الفصل 6 | من 18 فصل

رواية سيد القمر الأسود الفصل السادس 6 - بقلم زينب مصطفى

المشاهدات
18
كلمة
3,651
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

التفت عمر ونظر إلى حبيبة التي تقف صامتة وعلى وجهها ابتسامة مرتعشة وهو يشعر بتخبط في مشاعره، فهو حتى هذه اللحظة ينكر مشاعره الخاصة نحوها ويرفض أن ينصاع لها. تابعت عصمت بقسوة: = تقدري تعزمي خطيبك كمان. سحب عمر يد مي من حول عنقه بعنف وهو يقول بإستنكار: = خطيبها؟! ابتسمت عصمت في وجه حبيبة المصدوم: = إيه ده انت متعرفش أن حبيبة مخطوبة؟ دي مخطوبة لواحد شغال عندك.. اسمه على ما أظن… آه.. اسمه شريف. ثم نظرت إلى حبيبة بتحدي:

= مش كده يا حبيبة؟ ثم تابعت وهي تتابع بتشفٍّ وجهها الذي شحب دون أن تستطيع الرد: = أصله اتصل بيكي هنا من شوية وعرف نفسه ليا لما سألته هو مين، وقالي إنه عاوز يكلمك بس للأسف مكنتيش فاضية. شعرت حبيبة بالدوار يستولي على رأسها وبأن الكلمات تاهت منها، وهي تنظر لجدة عمر التي قالت بدهشة: = هو إنتي مخطوبة يا حبيبة؟ حبيبة بتلعثم وعقلها يرفض العمل أو إسعافها بالكلام: = آه.. أقصد.. لأ. صرخ فيها عمر بغضب عنيف:

= هو إيه اللي آه ولالا؟ ما تردي عدل مخطوبة ولا مش مخطوبة؟ ابتعدت مي عنه بخوف. في حين نظرت عصمت هانم لمي بطرف عينيها وكأنها تأكد على كلامها السابق باهتمام عمر بحبيبة. ثم قالت بمرح مصطنع: = خلاص بقى يا عمر متكسفهاش، يمكن مكنتش عاوزة تعرف حد. نظر عمر بغضب لها نظرة أخرستها، ثم توجه إلى حبيبة وسحبها من ذراعها بعنف وهو يجرها ورائه إلى غرفة المكتب وهو يقول بغضب: = تعالي معايا. تابعتهما مي بغضب لتقول بإستنكار:

= هو واخدها ورايح على فين؟ وماله مهتم بخبر خطوبتها أوي كده؟ تراجعت الجدة للخلف براحة في كرسيها الوثير وهي تقول بإبتسامة ماكرة: = عندك حق.. فعلاً عمري ماشفته غضبان أوي كده.. بس يا ترى ليه؟ أغلق عمر باب المكتب من الداخل وهو يواجه بغضب حبيبة التي وقفت تنظر إليه بإرتباك شديد وهو يقول بحدة: = الكلام ده حقيقي؟ انتي فعلاً مخطوبة؟

تراجعت حبيبة قليلاً للخلف وعقلها يعمل في كل اتجاه. هل تعلم عصمت هانم بالأسباب الحقيقية لوجودها هنا وتورطها في حادث إصابة عمر؟ أم أنها لا تعلم؟ ولماذا قام شريف بالاتصال بالقصر وإخبارهم بأنها خطيبته؟ وما الذي سيستفيده من ذلك؟ عمر بغضب: = إيه اتخرستي ليه؟ السؤال صعب أوي كده؟ مخطوبة ولالا؟ انتفضت حبيبة بغضب وهي تتذكر كلمات عصمت المسمومة بموعد خطوبته على مي التي كانت تحتضنه وتقبله: = حضرتك بتكلمني كده ليه؟

مخطوبة ولا مش مخطوبة؟ حضرتك دخلك إيه؟ اقترب عمر منها بتحذير: = انطقي يا حبيبة وبلاش تطلعي جناني عليكي. تراجعت حبيبة للخلف بخوف وهي تحاول إظهار تماسكها: = جرى إيه يا عمر بيه؟ ما أنا قلتلك قبل كده إني.. إني مخطوبة. عمر بقسوة: = كدابة. حبيبة بإرتباك: = تقصد إيه؟ عمر بجدية غاضبة: = إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟

