها على الفراش برقة تامة، ظل منحنياً فوقها لثوانٍ، وعيناه معلقتان بعينيها الغارقتين في الدموع، في صمت كان أبلغ من ألف اعتذار وأقوى من أي وعيد. هذه اللحظة غيرت موازين القوى بينهما تمامًا. أراحها على الفراش برفق، وبينما هم بالرحيل والابتعاد، تفاجأ عندما...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...