انتي كدابة يا حبيبة.. لو مخطوبة فعلاً إيه اللي خلاكي تكدبي على جدتي وتفهميها إنك قولتي كده علشان كنتي متدايقة من طريقة معاملتي ليكي في أول مقابلة لينا، ولا كنتي بتكدبي عليها؟ ابتلعت حبيبة ريقها وهي تقول بتوتر: = أنا مكدبتش عليها.. أنا.. أنا.. اقترب عمر منها بعصبية وجذبها إليه من ذراعها بعنف وهو يقول بقسوة: = هتفضلي تقولي أنا.. أنا كتير.. انتي إيه؟ انطقي!

رفعت حبيبة عينيها إليه وهي تقول بتحدٍ يغذيه نيران الغيرة التي تشتعل بداخلها بعد سماعها بخبر خطوبته الوشيكة: = أنا مكدبتش على دولت هانم، أنا فعلاً لسه مش مخطوبة. جذبها عمر بقسوة أقرب إليه وهو يقول بغضب: = ولما انتي لسه مش مخطوبة الحيوان اللي اسمه شريف بيقول عليكي خطيبته ليه؟ ارتبكت حبيبة وهي تقول بتوتر وتحاول نزع ذراعها من بين يده بدون فائدة: = هو بيقول كده عشان.. عشان كان.. كان طالبني للجواز ومستني.. ردي عليه.

ترك عمر يدها وتراجع للخلف وهو ينظر إليها بغضب بارد: = وهو اعتبرك موافقة من غير ما يستنى ردك وعلشان كده قال إنك خطيبته! ليتابع بغضب ساخر= ده كده يبقى متأكد من مشاعرك نحيته ومن موافقتك عليه. تراجعت حبيبة للخلف قليلاً وهي تقول بتحدٍ وقد استفزتها طريقته الغريبة في الحديث معها:

= أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلم معايا كده ليه كأنك بتحاسبني.. أنا مش فاهمة انت إيه اللي يهمك في إني أكون مخطوبة أو مش مخطوبة، أظن دي حاجة تخصني لوحدي وملهاش علاقة بالشغل! اقترب عمر منها وهو يقول بغضب: = بقى كده.. بقى دي حاجة تخصك ومليش دعوة بيها؟ طيب أنا.. إلا أن ارتفاع رنين هاتفه قاطعه، فحاول تجاهله وهو يتابع بغضب: = انتي لازم تفهمي أن أي حاجة تخصك تبقى تخصني أنا كمان، مفهوم ولا لاء؟ تراجعت حبيبة للخلف وهي تقول بتوتر:

= تخصك إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة! أقترب عمر منها وهو يقول بتأكيد: = إيه اللي مش مفهوم في كلامي!! أظن كلامي واضح.. أنا…. ولكن قبل أن يكمل ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى ليتنهد بضيق وهو يجيب بغضب: = إحنا مش هنخلص.. في إيه يا كامل؟ خمسين اتصال ورا بعض!! مردتش عليك مرة يبقى أكيد مشغول.. في إيه؟ خلصني! لتضيق عينيه بحدة وهو يستمع إليه وعينيه تتركز على وجه حبيبة بغضب: = اقفل إنت دلوقتي وأنا هشوف الإيميل حالاً.

وقفت حبيبة تراقبه والخوف والتوتر يسيطرون عليها وهي تراه يطالع الإيميل المرسل إليه على هاتفه بهدوء قاتل، إلا أن توترها تصاعد إلى قمته وهي تراه يغلق عينيه بألم ويده تضغط على الهاتف تكاد أن تحطمه. فـ اقتربت منه بتوتر ووضعت يدها على ذراعه وهي تقول بتردد: = عمر بيه.. في حاجة.. انت كويس؟ إلا أنها تفاجئت بيده تدفع يدها بقسوة وغضب وهو يقول بإحتقار: = إبعدي إيدك.. إيه انتي اتجننتي؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟

تراجعت حبيبة بخوف وإرتباك إلى الخلف وهي تقول بصدمة: = أنا مقصدش.. أنا.. أناا... أشار لها عمر بالصمت وهو يتأملها بغضب تحول لبرود غريب وهو يجلس ببرود على إحدى المقاعد ويضع ساق فوق الأخرى وهو يقول بتكبر وقسوة: = اسمعيني كويس وإفهمي أنا هقولك إيه.. طريقة كلامك وتلميحاتك مش عجباني.. انتي الظاهر معاملتي الكويسة معاكي خلتك تنسي نفسك وتنسي انتي بتتكلمي مع مين! ثم تابع وهو يتأملها ببرود وقسوة:

= انتي هنا مجرد واحدة شغالة زيك زي كل اللي بيشتغلوا هنا زي الطباخة والسفرجي والجنايني، وكلامي معاكي دلوقتي ومحاسبتي ليكي مش عشان أنا مهتم بيكي زي ما بتقولي.. لأ.. دا عشان انتي كدبتي ومش مرة واحدة لأ مرتين؛ مرة عليا لما قولتي إنك عاوزة تسيبي الشغل علشان مخطوبة، ومرة على جدتي لما قولتي إنك مش مخطوبة وخبيتي عليها موضوع خطوبتك من شريف.. وده مش مسموح عندي. ثم تابع بقسوة أكبر:

= أي حد بيشتغل عندي لو كدب عليا أي كدبة حتى لو كدبة مالهاش دخل بشغله ومتضرنيش في حاجة أو مالهاش دخل بيا زي ما انتي بتقولي بيتطرد برة وفوراً، ومن غير نقاش، بس قبل ما يتطرد بيتحاسب.. وبشدة على كدبته. أنا مبعترفش باللون الرمادي يا إما أبيض أو أسود وده مبدئي في حياتي، بطبقه من غير تفكير أو رحمة.. عندي اللي يكدب مرة حتى لو في شئ تافهة ممكن يكدب ألف مرة وده بنفيه وبطرده برة دنيتي من غير تفكير. ثم تابع بقسوة كالثلج

أذابت عظامها من شدة الخوف: = بس برضه بعد ما يتحاسب ومش حساب عادي لأ دا بيتحاسب حساب شديد كمان. ثم تأملها من فوق إلى أسفل بطريقة مهينة وهو يتابع بإستهزاء: = فبلاش خيالك يصورلك أوهام انتي مش قدها وإعرفي حجمك كويس وإعرفي إنتي بتتكلمي مع مين!! رفعت حبيبة رأسها بتحدٍ وقد لمعت عينيها بالدموع المحبوسة من أثر كلماته المهينة لتقول بكبرياء:

= أولاً أحب أطمن حضرتك أنا عارفة حجمي كويس و معنديش أي أوهام أو خيالات تخص أي حد، وعارفة إني أنا بشتغل عند حضرتك زي كل الشغالين اللي في الفيلا ومش محتاجة حد يفكرني بده. ثانياً أنا مكدبتش لا عليك ولا على دولت هانم، أنا فعلاً لسه متخطبتش وكنت لسه بفكر.. لتتابع بإرتجاف:

= بس أنا فعلاً أخدت القرار وهتخطب لإبن عمي، فـ ياريت توافق على الاستقالة اللي كنت قدمتها قبل كده علشان زي ما قلت لحضرتك قبل كده خطيبي مش موافق على شغلي هنا. إشتعلت عيون عمر بالغضب ولكنه تلاشى سريعاً وحلت مكانه نظرة غير مفهومة وهو يقف يتأملها ببرود: = وأنا سبق وقلتلك قبل كده إن طلبك مرفوض.. انتي مضيتي على عقد شغل وهتحترميه. ثم تابع بسخرية باردة:

= بس لو خطيبك عايزك فعلاً تسيبي الشغل يبقى يطلب ده مني أنا شخصياً.. وساعتها هـافكر و ممكن جداً أوافق. ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر وهي تفكر برد فعل شريف إن علم بمحاولتها مغادرة الفيلا. = بس هو.. هو.. يعني ممكن يتحرج علشان.. علشان بيشتغل عند حضرتك في الشركة و ممكن يخاف إنك تزعل منه. ابتسم عمر بقسوة وهو يتأمل ارتباكها الواضح بسخرية: = انتي بتقولي إيه!! أنا أزعل من شريف!

.. أنتي متعرفيش شريف غالي عندي قد إيه، دا أنا محضرله مكافأة كبيرة على المجهود الخرافي اللي بيبذله في الشغل عندي. ثم تابع بسخرية وهو يشاهد نظرة عدم التصديق في عينيها: = دا أنا كمان بجهزه علشان يبقى دراعي اليمين في الشغل وعموماً أنا مقدر حبه وغيرته عليكي وعشان كده بقولك لو عايزة تمشي من هنا أنا مش ممانع بس خطيبك هو اللي يطلب مني ده. حبيبة بإرتباك: = بس……. عمر بحدة: = مفيش بس ودا آخر كلام عندي في الموضوع ده.

ثم أشار لباب الغرفة: = اتفضلي على شغلك وأجهزي علشان هنروح بجدتي للمستشفى. نظرت حبيبة إليه بإرتباك والخوف يسيطر عليها وهي تخرج من الغرفة وتتوجه إلى غرفتها للاستعداد للذهاب بصحبته إلى المشفى. لتدخل سريعاً إلى غرفتها وتبدأ بارتداء ملابسها وهي تشعر بالارتباك والخوف يسيطرون عليها، فكلماته وطريقة حديثه معها تشعرها بعدم الاطمئنان، فهي متأكدة من أنه لا يثق أبداً في شريف.

فكيف تصدق أنه يعد شريف ليصبح ذراعه اليمين بالشركة وهو قد قام من أقل من شهرين بطرده خارج الشركة بعد أن اكتشف اختلاسه من أموال الشركة. تنهدت حبيبة وهي تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة بخوف: = إزاي عارف إنه سرقُه و إنه كان بيخرج وبيسهر مع مي خطيبته وضربه وطَرده برة الشركة، وإزاي دلوقتي بيقول عليه إنه غالي عنده وعاوز يخليه دراعه اليمين في الشركة، الكلام ده ميطمنش واستحالة حد يصدقه.

ثم اتجهت إلى فراشها وجلست على طرفه وعقلها يعمل بكل اتجاه. = وليه مصمم إن شريف هو اللي يطلب إني أسيب الشغل.. يكون عارف إن شريف هو اللي باعتني أشتغل عنده هنا في الفيلا ولا بيقول كده علشان فاكرني بكدب عليه وبتحجج بشريف وإنه مطلبش مني أسيب الشغل ولا حاجة. ثم تنهدت بألم ودموعها تسيل بالرغم عنها: = أنا إيه اللي دخلني في كل ده؟ أنا مش قد أي حد فيهم، لا أنا قد شريف ولا قد عمر.. أعمل إيه يارب!

ثم انتفضت واقفة وركضت باتجاه خزانة ثيابها وأخرجت حقيبة يدها ووضعت بها بطاقتها الشخصية ودفتر التوفير الخاص بها، والذي يحمل القليل من المال وسلسال رفيع من الذهب يعود إلى والدتها الراحلة. ثم تنهدت وهي ترتدي ثيابها وقد عقدت العزم على المغادرة اليوم وترك الفيلا قبل أن تتعقد الأمور أكثر من ذلك لتسيل دموعها وتغرق وجنتيها وهي تقول بخوف:

= أنا همشي وهسيب القرف ده كله، أنا أعصابي خلاص تعبت ومبقتش متحملة كل حاجة حواليا متلخبطة، حتى مشاعري مبقتش فاهماها.. إزاي بخاف منه وبحس بأمان الدنيا كلها وهو جنبي.. إزاي بحب وجوده حواليا وعنيا مبتقدرش تفارقه وأنا في نفس الوقت بخاف من وجوده وببقى عاوزاه يختفي من قدامي ويختفي من حياتي كلها.. إزاي بعشق تفاصيله كلها "ضحكته، حنانه، قسوته وحتى غضبه" وأنا عارفة إنه استحالة يفكر فيا.. فوقي يا حبيبة انتي فين وهو فين، دا كلها كام يوم ويعلن خطوبته على واحدة من مستواه مش واحدة زيك تربية ملاجئ زي ما بيقولوا عليكي.

ثم حاولت مسح دموعها التي تسيل بالرغم عنها: = هتستني إيه تاني؟ دا قالهالك في وشك إنك حتة شغالة عنده وحذرك إنك تعيشي نفسك في الأوهام، وده كله وهو ميعرفش إن ليكي يد في المصيبة اللي حصلتله، أومال لو عرف هيعمل فيكي إيه! لتمسح دموعها بإصرار وقد ارتدت معطفها فوق فستانها المحتشم الطويل وتناولت حقيبتها وقد عقدت العزم على المغادرة اليوم. لتقول بإصرار:

= دي أحسن فرصة أقدر أمشي فيها من غير ما حد ياخد باله، طول ما أنا هنا مش هقدر أخرج من غير ما هو يعرف. هنتهز فرصة خروجي معاه و إنه هيكون مشغول بجدته وبالاطمئنان عليها وساعتها ههرب وعلى أما يكتشف إني مش موجودة، هكون اختفيت وسافرت أي مكان بعيد عنه وعن الزفت اللي اسمه شريف. ثم مسحت دموعها جيداً وتوجهت إلى الخارج وهي ترتب خطة هروبها في عقلها وقلبها يرجف من شدة الخوف. بعد قليل..

جلست حبيبة في المقعد الخلفي من السيارة، وبجانبها جلست دولت هانم وعمر الذي تأملها قليلاً. ثم قال بهدوء: = انتي لابسة البالطو التقيل ده ليه في الجو الحر ده! ارتبكت حبيبة وهي تنظر إلى معطفها الشتوي الذي اشترته في موسم التخفيضات وقد عز عليها أن تتركه مع ملابسها الأخرى التي تركتها خلفها في القصر وهي تدرك أنها لن تستطيع شراء معطف آخر مثله، فقررت ارتدائه فوق ملابسها لتقول بصوت خفيض وهي تتفادى النظر إليه:

= أصلي حاسة إني بردانة، الظاهر داخلة على دور برد. تأملها عمر قليلاً وهي تخفض رأسها للأسفل وتتفادى النظر إليه ثم قال بتهكم: = برد.. عموماً إحنا رايحين المستشفى وهناك هخليهم يكشفوا عليكي ويكتبولك علاج. انتفضت حبيبة وقالت بتسرع خوفاً من ضياع فرصة هروبها: = لاااا.. أنا كويسة، دول شوية برد ومش مستاهلة إني أكشف. ربتت دولت هانم على يد حبيبة بحنان: = ليه يا حبيبتي؟ إحنا كده أو كده هنكون في المستشفى فخلينا نطمن عليكي.

ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر وهي ترفض النظر إليهم: = أنا الحمد لله كويسة، أخدت حباية وحاسة إني بقيت أحسن. دولت هانم وهي تتأمل وجه حبيبة الشاحب: = بس انتي شكلك لسه تعبانة، تحبي نرجعك الفيلا ترتاحي. حبيبة بلهفة خوفاً من ضياع فرصة الهرب منها: = لا انا هاجي معاكم، أنا حقيقي بقيت أحسن. عمر مقاطعاً لها ببرود:

= خلاص كفاية كلام في الموضوع ده، إحنا في الأصل مش رايحين عشانك، إحنا رايحين نطمن على جدتي ومش هنقضي الطريق نتكلم في مواضيع تافهة وملهاش لازمة. نظرت له حبيبة بغيظ ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى بغضب تمنع دموعها من النزول بصعوبة وهي تتظاهر بالنظر من نافذة السيارة، في حين نظرت دولت هانم لحفيدها بإستغراب وهي تشعر بموجات الغضب التي تحيط بهم لتهمس له بصوت خفيض: = بالراحة يا عمر، في إيه مش كده؟ هي مقالتش حاجة لكل ده.

تراجع عمر للخلف وأغمض عينيه بتعب وهو يتجاهل النظر إليها أو الرد على حديث جدته له، فهو يشعر بنار تشتعل بداخله لا يستطيع إخمادها بعد سماعه منها عن خبر خطوبتها الوشيكة. يشعر إنه على وشك أن يجن من قوة مشاعره نحوها، مشاعر لم يختبرها أبداً سيطرت عليه بسرعة وقوة وجعلته يفقد السيطرة على أفعاله وتصرفاته.. تصرفات لا تليق به أبداً، أو بمكانته، ولكن لابد أن ينهي كل ذلك مرة وللأبد، فهو يدرك أكثر من أي شخص آخر إنها لا تناسبه ولا

تناسب مركزه أو مكانته، ولا يجوز أن يفكر بها أو أن تسكن أفكاره وتسيطر على مشاعره التي تشتعل بمجرد النظر إليها.. إنه حقاً لا يستوعب ما يحدث له، فقد جعلته من مرات معدودة رآها بها يشتاق ويعشق كالمراهقين. يشعر بالسعادة والراحة لمجرد وجودها في محيط تواجده. ما الذي يحدث له؟

هل جن؟ كيف ينجذب رجل بمكانته لفتاة مثلها؟ فتاة حولها أكثر من علامة استفهام وتعمل كمجرد مرافقة لجدته، بينها وبين عالمه ملايين الأميال، ولكن أكثر ما يثير جنونه أنه يدرك جيداً انه ليس مجرد انجذاب بل عشق.. عشق تغلغل بداخله وسيطر على جميع حواسه، عشق يشعره بالحيرة والضعف وهو ما يرفضه نهائياً ولذلك فقد اتخذ قراره...

سيسحق مشاعره ويسحق أي شعور قد يساوره تجاهها، فهو عمر الرشيدي الرجل الذي يدب الرعب في قلوب أعتى الرجال بمجرد تواجده في المكان والذي يسيطر على أسواق المال يرفعها ويخفضها بمجرد قرار صغير منه، ولن يسمح بأن يصبح أُلعوبة في يد امرأة مهما كلفه الأمر. إنتبه عمر على لمسة رقيقة من يد جدته وهي تقول بصوت خفيض: = عمر.. إحنا خلاص وصلنا المستشفى. فتح عمر عينيه ثم ابتسم في وجه جدته برقة وهو يتفادى النظر إلى حبيبة:

= طيب يلا ياست الكل علشان نطمن عليكي. ثم ترجل من السيارة وهو يساعد جدته على النهوض والصعود على الدرج المؤدي إلى داخل المشفى وهو يتجاهل حبيبة التي وقفت في الخلف تراقبهم بألم وهي تدرك أنها قد تكون المرة الأخيرة التي قد تراهم فيها. ثم همست لنفسها بتشجيع:

= يلا يا حبيبة امشي قبل ما يحس إنك مش موجودة معاهم؛ فتراجعت للخلف بهدوء في محاولة منها للهرب دون أن يشعر بها أحد وهي تراقب عمر وجدته بتوتر حتى اختفوا بداخل الباب المؤدي إلى المشفى وهي ما تزال تقف على بداية الدرج، لتتراجع سريعاً وهي تكاد تجري في محاولة منها للاختفاء سريعاً. إلا أن السائق الخاص بعمر استوقفها وهو يقول بدهشة: = هو انتي رايحة فين؟ مش هتدخلي معاهم؟ حبيبة وهي تنظر لباب المشفى بتوتر:

= أنا هروح أشتري حاجة ليا وهرجع قبل ما يخلصوا. فحاول السائق الحديث إلا أنها تجاهلته وهي تركض إلى الجانب الآخر من الطريق في محاولة منها لإيقاف أي سيارة تقلّها إلى محطة القطار، وهي تقول بصوت مرتفع ومتوتر: = عمر بيه عارف، أنا واخدة إذن منه متقلقش. ثم حاولت بتوتر إيقاف عدة سيارات أجرة حتى استجابت لها إحداهن وجلست بداخلها وهي تقول بتوتر: = محطة القطر بسرعة يا اسطى لو سمحت.

أشار لها السائق بالإيجاب وانطلق بالسيارة وهي تنظر إلى الخلف بخوف حتى تأكدت من ابتعادهم عن المشفى؛ فتنهدت براحة وهي تضم حقيبتها إلى صدرها بتوتر وتمسح دموعها التي تسيل بالرغم عنها وهي تتخيل أنها لن تراه أبداً بعد اليوم. لتهمس لنفسها بألم ودموعها تسيل بالرغم عنها: = حتى لو كنت مش هشوفه تاني لازم أحذره من التعابين اللي حواليه وأحكيله على كل حاجة.. لا يمكن أسيبه عايش مغشوش فيهم. ثم تابعت بإرتجاف:

= هقوله.. هقوله على كل حاجة.. بس أوصل لمكان بعيد محدش يقدر يوصلي فيه. إلا أنها استفاقت من خيالاتها على صوت مكابح السيارة التي تحملها تتوقف فجأة بعد اعتراض سيارة أخرى لها أجبرتها على التوقف وسط صراخ السائق وسبابه....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...